لأن قوله تعالى ﴿وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور﴾ معناه وآتيناه الإنجيل للهدى والنور ومثله ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا﴾ لأن المعنى إنا خلقنا الكواكب في السماء زينة وحفظا وإما متعلق بفعل مقدر مؤخر أي ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله أنزله ومثله ﴿وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس﴾ أي وللجزاء خلقهما وقوله سبحانه ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ أي وأريناه ذلك وقوله تعالى ﴿هو علي هين ولنجعله آية للناس﴾ أي وخلقناه من غير أب
وإذا كان مرفوع فعل الطلب فاعلا مخاطبا استغني عن اللام بصيغة افعل غالبا نحو قم واقعد وتجب اللام إن انتفت الفاعلية نحو لتعن بحاجتي أو الخطاب نحو ليقم زيد أو كلاهما نحو ليعن زيد بحاجتي ودخول اللام على فعل المتكلم قليل سواء أكان المتكلم مفردا نحو قوله عليه الصلاة والسلام قوموا فلأصل لكم أو معه غيره كقوله تعالى ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ وأقل منه دخولها في فعل الفاعل المخاطب
كقراءة جماعة / فبذلك فلتفرحوا / وفي الحديث لتأخذوا مصافكم
وقد تحذف اللام في الشعر ويبقى عملها كقوله
٤٠٦ - (فلا تستطل مني بقائي ومدتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب)
وقوله
٤٠٧ - (محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا)
أي ليكن ولتفد والتبال الوبال أبدلت الواو المفتوحة تاء مثل تقوى
ومنع المبرد حذف اللام وإبقاء عملها حتى في الشعر وقال في البيت الثاني إنه لا يعرف قائله مع احتماله لأن يكون دعاء بلفظ الخبر نحو يغفر الله لك ويرحمك الله وحذفت الياء تخفيفا واجتزىء عنها بالكسرة كقوله
٤٠٨ - (... دوامي الأيد يخبطن السريحا)
قال وأما قوله
٤٠٩ - (على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حر الوجه أو يبك من بكى)
فهو على قبحه جائر لأنه عطف على المعنى إذ اخمشي ولتخمشي بمعنى واحد
وهذا الذي منعه المبرد في الشعر أجازة الكسائي في الكلام لكن بشرط تقدم قل وجعل منه ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ أي ليقيموها ووافقه ابن مالك في شرح الكافية وزاد عليه أن ذلك يقع في النثر قليلا بعد القول الخبري كقوله
٤٠ - (قلت لبواب لديه دارها ... تأذن فإني حمؤها وجارها)
أي لتأذن فحذف اللام وكسر حرف المضارعة قال وليس الحذف بضرورة لتمكنه من أن يقول إيذن اهـ
قيل وهذا تخلص من ضرورة لضرورة وهي إثبات همزة الوصل في الوصل وليس كذلك لأنهما بيتان لا بيت مصرع فالهمزة في أول البيت لا في حشوه بخلافها في نحو قوله
٤١ - (لا نسب اليوم ولا خلة ... إتسع الخرق على الراقع)
والجمهور على أن الجزم في الآية مثله في قولك ائتني أكرمك وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال
أحدها للخليل وسيبويه أنه بنفس الطلب لما تضمنه من معنى إن الشرطية
كما أن أسماء الشرط إنما جزمت لذلك
والثاني للسيرافي والفارسي أنه بالطلب لنيابته مناب الجازم الذي هو الشرط المقدر كما أن النصب بضربا في قولك ضربا زيدا لنيابته عن اضرب لا لتضمنه معناه
والثالث للجمهور أنه بشرط مقدر بعد الطلب وهذا أرجح من الأول لأن الحذف والتضمين وإن اشتركا في أنهما خلاف الأصل لكن في التضمين تغيير معنى الأصل ولا كذلك الحذف وأيضا فإن تضمين الفعل معنى الحرف إما غير واقع أو غير كثير
