٣٠) التفقه بتخريج الفروع على الأصول
١:
وأمر الله عز وجل بالرجوع إلى هذا الصنف، وهم الفقهاء الذين يستنبطون الأحكام من الأدلة، لقوله سبحانه: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣]، يعني: يستخرجون الحكم من الأدلة، وهذا هو الفقه.
جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) [١]، ولفظة الفقه تطلق على اصطلاحات متعددة:
أولها: الاصطلاح الشرعي، حيث يراد بالفقه: معرفة الأحكام والقدرة على استخراجها من الأدلة، سواء كانت أحكاما عقدية، أو أحكاما عملية، بحيث يشمل العقيدة، ويشمل علم الفروع، ويشمل التفسير، ويشمل فهم الحديث، فإن هذا كله يسمى فقها في الاصطلاح الشرعي.
الثاني: من إطلاقات الفقه القدرة على استخراج الأحكام من الأدلة التي يسمونها الملكة.
الثالث: إطلاق اسم الفقه على الأحكام العملية، وهذا هو الغالب على عمل المؤلفين، إذا قالوا: كتب الفقه، فالمراد بها الأحكام العملية، وهناك طائفة خصوه بالأحكام.
[١] أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧).
...............................
- فقول المؤلف في الأدب الثلاثين: "بتخريج الفروع على الأصول"، المراد بالفروع: المسائل التي تبنى على غيرها، وتعرف أحكامها من خلال غيرها، والفرع في اللغة هو الجزء المستخرج، وبعضهم يقول: هو ما يبنى على غيره، والأصول: جمع أصل، والأصول يراد بها أحد ثلاثة اصطلاحات:
الأول: الأدلة الشرعية؛ فالقرآن والسنة هما أصول الأحكام، وهي الأصل في تخريج الفروع على الأصول، وحينئذ نحتاج مع هذه الأصول إلى علم أصول الفقه بقواعد الاستنباط، وأنواع دلالات الألفاظ الذي هو: تخريج، أو تفقه.
والمصطلح الثاني: أن يراد بالأصول القواعد الفقهية، فإنها قواعد يحكم بها على فروع كثيرة، وتشتمل على دليل المسألة وعلى مآخذها.
والمصطلح الثالث: أن يراد بالأصول الضوابط الفقهية لكل باب، وهذه الضوابط اعتنى العلماء بكتابتها في مؤلفاتهم الفقهية، وخصوصا المختصرات؛ ك (زاد المستقنع)، ونحوه، وحينئذ نجد أن الناس الذين يستخرجون الأحكام على ثلاثة أنواع:
الأول: من يقيس المسائل الجديدة على المسائل التي تكلم فيها الأئمة، وهولاء يسمون أهل التخريج.
=
[١] المحصول ١/ ١٠، شرح تنقيح الفصول ص ١٧. [٢] أخرجه البخاري (٧١) كتاب العلم باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)، ومسلم (١٠٣٧)، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة.
...........................
الثالث: من يعتمد على الأصول الشرعية كتابا وسنة وكلما وردت إليه مسألة نظر في كتاب الله، وفي سنة نبيه بالقواعد الأصولية، فاستخرج الحكم منها، من الكتاب والسنة، وهؤلاء كالكبريت الأحمر، ووجودهم في الأمة قليل نادر، ولو يوجد في الزمان مئة من هؤلاء لكفوا الأمة، أسأل الله - جل وعلا - أن يكثر من هذا الصنف في أمة محمد إلى قيام الساعة، وأن يجعلكم من هذا الصنف.
إذا تقرر هذا فإن الكتاب والسنة فيهما نص على جميع المسائل؛ إما بذكر المسألة باسمها، أو بالإتيان بحكم عام يشمل مسائل متعددة كثيرة، ولذلك ما من مسألة إلا وفي كتاب الله حكمها، قال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]، لكن قد يخفى النص في بعض المواطن على بعض الفقهاء، فيحتاج إلى إعمال القياس.
بعد ذلك اعتنى أهل العلم بالتأليف في فن يسمونه: تخريج الفروع على الأصول، بحيث يرجعون المسائل الفقهية الفرعية، إلى القواعد الأصولية، ولعل هذا ليس مراد المؤلف، فالأصول عنده إما القواعد أو النصوص، وقد ألف جماعات في تخريج الفروع على الأصول، وممن ألف في ذلك "الزنجاني" الشافعي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، كتابه: "تخريج الفروع على الأصول"، و"ابن التلمساني" المالكي في "مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على =
...........................
