شرح حلية طالب العلم٢٨) حفظ الرعاية

(٢):

ابذل الوسع في حفظ العلم (حفظ رعاية) بالعمل والاتباع، قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: "ويجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله سبحانه" [١].


قوله: "فإن الحفظ يضعف، والنسيان يعرض قال الشعبي: (إذا سمعت شيئا فاكتبه، ولو في الحائط) [٢] "، ذكر المؤلف هذا القول للشعبي، وكان الشعبي من أكثر الناس حفظا، وكان له قوة غريبة في الحفظ، ومع ذلك أمر بالكتابة.

الأدب الثامن والعشرون من آداب طالب العلم: أن يحفظ الطالب العلم من خلال رعايته، ورعاية العلم على أنواع:

أولها: أن يرعاه بالعمل؛ بحيث كلما علم مسألة عمل بها فهذا يكون قد عمل بعلمه، وترك العمل بالعلم من أسباب غضب الله تعالى، كما في سورة الفاتحة، وقد جاء في =

[١] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السماع للخطيب ١/ ٨٠. [٢] تقييد العلم للخطيب ١/ ٩٩.

...............................


وكثير من أهل العلم قد حذر من هذا، روى جندب رضي الله عنه مرفوعا: (إن مثل الذي يعلم الناس ولا يعمل بعلمه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه) [٢].

الطريقة الثانية لرعاية العلم: أن يكون مقصد الإنسان وجه الله والدار الآخرة، فإنك إذا قصدت ذلك بارك الله في علمك وجعلك تحفظه، ويبقى في ذهنك، أما من قصد الدنيا، فإن الدنيا زائلة، وما عمل لله يبقى، وما كان لغيره يفنى.

الطريقة الثالثة: الدعوة إلى ما لديك من العلم، فإن هذا يبقي العلم عندك، فمتى كنت تدعو الناس وتدرسهم وتعلمهم، بقي العلم لديك، ومتى أهملت ما لديك من العلم، فلم تراع فيه ذلك، ولم تدع إليه فإنه مع مرور الزمن ستنساه ولن يبقى عندك.

الأمر الرابع: مما يحصل به رعاية العلم وحفظه: ترك المفاخرة به؛ فإن من فاخر بالعلم عاقبه الله بزوال ذلك العلم منه، وكثير من الناس فاخر بما لديه من العلم فكان ذلك سببا من أسباب زوال العلم عنه؛ لأن الله - جل وعلا - جعل من سمة العلماء التواضع، فمن فاخر بالعلم وترفع به، وقال: علمي أحسن من علم غيري وضعه الله - جل وعلا -، وانظر: في قصة موسى لما قيل له: (هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله عز وجل إلى موسى: بلي، عبدنا خضر) [٣].

[١] أخرجه البخاري (٣٢٦٧). [٢] أخرجه أبو داود في الزهد (٣٧٧) ص ٣٢٦، وابن أبي عاصم في الآحاد (١٦٨١)، والطبراني ٢/ ١٦٧ (١٦٨٥). [٣] أخرجه البخاري (٧٤).

وليحذر أن يجعله سبيلا إلى نيل الأعراض، وطريقا إلى أخذ الأعواض، فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه.

وليتق المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة، واتخاذ الأتباع، وعقد المجالس، فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه ١.


ولا ينوي الأعراض كالجاه والرئاسة والعلو والسمعة بأنه أخذ الشهادة، ولا يقصد الأعواض كالمرتبات وأجر المحاماة ونحوها.

الطريقة الخامسة: عدم الاستهزاء بالجهال، والضحك على تصرفاتهم، فإن الإنسان متى استهزأ بالآخرين لكونهم لا يعلمون عاقبه الله بسلب العلم منه، وقد جاء في الحديث: (لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك) [١].

كذلك من طرائق حفظ العلم ورعايته: حفظ مكانة أهل العلم، فإنك عندما تنتقص غيرك من العلماء فإن ذلك يكون سببا في عدم تمكينك من تحصيل العلم؛ فإن الله - جل وعلا - جعل حملة العلم لهم مكانة وحرمة، وجعل المعتدي عليهم بالأذية يعاقب بالعقوبات الدنيوية والأخروية، كما في جاء في الحديث: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) [٢]، ولذلك يحفظ الإنسان لسانه من الكلام في علماء الشريعة.

[١] أخرجه الترمذي (٢٥٠٦). [٢] أخرجه البخاري (٦٥٠٢).

وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية ١، فإن رواة العلوم كثر، ورعاتها قليل، ورب ٢ حاضر كالغائب ٣، وعالم كالجاهل، وحامل للحديث ليس معه منه شيء، إذا كان في اطراحه لحكمه ٤ بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه ٥.


[١] أخرجه الترمذي (٢٦٥٦)، وأبو داود (٣٦٦٠).

وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أمكنه ١، وتوظيف السنن على نفسه ٢، فإن الله تعالى يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] ا. هـ.

جارٍ التحميل