ومن الثاني لأن نائب الشيء يؤدى معناه والطلب لا يؤدى معنى الشرط
وأبطل ابن مالك بالآية أن يكون الجزم في جواب شرط مقدر لأن تقديره يستلزم ألا يتخلف أحد من المقول له ذلك عن الامتثال ولكن التخلف واقع
وأجاب ابنه بأن الحكم مسند إليهم على سبيل الإجمال لا إلى كل فرد فيحتمل أن الأصل يقم أكثرهم ثم حذف المضاف وأنيب عنه المضاف إليه فارتفع واتصل بالفعل وباحتمال أنه ليس المراد بالعباد الموصوفين بالإيمان مطلقا بل المخلصين منهم وكل مؤمن مخلص قال له الرسول أقم الصلاة أقامها
وقال المبرد التقدير قل لهم أقيموا يقيموا والجزم في جواب أقيموا المقدر لا في جواب قل
ويرده أن الجواب لا بد أن يخالف المجاب إما في الفعل والفاعل نحو ائتني أكرمك أو في الفعل نحو أسلم تدخل الجنة أو في الفاعل نحو قم أقم
ولا يجوز أن يتوافقا فيهما وأيضا فإن الأمر المقدر للمواجهة ويقيموا للغيبة
وقيل يقيموا مبني لحلوله محل أقيموا وهو مبني وليس بشيء
وزعم الكوفيون وأبو الحسن أن لام الطلب حذفت حذفا مستمرا في نحو قم واقعد وأن الأصل لتقم ولتقعد فحذفت اللام للتخفيف وتبعها حرف المضارعة
وبقولهم أقول لأن الأمر معنى حقه أن يؤدى بالحرف ولأنه أخو النهي ولم يدل عليه إلا بالحرف ولأن الفعل إنما وضع لتقييد الحدث بالزمان المحصل وكونه أمرا أو خبرا خارج عن مقصوده ولأنهم قد نطقوا بذلك الأصل كقوله
٤١ - (لتقم أنت يابن خير قريش ...)
وكقراءة جماعة / فبذلك فلتفرحوا / وفي الحديث لتأخذوا مصافكم ولأنك تقول أغز واخش وارم واضربا واضربوا واضربي كما تقول في الجزم ولأن البناء لم يعهد كونه بالحذف ولأن المحققين على أن أفعال الإنشاء مجردة عن الزمان كبعت وأقسمت وقبلت وأجابوا عن كونها مع ذلك أفعالا بأن تجردها عارض لها عند نقلها عن الخبر ولا يمكنهم ادعاء ذلك في نحو قم لأنه ليس له حالة غير هذه وحينئذ فتشكل فعليته فإذا ادعي أن أصله لتقم كان الدال على الإنشاء اللام لا الفعل
وأما اللام غير العاملة فسبع
١ - إحداها لام الابتداء وفائدتها أمران توكيد مضمون الجملة ولهذا زحلقوها في باب إن عن صدر الجملة كراهية ابتداء الكلام بمؤكدين وتخليص المضارع للحال كذا قال الأكثرون واعترض ابن مالك الثاني بقوله تعالى
﴿وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة﴾ ﴿إني ليحزنني أن تذهبوا به﴾ فإن الذهاب كان مستقبلا فلو كان الحزن حالا لزم تقدم الفعل في الوجود على فاعله مع أنه أثره والجواب أن الحكم واقع في ذلك اليوم لا محالة فنزل منزل الحاضر المشاهد وأن التقدير قصد أن تذهبوا والقصد حال وتقدير أبي حيان قصدكم أن تذهبوا مردود بأنه يقتضي حذف الفاعل لأن ﴿أن تذهبوا﴾ على تقديره منصوب
وتدخل باتفاق في موضعين أحدهما المبتدأ نحو ﴿لأنتم أشد رهبة﴾ والثاني بعد إن وتدخل في هذا الباب على ثلاثة باتفاق الاسم نحو ﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾ والمضارع لشبهه به نحو ﴿وإن ربك ليحكم بينهم﴾ والظرف نحو ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وعلى ثلاثة باختلاف أحدها الماضي الجامد نحو إن زيدا لعسى أن يقوم أو لنعم الرجل قاله أبو الحسن ووجهه أن الجامد يشبه الاسم وخالفه الجمهور والثاني الماضي المقرون بقد قاله الجمهور ووجهه أن قد تقرب الماضي من الحال فيشبه المضارع المشبه للاسم وخالف في ذلك خطاب ومحمد بن مسعود الغزني وقالا إذا قيل إن زيدا لقد قام فهو جواب لقسم مقدر والثالث الماضي المتصرف المجرد من قد أجازه الكسائي وهشام على إضمار قد ومنعه الجمهور وقالوا إنما هذه لام القسم فمتى تقدم
