شرح حلية طالب العلمصفحات 21-60

١ - إخلاص النية لله سبحانه وتعالى،

لقوله: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ [البينة: ٥]:

وفي الحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات …).
الحديث ١.

فإن فقد العلم إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات ٢، ولا شيء يحطم العلم مثل: الرياء، رياء شرك، أو رياء إخلاص، ومثل التسميع، بأن يقول مسمعا: علمت وحفظت ٣.


وعليه، فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب؛ كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلما لأغراض وأعراض، من جاه، أو مال، أو تعظيم، أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية أفسدتها، وذهبت بركة العلم، ولهذا يتعين عليك أن تحمي نيتك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمي الحمى.

وللعلماء في هذا أقوال ومواقف بينت طرفا منها في المبحث الأول من كتاب "التعالم"، ويزاد عليه نهي العلماء عن "الطبوليات" ١، وهي المسائل التي يراد بها الشهرة.

وقد قيل: "زلة العالم مضروب لها الطبل".

وعن سفيان رحمه الله تعالى أنه قال: "كنت أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة سلبته" ٢.


فاستمسك رحمك الله تعالى بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب؛ بأن تكون - مع بذل الجهد في الإخلاص - شديد الخوف من نواقضه، عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه.

ويؤثر عن سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى قوله: "ما عالجت شيئا أشد على نفسي من نيتي" ١.

وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده: "يا أبي! مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعظهم غيرك لا يبكون؟ فقال: يا بني! ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة".

وفقك الله لرشدك آمين.


[١] أخرجه البخاري (١٤٧٣)، ومسلم (١٠٤٥)، والنسائي (٢٦٠٧).

الخصلة الجامعة ١ لخيري الدنيا والآخرة: محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وتحقيقها بتمحض المتابعة وقفو الأثر للمعصوم:

قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم [آل عمران: ٣١].

وبالجملة، فهذا أصل هذه الحلية ٢، ويقعان منها موقع التاج من الحلة ٣.

فيا أيها الطلاب! ها أنتم هؤلاء تربعتم للدرس، وتعلقتم بأنفس علق (طلب العلم)، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، فهي العدة، وهي مهبط الفضائل، ومتنزل المحامد، وهي مبعث القوة، ومعراج السمو، والرابط الوثيق على القلوب عن الفتن، فلا تفرطوا.

٢ - كن على جادة السلف الصالح

٤:


[١] أخرجه البخاري (٢٥٠٨)، ومسلم (٢٥٣٣).

كن سلفيا على الجادة ١، طريق السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم،


ولذلك تجد السلف الصالح عندهم من الفوائد والبركة الشيء الكثير، عندهم كلام قليل فيه معان كثيرة، فما أعظم منة الله علينا بأن جعل سلفنا أولئك القوم الصالحين! فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أثنت عليه النصوص، قال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩]، والنصوص في الثناء عليهم كثيرة.

[١] أخرجه الترمذي (٣٦٦٢). [٢] أخرجه الترمذي (٢٦٧٦)، وأبو داود (٤٦٠٧)، وابن ماجه (٤٢).

فمن بعدهم ممن قفا أثرهم في جميع أبواب الدين ١، من التوحيد، والعبادات، ونحوها، متميزا بالتزام آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال ٢،


والمراء ١، والخوض في علم الكلام، ٢ وما يجلب الآثام، ويصد عن الشرع.

قال الذهبي رحمه الله تعالى: "وصح عن الدارقطني أن قال: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام.
قلت: لم يدخل الرجل أبدا في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيا" ٣.
ا. هـ.


[١] أخرجه أبو داود (٤٨٠٠).

وهؤلاء هم (أهل السنة والجماعة) المتبعون آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأهل السنة: نقاوة المسلمين، وهم خير الناس للناس" ١ ا. هـ.

فالزم السبيل، ﴿ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣].

٣ - ملازمة خشية الله

٢:

التحلي بعمارة الظاهر والباطن بخشية الله تعالى، محافظا على شعائر الإسلام، وإظهار السنة ونشرها بالعمل بها والدعوة إليها؛ دالا على الله


بعلمك وسمتك وعملك، متحليا بالرجولة، والمساهلة، والسمت الصالح ١.

