٢٢) التلقي عن المبتدع
٣:
نشير إلى شيء من القواعد المتعلقة بهذا الأدب:
القاعدة الأولى: أن البدعة تؤثر على ذهن الإنسان، فلا يتمكن من التمييز والفهم كما يتمكن صاحب السنة وصاحب المعتقد الصحيح؛ وذلك لأمور:
الأمر الأول: أن الفهم والعلم فيه إمداد من الله عز وجل لبعض عباده، فالله - جل وعلا - يزيد بعض العباد فهما وعلما على غيرهم، وكلما قرب الإنسان من السنة وابتعد عن البدعة كان فهمه أكثر.
الأمر الثاني: أن أهل السنة عندهم طمأنينة وسكون، وبالتالي فاضطراب النفس ليس موجودا عندهم، واضطراب النفس يؤثر على قدرة الإنسان على العلم والتعلم، ولذلك فنحن نختار أهل السنة؛ لما لديهم من اليقين والطمأنينة والسكينة.
=
...........................
هكذا أيضا في مبحث النحو، هناك مسائل نحوية لها علاقة بمباحث عقدية، فعندما تأتي إلى نحوي مبتدع قد يأتيك بأثر البدعة، وتنطلي عليك، ولا يذكر لك أساس البدعة، ومن هنا لا تربط بين الأساس والأثر، والنحو فيه مسائل كثيرة مبنية على أمور عقدية، مثال ذلك: يقول القائل: حرف (لن) يدل على النفي المؤبد، ويكرر لك هذا الأمر، ويمثل يقوله تعالى: مثلا: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ [البقرة: ١٢٠]، ويقول: هذا للنفي المؤبد، فتنطلي عليك وتستقر في نفسك، حتى إذا جاءك قول الله تعالى: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]، نفيت الرؤية في الدنيا والآخرة، من أين نشأ هذا القول الفاسد بنفي رؤية المؤمنين الله في الآخرة؟ نشأ هذا القول من استقرار هذه المعلومة في ذهنك: (أن لن للنفي (المؤبد) التي أخذتها من هذا المبتدع.
الأمر الرابع: أن في أخذ الناس عن المبتدع رفعا لشأنه عندهم، ومن ثم يقبل الناس عليه فيأخذون ما لديه من غث وثمين، صحيح أنت لم تدرس عنده إلا النحو، لكنك بدراستك عنده وضعت له مكانة، فأقبل الناس عليه، فدرسوا المعتقد والأصول والفقه والنحو عنده، وحينئذ تكون سببا في ضلال غيرك لأخذه من هذا المبتدع.
=
احذر (أبا الجهل) المبتدع ١، الذي مسه زيغ العقيدة ٢،
والبدعة أخف من الشرك، فإذا كان هذا التحذير من المبتدع، فالتحذير من أهل الشرك من باب أولى، فإذا وجد من يعرف النحو لكنه يصرف العبادة لغير الله، ويذهب إلى الولي فيدعوه من دون الله فهذا أولى بالهرب منه، ولا يصح أن يجعل له مكانة ومنزلة.
والبدعة هي الطريقة المخترعة في الدين بأن ينسب إلى الدين ما ليس منه، وقد تكون البدعة في المعتقد وهي أشد، وقد تكون في العمل..
وغشيته سحب الخرافة ١، يحكم الهوى ويسميه العقل، ويعدل عن النص، وهل العقل إلا في النص؟! ويستمسك بالضعيف، ويبعد عن الصحيح، ويقال لهم أيضا: (أهل الشبهات)، و(أهل الأهواء)، ولذا كان ابن المبارك رحمه الله تعالى يسمى المبتدعة: (الأصاغر) ٢.
وقال الذهبي رحمه الله تعالى: "إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث وهات (العقل)، فاعلم أنه أبو جهل ٣،
وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حل فيه، إن جبنت (جبنت يعني ضعفت، وخفت) منه فاهرب، وإلا فاصرعه، وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه" (١) [١] ا. هـ.