فعل القلب فتحت همزة ان ك علمت أن زيدا لقام والصواب عندهما الكسر
واختلف في دخولها في غير باب إن على شيئين أحدهما خبر المبتدأ المتقدم نحو لقائم زيد فمقتضى كلام جماعة من النحويين الجواز وفي أمالي ابن الحاجب لام الابتداء يجب معها المبتدأ الثاني الفعل نحو ليقوم زيد فأجاز ذلك ابن مالك والمالقي وغيرهما زاد المالقي الماضي الجامد نحو ﴿لبئس ما كانوا يعملون﴾ وبعضهم المتصرف المقرون بقد نحو ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل﴾ ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات﴾ والمشهور أن هذه لام القسم وقال أبو حيان في ﴿ولقد علمتم﴾ هي لام الابتداء مفيدة لمعنى التوكيد ويجوز أن يكون قبلها قسم مقدر وألا يكون اهـ
ونص جماعة على منع ذلك كله قال ابن الخباز في شرح الإيضاح لا تدخل لام الابتداء على الجمل الفعلية إلا في باب إن اهـ
وهو مقتضى ما قدمناه عن ابن الحاجب وهو أيضا قول الزمخشري قال في تفسير ﴿ولسوف يعطيك ربك﴾ لام الابتداء لا تدخل إلا على المبتدأ والخبر وقال في ﴿﴾ هي لام الابتداء دخلت على مبتدأ محذوف ولم يقدرها لام القسم لأنها عنده ملازمة للنون وكذا زعم في ﴿ولسوف يعطيك ربك﴾ أن المبتدأ مقدر أي ولأنت سوف يعطيك ربك
وقال ابن الحاجب اللام في ذلك لام التوكيد وأما قول بعضهم إنها لام
الابتداء وإن المبتدأ مقدر بعدها ففاسد من جهات إحداها أن اللام مع الابتداء كقد مع الفعل وإن مع الاسم فكما لا يحذف الفعل والاسم ويبقيان بعد حذفهما كذلك اللام بعد حذف الاسم والثانية أنه إذا قدر المبتدأ في نحو لسوف يقوم زيد يصير التقدير لزيد سوف يقوم زيد ولا يخفى ما فيه من الضعف والثالثة أنه يلزم إضمار لا يحتاج إليه الكلام اهـ
وفي الوجهين الأخيرين نظر لأن تكرار الظاهر إنما يقبح إذا صرح بهما ولأن النحويين قدروا مبتدأ بعد الواو في نحو قمت وأصك عينه وبعد الفاء في نحو ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ وبعد اللام في نحو ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ وكل ذلك تقدير لأجل الصناعة دون المعنى فكذلك هنا
وأما الأول فقد قال جماعة في ﴿إن هذان لساحران﴾ إن التقدير لهما ساحران فحذف المبتدأ وبقيت اللام ولأنه يجوز على الصحيح نحو لقائم زيد
وإنما يضعف قول الزمخشري أن فيه تكلفين لغير ضرورة وهما تقدير محذوف وخلع اللام عن معنى الحال لئلا يجتمع دليلا الحال والاستقبال وقد صرح بذلك في تفسير ﴿لسوف أخرج حيا﴾ ونظره بخلع اللام عن التعريف وإخلاصها للتعويض في يالله وقوله إن لام القسم مع المضارع لا تفارق النون ممنوع بل تارة تجب اللام وتمتنع النون وذلك مع التنفيس كالآية ومع تقديم المعمول بين اللام والفعل نحو ﴿ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾ ومع كون الفعل للحال نحو ﴿لا أقسم﴾ وإنما قدر البصريون هنا مبتدأ لأنهم لا يجيزون لمن قصد الحال أن
يقسم إلا على الجملة الاسمية وتارة يمتنعان وذلك مع الفعل المنفي نحو ﴿تالله تفتأ﴾ وتارة يجبان وذلك فيما بقي نحو ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾
مسألة
للام الابتداء الصدرية ولهذا علقت العامل في علمت لزيد منطلق ومنعت من النصب على الاشتغال في نحو زيد لأنا أكرمه ومن أن يتقدم عليها الخبر في نحو لزيد قائم والمبتدأ في نحو لقائم زيد فأما قوله
٤١٣ - (أم الحليس لعجوز شهربه ...)
