شرح حلية طالب العلممقدمة المؤلف

الحمد لله، وبعد:

فأقيد معالم هذه الحلية المباركة عام ١٤٠٨ هـ، والمسلمون - ولله الحمد - ١


الأمر الأول: السبب الذي دعاه لتأليف هذا الكتاب، وهو أنه رأى نهضة علمية مباركة من شباب الأمة نحو تعلم العلوم الشرعية النافعة في الدنيا والآخرة، ولذلك خشي أن يكون هذا التعلم غير منضبط بالضوابط الشرعية فيودي إلى مفاسد عديدة، ويؤدي إلى تضييع أوقات الشباب بما لا ينفعهم، ويقول: بأنه قد بذل خطوة في هذا في رسالة "التعالم"، من أجل بيان من اندس في طلب العلم، وهو ليس من العلماء ليحذر منه، ومن أجل ألا يطلب العلم على يديه.
ثم بعد ذلك بين أن هذه الشريعة مبنية على الأخلاق الفاضلة، وأن أهل الإسلام يتمسكون بالخلق الطيب، ومن أولى من يتمسك بالخلق الطيب هم علماء الشريعة وطلبة العلم، ولذلك ألف هذه الرسالة في بيان آداب الشرع، من أجل أن يتمسك بها المتعلمون.

الأمر الثاني: أن من سنة العلماء التي توارثوها، ورثها الصغير عن الكبير، أنهم يتعلمون آداب طلب العلم قبل بدئهم في تعلم العلوم، فلا بد أن نسير على هذ الطريقة؛ لأن هذه الأمة المحمدية لا تجتمع على ضلالة، ولذلك أوصى بوصية التزام دراسة آداب طلب العلم قبل دراسة ذات العلم، سواء كان في المساجد أو في دور التعلم.

الأمر الثالث: وهو أنه من فاتته هذه الآداب فاته خير كثير، وفاته علم، بسبب عدم تأدبه بآداب التعلم.

ثم ذكر أن هذا الكتاب لم يعن باستيفاء الآداب، وإنما ذكر أمثلة ونماذج من أجل أن تفهم بقية المسائل بواسطة هذه الآداب التي ذكرها المؤلف في هذا الكتاب.

نمر على بعض الألفاظ الموجودة في الكتاب؛ لعلنا إن شاء الله نفسر شيئا من هذه الألفاظ:

يعايشون يقظة علمية ١ تتهلل لها سبحات الوجوه ٢، ولا تزال تنشط متقدمة إلى الترقي والنضوج ٣ في أفئدة شباب الأمة، مجدها ودمها المجدد لحياتها ٤، إذ نرى الكتائب الشبابية تترا يتقلبون في أعطاف العلم ٥ مثقلين بحمله يعلون منه وينهلون ٦، فلديهم من الطموح ٧ والجامعية ٨، والاطلاع المدهش ٩، والغوص على مكنونات المسائل ١٠،


ما يفرح به المسلمون نصرا، فسبحان الله من يحيى ويميت قلوبا ١.

لكن، لا بد لهذه النواة المباركة من السقي ٢ والتعهد في مساراتها كافة ٣، نشرا للضمانات ٤ التي تكف عنها العثار والتعصب ٥ في مثاني الطلب، والعمل من تموجات فكرية، وعقدية، وسلوكية، وطائفية، وحزبية ٦.


  • "والتعثر": يعني السقوط الشديد الذي لا يتمكن الإنسان من التجاوز لمكان السقوط مرة أخرى.

وقد جعلت طوع أيديهم رسالة في "التعالم" ١ تكشف المندسين بينهم، خشية أن يردوهم ٢، ويضيعوا عليهم أمرهم ٣،


ويبعثروا مسيرتهم في الطلب ١، فيستلوهم وهم لا يشعرون ٢.