وملاك ذلك خشية الله تعالى، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أصل العلم خشية الله تعالى".

فالزم خشية الله في السر والعلن، فإن خير البرية من يخشى الله تعالى، وما يخشاه إلا عالم، إذن فخير البرية هو العالم، ولا يغب عن بالك أن العالم


أولها: العلم بالله تعالى وبقدرته وبصفاته، ومن ذلك أن يعلم العبد أن الله مطلع عليه في كل أحواله.

الثاني: مما تنشأ عنه الخشية، معرفة العبد بأن ربه قادر عليه، قادر على إنزال العقوبة به، ويطالع سنن الله في الكون في الأمم السابقة كم أنزل بهم من العقوبات.

والخشية تنشأ من ملاحظة الدار الآخرة، وأن المرء عما قريب منتقل إليها، ومحاسب على أعماله في الدنيا، فأذا استحضر الإنسان ذلك زادت عنده صفة الخشية من الله تعالى.

هذه الخشية ليست خاصة بالقلب بل لها مظاهر في ظاهر البدن، منها المحافظة على شعائر الإسلام ومنها إظهار السنة، ومنها حرص الإنسان على نشر السنة والدعوة إليها، ومنها أن يكون المرء متخلقا بالأخلاق الفاضلة، سهلا مع عباد الله.

  • وهذا معنى قول المؤلف: "والمساهلة"، يعني أن يكون هينا رفيقا مع الخلق.

لا يعد عالما إلا إذا كان عاملا، ولا يعمل العالم بعلمه إلا إذا لزمته خشية الله.

وأسند الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بسند فيه لطيفة إسنادية برواية آباء تسعة، فقال: أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن زيد بن أكينة بن عبد الله التميمي من حفظه؛ قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل) ١.

وهذا اللفظ بنحوه مروي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى.

٤ - دوام المراقبة

٢:

التحلي بدوام المراقبة الله تعالى في السر والعلن، سائرا إلى ربك بين


الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر ١.

فأقبل على الله بكليتك ٢، وليمتلئ قلبك بمحبته ٣، ولسانك بذكره،


والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحكمه سبحانه ١.


وإذا تأمل الإنسان الأمر بذكر الله، وجد أن الله لا يأمر بالذكر إلا ويصفه بصفة الكثرة، كما قال سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ [الأحزاب: ٤١]، بينما وصف المنافقين بأنهم كانوا: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ [النساء: ١٤٢]، حينئذ إذا أراد الإنسان أن يبارك له في وقته، وفي شأنه، فليكثر من ذكر الله، ومن أعظم أنواع الذكر: قراءة القرآن.

هذا شيء من الصفات التي ذكرها المؤلف في حلية طالب العلم مما يتعلق بصفة طالب العلم في نفسه.

[١] أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، والترمذي (٣٦٠٣).

٥ - خفض الجناح ونبذ الخيلاء والكبرياء

١:


وأما الخيلاء والكبرياء فالمراد بها: رؤية المرء للنفس حتى يخيل للإنسان أنه أعلى من غيره، وأرفع درجة منهم، وأما الكبرياء فقد فسرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنها جحد الحق واحتقار الخلق.

إذا تقرر هذا فإن الكبر والبطر من الأمور المحرمة في الشريعة، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد) [١]، ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة، قال: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس) [٢].

بطر الحق: يعني جحده، وغمط الناس: يعني احتقارهم.

والنصوص الواردة في النهي عن الخيلاء والكبرياء كثيرة، جاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) [٣].

[١] أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، وأبو داود (٤٨٩٥)، وابن ماجه (٤١٧٩). [٢] أخرجه مسلم (٩١)، وأبو داود (٤٠٩٢). [٣] أخرجه البخاري (٥٧٨٤)، والترمذي (١٧٣١)، وأبو داود (٤٠٨٥).