فقيل اللام زائدة وقيل للابتداء والتقدير لهي عجوز وليس لها الصدرية في باب إن لأنها فيه مؤخرة من تقديم ولهذا تسمى اللام المزحلقة والمزحلقة أيضا وذلك لأن أصل إن زيدا لقائم لإن زيدا قائم فكرهوا افتتاح الكلام بتوكيدين فأخروا اللام دون إن لئلا يتقدم معمول الحرف عليه وإنما لم ندع أن الأصل إن لزيدا قائم لئلا يحول ماله الصدر بين العامل والمعمول ولأنهم قد نطقوا باللام مقدمة على إن في نحو قوله
(... لهنك من برق علي كريم)
ولاعتبارهم حكم صدريتها فيما قبل إن دون ما بعدها دليل الأول أنها تمنع من تسلط فعل القلب على أن ومعموليها ولذلك كسرت في نحو ﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾
) بل قد أثرت هذا المنع مع حذفها في قول الهذلي
٤١٥ - (فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال إني لاحق مستتبع)
الأصل إني للاحق فحذفت اللام بعدما علقت إخال وبقى الكسر بعد حذفها كما كان مع وجودها فهو مما نسخ لفظه وبقي حكمه ودليل الثاني أن عمل إن يتخطاها تقول إن في الدار لزيدا وإن زيدا لقائم وكذلك يتخطاها عمل العامل بعدها نحو إن زيدا طعامك لآكل ووهم بدر الدين ابن مالك فمنع من ذلك والوارد منه في التنزيل كثير نحو ﴿إن ربهم بهم يومئذ لخبير﴾
تنبيه
إن زيدا لقام أو ليقومن اللام جواب قسم مقدر لا لام الابتداء فإذا دخلت عليها علمت مثلا فتحت همزتها فإن قلت لقد قام زيد فقالوا هي لام الابتداء وحينئذ يجب كسر الهمزة وعندي أن الأمرين محتملان
فصل
وإن خففت إن نحو ﴿وإن كانت لكبيرة﴾ ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ فاللام عند سيبويه والأكثرين لام الابتداء أفادت مع إفادتها توكيد النسبة وتخليص المضارع للحال الفرق بين إن المخففة من الثقيلة وإن النافية ولهذا صارت لازمة بعد أن كانت جائزة اللهم إلا أن يدل دليل على قصد الإثبات
كقراءة أبي رجاء ﴿وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا﴾ بكسر اللام أى للذي وكقوله
٤١٦ - (إن كنت قاضي نحبي يوم بينكم ... لو لم تمنوا بوعد غير توديع)
ويجب تركها مع نفي الخبر كقوله
٤١٧ - (إن الحق لا يخفى على ذي بصيرة ... وإن هو لم يعدم خلاف معاند)
وزعم أبو علي وأبو الفتح وجماعة أنها لام غير لام الابتداء اجتلبت للفرق قال أبو الفتح قال لي أبو علي ظننت أن فلانا نحوي محسن حتى سمعته يقول إن اللام التي تصحب إن الخفيفة هي لام الابتداء فقلت له أكثر نحويي بغداد على هذا اهـ وحجة أبي علي دخولها على الماضي المتصرف نحو إن زيد لقام وعلى منصوب الفعل المؤخر عن ناصبه في نحو ﴿وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ وكلاهما لا يجوز مع المشددة
وزعم الكوفيون أن اللام في ذلك كله بمعنى إلا وأن إن قبلها نافية واستدلوا على مجيء اللام للاستثناء بقوله
٤١٨ - (أمسى أبان ذليلا بعد عزته ... وما أبان لمن أعلاج سودان)
وعلى قولهم يقال قد علمنا إن كنت لمؤمنا بكسر الهمزة لأن النافية مكسورة
دائما وكذا على قول سيبويه لأن لام الابتداء تعلق العامل عن العمل وأما على قول أبي علي وأبي الفتح فتفتح
٢ - القسم الثاني اللام الزائدة وهي الداخلة في خبر المبتدأ في نحو قوله
٤١٩ - (أم الحليس لعجوز شهربه)
وقيل الأصل لهي عجوز وفي خبر أن المفتوحة كقراءة سعيد بن جبير ﴿إلا إنهم ليأكلون الطعام﴾ بفتح الهمزة وفي خبر لكن في قوله
٤٢٠ - (... ولكنني من حبها لعميد)
وليس دخول اللام مقيسا بعد أن المفتوحة خلافا للمبرد ولا بعد لكن خلافا للكوفيين ولا اللام بعدهما لام الابتداء خلافا له ولهم وقيل اللامان للابتداء على أن الأصل ولكن إنني فحذفت همزة إن للتخفيف ونون لكن لذلك لثقل اجتماع الأمثال وعلى أن ما في قوله
٤٢ - (... وما أبان لمن أعلاج سودان)
استفهام وتم الكلام عند أبان ثم ابتدأ لمن أعلاج أي بتقدير لهو من أعلاج وقيل هي لام زيدت في خبر ما النافية وهذا المعنى عكس المعنى على القولين السابقين
ومما زيدت فيه أيضا خبر زال من قوله
٤٢ - (وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكل مراد)
