٢٥) النهمة في الطلب
٢:
إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
[١] أخرجه البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٣)، وأبو داود (١٦٤٨). [٢] أخرجه مسلم (٢٦٦٤). [٣] أخرجه الطبراني في الكبير ١٠/ ١٨٠ (١٠٣٨٨)، والحاكم ١/ ١٦٩ (٣١٢)، والبيهقي في المدخل (٤٥٠) ص ٣٠٠.
(قيمة كل امرئ ما يحسنه) [١]، وقد قيل: ليس كلمة أحض على طلب العلم منها، فاحذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخر، وصوابه: كم ترك الأول للآخر [٢].
أولا: نحن نطلب العلم، وتزداد رغبتنا فيه من أجل إرضاء رب العزة والجلال، ومن أجل دخول الجنة، فلو قدر أننا لن نأتي بشيء جديد فنحن سنحصل على الأجر والثواب.
الأمر الثاني: أن الله - جل وعلا - من رحمته بعباده أن جعل أهل العلم يعرفون ويكتشفون في كل زمان ما عجز عنه الأوائل، فهذا من رحمة الله؛ حتى يستمر العلم، وتستمر النهمة في طلبه.
الأمر الثالث: أن الناس تنتابهم أوقات الجهالات ينسى فيها العلم، فالعالم وإن لم يأت بشيء جديد، إلا أنه يرشد الأمة إلى طريقتها الأولى طريق النبوة.
الأمر الرابع: أنه ما من زمان إلا وفيه أناس يبثون الشبهات على الخلق، فطالب العلم هو المخول لكشف هذه الشبهات، والرد عليها، فحينئذ كان الأولى أن يقال: كم ترك الأول للآخر!، وحينئذ لنستكثر من ميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو العلم، لقوله: (العلماء ورثة الأنبياء) [٣].
[١] جامع بيان العلم لابن عبد البر ١/ ٤١٦، ترتيب الأمالي الخميسية للشجري ١/ ١٧٧. [٢] جامع بيان العلم ١/ ٤١٦. [٣] أخرجه الترمذي (٢٦٨٢)، وأبو داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣).
فعليك بالاستكثار من ميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وابذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم، فتذكر: "كم ترك الأول للآخر! " ١.
وفي ترجمة أحمد بن عبد الجليل من "تاريخ بغداد" ٢ للخطيب، ذكر من قصيدة له:
لا يكون السري مثل الدني … لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي
قيمة المرء كلما أن أحسن المر … ء قضاء من الإمام علي
٢٦) الرحلة للطلب ٣:
"من لم يكن رحلة لن يكون رحلة".
فمن لم يرحل في طلب العلم للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليرحل إليه؛ لأن هؤلاء العلماء الذين مضى وقت في تعلمهم وتعليمهم، والتلقي عنهم لديهم من التحريرات والضبط، والنكات العلمية، والتجارب، ما يعز الوقوف عليه أو على نظائرة في بطون الأسفار ١.
الفائدة الثانية: أن الراحل في طلب العلم يعود نفسه على التعلم، وعلى الاشتياق لمعرفة العلماء؛ وعلى التفنن في العلم، فبذلك تنشط نفسه في التعلم.
الفائدة الثالثة: أن الراحل المسافر في طلب العلم يجد في وقته فسحة في طلب العلم؛ لأنه سيقلل من أشغاله، وحينئذ يكون ذلك أدعى الحفظه العلم، ولكونه يعي ما يتعلمه.
الفائدة الرابعة: أن الرحلة تجعل الإنسان يخالط قرناء يماثلونه في الهدف والمقصد في طلب العلم، فيكون لذلك أثر عظيم في تنشيط النفس على التعلم.
الفائدة الخامسة: أن المرء عند تنقله من مكان إلى مكان تعرف نفسه قيمتها، ولا يغتر بما كان يظن نفسه عليه من حال جيد قبل سفره ورحلته، ومن ثم تعرف النفس قيمتها، فتبذل ما تستطيعه في تحسين شأنها وتعلية مكانتها عند الله عز وجل.
...............................
مثال آخر: في كتاب مختصر الخرقي، قال في باب الحج (ومن وطئ قبل رمي جمرة العقبة فقد فسد حجهما وعليه بدنة) الخ، هذا كلامهم على وفق طريقتهم الأولى؛ لأنه لا يعقل في زمانهم أن يمر إنسان بمنى فلا يرمي، ولم يكونوا يتصورون أن يتجاوزها الحاج =
[١] أخرجه الترمذي (٢٦٨٠). [٢] قال الحجاوي في زاد المستقنع: "فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم، قال البهوتي في شرحه: "أي شاة، أو إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام".
واحذر القعود عن هذا على مسلك المتصوفة البطالين، الذين يفضلون "علم الخرق" ١ على "علم الورق" ٢.
وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق؟! ١ [١].
وقال آخر:
إذا خاطبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق
فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، بل فيهم من كان بأسا وبلاء على الإسلام ٢.
إذا خاطبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق
فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا"، إذا نظرنا حال المبتدعة وجدناهم يقدمون طريقتهم في الابتداع على نصرة الإسلام، ولذلك يحذر الإنسان من طريقة هؤلاء، وإن كان المرء مأمورا بكف أذاه عنهم، وعدم إيصال السوء إليهم، لكن ذلك لا يعني صحة طريقهم وإنما هم على خلاف الطريقة المرضية؛ لأن الطريقة المرضية تحصل بالتعلم، لا بهذه الأفعال التي تضيع الأوقات ولا يحصل الإنسان بها شيئا، ومثل هؤلاء من يأخذ من المنجمين، وأهل الأبراج ومدعي الغيب، والمتخرصة في تفسير الأحلام.
[١] انظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، لمجد الدين الفيروزآبادي ٤/ ٩٠، ومدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٤٣٨.