٢٣) احذر قرين السوء
١:
كما أن العرق دساس، فإن "أدب السوء دساس"؛ إذ الطبيعة نقالة،
وفي سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) [٢]
وقال جل وعلا: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧]، ومن هنا جاءت الشريعة في الترغيب في اختيار الأصدقاء الطيبين، والمرء يستفيد من اثنين في مسألة القدوة:
أولهما: من يراه مثلا له فحينئذ يقتدي به، ومن هنا جاءت الشريعة بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ [الأحزاب: ٢١].
ثانيهما: من يخالطه ويظهر هذا فيما يتعلق بالأصدقاء، فإن الصديق يأخذ المرء من أخلاقه من حيث لا يشعر.
[١] متفق عليه البخاري (٥٥٢٤)، ومسلم (٢٦٢٨). [٢] أخرجه الترمذي (٢٣٧٨)، وأبو داود (٤٨٣٣).
كما أن العرق دساس ١، فإن "أدب السوء دساس" ٢؛ إذ الطبيعة نقالة ٣، والطباع سراقة ٤، والناس كأسراب القطا مجبولون
[١] أخرجه ابن عدي ٨/ ٣٤٩ من حديث أنس، بإسناد معلول، كما أخرجه ٧/ ٣٨٣ من حديث ابن عمر، بسند ضعيف فيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ضعيف.
على تشبه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك ١، فإنه العطب ٢ و"الدفع ٣ أسهل من الرفع" ٤.
وعليه ٥، فتخير للزمالة والصداقة من يعينك على مطلبك ٦،
المثال الأول: أصحاب المخدرات والخمور إذا صاحبهم الإنسان فإنهم سيجرونه إلى فعلهم شيئا فشيئا حتى يبتلى بهذا الأمر، ويكون مماثلا لهم، وإن كان في الأول يقول: لن أقدم على فعل هذه الأمور، لكنه مع الزمن تضعف نفسه قليلا قليلا.
مثال ثان: أصحاب المعاصي؛ فإنهم يجرون صاحبهم إلى معاصيهم، كالفواحش، والنظر في وجوه النساء، والتلذذ بالحديث معهن، فإن من صاحب من كان كذلك أصبح مثلهم.
مثال ثالث: أصحاب اللعب واللهو، من صاحبهم شاركهم في ذلك، وقد يلهيه ذلك عن التعلم.
- وقوله: "الدفع أسهل من الرفع"، هذه قاعدة فقهية، والدفع منع الشيء من الوقوع قبل وقوعه، والرفع إزالته بعد حصوله.
ويقربك إلى ربك ١، ويوافقك على شريف غرضك ومقصدك.
وخذ تقسيم الصديق في أدق المعايير ٢:
١ - صديق منفعة ٣.
٢ - صديق لذة ٤.
٣ - صديق فضيلة ١.
فالأولان منقطعان بانقطاع موجبهما، المنفعة في الأول واللذة في الثاني ٢.
وأما الثالث: فالتعويل عليه ٣، وهو الذي باعث صداقته تبادل الاعتقاد في رسوخ الفضائل لدى كل منهما ٤.
[١] أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (٢٣٩١). [٢] أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٥٣.
وصديق الفضيلة هذا "عملة صعبة" ١ يعز الحصول عليها ٢.
ومن نفيس كلام هشام بن عبد الملك (م) سنة ١٢٥ هـ) قوله: "ما بقي من لذات الدنيا شيء إلا أخ أرفع مؤونة التحفظ بيني وبينه" ٣ ا. هـ.
ومن لطيف ما يقيد قول بعضهم: "العزلة من غير عين العلم زلة، ومن غير زاي الزهد: علة" ٤.