وفي المفعول الثاني لأرى في قول بعضهم أراك لشاتمي ونحو ذلك قيل وفي مفعول يدعو من قوله تعالى ﴿يدعو لمن ضره أقرب من نفعه﴾ وهذا مردود لأن زيادة هذه اللام في غاية الشذوذ فلا يليق تخريج التنزيل عليه ومجموع ما قيل في اللام في هذه الآية قولان
أأحدهما هذا وهو أنها زائدة وقد بينا فساده
ب والثاني أنها لام الابتداء وهو الصحيح ثم اختلف هؤلاء فقيل إنها مقدمة من تأخير والأصل يدعو من لضره أقرب من نفعه فمن مفعول وضره أقرب مبتدأ وخبر والجملة صلة لمن وهذا بعيد لأن لام الابتداء لم يعهد فيها التقدم عن موضعها وقيل إنها في موضعها وإن من مبتدأ و﴿لبئس المولى﴾ خبره لأن التقدير لبئس المولى هو وهو الصحيح ثم اختلف هؤلاء في مطلوب يدعو على أربعة أقوال
أحدها أنها لا مطلوب لها وأن الوقف عليها وأنها إنما جاءت توكيدا ليدعو في قوله ﴿يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه﴾ وفي هذا القول دعوى خلاف الأصل مرتين إذ الأصل عدم التوكيد والأصل ألا يفصل المؤكد من توكيده ولا سيما في التوكيد اللفظي
والثاني أن مطلوبه مقدم عليه وهو ﴿ذلك هو الضلال﴾ على أن
ذلك موصول وما بعده صلة وعائد والتقدير يدعو الذي هو الضلال البعيد وهذا الإعراب لا يستقيم عند البصريين لأن ذا لا تكون عندهم موصولة إلا إذا وقعت بعد ما أو من الاستفهاميتين
والثالث أن مطلوبه محذوف والأصل يدعوه والجملة حال والمعنى ذلك هو الضلال البعيد مدعوا
والرابع أن مطلوبه الجملة بعده ثم اختلف هؤلاء على قولين
أحدهما أن يدعو بمعنى يقول والقول يقع على الجمل
والثاني أن يدعو ملموح فيه معنى فعل من أفعال القلوب ثم اختلف هؤلاء على قولين أحدهما أن معناه يظن لأن أصل يدعو معناه يسمي فكأنه قال يسمي من ضره أقرب من نفعه إلها ولا يصدر ذلك عن يقين اعتقاد فكأنه قيل يظن وعلى هذا القول فالمفعول الثاني محذوف كما قدرنا والثاني أن معناه يزعم لأن الزعم قول مع اعتقاد
ومن أمثلة اللام الزائدة قولك لئن قام زيد أقم أو فأنا أقوم أو أنت ظالم لئن فعلت فكل ذلك خاص بالشعر وسيأتي توجيهه والاستشهاد عليه
٣ - الثالث لام الجواب وهي ثلاثة أقسام لام جواب لو نحو ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا﴾ ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ ولام جواب لولا نحو ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ ولام جواب
القسم نحو ﴿تالله لقد آثرك الله علينا﴾ (وتالله لأكيدن أصنامكم) وزعم أبو الفتح ان اللام بعد لو ولولا ولوما لام جواب قسم مقدر وفيه تعسف نعم الأولى في ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير﴾ أن تكون اللام لام جواب قسم مقدر بدليل كون الجملة اسمية وأما القول بأنها لام جواب لو وأن الاسمية استعيرت مكان الفعلية كما في قوله
٤٢٣ - (وقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب) ففيه تعسف وهذا الموضع مما يدل عندي على ضعف قول أبي الفتح إذ لو كانت اللام بعد لو أبدا في جواب قسم مقدر لكثر مجيء الجواب بعد لو جملة اسمية نحو لو جاءني لأنا أكرمه كما يكثر ذلك في باب القسم
٤ - الرابع اللام الداخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام الموذنة وتسمى الموطئة أيضا لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهدته له نحو ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار﴾ وأكثر ما تدخل على إن وقد تدخل على غيرها كقوله
٤٢٤ - (لمتى صلحت ليقضين لك صالح ... ولتجزين إذا جزيت جميلا)
وعلى هذا فالأحسن في قوله تعالى ﴿لما آتيتكم من كتاب وحكمة﴾ ألا تكون موطئة وما شرطية بل للابتداء وما موصولة لأنه حمل على الأكثر
وأغرب ما دخلت عليه إذ وذلك لشبهها بإن أنشد أبو الفتح
٤٢٥ - (غضبت علي لأن شربت بجزة ... فلإذ غضبت لأشربن بخروف)
وهو نظير دخول الفاء في ﴿فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ شبهت إذ بإن فدخلت الفاء بعدها كما تدخل في جواب الشرط وقد تحذف مع كون القسم مقدرا قبل الشرط نحو ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ وقول بعضهم ليس هنا قسم مقدر وإن الجملة الاسمية جواب الشرط على إضمار الفاء كقوله
٤٢٦ - (من يفعل الحسنات الله يشكرها ...)
