شرح حلية طالب العلم(١٨) رعاية حرمة الشيخ

١:

بما أن العلم لا يؤخذ ابتداء من الكتب، بل لا بد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب؛ لتأمن من العثار والزلل، فعليك إذن بالتحلي برعاية حرمته، فإن ذلك عنوان النجاح والفلاح والتحصيل والتوفيق، فليكن شيخك محل إجلال منك ٢ وإكرام وتقدير وتلطف ٣، فخذ بمجامع


الآداب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه ومع الكتاب، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير، أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنبا الإكثار من السؤال، ولا سيما مع شهود الملأ، فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل ١.


فقوله: "عدم التقدم عليه" يشمل أيضا عدم معارضته والرد عليه، أو الإلحاح عليه في جواب، وإذا سأل شيخه فسكت فإنه يحفظ الأدب معه فلا يسأل مرة أخرى، ويتجنب الإكثار من السؤال، لعله أن يأتي في كلام شيخه ما يجيب عن سؤاله، خصوصا إذا كان هناك جماعة يشاهدون الموقف، فإنه حينئذ يكون حفظ الأدب مع الشيخ أولى.

وإذا لم يحافظ الإنسان على هذه الآداب؛ بحيث كان الطالب يتقدم على شيخه في الجواب، فإنه سيجعل الطالب يعتقد أنه أفضل من شيخه، وأنه عنده علم ليس عند شيخه، فيورثه ذلك الغرور، ويورث شيخه الملل منه، وهكذا ينادي الطالب شيخه بما يكون أحب إلى نفسه من الأسماء التي فيها إجلال له، ومعرفة لحقه.

ولا تناده باسمه مجردا، أو مع لقبه كقولك: يا شيخ فلان! بل قل: يا شيخي! أو يا شيخنا! فلا تسمه، فإنه أرفع في الأدب، ولا تخاطبه بتاء الخطاب، أو تناديه من بعد من غير اضطرار ١.

وانظر ما ذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلم الناس الخير صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ [النور: ٦٣].

وكما لا يليق أن تقول لوالدك ذي الأبوة الطينية: (يا فلان) أو (يا والدي فلان)، فلا يجمل بك مع شيخك.

والتزم توقير المجلس، وإظهار السرور من الدرس والإفادة به ٢.


وهكذا أيضا إذا خاطبه الإنسان عن بعد فإنه سيتطلب منه أن يرفع صوته بالجواب، وهذا من الأمور غير المستحسنة عند العرب.

هكذا أيضا لا تناده باسمه، كما أنه لا يحسن أن تنادي والدك باسمه، فهكذا الأب من التعلم.

وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالما؟ ١ واحذر أن تمارس معه ما يضجره، ومنه ما يسميه المولدون: (حرب الأعصاب)، بمعنى: امتحان الشيخ على القدرة العلمية والتحمل ٢.


وهكذا أيضا يجتنب طالب العلم ما يؤدي إلى نفرة الشيخ منه، أو عدم تقبله الكلام منه، ولهذا صور:

الصورة الأولى: مطالبة الشيخ بأن يتحدث في مسائل لم يجتهد فيها، والإلحاح عليه في ذلك.

الصورة الثانية: تكرار السؤال على الشيخ ليتحدث في أمور يرى الشيخ عدم الجواب فيها، من باب السياسة الشرعية.

الصورة الثالثة: إذا كان الشيخ يخشى من مآلات كلامه وآثاره، قد لا يتكلم فيما له عاقبة سيئة على الناس، أو يوجد خصومة بينهم، فالشيخ سيترك ذلك، فعندما تلح في طلب الحديث منه فإنك تحرجه في مثل ذلك.

وإذا بدا لك الانتقال إلى شيخ آخر، فاستأذنه بذلك؛ فإنه أدعى لحرمته، وأملك لقلبه في محبتك والعطف عليك ١.

إلى آخر جملة من الأدب يعرفها بالطبع كل موفق مبارك، وفاء لحق شيخك في "أبوته الدينية"، أو ما تسميه بعض القوانين باسم "الرضاع الأدبي" وتسمية بعض العلماء له "الأبوة الدينية" أليق، وتركه أنسب ٢.

واعلم أنه بقدر رعاية حرمته يكون النجاح والفلاح، وبقدر الفوت يكون من علامات الإخفاق ٣.

تنبيه مهم: أعيذك بالله من صنيع الأعاجم والطرقية، والمبتدعة الخلفية، من الخضوع الخارج عن آداب الشرع، من لحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، والقبض على اليمين باليمين والشمال عند السلام، كحال تودد الكبار للأطفال، والانحناء عند السلام، واستعمال الألفاظ الرخوة المتخاذلة: سيدي، مولاي، ونحوها من ألفاظ الخدم والعبيد ٤.


وانظر ما يقول العلامة السلفي محمد البشير الإبراهيمي الجزائري رحمه الله تعالى (م سنة ١٣٨٠ هـ) في "البصائر"؛ فإنه فائق السياق.

جارٍ التحميل