ولكن يلاحظ عليهم أمور:
أولها: أن المسألة الفقهية تبنى على أدلة كثيرة، فعند حصر المسألة الفقهية في دليل واحد يكون ذلك جورا على بقية الأدلة الواردة في المسألة، ومثال ذلك: عندنا مسألة فقهية بنيت من قبل بعض العلماء، على دليل من شرع من قبلنا، وبينما المسألة فيها دليل آخر من الكتاب ودليل من السنة، فعندما تحصر المسألة الفقهية في شرع من قبلنا يكون كلاما خاطئا.
الأمر الثاني: أن كثيرا من أهل العلم يخرج المسائل أو الكلام الفقهي على الكلام الفقهي، أو يخرج ألفاظ الناس على الكلام الفقهي، فعندك مثلا إذا قال الزوج: زوجتي طالق، فهنا هل تطلق جميع الزوجات، أو لا تطلق إلا زوجة واحدة؟ موطن خلاف، ذكر بعض العلماء أنها مخرجة على قاعدة: المفرد المضاف إلى معرفة هل يعم أو لا؟ حينئذ نقول: نحن لا نعتني أصالة في علم تخريج الفروع على الأصول بتخريج كلام الناس على الأصول، وإنما نعتني بتخريج المسائل الفقهية الشرعية على الأصول.
الأمر الثالث: أن كثيرا منهم يخرج المسألة المتعلقة بالشروط على أصل التقعيد وإن كانت متفرعة على بعض شروط المسألة الأصولية، مثال هذا: عندنا مسألة: الأمر هل يفيد الوجوب أو لا؟ يأتي فقيه ويخرج عليها مسألة الإشهاد في البيع، لقوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفي الحقيقة هذه المسألة لا تخرج على قاعدة الأمر يفيد الوجوب، وإنما تخرج على قاعدة: هل وجدت قرينة تصرف هذا الأمر عن أصله الذي هو الوجوب أم لا؟ والأولى في التخريج ربط المسائل بالأدلة، فالأصل أن تخرج المسائل الفقهية على النصوص، فإن عجز الإنسان عن ذلك خرجها على العلل والقواعد الفقهية.
من وراء الفقه ١: التفقه، ومعتمله هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) [١].
قال ابن خير رحمه الله تعالى في فقه الحديث: "وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهم، وفي ضمنه بيان وجوب التفقه، والبحث على معاني الحديث، واستخراج المكنون من سره" [٢].
وللشيخين؛ شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى، في ذلك القدح المعلى، ومن نظر في كتب هذين الإمامين، سلك به النظر فيها إلى التفقه طريقا مستقيما ٢.
[١] أخرجه أحمد (٤١٥٧)، والترمذي ١٠/ ١٢٤، وابن ماجه ١/ ٨٥. [٢] فهرسة ابن خير ص ٩.
ومن مليح كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله في مجلس للتفقه: "أما بعد: فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام المشروعة ١، تصويرا ٢، وتقريرا وتأصيلا، وتفصيلا، فوقع الكلام في … فأقول لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبني على أصل وفصلين.... ".
واعلم أرشدك الله أن بين يدي التفقه (التفكر) ٣؛ فإن الله سبحانه وتعالى دعا عباده في غير آية من كتابه إلى التحرك بإحالة النظر العميق في (التفكر) في
ملكوت السماوات والأرض، وإلى أن يمعن المرء النظر في نفسه، وما حوله، فتحا للقوى العقلية على مصراعيها، وحتى يصل إلى تقوية الإيمان وتعميق الأحكام، والانتصار العلمي: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾ [البقرة: ٢٤٢]، ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾ [الأنعام: ٥٠].
وعليه فإنه "التفقه" أبعد مدى من "التفكر" إذ هو حصيلته وإنتاجه، وإلا ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾ [النساء: ٧٨].
لكن هذه التفقه محجوز بالبرهان محجور عن التشهي والهوى ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾ [البقرة: ١٢٠].