مردود لأن ذلك خاص بالشعر وكقوله تعالى ﴿وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن﴾ فهذا لا يكون إلا جوابا للقسم وليست موطئة في قوله
٤٢٧ - (لئن كانت الدنيا علي كما أرى ... تباريح من ليلى فللموت أروح)
وقوله
٤٢٨ - (لئن كان ما حدثته اليوم صادقا ... أصم في نهار القيظ للشمس باديا)
وقوله
٤٢٩ - (ألمم بزينب إن البين قد أفدا ... قل الثواء لئن كان الرحيل غدا)
بل هي في ذلك كله زائدة كما تقدمت الإشارة إليه أما الأولان فلأن الشرط قد أجيب بالجملة المقرونة بالفاء في البيت الأول وبالفعل المجزوم في البيت الثاني فلو كانت اللام للتوطئة لم يجب إلا القسم هذا هو الصحيح وخالف في ذلك الفراء فزعم أن الشرط قد يجاب مع تقدم القسم عليه أما الثالث فلأن الجواب قد حذف مدلولا عليه بما قبل إن فلو كان ثم قسم مقدر لزم الإجحاف بحذف جوابين
٥ - الخامس لام أل كالرجل والحارث وقد مضى شرحها
٦ - السادس اللام اللاحقة لأسماء الإشارة للدلالة على البعد أو على توكيده على خلاف في ذلك وأصلها السكون كما في تلك وإنما كسرت في ذلك لالتقاء الساكنين
٧ - السابع لام التعجب غير الجارة نحو لظرف زيد ولكرم عمرو بمعنى ما أظرفه وما أكرمه ذكره ابن خالويه في كتابه المسمى بالجمل وعندي أنها إما لام الابتداء دخلت على الماضي لشبهه لجموده بالاسم وإما لام جواب قسم مقدر
لا
على ثلاثة أوجه
١ - أحدها أن تكون نافية وهذه على خمسة أوجه
أحدها أن تكون عاملة عمل إن وذلك إن أريد بها نفي الجنس على سبيل التنصيص وتسمى حينئذ تبرئة وإنما يظهر نصب اسمها إذا كان خافضا نحو لا صاحب جود ممقوت وقول أبي الطيب
٤٣٠ - (فلا ثوب مجد غير ثوب ابن أحمد ... على أحد إلا بلؤم مرقع) أو رافعا نحو لا حسنا فعله مذموم أو ناصبا نحو لا طالعا جبلا حاضر ومنه لا خيرا من زيد عندنا وقول أبي الطيب
٤٣ - (قفا قليلا بها علي فلا ... أقل من نظرة أزودها)
ويجوز رفع أقل على أن تكون عاملة عمل ليس
وتحالف لا هذه إن من سبعة أوجه
أحدها أنها لا تعمل إلا في النكرات
الثاني أن اسمها إذا لم يكن عاملا فإنه يبنى قيل لتضمنه معنى من الاستغراقية وقيل لتركيبه مع لا تركيب خمسة عشر وبناؤه على ما ينصب به لو كان معربا فيبنى على الفتح في نحو لا رجل ولا رجال ومنه ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ ﴿قالوا لا ضير﴾ ﴿يا أهل يثرب لا مقام لكم﴾ وعلى الياء في نحو لا رجلين ولا قائمين وعن المبرد أن هذا
معرب لبعده بالتثنية والجمع عن مشابهة الحرف ولو صح هذا للزم الإعراب في يا زيدان ويا زيدون ولا قائل به وعلى الكسرة في نحو لا مسلمات وكان القياس وجوبها ولكنه جاء بالفتح وهو الأرجح لأنها الحركة التي يستحقها المركب وفيه رد على السيرافي والزجاج إذ زعما أن اسم لا غير العامل معرب وأن ترك تنوينه للتخفيف
ومثل لا رجل عند الفراء لا جرم نحو ﴿لا جرم أن لهم النار﴾ والمعنى عنده لا بد من كذا أو لا محالة في كذا فحذفت من أو في وقال قطرب لا رد لما قبلها أي ليس الأمر كما وصفوا ثم ابتدىء ما بعده وجرم فعل لا اسم ومعناه وجب وما بعده فاعل وقال قوم لا زائدة وجرم وما بعدها فعل وفاعل كما قال قطرب ورده الفراء بأن لا لا تزاد في أول الكلام وسيأتي البحث في ذلك
والثالث أن ارتفاع خبرها عند إفراد اسمها نحو لا رجل قائم بما كان مرفوعا به قبل دخولها لا بها وهذا القول لسيبويه وخالفه الأخفش والأكثرون ولا خلاف بين البصريين في أن ارتفاعه بها إذا كان اسمها عاملا
