(١٦) كيفة الطلب ومراتبه
١:
"من لم يتقن الأصول حرم الوصول".
وأول هذه الآداب: أن يحرص على التدرج في التعلم، بحيث يأخذ كل أناس ما يناسبهم، وينبغي أن يكون هذا بأمور:
الأمر الأول: الارتباط بعالم ناصح فاهم مشفق، بحيث إذا ارتبط الإنسان بالعالم استفاد من سمته وهديه، وكذلك درجه في العلم، وانتقى له من الكتب ما يناسبه، ويكون صالحا لحاله.
الأمر الثاني: حسن اختيار الكتاب الذي يدرسه الطالب، وأضرب لهذا مثلا: سألني بعض الطلاب هنا أن أشرح لهم "مختصر التحرير"، و"مختصر "التحرير" كتاب طويل وصعب، وفيه مباحث دقيقة ومبنية على أصول عقدية، وقد لا يستوعبها هؤلاء، ثم قد يضيق الوقت عندهم، فيأخذون ربع الكتاب، أو نصف الكتاب، ثم لا يتمكنون من إتمامه وإكماله، فيكون عندهم في نفوسهم نوع من التنقص لعدم إكمالهم للكتاب، ولذلك اخترنا لهم أن يكون لنا دورة علمية في كل أسبوع منها نأخذ متنا علميا، فيكون ذلك سببا من أسباب التحصيل، وإكمال مهمات هذه الكتب، وإدراك الأهداف التي سعى إليها مؤلفو هذه المتون.
الأمر الثالث: التدرج في التعلم، بحيث يبتدئ الإنسان بالنقطة الأولى، ويتجه إلى المتن الأقل ليضبطه ويتقنه، فيكون بمثابة الأساس الذي يؤسس عليه البنيان، وأما إذا أتى ليبني سقف البيت وهو لم يبن أساسه بعد فإنه لن يتمكن من بنائه، ولو وضع سقفا فهو عما قريب =
...........................
ويحضرني في هذا أن بعض الفقهاء الذين ذكروا أنهم كانوا يدرسون مختصر الخرقي، فلما طلبوا من شيخهم أن ينتقل بهم إلى كتاب آخر، قال: هذا الكتاب قد ضبطته، وعرفت ما فيه سأدرسكم إياه، ومن أراد غيره فلينتقل لغيري، ثم قال: أنت يا فلان ويا فلان لا تنتقل عن هذا الكتاب حتى تضبطه، وبذلك لا بد من التدرج في التعلم.
الأمر الرابع: معرفة المصطلحات العلمية في الكتب التي يريد الإنسان قراءتها، بحيث كلما مر عنده لفظ عرف معناه، وعرف مراد أهل العلم به، بحيث لا ينزل كلام أهل العلم على غير مرادهم، فإنك إذا لم تفهم هذه المصطلحات، فحينئذ ستفهم كلام الفقهاء فهما خاطئا مغلوطا، وأضرب لهذا مثلا: جاءني إنسان ووجدني أقرأ كتاب "الرد على المنطقيين" كانت هيئته حسنة، وأعرف عنه رغبة في العلم، فطلب مني استعارة هذا الكتاب فأعرته له، وبعد أسبوع أعاد لي الكتاب، وقال: هذا كتاب قيم فيه فوائد كثيرة، لكن هذا الكتاب اشتمل على كلمة لا أعرف ما مدخلها في الكتاب، فقلت له: ما هي هذه الكلمة، قال: كلمة الحد، فما مدخل العقوبات عند المناطقة؟ فقلت له: قد أتعبت نفسك بدراسة هذا الكتاب، المراد بالحد: التعريف، والمؤلف في الرد على المنطقيين يرد على المناطقة طريقتهم في التعريفات التي هي الحدود، فعندما يفهم القارئ أن المراد هو الحد الذي يقصد به العقوبة المقدرة حينئذ يكون قد فهم الكتاب على غير مراد صاحبه.
الأمر الخامس: الحرص على الحفظ، وأول ما يحفظ النصوص الشرعية، الكتاب، والسنة، فإن الإنسان إذا لم يحفظ هذه الأصول فإنه حينئذ لا ينطلق في تعليمه، ولا في دعوته، ولا في علمه من منطلقات صحيحة؛ لأن منطلقات العلم هي النصوص كتابا =
...........................
