شرح حلية طالب العلمصفحات 61-68

باب بن أحمد: مثل هذا لا قصاص فيه.
فقال القاضي: إن هذا لا يوجد في كتاب.
فقال: بل لم يخل منه كتاب.
فقال القاضي: هذا "القاموس"؛ يعني أنه يدخل في عموم كتاب - فتناول صاحب الترجمة "القاموس"، وأول ما وقع نظره عليه: (والهيشة: الفتنة، وأم حبين، وليس في الهيشات قود)، أي: في القتيل في الفتنة لا يدرى قاتله، فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار في ذلك الموقف الحرج".. ا. هـ. ملخصا.

(١٣) التحلي بالرفق

١:

التزم الرفق في القول، مجتنبا الكلمة الجافية، فإن الخطاب اللين يتألف النفوس الناشزة.

وأدلة الكتاب والسنة في هذا متكاثرة ٢.


والمراد بالرفق: السهولة واللين، ولا يعني هذا نفي العقوبة، أو نفي ما يكون مؤديا إلى أخذ الإنسان بحقوقه.

وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شأنه) [١]، وقد جاء في الحديث أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: دخل =

[١] أخرجه مسلم (٢٥٩٤).

...............................


وجاء في عدد من الأحاديث الترغيب في لين القول، وعدم إغلاظه؛ ليكون ذلك سببا في تأليف القلوب.

قال تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال سبحانه: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا﴾ [الإسراء: ٥٣].

والناس مهما كانت قلوبهم يتمكن طالب العلم من جلبهم بالكلمة الطيبة اللينة السهلة.

ولذلك انظر: كم من كلمة أثرت في نفوس كانت بعيدة عن الخير، ناشزة عنه، بعيدة عن طاعة الله - جل وعلا -؟! وكم من كلمة قاسية كانت سببا من أسباب ابتعاد كثير من الناس عن طاعة الله تعالى؟ والعبد يحرص على لين القول تقربا لله، وليكون ذلك أدعى لقبول قوله، لا انتصارا لنفسه، ولا ترويجا لذاته، وإنما رغبة في نشر الخير، وأملا في قبول الناس ما يقوله من دعوة إلى الله - جل وعلا -، ويكون هذا سببا من أسباب زيادة حسناته وعلو درجته عند الله - جل وعلا - وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الكلمة الطيبة صدقة) [٢].

[١] أخرجه البخاري (٦٠٢٤)، ومسلم (٢١٦٤)، وأبو داود (٥٢٠٦). [٢] أخرجه البخاري (٢٧٣٤)، ومسلم (١٠٠٩)، وابن حبان (٤٧٢).

(١٤) التأمل

١:

التحلي بالتأمل، فإن من تأمل أدرك، وقيل: "تأمل تدرك".

وعليه، فتأمل عند التكلم: بماذا تتكلم؟ وما هي عائدته؟


التأمل يشمل عددا من الأمور:

أولها: التفكر: بحيث يعرف حقيقة ما يعرض عليه، سواء كان من آيات الله الكونية، أو من آيات الله الشرعية، وقد جاءت النصوص في الترغيب في التفكر في ذلك.

الثاني: الاعتبار: وهو مقايسة النفس بغيرها، بحيث يقيس العبد نفسه على غيره فيما يتعلق بما حصل لهم، سواء كان من العاقبة الحميدة، أو العواقب السيئة، فإن ما حل بغيرك سيحل بك متى فعلت مثل فعله.

الأمر الثالث: التدبر: بحيث يعرف الإنسان معاني الكلام، ويتأمل في دلالاته، وقد جاءت النصوص بالترغيب في التدبر للقرآن، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: ٨٢]، وقال - جل وعلا -: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته﴾ [ص: ٢٩].

وحينئذ أيضا يتأمل الإنسان في كلامه، فلا يتكلم إلا بالكلام الذي تكون عاقبته حميدة.

ويشمل هذا أمورا:

الأول: أن يكون اللفظ مناسبا غير ناب أو أقل مما يراد به من المعاني، فإن اللغة واسعة، واللفظ يدل على معنى، وهناك ألفاظ تدل على معنى أعلى من المعنى المقصود، وهناك ألفاظ تدل على معان أقل منه، فحينئذ ننتقي من الألفاظ ما يكون دالا على المراد، وبالتالي يتفكر الإنسان في ألفاظه، ويتفكر في معاني الألفاظ بحسب الدلالة اللغوية قبل أن يتكلم بالكلمة.
=

...........................


الثالث: أن يتأمل في طريقة كلامه وأسلوبه، بحيث يكون مرتبا ترتيبا صحيحا لا يأتي بكلام متنافر لا يصح أن يرتب بعضه مع بعض.

الرابع: أن يحرص أن يكون كلامه سهلا، بحيث يجتنب التقعر في الكلام.

الخامس: أن يحرص أن يكون كلامه سهلا من جهة وضوحه، واضحا عند سامعه، يعرف المراد به.

السادس: أن يجتنب اللفظ الذي يكون مجملا يحتمل معاني متعددة، فإن الألفاظ المشتركة إذا أطلقها الإنسان قد يفهم منها غير ما يريده المتكلم به.

السابع: فيما يتعلق بإطلاق الأسئلة، يتحرى الإنسان في أسئلته عند شيخه، فلا يتكلم بلفظ في سؤاله إلا وهو دال على المراد الذي يريده، ويكون ملتزما فيه جانب الأدب، كذلك يكون كلامه مفهوما عند شيخه، بحيث يجتنب ما قد يظن أنه لا يفهم.