فيا أيها الطالب! تحل بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه، لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقيه إلى فقيه النفس كما يقول الفقهاء، وهو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، أو فقيه البدن كما في اصطلاح المحدثين ١.
النوع الأول: الفقيه الذي ينظر في جزئيات المسائل ويتقنها، فمثل هذا قد يسمونه بالفقيه، ولكنه لا يجوز له استنباط الأحكام من الأدلة.
والنوع الثاني: من يتجاوز الجزئيات إلى الكليات، فيحصل كليات الشريعة، فهذا يتمكن من التخريج والتفقه، ولكن قد يخطئ كثيرا؛ لأنه يغفل عن جزئيات ترتب عليها كليات.
الثالث: من أدرك الجزئيات والكليات، وهذا هو فقيه الناس.
فأجل النظر عند الواردات بتخريج الفروع على الأصول، وتمام العناية بالقواعد والضوابط ١.
وأجمع النظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام من قواعدها وأصولها المطردة، كقواعد المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع ٢.
والثاني: من تجاوز الجزئيات إلى معرفة الكليات لكنه لم يحط بالجزئيات، فهذا يجوز له الاجتهاد، لكن كثيرا ما يخطئ؛ لأنه يخفى عليه بعض الجزئيات التي تخالف تأصيله، مثال هذا: ما هي المعاني في باب صلاة الجمعة، وما مقصد الشارع من هذا الباب؟ مقصد الشارع من اجتماع الناس، فقد يأتيك فقيه فيقول: قد نؤخر صلاة الجمعة عن أول الوقت، فالمستحب أن يؤخر صلاة الجمعة عن أول الوقت إذا كان هناك عمل، أو كان هناك شغل، فحينئذ نقول: هذا اجتهاد جيد، لكن مرة قد يوجد من نظر إلى المعنى الكلي، وغفل عن المعاني الجزئية فيقول: الناس لا يتمكنون من الاجتماع يوم الجمعة في دول =
وهكذا هديت لرشدك أبدا، فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق.
وعليك بالتفقه - كما أسلفت - في نصوص الشرع، والتبصر فيما يحف أحوال التشريع، والتأمل في مقاصد الشريعة ١، فإن خلا فهمك من هذا أو نبا سمعك فإن وقتك ضائع، وإن اسم الجهل عليك لواقع ٢.
وهكذا أيضا فيما يتعلق بدفع الضرر، أو بجلب التيسير، أو بالحيل أو الذرائع، لابد من ملاحظة الأمرين معا، الكلي والجزئي، إن لاحظنا الجزئي وقعنا في الغلط، وصادمنا كليات الشريعة، وإن لاحظنا الكلي وحده قد نقع في خطأ؛ لأننا قد لا نلتفت إلى جزئي حضر فيه كلي آخر، لأننا لو جعلنا صلاة الجمعة يوم الأحد لأدى ذلك إلى تغيير مراتب الشرع، وانطماس الشريعة بالكلية، وكلما كانت هناك مسألة ذهبنا نغير في الشرع من أجل هذه المسألة، صحيح إننا التفتنا إلى كلي، لكن غفلنا عن كلي أهم وأولى منه، وما ذاك إلا لأننا غفلنا عن الجزئيات.
وهذه الخلة بالذات هي التي تعطيك التميز الدقيق والمعيار الصحيح لمدى التحصيل والقدرة على التخريج، فالفقيه ١ هو من تعرض له النازلة لا نص فيها فيقتبس لها حكما ٢.
والبلاغي ليس من يذكر لك أقسامها وتفريعاتها، لكنه من تسري بصيرته البلاغية من كتاب الله مثلا، فيخرج من مكنون علومه وجوهها وإن كتب أو خطب؛ نظم لك عقدها.
وهكذا في العلوم كافة ٣.
ومن حفظ القواعد الأصولية ولم يتمكن من تطبيقها فهو ليس بأصولي، هكذا من حفظ الفروع الفقهية، لكنه لا يتمكن من استخرج أحكامها من النصوص، فهذا ليس بفقيه، إنما هو فروعي، ولو حفظ المغني، أو حفظ المنتهى، أو حفظ زاد المستقنع، والروض، لكنه لا يعرف استخراج أحكام المسائل الجديدة من الأدلة فهذا ليس بفقيه، بل هذا فروعي.