الأمر السادس: وهو أن يحرص الإنسان على اختيار الكتب والمؤلفات التي يعرفها الناس في بلده، ويكون لها مكانة في ذلك البلد، من أجل أن يتمكن من ضبطها، ومن أجل أن يكون ذلك سبيلا لنشرها في الأمة، ومن أجل اجتماع كلمة الناس من خلال تعلمهم في كتب متقاربة، وأما إذا درسنا كتبا لا يعرفها الناس، وجعلناها هي الأساس الذي ننطلق منه في التعلم، حينئذ نكون قد نافرنا بقية طلبة العلم، ولم نكن وإياهم على وفاق.
الأمر السابع: عدم الملل في التعلم، وقد أشرنا إلى هذا فيما سبق، فإن الإنسان إذا كان كلما قرأ كتابا وانتصف فيه مل منه، وانتقل إلى كتاب آخر لم يتمكن من ضبط العلم.
الأمر الثامن: من الأمور التي ينبغي أن تعرف هو عدم الخلط بين العلوم، وليس المراد به أن لا يتعلم الإنسان علمين في زمن واحد، في سنة واحدة أو في يوم واحد، وإنما المراد به ألا يدخل بعضهما في بعض في وقت واحد؛ لأن مصطلحات أهل الفنون تختلف، ومراد كل طائفة يغاير مراد الطائفة الأخرى.
الأمر التاسع: من الأمور التي ينبغي أن تكون عند طالب العلم: ألا يدخل في الخلاف حتى يتقن أساس ذلك الفن الذي يدرسه؛ لأنك إذا دخلت في الأقوال، وفي الأدلة وأنت لم تحط بالمراد بهذه المسائل، فحينئذ ستنزل كلامهم على غير مرادهم، ولن تتمكن من فهم هذه المسألة.
الأمر العاشر: ينبغي أن يعلم بأن التعلم في الكتاب لا يعني العمل به، فطالب العلم يتعلم ما في هذا الكتاب، لكنه عند العمل يسأل فقهاء عصره إن لم يكن مجتهدا، وإن خالف الاجتهاد والفتوى ما في ذلك الكتاب فإنه يسأل عن سبب المخالفة؛ حتى يحيط بالقولين، ويعرف مستند كل منهما.
هذا شيء فيما يتعلق بكيفية الطلب والتلقي ومراتبه.
"من لم يتقن الأصول، حرم الوصول" ١، و"من رام العلم جملة، ذهب عنه جملة" ٢، وقيل أيضا: "ازدحام العلم في السمع مضلة الفهم" ٣.
وعليه، فلا بد من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه، بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن، لا بالتحصيل الذاتي وحده، وآخذا الطلب بالتدرج ٤.
أولا: الخطأ في نطق الكلمات، فتجدهم لا يضبطون تشكيل الكلمة ضبطا صحيحا؛ وذلك لأنهم أخذوا الكتاب فقرءوا منه، فظنوا أن ما نطقوه هو الصحيح؛ لأن الكتب في =
...........................
الأمر الثاني: أن من لم يتعلم على شيخ أدخل المسائل بعضها في بعض، فقد مثلنا له فيما مضى بمن قرءوا مسألة: من سبقه الحدث في الصلاة، فحينئذ يقول الفقهاء: يستخلف من وراءه، فيقدمون إماما يصلي بهم، بينما في مسألة من تذكر الحدث في أثناء الصلاة قالوا: تبطل صلاته وتبطل صلاة من خلفه، هكذا قال فقهاء الحنابلة، فيأتي إنسان، فيظن أن هذه المسألة هي تلك المسألة، فينسب إلى هؤلاء الفقهاء ما لم يقولوه.
الأمر الثالث: من الأمور التي تنبني على تعلم الإنسان بنفسه بدون مراجعة شيخ عالم: أن فهم الكلمات والمصطلحات لا يعرف إلا من خلال هؤلاء العلماء الذين يتعلم الإنسان عليهم، وقد مثلت لكم بأمثلة: مصطلح واحد يختلف من باب إلى باب، وهناك مصطلحات تختلف من عالم إلى عالم، وهناك مصطلحات تختلف من فن إلى فن، وهناك مصطلحات تختلف من منهج إلى منهج، مثال هذا: إذا قال إنسان أو فقيه: الكفالة جائزة، ما المراد بالكفالة؟ إن كان حنبليا فهو يريد الالتزام بإحضار بدن من عليه حق، هذه كفالة، وإن لم يكن حنبليا فهو يريد: الالتزام بدفع ما في ذمة الآخرين الذي يسميه الحنابلة: الضمان.
إذن من هنا اختلف المصطلح باختلاف المنهج، وقد يكون باختلاف الأبواب، فكلمة الضمان يراد بها مرة: ضم ذمة إلى ذمة، ومرة يراد بها: دفع التعويض عن المتلفات، فكيف يعرف الإنسان التفريق بينهما؟ يعرف ذلك بكونه يتعلم على معلم يدله على مراد أهل العلم بذلك اللفظ.