الرابع أن خبرها لا يتقدم على اسمها ولو كان ظرفا أو مجرورا
الخامس أنه يجوز مراعاة محلها مع اسمها قبل مضي الخبر وبعده فيجوز رفع النعت والمعطوف عليه نحو لا رجل ظريف فيها ولا رجل وامرأة فيها
السادس أنه يجوز إلغاؤها إذا تكررت نحو لا حول ولا قوة إلا بالله
ولك فتح الاسمين ورفعهما والمغايرة بينهما بخلاف نحو قوله
٤٣ - (إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا) فلا محيد عن النصب
والسابع أنه يكثر حذف خبرها إذا علم نحو ﴿قالوا لا ضير﴾ ﴿فلا فوت﴾ وتميم لا تذكره حينئذ
الثاني أن تكون عاملة عمل ليس كقوله
٤٣٣ - (من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح)
وإنما لم يقدروها مهملة والرفع بالابتداء لأنها حينئذ واجبة التكرار وفيه نظر لجواز تركه في الشعر
ولا هذه تخالف ليس من ثلاث جهات
إحداها أن عملها قليل حتى ادعي أنه ليس بموجود
الثانية أن ذكر خبرها قليل حتى إن الزجاج لم يظفر به فادعى أنها تعمل في الاسم خاصة وأن خبرها مرفوع ويرده قوله
٤٣٤ - (تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا)
وأما قوله
٤٣٥ - (نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل ... فبوئت حصنا بالكماة حصينا) فلا دليل فيه كما توهم بعضهم لاحتمال أن يكون الخبر محذوفا وغير استثناء
الثالثة أنها لا تعمل إلا في النكرات خلافا لابن جني وابن الشجري وعلى ظاهر قولهما جاء قول النابغة
٤٣٦ - (وحلت سواد القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا عن حبها متراخيا)
وعليه بنى المتنبي قوله
٤٣٧ - (إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا)
تنبيه
إذا قيل لا رجل في الدار بالفتح تعين كونها نافية للجنس ويقال في توكيده بل امرأة وإن قيل بالرفع تعين كونها عاملة عمل ليس وامتنع أن تكون مهملة وإلا تكررت كما سيأتي واحتمل أن تكون لنفي الجنس وأن تكون لنفي الوحدة ويقال في توكيده على الأول بل امرأة وعلى الثاني بل رجلان أو رجال
وغلط كثير من الناس فرعموا أن العاملة عمل ليس لا تكون إلا نافية للوحدة لا غير ويرد عليهم نحو قوله
٤٣٨ - (تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... البيت)
وإذا قيل لا رجل ولا امرأة في الدار برفعهما احتمل كون لا الأولى عاملة في الأصل عمل إن ثم ألغيت لتكرارها فيكون ما بعدها مرفوعا بالابتداء وأن تكون عاملة عمل ليس فيكون ما بعدها مرفوعا بها وعلى الوجهين فالظرف خبر عن الاسمين إن قدرت لا الثانية تكرارا للأولى وما بعدها معطوفا فإن قدرت الأولى مهملة والثانية عاملة عمل ليس أو بالعكس فالظرف خبر عن أحدهما وخبر الآخر محذوف كما في قولك زيد وعمرو قائم ولا يكون خبرا عنهما لئلا يلزم محذوران كون الخبر الواحد مرفوعا ومنصوبا وتوارد عاملين على معمول واحد
وإذا قيل ما فيها من زيت ولا مصابيح بالفتح احتمل كون الفتحة بناء مثلها في لا رجال وكونها علامة للخفض بالعطف ولا مهملة فإن قلته بالرفع احتمل كون لا عاملة ليس وكونها مهملة والرفع بالعطف على المحل
فأما قوله تعالى ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾ فظاهر الأمر جواز كون أصغر وأكبر معطوفين على لفظ مثقال أو على محله وجواز كون لا مع الفتح تبرئة ومع الرفع مهملة أو عاملة عمل ليس ويقوي العطف أنه لم يقرأ في سورة سبأ في قوله سبحانه ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة﴾ الآية إلا بالرفع لما لم يوجد الخفض في لفظ مثقال ولكن يشكل عليه أنه يفيد ثبوت العزوب عند ثبوت الكتاب كما أنك إذا قلت ما مررت برجل إلا في الدار كان إخبارا بثبوت