تحل بآداب النفس، من العفاف ١، والحلم ٢، والصبر ٣، والتواضع للحق ٤، وسكون الطائر، من الوقار ٥ والرزانة ٦، وخفض الجناح ٧، متحملا ذل التعلم لعزة العلم، ذليلا للحق.


وعليه فاحذر نواقض هذه الآداب ١، فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهدا على أن في العقل علة، وعلى حرمان من العلم والعمل به، فإياك والخيلاء، فإنه نفاق وكبرياء، وقد بلغ من شدة التوقي منه ٢ عند السلف مبلغا.


أولا: يأتم.

وثانيا: يمقته الله.

وثالثا: يحتقره الناس، ويعلمون أن في عقله مرضا وعلة، ومن ثم يجتنبونه.

ورابعا: يكون سببا لحرمان العلم والعمل.

وعلى كل، هذا تطبيق للنصوص السابقة، والنصوص السابقة دلت على التحذير من الكبر والخيلاء، ورغبت في ضدهما من خفض الجناح والوقار والسكينة.

وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) [١].

وأما تطبيقات هذا فإنه يختلف ما بين زمان وآخر، قد نرى في زمن من الأزمان أن هذا التصرف فيه خيلاء وكبرياء، لكنه يكون في زمان آخر تصرفا معتادا لا يكون من الخيلاء=

[١] أخرجه البخاري (٦٣٥)، ومسلم (٦٠٣).

ومن دقيقه ما أسنده الذهبي في ترجمة عمرو بن الأسود العنسي المتوفى في خلافة عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى: "أنه كان إذا خرج من المسجد قبض بيمينه على شماله، فسئل عن ذلك؟ فقال: مخافة أن تنافق يدي".

قلت: يمسكها خوفا من أن يخطر بيده في مشيته، فإن ذلك من الخيلاء.
ا. هـ.

وهذا العارض عرض للعنسي رحمه الله تعالى.

واحذر داء الجبابرة (الكبر)، فإن الكبر والحرص ١ والحسد ٢ أول ذنب


لأن آدم حسده إبليس، وتكبر إبليس، حيث قال: كيف أسجد لمن خلقت طينا؟ من كان مخلوقا من النار كيف يسجد لمخلوق من الطين؟ وقول المؤلف: فتطاولك من أمثلة الكبرياء المذمومة شرعا"، التطاول على المعلم كبرياء، المراد بالتطاول: الترفع عليه، ومضادة كلامه، ورفع الصوت عليه ونحو ذلك، هذا يعد من الكبرياء.

عصي الله به، فتطاولك على معلمك كبرياء، واستنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء ١، وتقصيرك عن العمل بالعلم حمأة كبر، وعنوان حرمان.

العلم حرب للمكان المتعالي … كالسيل حرب للمكان العالي

فالزم - رحمك الله - اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك ٢.


صورة أخرى من صور التكبر: التقصير عن العمل بالعلم فإنه من مظاهر التكبر، لكن عندما يجد الإنسان مجتمعا من المجتمعات لا يؤدي سنة كان يعتادها، فيتركها من أجلهم هذا نفاق.

ثم ذكر المؤلف هذا البيت:

العلم حرب للفتى المتعالي … كالسيل حرب للمكان العالي

المتعالي يعني: المتكبر.

كالسيل حرب للمكان العالي، فالمكان العالي لا يصله السيل، إنما السيل يجري في مكان منخفض، وهكذا العلم، العلم لا يناله - كما ورد عن بعض السلف - مستح ولا متكبر.

وإذا جاءتك نفسك وخيلت إليك أنك على منزلة عالية، وأنك قد استفدت علما كثيرا فكذبها، وقل: يا نفس هذا ليس من صفاتك، لم تستفيدي من العلم إلا الشيء القليل، وانظر إلى قصة موسى عليه السلام مع الخضر، لما سئل موسى: (أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: أن عبدا من عبادي بمجمع=

وهضمها، ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء ١ أو غطرسة أو حب ظهور أو عجب … ونحو ذلك آفات من العلم القاتلة له، المذهبة لهيبته، المطفئة لنوره، وكلما ازددت علما أو رفعة في ولاية، فالزم ذلك تحرز سعادة عظمى، ومقاما يغبطك عليه الناس.