الأمر الرابع: معرفة الصحيح من الضعيف، عندما يأتي الإنسان ويقرأ الكتب يكون كحاطب ليل، لا يميز بين صحيحها وضعيفها، وعندما يراجع العلماء الفاهمين يدلونه =
قال الله تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ١.
إذا تقرر هذا فإنه لا بد أن يختار الإنسان العالم المتقن، أما من انتسب إلى العلم ولم يكن متقنا له فحينئذ قد يوقعه في أشياء كثيرة، مخالفة للصواب والحق.
ومما يتعلق بهذا: أن تختار في كل فن من يتقنه حتى تكون بذلك قد حصلت الإتقان في ذلك الفن، وقد يوجد علماء يتقنون فنونا عديدة، فمثل هؤلاء هم الذين يحرص على اقتناصهم واقتناص التعلم منهم؛ وذلك لأن العلوم الشرعية يرتبط بعضها ببعض، فعندما تأتي بشخص عارف في الفقه، ومتقن لكلام أهل العلم فيه، لكنه لا يعرف قواعد الأصول، أو لا يعرف مباحث المعتقد يكون درسك معه مقطوعا؛ لأن مسائل الفقه مرتبطة بالأصول، وهناك مسائل فقهية عديدة فيها جوانب عقدية.
وقال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا﴾ [الفرقان: ٣٢] ١.
وقال تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾ [البقرة: ١٢١].
فأمامك
أمور لا بد من مراعاتها في كل فن تطلبه:
(١) حفظ مختصر فيه ٢.
(٢) ضبطه على شيخ متقن ٣.
ذكر المؤلف عددا من الوسائل في التعلم:
[١] أخرجه مسلم (٨٨٣)، وأبو داود (١١٢٩).
(٣) عدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله ١.
(٤) لا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب، فهذا من باب الضجر ٢.
(٥) اقتناص الفوائد والضوابط العلمية ٣.
(٦) جمع النفس للطلب والترقي فيه، والاهتمام والتحرق للتحصيل ٤
[١] أخرجه البخاري (١٥٧٧).
والبلوغ إلى ما فوقه حتى تفيض إلى المطولات بسابلة موثقة ١.
وكان من رأي ابن العربي المالكي أن لا يخلط الطالب في التعليم بين علمين، وأن يقدم تعليم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل منه إلى القرآن.
لكن تعقبه ابن خلدون بأن العوائد لا تساعد على هذا، وأن المقدم هو دراسة القرآن الكريم وحفظه، لأن الولد ما دام في الحجر؛ ينقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ، صعب جبره ٢.
أما الخلط في التعليم بين علمين فأكثر؛ فهذا يختلف باختلاف المتعلمين في الفهم والنشاط.
وكان من أهل العلم من يدرس الفقه الحنبلي في "زاد المستقنع" للمبتدئين، "والمقنع" لمن بعدهم للخلاف المذهبي، ثم "المغني" للخلاف العالي، ولا يسمح بالطبقة الأولى أن تجلس في درس الثانية.. وهكذا؛ دفعا للتشويش.
واعلم أن ذكر المختصرات والمطولات التي يؤسس عليها الطلب والتلقي لدى المشايخ تختلف غالبا من قطر إلى قطر باختلاف المذاهب، وما نشأ عليه علماء ذلك القطر من إتقان هذا المختصر والتمرس فيه دون غيره ١.
والحال هنا تختلف من طالب إلى آخر باختلاف القرائح والفهوم، وقوة الاستعداد وضعفه، وبرودة الذهن وتوقده ١.
وقد كان الطالب في قطرنا بعد مرحلة الكتاتيب والأخذ بحفظ القرآن الكريم يمر بمراحل ثلاث لدى المشايخ في دروس المساجد: للمبتدئين، ثم المتوسطين، ثم المتمكنين.
ففي التوحيد: "ثلاثة الأصول وأدلتها"، و"القواعد الأربع"، ثم "كشف الشبهات"، ثم "كتاب التوحيد"، أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، هذا في توحيد العبادة ٢.
[١] أخرجه البخاري (١٤٩٦)، والترمذي (٦٢٥)، وأبو داود (١٥٨٤).
وفي توحيد الأسماء والصفات: "العقيدة الواسطية"، ثم "الحموية"، و"التدمرية"، ثلاثتها لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فـ "الطحاوية" مع شرحها.