وكذلك يحرص عند سؤاله ألا يتكلم بالألفاظ التي لها معان متعددة، ويكون الكلام في أحد هذه الأبواب التي يفهم منها خلاف مراد السائل، مثال هذا: كلمة (المفرد) في النحو نطلقها مرة ونريد بها ما يقابل الجملة، وما يقابل شبه الجملة، ومرة نطلق كلمة (المفرد) ونريد بها ما يقابل المثنى والجمع، فعندما يأتي الشيخ ويتكلم في باب الخبر، ويقول: الخبر ينقسم إلى مفرد وجملة وشبه جملة، فيسأله عن المفرد الذي هو مقابل للمثنى والجمع، فحينئذ يكون قد أدخل في الكلام ما يكون سببا للتشويش، إما تشويشا على الطلاب، أو محرجا للأستاذ؛ لأنه سيمتنع عن الجواب لكي لا ينتقل للجواب عن ذلك السؤال في ذلك الموطن؛ خشية من تداخل هذه المصطلحات.

وتحرز في العبارة والأداء دون تعنت أو تحذلق ١، وتأمل عند المذاكرة: كيف تختار القالب المناسب للمعنى المراد، وتأمل عند سؤال السائل: كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمل وجهين، وهكذا.


(١٥) الثبات والتثبت

١:

تحل بالثبات والتثبت، لاسيما في الملمات والمهمات، ومنه: الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن "من ثبت نبت".


الصفة الأولى: الثبات: والثبات يراد به البقاء على الخير والدعوة له، والأمر بالمعروف وعدم الانتقال إلى غيره، والثبات يشمل ما يأتي:

أولا: الثبات في المعتقدات، بحيث لا ينجر الإنسان في معتقده لأي متكلم يتكلم معه، حتى يكون متثبتا في أمره.

الثاني: الثبات فيما يتعلق بالتصرفات، فلا يكون الإنسان من أتباع كل ناعق، كلما تكلم متكلم صار معه، وإنما يكون ثابتا على مبدئه وطريقته.

الثالث: الثبات فيما يتعلق بنصرة الأشخاص، فلا ينصر غيره إلا إذا علم أنه على حق ويستمر في ذلك، وأما أن ينصر قريبه أو صاحب بلده بدون أن يكون متثبتا من حاله، فهذا يكون من العصبية المذمومة كحمية الجاهلية.

الرابع: الثبات فيما يتعلق بما يؤديه العبد من الأعمال الصالحة، بحيث لا تصرفه الصوارف عن عمله الصالح الذي يؤديه، سواء كان من الفرائض أو النوافل، وتعلمون أن النصوص قد جاءت بالترغيب في المداومة على الأعمال الصالحة، فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) [١].

[١] أخرجه البخاري (٦٠٩٩)، ومسلم (٢٨١٨)، وأبو داود (١٣٦٨)، والنسائي (٧٦٢).

...........................


والصفة الثانية: التثبت: بحيث لا يقبل ما يرد عليه من الواردات حتى يكون متيقنا منه أنه الحق، وأنه الصحيح، وهذا يشمل أمورا:

أولها: ما يتعلق بالمعتقد، فإذا وردت إليك مسألة عقدية فيها كلام أحد من الناس، فتثبت فيها حتى تحقق من النصوص ومن صحة النقل.

وثانيها: التثبت فيما يتعلق بالأحاديث التي تورد على الإنسان، فلا يأخذ منها إلا ما تثبت أنه صحيح ثابت النسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إما بمعرفة إسناده، أو بمعرفة من صححه من أهل العلم، أو بنقله عن عالم التزم الصحة في حديثه وفيما ينقله من الأحاديث.

الثالث: التثبت في نسبة الأقوال إلى علماء الشريعة، فكم من مرة وجدنا أقوالا تنسب إلى فقهاء وهم منها براء، وهذا في مسائل عظيمة من مسائل العقائد فضلا عن مسائل الفقه.

...........................


مثال ذلك: مسألة: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ إذا نظرنا إلى كتب الأصول عند الحنفية، قالوا: وقد قالت الشافعية بأن الكفار غير مخاطبين، وإذا نظرنا إلى كتب الشافعية وجدناهم يقولون: الحنفية يقولون بأن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة.

وإذا نظرنا مثلا إلى مسألة التصويب والتخطئة في المعتقدات وجدناهم ينسبون أقوالا عظيمة إلى عبيد الله بن الحسن العنبري، وهو منها بريء، بل ينسبون إلى طوائف كثيرة أقوالا هم منها براء، وفي نفس الوقت في مثل هذه المسألة مسألة التأثيم بالخطأ في مسائل العقائد، نجدهم ينسبون إلى جماهير أهل العلم خلاف ما يقولون به، ومن هنا ففي مسألة التصويب والتخطئة نجد أئمة كالنووي وابن حجر ينسبون إلى الجمهور أنهم يقولون بأن كل مجتهد مصيب؛ لأنهم يقصدون جمهور الأشاعرة، وإلا فإن جمهور أهل العلم من بقية الطوائف يقولون بخلاف هذا، ويقولون: إن المصيب واحد، وإن ما عداه مخطئ، وهكذا أيضا فيما يتعلق بالأخبار التي يتناقلها الناس، يكون الإنسان متثبتا فيها ولا يقبل منها إلا ما يكون قد قامت البراهين والدلائل على صحته، قال الله - جل وعلا -: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ [الحجرات: ٦]، وورد في بعض القراءات ﴿فتثبتوا﴾.

جارٍ التحميل