وعن عبد الله ابن الإمام الحجة الرواية في الكتب الستة بكر بن عبد الله المزني رحمهما الله تعالى، قال: "سمعت إنسانا يحدث عن أبي، أنه كان واقفا بعرفة فرق فقال: لولا أني فيهم، لقلت: قد غفر لهم" ٢، خرجه الذهبي ثم


قال المؤلف في بيان الأدب الخامس من آداب طالب العلم: خفض الجناح ونبذ الكبرياء، والخيلاء، قال من آفات النفس الكبرياء، والغطرسة، وحب الظهور والإعجاب بالنفس، فإن هذه الآفات تقتل النفس، ولا تمكنها من طلب العلم، وكلما ازددت علما أو رفعة في ولاية فاحذر من التكبر، والزم التواضع، تحرز بذلك السعادة العظمى، فإن المتكبر كالبعيد يراه الناس صغيرا ويراهم صغارا.

[١] أخرجه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠).

قال: "قلت: كذلك ينبغي للعبد أن يزري عن نفسه ويهضمها" ١.
ا. هـ.

٦ - القناعة والزهادة

٢:

التحلي بالقناعة والزهادة، وحقيقة الزهد: "الزهد بالحرام، والابتعاد عن حماه، بالكف عن المشتبهات ٣ وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس".

ويؤثر عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: "لو أوصى إنسان لأعقل الناس، صرف إلى الزهاد" ٤.


وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لما قيل له: ألا تصنف كتابا في الزهد؟ قال: "قد صنفت كتابا في البيوع" ١.

يعني: "الزاهد من يتحرر عن الشبهات ٢ والمكروهات في التجارات، وكذلك في سائر المعاملات والحرف".
ا. هـ.


الصورة الأولى: إذا كان هناك مسائل يختلف أهل العلم فيها وللخلاف محله، فحينئذ هذه المسائل من الشبهات.

الصورة الثانية: مسائل فيها أدلة متعارضة، ولم يعرف الفقيه كيفية الجمع بينها، فهذه من المسائل المشتبهات.

الصورة الثالثة: أن يكون هناك مسائل لا ندري هل تدخل في تطبيق الحرام أو في تطبيق الحلال، فحينئذ هذه المسائل من المشتبهات، والمشتبهات لها عشر صور، هذه أبرز صور المشتبهات.

وعليه، فليكن معتدلا في معاشه بما لا يشينه ١، بحيث يصون نفسه ومن يعول ٢، ولا يرد مواطن الذلة والهون ٣.

وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي المتوفى في ١٧/ ١٢/ ١٣٩٣ هـ رحمه الله تعالى متقللا من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية، وقد شافهني بقوله: "لقد جئت من البلاد - شنقيط - ومعي كنز قل أن يوجد عند أحد وهو (القناعة)، ولو أردت المناصب، لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية".
فرحمه الله رحمة واسعة آمين ٤.


إذا تقرر هذا فإن من آتاه الله المال الكثير فاستعمله في طاعة الله فهذا زاهد.

٧ - التحلي برونق العلم:

التحلي بـ (رونق العلم) حسن السمت ١، والهدي الصالح، من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، ولزوم المحجة ٢، بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها.

وعن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم" ٣.


وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى أنه قال لرجل: "حدثنا، ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعان" ١.

رواهما الخطيب في الجامع وقال: "يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب، والعبث، والتبذل في المجالس بالسخف، والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه، والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه، وما أوغر منه الصدور وجلب الشر، فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة" ٢.
ا. هـ.


كذلك يتجنب العبث، مثل أن يحرك يديه حركات لا فائدة منها، كذلك يتجنب التبذل في المجالس، والتبذل في المجالس: الحديث في كل ما يقصد الناس الحديث فيه، بحيث لا يوجد له ضوابط في حديثه، ومن ثم تجده يتكلم بالسخف والمراد بالسخف الأمور التوافه، التي لا قيمة لها ولا منزلة، أو يتكلم بأمور مضحكة التي ينتج عنها قهقهة، وكثرة التندر، والتنكيت على الآخرين، وكذلك على طالب الحديث أن يتجنب إدمان المزاح والإكثار منه، لو مزح مرة جاز ولم يناف ذلك آداب طالب العلم، لكن أن يكون ذلك دأبه في كل حديثه وفي كل أموره، فهذا ليس من شأن طالب العلم، إنما يستجاز من المزاح الشيء =

وقد قيل: "من أكثر من شيء عرف به" ١.

فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية ٢.


وأصل كثرة المزاح - حتى ولو لم يكن بهذه الأمور؛ من الفاحش والسخيف والمورث للعداوة - يضع من قدر الإنسان، ويزيل صفة المروءة منه، ما هي صفة المروءة؟ المروءة المراد بها اجتناب الإنسان ما لا يثنى عليه من الأوصاف عند الناس، وبعضهم يقول: المروءة اجتناب الإنسان الصفات غير المرغوب فيها.

مثال هذا: مما يرغب فيه أن يكون الإنسان في مجتمعاتنا لابسا للثياب، فإذا لبس البنطلونات لم يعد حينئذ ممن اتصف بصفات المروءة؛ لأن الناس لا يثنون على من ترك هذه الثياب المعتادة.

وعن الأحنف بن قيس قال: "جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصافا لفرجه وبطنه" ١.

وفي كتاب المحدث الملهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء: "ومن تزين بما ليس فيه، شانه الله" ٢.

وانظر شرحه لابن القيم رحمه الله تعالى.


كذلك من الأمور التي تتعلق بهذا: أن لا يظهر الإنسان صفة ليس متصفا بها حقيقة، كأن يظهر للآخرين أنه يقوم الليل وليس كذلك، أو يظهر للآخرين أنه يقرأ القرآن أو يحفظ كتاب الله، وليس فيه تلك الصفة.

[١] أخرجه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٢٩).

٨ - تحل بالمروءة:

التحلي بـ (المروءة)، وما يحمل إليها من مكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وتحمل الناس ١، والأنفة من غير كبرياء ٢، والعزة في غير جبروت ٣، والشهامة في غير عصبية ٤، والحمية في غير جاهلية ٥،


تقدم معنا أن المروءة: التزام الصفات المحمودة عند الخلق، واجتناب الصفات غير المرغوب فيها عند الخلق.

والتحلي بالمروءة من مكارم الأخلاق، ومن أمثلة المروءات التي يحسن لطالب العلم أن يلتزم بها: أن يكون ملازما للأخلاق الفاضلة، يحسن التعامل مع الآخرين، ومن ذلك طلاقة الوجه؛ بحيث لا يكون عابسا أو يكون معرضا بوجهه عن طلابه أو عن زملائه.

ومن المروءة: إفشاء السلام.
ومن المروءة تحمل الناس، والمراد بتحمل الناس: الصبر على أذيتهم.

وعليه فتنكب (خوارم المروءة)، في طبع، أو قول، أو عمل، من حرفة مهنية ١، أو خلة رديئة، كالعجب، والرياء، والبطر، والخيلاء، واحتقار الآخرين ٢، وغشيان مواطن الريب ٣.


٩ - التمتع بخصال الرجولة

١:

تمتع بخصال الرجولة من الشجاعة وشدة البأس في الحق ومكارم الأخلاق ٢،


[١] أخرجه البخاري (٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٥)، والترمذي (١١٧٢)، وأبو داود (٢٤٧٠). [٢] أخرجه أبو داود (٤٨٠٠). [٣] أخرجه أبو داود (٤٧٩٨).

والبذل في سبيل المعروف ١، حتى تنقطع دون آمال الرجال.


كذلك هذه الصفات الثلاث الشجاعة والأخلاق الفاضلة والبذل بالمعروف، من وجدت فيه أصبح ممن يعظم أجرهم، ومن الرجال الذين يعتمد عليهم، وممن تكون لهم مكانة عند الخلق، ويقابل هذا الصفات صفات مذمومة.
=

[١] أخرجه البخاري (٤٦٨٧)، ومسلم (٩٩٣). [٢] أخرجه البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠).

وعليه، فاحذر نواقضها من ضعف الجأش، وقلة الصبر، وضعف المكارم، فإنها تهضم العلم ١، وتقطع اللسان عن قولة الحق، وتأخذ بناصيته إلى خصومة في حالة تلفح بسمومها في وجوه الصالحين من عباده ٢.


الصفة الثانية: قلة الصبر وعدم التمكن من إمساك النفس في المكارم وأفعال الخيرات.

الثالثة: عدم فعل الأخلاق الفاضلة، وعدم البذل في طرق الخير.

١٠) هجر الترفه

١:

لا تسترسل في (التنعم والرفاهية)، فإن (البذاذة من الإيمان) ٢ [١]، وخذ بوصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه المشهور، وفيه: (وإياكم والتنعم وزي العجم، وتمعددوا ٣ واخشوشنوا.. (^٤» [٢].


[١] كما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، راجع له "السلسلة الصحيحة"، رقم (٣٤١)، و"تعظيم قدر الصلاة" رقم (٤٨٤)، لابن نصر المزوري.
[٢] "مسند علي بن الجعد" ١/ ٥١٧ رقم (١٠٣٠)، وعنه "الفروسية" لابن القيم ص ٩، و"أدب الإملاء والاستملاء" ص ١١٨، وأصله في الصحيحين وغيرهما.
[٣] أخرجه أبو داود (٤١٦١)، وابن ماجه (٤١١٨).

وعليه، فازور عن زيف الحضارة ١، فإنه يؤنث الطباع ٢، ويرخي الأعصاب ٣، ويقيدك بخيط الأوهام، ويصل المجدون لغاياتهم وأنت لم


فالمقصود أن الإنسان يستعمل ما لديه، فلا يتكلف في ملبسه، ولا يتكلف في مركبه، ولا يتكلف في أنواع الأثاث لديه، وذلك لأن التكلف في ذلك يخالف سمت طالب العلم، ويجعل الناس يظنون به ظن السوء.

  • وقوله: "وعليه" أي: وبناء على ما مضى.

  • وقوله: "فازور"، يعني أعرض.

  • وقوله: "عن زيف الحضارة"، والمراد به الصورة الظاهرية الزائفة.

[١] أخرجه البخاري (٤٩١٣).

تبرح مكانك، مشغول بالتأنق في ملبسك، وإن كان منها شيات ١ ليست محرمة ولا مكروهة، لكن ليست سمتا صالحا ٢، والحلية في الظاهر كاللباس عنوان على انتماء الشخص ٣،


بل تحديد له، وهل اللباس إلا وسيلة من وسائل التعبير عن الذات؟! ١.

فكن حذرا في لباسك، لأنه يعبر لغيرك عن تقويمك ٢، في الانتماء والتكوين، والذوق، ولهذا قيل: الحلية في الظاهر ٣ تدل على ميل في الباطن، والناس يصنفونك من لباسك، بل إن كيفية اللبس تعطي للناظر تصنيف الناس من: الرصانة والتعقل؛ أو التمشيخ والرهبنة؛ أو التصابي وحب الظهور ٤.


فخذ من اللباس ما يزينك ولا يشينك، ولا يجعل فيك مقالا لقائل، ولا لمزا للامز، وإذا تلاقى ملبسك وكيفية لبسك بما يلتقي مع شرف ما تحمله من العلم الشرعي، كان أدعى لتعظيمك والانتفاع بعلمك، بل بحسن نيتك يكون قربة، إنه وسيلة إلى هداية الخلق للحق.


اللباس إذا لم يكن على الصفة المعهودة جعل للناس فيك مقالا، ومنها إذا جاء طالب علم لبس في كوفيته من أنواع الزري، وجعل في ثوبه أنواع المخططات التي تكون لافتة للنظر، فحينئذ هذا ليس لائقا به، وليست هذه اللبسة من ملابس أهل الفضل والعلم، وهذه قد تجعل الناس يتكلمون فيه ويلمزونه، ومن ثم لا يقبلون ما لديه من العلم، وإذا تلاقي ملبسك ونوع الملبس وكيفية اللبس - طريقة اللبس - بما يلتقي مع شرف ما تحمله من العلم انتفع الناس بك، وأخذوا منك العلم، وإذا أحسنت النية في لباسك وفي اختيار نوعه، كان ذلك سببا للحصول على الأجر من جهة، وسببا لقبول الناس منك وأخذهم الحق عنك.