قوله: "وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل والعقل.. " مثل ذلك ما إذا جاءك أهل التصوف، وقالوا نسير على الذوق والوجد والإلهام، وما يلقيه الله في قلوبنا، فهؤلاء أيضا مبتدعة؛ لأن الشياطين تلقي في قلوبهم وساوس يظنونها إلهاما، وقد يأتيهم الشيطان، ويقول: أنا ملك، فيأخذون منه، وحينئذ احذر من عدوك الشيطان؛ لأنه قد يلقي في قلبك وفي عقلك وساوس تظنها أدلة عقلية ويقينية، وما هي إلا جهالات، ومن هنا ينبغي أن تتخذ الأسباب التي تجعلك لا تستجيب لوساوس الشيطان؛ ومن ذلك: أن تكثر من قراءة القرآن، وأن تكثر من التهليل، وأن تكثر من ذكر الله؛ لئلا يلقي الشيطان في قلبك هذه الشبهات فتكون من المبتدعين.
[١] سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٢.
وقال أيضا رحمه الله تعالى: "وقرأت بخط الشيخ الموفق قال: سمعنا درسه - أي ابن أبي عصرون - مع أخي أبي عمر وانقطعنا، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعد فقال: لم انقطعتم عني؟ قلت: إن أناسا يقولون: إنك أشعري، فقال والله ما أنا أشعري.
هذا معنى الحكاية" ١ [١].
وعن مالك رحمه الله تعالى قال: "لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به" ٢ [٢].
[١] سير أعلام النبلاء ٢١/ ١٢٩. [٢] سير أعلام النبلاء ٨/ ٦٧.
فيا أيها الطالب إذا كنت في السعة والاختيار؛ فلا تأخذ عن مبتدع: رافضي، أو خارجي، أو مرجئ، أو قدري، أو قبوري.. وهكذا، فإنك لن تبلغ مبلغ الرجال - صحيح العقد في الدين متين الاتصال بالله، صحيح النظر، تقفو الأثر - إلا بهجر المبتدعة وبدعهم ١.
وكتب السير والاعتصام بالسنة حافلة بإجهاز أهل السنة على البدعة، ومنابذة المبتدعة، والابتعاد عنهم، كما يبتعد السليم عن الأجرب المريض، ولهم قصص وواقعات يطول شرحها، لكن يطيب لي الإشارة إلى رؤوس المقيدات فيها.
فقد كان السلف رحمهم الله تعالى يحتسبون الاستخفاف بهم، وتحقيرهم ورفض المبتدع، وبدعته، ويحذرون من مخالطتهم، ومشاورتهم، ومؤاكلتهم، فلا تتوارى نار سني ومبتدع.
وكان من السلف من لا يصلي على جنازة مبتدع، فينصرف، وقد شوهد من العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى (م سنة ١٣٨٩ هـ) انصرافه عن الصلاة على مبتدع ٢.
الصنف الأول: من كان يختار مشايخه فهذا يوصى بأن لا يأخذ العلم عن مبتدع، واستند المؤلف في هذا إلى كلام الأئمة في التحذير من المبتدعة، والتحذير من الاقتراب منهم، والتوجيه بمنابذتهم، والابتعاد عنهم، وكان السلف يحتسبون تحقير أهل البدع، ويحذرون من مخالطتهم ومؤاكلتهم.
وكان من السلف من ينهى عن الصلاة خلفهم، وينهى عن حكاية بدعهم؛ لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة.
وكان سهل بن عبد الله التستري لا يرى إباحة الأكل من الميتة للمبتدع عند الاضطرار؛ لأنه باغ، لقول الله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فهو باغ ببدعته ١ [١].
وكانوا يطردونهم من مجالسهم، كما في قصة الإمام مالك رحمه الله تعالى مع من سأله عن كيفية الاستواء، وفيه بعد جوابه المشهور: "أظنك صاحب بدعة"، وأمر به فأخرج ٢ [٢].
وأخبار السلف متكاثرة في النفرة من المبتدعة وهجرهم،
[١] تفسير الثعلبي ٢/ ٤٦، وتفسير البغوي ١/ ١٨٤. [٢] شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٣/ ٣٩٨، حلية الأولياء ٦/ ٣٢٥، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٤٠٨.
حذرا من شرهم، وتحجيما لانتشار بدعهم، وكسرا لنفوسهم حتى تضعف عن نشر البدع، ولأن في معاشرة السني للمبتدع تزكية له لدى المبتدئ والعامي، والعامي: مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالبا ١.
ونرى في كتب المصطلح، وآداب الطالب، وأحكام الجرح والتعديل: الأخبار في هذا.