وفي النحو: "الآجرومية" ثم "ملحة الإعراب" للحريري، ثم "قطر الندى" لابن هشام، و"ألفية ابن مالك" مع شرحها لابن عقيل.
وفي الحديث: "الأربعين" للنووي، ثم "عمدة الأحكام" للمقدسي، ثم "بلوغ المرام" لابن حجر، و"المنتقى" للمجد بن تيمية، رحمهم الله تعالى، فالدخول في قراءة الأمات الست وغيرها.
وفي المصطلح: "نخبة الفكر" لابن حجر، ثم "ألفية العراقي" رحمه الله تعالى.
وفي الفقه مثلا: "آداب المشي إلى الصلاة" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم "زاد المستقنع" للحجاوي رحمه الله تعالى، أو "عمدة الفقه"، ثم "المقنع" للخلاف المذهبي، "والمغني" للخلاف العالي، ثلاثتها لابن قدامة رحمه الله تعالى.
وفي أصول الفقه: "الورقات" للجويني رحمه الله تعالى، ثم "روضة الناظر" لابن قدامة رحمه الله تعالى.
وفي الفرائض "الرحبية"، مع شروحها، و"الفوائد الجلية".
وفي التفسير: "تفسير ابن كثير" رحمه الله تعالى.
وفي أصول التفسير: "المقدمة" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وفي السيرة النبوية: "مختصرها" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأصلها لابن هشام، وفيه "زاد المعاد" لابن القيم رحمه الله تعالى.
وفي لسان العرب: العناية بأشعارها، وكـ "المعلقات السبع"، والقراءة في "القاموس" للفيروز آبادي رحمه الله تعالى … وهكذا من مراحل الطلب في الفنون.
وكانوا مع ذلك يأخذون بجرد المطولات، مثل "تاريخ ابن جرير"، وابن كثير، وتفسيرهما، ويركزون على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى، وكتب أئمة الدعوة وفتاواهم، لاسيما محرراتهم في الاعتقاد ١.
ومثل المؤلف بالكتب التي كانت تجرد بتاريخ ابن جرير، وتفسير ابن جرير، وتاريخ ابن كثير، وتفسير ابن كثير، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنهم كانوا يحرصون على قراءتها، ويبذلون من أوقاتهم من أجل تعلمها، "وكتب أئمة الدعوة وفتاواهم، لاسيما محرراتهم في الاعتقاد"، وأعطيكم فائدة متعلقة بهذا، وهي أن أهل العقيدة الصحيحة يبارك الله لهم في أذهانهم وفهومهم، ولذلك تجد عندهم من الفوائد ما لا تجده عند غيرهم، ويكون عندهم من الاختصار في اللفظ ما ليس عند غيرهم، فالأقوال القليلة عندهم تدل على المعاني الكثيرة، وذلك أنهم لما جردوا عبادتهم لله، وجردوا مقاصدهم لله بارك الله في علومهم، وبارك الله في أقوالهم؛ ولذلك كلما كان الإنسان صاحب معتقد صحيح فإن الله - جل وعلا - يجعلك تستفيد منه أكثر من الاستفادة من غيره، ولهذا انظر إلى كتب الشيخ محمد، ألفاظ =
وهكذا كانت الأوقات عامرة في الطلب، ومجالس العلم، فبعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الضحى، ثم تكون القيلولة قبيل صلاة الظهر، وفي أعقاب جميع الصلوات الخمس تعقد الدروس ١، وكانوا في أدب جم، وتقدير بعزة نفس من الطرفين على منهج السلف ٢
الصالح رحمهم الله تعالى، ولذا أدركوا، وصار منهم في عداد الأئمة في العلم جمع غفير، والحمد لله رب العالمين.
فهل من عودة إلى أصالة الطلب في دراسة المختصرات المعتمدة، لا على المذكرات، وفي حفظها لا الاعتماد على الفهم فحسب ١، حتى ضاع
أما الكلام الوعظي والحديث السياسي والمحاضرات العامة والتي ليس لها أساس ومنهج فإنها لا تنضبط، وبالتالي ينبغي في دروسنا أن نرجع إلى المتون العلمية حتى نضبط العلوم ونعرفها، وأما الكلام الذي يكون بدون رجوع إلى كتب أهل العلم فإنه لا ينضبط، ولا يؤسس طالبا للعلم؛ لأنه يحفظ ما في هذه المذكرات وينساها بعد مرور أوقات الاختبار فيها، أو بعد مضي زمن، ثم بعد ذلك يصبح هو والعامي في مرتبة واحدة، ولكن من ضبط العلم بمراجعة متونه وأصوله فإنه حينئذ يتمكن بذلك من ضبط العلم، وبذلك أيضا نعرف مواطن بحث المسائل في الكتب، ومن هنا ينبغي أن لا يعتمد على مجرد الفهم، وينبغي أن يكون لنا طريقة في حفظ الأصول الشرعية، كتابا وسنة ومتون أهل العلم، فإنه بمضي الوقت يضيع الفهم ويبقى الحفظ، فالحفظ إذا بقي أمكن الفهم، لأن الآلة عندك موجودة، لكن إذا كان عندك فهم ولم يكن عندك الأصل فإن المفهوم يضيع، وتكون عندك الآلة، لكن ليس عندك الأصل الذي ترجع إليه في الفهم.