وفي المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أحب إلي أن أنظر القارئ أبيض الثياب) ١.

أي: ليعظم في نفوس الناس، فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق.

والناس - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -: "كأسراب القطا ٢، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض" ٣.

فإياك ثم إياك ٤ من لباس التصابي ٥.


[١] رواه الترمذي (٩٩٤)، والنسائي (١٨٩٦)، وأبو داود (٣٨٧٨).

أما اللباس الإفرنجي، فغير خاف عليك حكمه ١.

وليس معنى هذا أن تأتي بلباس مشوه ٢،


[١] أخرجه الترمذي وأحمد ٢/ ٣٥٦ (٨٦٥٧) من حديث أبي هريرة، وأخرجه النسائي من حديث عبد الله بن عمر ٨/ ١٣٧ (٥٠٧٤) والزبير بن العوام رضي الله عنهم.
[٢] أخرجه الترمذي (٢٦٩٥)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
[٣] أخرجه أحمد (٢٢٢٥٥)، وأبو داود (٥٢٣٠). [٤] أخرجه مسلم (٢٦٠). [٥] أخرجه أبو داود (٤٠٢٩)، وابن ماجه (٣٦٠٧)، والنسائي (٩٤٨٧).

لكنه الاقتصاد في اللباس برسم الشرع ١، تحفة بالسمت الصالح، والهدي الحسن.

وتطلب دلائل ذلك في كتب السنة والرقاق ٢، لا سيما في "الجامع" للخطيب.

ولا تستنكر هذه الإشارة، فما زال أهل العلم ينبهون على هذا في كتب الرقاق والآداب واللباس، والله أعلم ٣.


أولا: النصوص الشرعية قد وردت بهذه الآداب.

ثانيا: الناس عند التزام هذه الآداب يقبلون على علم ذلك المتعلم.

ثالثا: الناس ينفرون ممن لم يتصف بهذه الآداب ولا يقبلون منه علما.

رابعا: أن لبس ما يخالف ما تقدم يعد من أنواع الشهرة التي تورث في النفس ترفعا وتكبرا، وطالب العلم ينبغي به أن يعالج نفسه من ذلك.

١١) الإعراض عن مجالس اللغو

١:

لا تطأ بساط من يغشون في ناديهم المنكر ٢، ويهتكون أستار الأدب، متغابيا عن ذلك، فإن فعلت ذلك، فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة ٣.


[١] رواه أبو داود في "السنن" (٣٧٧٤)، وقال: "وهو منكر".

(١٢) الإعراض عن الهيشات

١:

التصون من اللغط والهيشات، فإن الغلط تحت اللغط، وهذا ينافي أدب الطلب.

ومن لطيف ما يستحضر هناك ما ذكره صحاب "الوسيط في أدباء شنقيط" وعنه في "معجم المعاجم": "أنه وقع نزاع بين قبيلتين، فسعت بينهما قبيلة أخرى في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع، وحكموا عالما، فاستظهر قتل أربعة من قبيلة بأربعة قتلوا من القبيلة الأخرى، فقال الشيخ


والمراد بالهيشات: ما يحصل من الخصومات والتجمعات التي يكون فيها كلام بعض الناس على بعض مما لا يمكن ضبطه ولا تعرف عاقبته، فإن دخول طلبة العلم في الهيشات ينتج عنه أن الناس قد يعتدون عليهم، وقد يتكلمون فيهم، وقد يكون ذلك سببا من أسباب احتقارهم، وعدم معرفة ما لديهم من علم يستوجب رفع مكانتهم والأخذ بيدهم، ومن ذلك المظاهرات والتجمعات في الطرقات.

وذكر المؤلف هنا ما يتعلق بهذا النداء الذي وقع بين هاتين القبيلتين.

[١] أخرجه البخاري (٦٠٦٩).

جارٍ التحميل