فيا أيها الطالب، كن سلفيا على الجادة، واحذر المبتدعة أن يفتنوك، فإنهم يوظفون للاقتناص والمخاتلة سبلا ٢ يفتعلون تعبيدها بالكلام المعسول - وهو (عسل) مقلوب - ٣ وهطول الدمعة، وحسن البزة،
أولا: لئلا يقع في نفسك شيء من بدعهم، بدون أن تشعر.
وثانيا: تحجيم لانتشار بدعهم؛ لأن الناس إذا رفعوا شأن المبتدع بدءوا يأخذون منه في بقية العلوم، فانتشرت البدع التي لديهم.
ثالثا: كسر لنفوسهم، بحيث لا يصبح لهم مكانة ولا منزلة، فمن ثم لا يتمكنون من نشر البدع.
ورابعا: هرب من تزكية المبتدعة خصوصا عند المبتدئين.
والإغراء بالخيالات، والإدهاش بالكرامات، ولحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، وما وراء ذلك إلا وحم البدعة ورهج الفتنة، يغرسها في فؤادك، ويعتملك في شراكه، فوالله لا يصلح الأعمى لقيادة العميان وإرشادهم.
أما الأخذ عن علماء السنة، فالعق العسل ولا تسل ١.
وفقك الله لرشدك، لتنهل من ميراث النبوة صافيا، وإلا فليبك على الدين من كان باكيا.
وما ذكرته لك هو في حالة السعة، والاختيار، أما إن كنت في دراسة نظامية لا خيار لك، فاحذر منه مع الاستعاذة من شره باليقظة من دسائسه على حد قولهم: "اجن الثمار وألق الخشبة في النار"، ولا تتخاذل عن الطلب، فأخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف، فما عليك إلا أن تتبين أمره، وتتقي شره، وتكشف ستره ٢.
القسم الثاني: من كان في دراسة نظامية، وبالتالي يلزم بأن يدرس على هذا المبتدع، فحينئذ يدرس الإنسان عليه وينتقي معلوماته، ويقارنها، ويتيقظ من دسائسه، ولا يقول الإنسان: سأتوقف عن التعلم من أجل هذا المبتدع، والمؤلف يخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف.
ومن النتف الطريفة أن أبا عبد الرحمن المقرئ حدث عن مرجئ، فقيل له: لم تحدث عن مرجئ؟ فقال: "أبيعكم اللحم بالعظام" ١.
فالمقرئ رحمه الله تعالى حدث بلا غرر ولا جهالة؛ إذ بين فقال: "وكان مرجئا".
وما سطرته لك هنا هو من قواعد معتقدك، عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنه ما في "العقيدة السلفية" لشيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (م سنة ٤٤٦ هـ)، قال رحمه الله تعالى: "ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالأذان وقرت في القلوب ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت، وفيه أنزل الله عز وجل قوله: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ [الأنعام: ٦٨] " ٢ ا. هـ.
وعن سليمان بن يسار: (أن رجلا يقال له: صبيغ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه، وقد أعد له عراجين
النخل، فقال: من أنت؟ قال أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عرجونا من تلك العراجين، فضربه حتى دمي رأسه، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد، ثم تركه حتى برأ، فدعي به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري باليمن: لا يجالسه أحد من المسلمين) [١].
وقيل: كان متهما برأي الخوارج.
والنووي رحمه الله تعالى قال في كتب "الأذكار": "باب: التبري من أهل البدع والمعاصي" [٢].
وذكر حديث أبي موسى رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة) [٣]، متفق عليه، وعن ابن عمر براءته من القدرية، رواه مسلم.
والأمر في هجر المبتدع ينبني على مراعاة المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها، وعلى هذا تتنزل المشروعية من عدمها، كما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع.
والمبتدعة إنما يكثرون ويظهرون إذا قل العلم، وفشا الجهل ١،
[١] أخرجه الدارمي (١٤٤). [٢] أخرجه مسلم (٨). [٣] أخرجه البخاري (١٢٣٤)، ومسلم (١٠٤).
وفيهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال" ١.
ا. هـ.
فإذا اشتد ساعدك في العلم فاقمع المبتدع وبدعته بلسان الحجة والبيان، والسلام ٢.