الطلاب فلا حفظ ولا فهم! وفي خلو التلقين من الزغل والشوائب والكدر سير على منهاج السلف … والله المستعان ١.
وقال الحافظ عثمان بن خرزاد (م سنة ٢٨٢ هـ) رحمه الله تعالى: "يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عدمت واحدة، فهي نقص، يحتاج إلى عقل جيد، ودين، وضبط، وحذاقة بالصناعة، مع أمانة تعرف منه" ٢.
أولها: العقل الجيد الذي يعرف به عواقب الأمور، ويميز به بين المتشابهات.
ثانيها: دين وورع بحيث لا يعتمد على الظنة، أو يكون شاذا في حديثه، أو يعتمد على رواية من لا يصح أن يعتمد على روايته.
=
قلت - أي الذهبي -: "الأمانة جزء من الدين (١)، والضبط داخل في الحذق، فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون: تقيا، ذكيا، نحويا، لغويا، حييا، سلفيا، يكفيه أن يكتب بيديه مائتي مجلد، ويحصل من الدواوين المعتبرة خمس مائة مجلد، وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات بنية خالصة، وتواضع (٢)،
رابعها: يحتاج إلى حذاقة في الصناعة، معرفة القواعد التي يصار عليها في التعلم.
خامسها: وجود الأمانة لئلا يدخل في العلم ما ليس منه، وينبغي أن يعرف بذلك حتى يوثق بكلامه، من لم يعرف بأنه أمين لم يعتمد على قوله.
وذكر المؤلف أيضا كلام الذهبي، فقال: "الأمانة جزء من الدين.. "، بحيث يرجع بعض هذه الصفات السابقة الخمس إلى بعضها، فالأمانة رجعت إلى الدين، والضبط رجع إلى الحفظ، وحينئذ قال: "ينبغي أن يكون تقيا"، والتقوى: الإقدام على الطاعة، والهرب من المعصية تقربا لله، من أجل الآخرة، وأن يكون ذكيا يعرف حقائق الأمور وبواطنها، نحويا: يعرف قواعد ضبط أواخر الكلمات، لغويا: يفهم معاني الكلام، زكيا: يعني: طاهرا ليس في نفسه خبث ولا طوية غير محمودة، حييا: يستحيي مما لا يليق به، سلفيا: سائرا على نهج سلفنا الصالح، يبتعد عن البدع.
قوله: "يكفيه أن يكتب بيديه مائتي مجلد.. "، يعني أن طالب العلم حتى يصل يحسن أن يكتب بيديه مائتي مجلد من الفوائد، ومن أنواع العلم (ويحصل من الدواوين المعتبرة خمسمائة مجلد)، فإذا قرأ خمسمائة مجلد، وكتب مائتي مجلد من الفوائد فقد أحرز العلم.
وإلا فلا يتعن" ١.
ا. هـ.
وعليه أيضا ألا يفتر من طلب العلم، ولا يتوقف، بل يستمر ولا يمل إلى الممات، فإنه إذا توقف وظن أنه قد علم أصبح ينتقل إلى الجهل، ولا بد أن يكون ذلك بنية خالصة لله، لا يريد دنيا، ولا يريد مراءاة الخلق، ولا يريد أن يكون له سمعة عندهم (وتواضع) بحيث لا يترفع ولا يتكبر.
وقد ذكر الشيخ ترتيبا جيدا للكتب في أكثر الفنون، وهو ترتيب جيد في الجملة، لكن يحتاج إلى تكميل في بعض جزئياته، ففي الأصول هناك مرتبة وسطى بين الورقات وروضة الناظر، يحسن أن تكون مختصر ابن اللحام؛ وفي التفسير يمكن أن تكون المرحلة الأولى في تيسير الكريم المنان لابن سعدي، ويذكر أحد شروح كتاب التوحيد في آخر المراحل.
[١] أخرجه الترمذي (٢٦٤٦)، وأبو داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣).