شرح حلية طالب العلم(٣٣) الصدق

١:

صدق اللهجة: عنوان الوقار، وشرف النفس ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق، وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة، ولهذا كان فرض عين، فيا خيبة من فرط فيه! ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى.


[١] أخرجه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٢٩). [٢] أخرجه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧)، والترمذي (١٩٧١)، وأبو داود (٤٩٨٩). [٣] أخرجه الترمذي (٢٥١٨).

قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: "تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم" [١]، وقال وكيع رحمه الله تعالى: "هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا صادق" ١ [٢].

فتعلم - رحمك الله - الصدق قبل أن تتعلم العلم والصدق: إلقاء الكلام على وجه مطابق للواقع والاعتقاد، فالصدق من طريق واحد، أما نقيضه الكذب فضروب وألوان ومسالك وأودية، يجمعها ثلاثة ٢:


وثانيها: أن الصدق سبب لتوقير الخلق للإنسان، وقبولهم ما جاء به.

وثالثها: أن الصدق يحصل به الشرف وطمأنينة النفس ونقاء السريرة، وسمو الهمة، والصدق يحصل به رجحان، العقل، ويحصل به محبة الخلق، ويحصل به صيانة الديانة.

[١] الجامع للخطيب ١/ ٣٠٣ (٦٥٥). [٢] الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع للخطيب ٢/ ٦ (١٠٠٩).

١ - كذب المتملق: وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقا أو مبتدعا فيصفه بالاستقامة ١.

٢ - وكذب المنافق: وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع، كالمنافق ينطق بما يقوله أهل السنة والهداية ٢.

٣ - وكذب الغبي: بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد، كمن يعتقد صلاح صوفي مبتدع فيصفه بالولاية، فالزم الجادة (الصدق) ٣


فلا تضغط على عكد اللسان ١، ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقا إلا على حروف تعبر عن إحساسك الصادق في الباطن، كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر ٢، كالذي تدركه الحواس الخمس السمع والبصر، والشم والذوق واللمس.

فالصادق لا يقول: "أحببتك" وهو مبغض ٣، ولا يقول: "سمعت" هو لم يسمع، وهكذا.
واحذر أن تحوم حولك الظنون فتخونك العزيمة في صدق اللهجة، فتسجل في قائمة الكذابين ٤.


أولا: استحضار أن الله أمرك بذلك.

ثانيا: بمعرفة رذيلة الكذب، وفضيلة الصدق.

ثالثا: بالنظر في أحوال أهل الصدق والكذبة، فأهل الصدق نصرهم الله وأيدهم، وأهل الكذب خذلهم الله.

وطريق الضمانة لهذا - إذا نازعتك نفسك بكلام غير صادق فيه -: أن تقهرها بذكر منزلة الصدق وشرفه، ورذيلة الكذب ودركه، وأن الكاذب عن قريب ينكشف.

واستعن بالله ولا تعجزن، ولا تفتح لنفس سابلة المعاريض في غير ما حصره الشرع.

فيا طالب العلم! احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض فالكذب، وأسوأ مرامي هذه المروق (الكذب في العلم) لداء منافسة الأقران، وطيران السمعة في الآفاق ١.


أحدهما: معنى يفهمه غيره، لكنه غير واقع، وتريد غيرك يصدقك.

والثاني: خفي موافق لما في الخارج لا تريد من غيرك فهمه.

جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (في المعاريض مندوحة عن الكذب) [١]، نمثل للمعارض لما سألته هذا أخوك؟ - وهو ليس ابن أبيه ولا أمه - قال: نعم، وأراد أخوة الإسلام، فالظاهر أني لما سألت: هل هذا أخوك؟ أريد الأخوة من النسب، فلما قال: نعم، حينئذ أوهمني بأن المراد الأخوة النسبية، وكان مراده الأخوة الإيمانية.

ما حكم المعاريض؟ المعاريض على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: إذا كان سيتوصل بها إلى إبطال الحقوق وأكل أموال الناس فهي حرام، قال: أشهد بالله أن ما له عند زيد شيء، هذه العبارة تنفي وجود الحق، لكن لما عدنا إليه سألناه قال: أنا أقصد (ما) الموصولة، فقولي: (ما له) يعني الذي له على زيد شيء، هذا من المعاريض، وتوصلنا به إلى إبطال حق، فيكون محرما، كذلك المعاريض في الأيمان لا تجوز =

[١] أخرجه ابن السني مرفوعا في عمل اليوم والليلة (٣٢٧).

ومن تطلع إلى سمعة فوق منزلته فليعلم أن في المرصاد رجالا يحملون بصائر نافذة، وأقلاما، ناقدة فيزنون السمعة بالأثر، فتتم تعريتك عن ثلاث معان:

الأول: فقد الثقة من القلوب.

الثاني: ذهاب علمك وانحسار القبول.

الثالث: أن لا تصدق ولو صدقت ١.

وبالجملة فمن يحترف زخرف القول، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى.
والله أعلم.


النوع الثاني: المعاريض التي يتوصل بها إلى إحقاق حق، أو إصلاح بين اثنين، أو إبطال خصومة، هذه مشروعة، ويؤجر الإنسان عليها إن شاء الله.

النوع الثالث: معاريض للتخلص من إحراج الآخرين بدون أن تؤثر على حقوقهم، فهي جائزة لكنها ليست من طبائع أهل العلم.

بعض الناس يكذب في المسائل العلمية ليكون له مكانة ومنزلة، فيقول: أنا وجدت الكتاب الفلاني، وهو ما قرأه ولا اطلع عليه فهذا كذب! لا يبارك له في كلامه.

أولها: عدم الثقة في الكاذب، إذا كذب أول مرة، فاحتمال أن يكذب مرة ثانية.

ثانيها: ذهاب بركة علمه، بل قد يؤدي إلى زوال العلم بالكلية.

والثالث: عدم قبول الناس وعدم تصديق الناس لكلامه فالساحر يظهر للناس أمورا مخالفة للحق والواقع، حينئذ كان فيه شبه من الكاذب، ولذلك قارن المؤلف بينهما.

[١] أخرجه مسلم (١٦٥٣)، وأحمد (٧١١٩)، وأبو داود (٣٢٥٥)، وابن ماجه (٢١٢١).

جارٍ التحميل