واليوم أخوك ٣ يشد عضدك، ويأخذ بيدك، فأجعل طوع بنانك رسالة تحمل "الصفة الكاشفة" ٤ لحليتك ٥، فها أنا ذا أجعل سن القلم على القرطاس ٦، قاتل ما أرقم لك ٧ أنعم الله بك عينا ٨:


الصفة الكاشفة: أي الكيفية التي تتضح بها حال الشيء الموصوف، وهذا الوجه من الصفة هو الذي يراد به تمييز الموصوف الذي لا يعلم، ليميز من سائر الأجناس بما يكشفه.
انظر حرف الصاد من "الكليات" ٣/ ٩٢.

لقد تواردت موجبات الشرع على أن للتحلي بمحاسن الأدب، ومكارم الأخلاق، والهدي الحسن، والسمت الصالح: سمة أهل الإسلام ١، وأن العلم - وهو أثمن درة في تاج الشرع المطهر ٢ - لا يصل إليه إلا المتحلي بآدابه ٣، المتخلي عن آفاته ٤، ولهذا عناها العلماء ٥ بالبحث والتنبيه، وأفردوها بالتأليف، إما على وجه العموم لكافة العلوم، أو على وجه الخصوص، كآداب حملة القرآن الكريم، وآداب المحدث، وآداب المفتي، وآداب القاضي، وآداب المحتسب، وهكذا..

والشأن هنا في الآداب العامة لمن يسلك طريق التعلم الشرعي ٦.

وقد كان العلماء السابقون يلقنون الطلاب في حلق العلم آداب الطلب، وأدركت خبر آخر العقد في ذلك الوقت في بعض حلقات العلم في المسجد النبوي الشريف؛ إذ كان بعض المدرسين فيه يدرس طلابه كتاب الزرنوجي (م سنة ٥٩٣ هـ) رحمه الله تعالى، المسمى: "تعليم المتعلم طريق التعلم".

فعسى أن يصل أهل العلم هذا الحبل الوثيق الهادي لأقوم طريق، فيدرج تدريس هذه المادة في فواتح دروس المساجد، وفي مواد الدراسة النظامية،


وأرجو أن يكون هذا التقييد فاتحة خير في التنبيه على إحياء هذه المادة التي تهذب الطالب، وتسلك به الجادة في آداب الطلب وحمل العلم، وأدبه نفسه، ومع مدرسه، ودرسه، وزميله، وكتابه، وثمرة علمه، وهكذا في مراحل حياته.

فإليك حلية ١ تحوي مجموعة آداب، نواقضها ٢ مجموعة آفات ٣، فإذا فات أدب منها اقترف المفرط آفة من آفاته، فمقل ومستكثر ٤، وكما أن هذه الآداب درجات صاعدة إلى السنة فالوجوب، فنواقضها دركات هابطة إلى الكراهة فالتحريم.

ومنها ما يشمل عموم الخلق من كل مكلف، ومنها ما يختص به طالب العلم، ومنها ما يدرك بضرورة الشرع، ومنها ما يعرف بالطبع، ويدل عليه عموم الشرع من الحمل على محاسن الآداب، ومكارم الأخلاق، ولم أعن


الاستيفاء لكن سياقتها تجري على سبيل ضرب المثال، قاصدا الدلالة على المهمات، فإذا وافقت نفسا صالحة لها ١، تناولت هذا القليل فكثرته، وهذا المجمل ففصلته، ومن أخذ بها، انتفع ونفع، وهي بدورها مأخوذة من أدب من بارك الله في علمهم، وصاروا أئمة يهتدى بهم، جمعنا الله بهم في جنته، آمين.


من أخذ بهذه الآداب انتفع في نفسه ونفع غيره، وهذه الآداب مأخوذة من الكتاب والسنة، ومأخوذة من سير سلفنا الصالح الذين قال الله فيهم: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ [التوبة: ١٠٠]، فأثنى على تابعيهم؛ لكونهم اتبعوا سلفنا الصالح، وقال سبحانه: ﴿واتبع سبيل من أناب﴾ [لقمان: ١٥].

جارٍ التحميل