مرورك برجل في الدار وإذا امتنع هذا تعين أن الوقف على ﴿في السماء﴾ وأن ما بعدها مستأنف وإذا ثبت ذلك في سورة يونس قلنا به في سورة سبأ وأن الوقف على ﴿الأرض﴾ وأنه إنما لم يجيء فيه الفتح اتباعا للنقل وجوز بعضهم العطف فيهما على ألا يكون معنى يعزب يخفى بل يخرج إلى الوجود
الوجه الثالث أن تكون عاطفة ولها ثلاثة شروط
أحدها أن يتقدمها إثبات كجاء زيد لا عمرو أو أمر كاضرب زيدا لا عمرا قال سيبويه أو نداء نحو يابن أخي لا ابن عمي وزعم ابن سعدان أن هذا ليس من كلامهم
الثاني ألا تقترن بعاطف فإذا قيل جاءني زيد لا بل عمرو فالعاطف بل ولا رد لما قبلها وليست عاطفة وإذا قلت ما جاءني زيد ولا عمرو فالعاطف الواو ولا توكيد للنفي وفي هذا المثال مانع آخر من العطف بلا وهو تقدم النفي وقد اجتمعا أيضا في ﴿ولا الضالين﴾
والثالث أن يتعاند متعاطفاها فلا يجوز جاءني رجل لا زيد لأنه يصدق على زيد اسم الرجل بخلاف جاءني رجل لا امرأة
ولا يمتنع العطف بها على معمول الفعل الماضي خلافا للزجاجي أجاز يقوم زيد لا عمرو ومنع قام زيد لا عمرو وما منعه مسموع فمنعه مدفوع قال امرؤ القيس
٤٣٩ - (كأن دثارا حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل)
دثار اسم راع وحلقت ذهبت اللبون نوق ذوات لبن وتنوفى جبل عال والقواعل جبال صغار وقوله إن العامل مقدر بعد العاطف ولا يقال لا قام عمرو إلا على الدعاء مردود بأنه لو توقفت صحة العطف على صحة تقدير العامل بعد العاطف لامتنع ليس زيد قائما ولا قاعدا
الوجه الرابع أن تكون جوابا مناقضا لنعم وهذه تحذف الجمل بعدها كثيرا يقال أجاءك زيد فتقول لا والأصل لا لم يجيء
والخامس أن تكون على غير ذلك فإن كان ما بعدها جملة اسمية صدرها معرفة أو نكرة ولم تعمل فيها أو فعلا ماضيا لفظا وتقديرا وجب تكرارها
مثال المعرفة ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار﴾ وإنما لم تكرر في لا نولك أن تفعل لأنه بمعنى لا ينبغي لك فحملوه على ما هو بمعناه كما فتحوا في يذر حملا على يدع لأنهما بمعنى ولولا أن الأصل في يذر الكسر لما حذفت الواو كما لم تحذف في يوجل
ومثال النكرة التي لم تعمل فيها لا ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ فالتكرار هنا واجب بخلافه في ﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾
ومثال الفعل الماضي ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ وفي الحديث فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهر أبقى وقول الهذلي كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل وإنما ترك التكرار في لا شك يداك ولا فض الله فاك وقوله
٤٤٠ - (... ولا زال منهلا بجرعائك القطر)
وقوله
٤٤ - (لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب)
لأن المراد الدعاء فالفعل مستقبل في المعنى ومثله في عدم وجوب التكرار بعدم قصد المضي إلا أنه ليس دعاء قولك والله لا فعلت كذا وقول الشاعر
٤٤ - (حسب المحبين في الدنيا عذابهم ... تالله لا عذبتهم بعدها سقر)
وشذ ترك التكرار في قوله
٤٤٣ - (لا هم إن الحارث بن جبلة ... زنا على أبيه ثم قتله)
(وكان في جاراته لا عهد له ... وأي أمر سيء لا فعله)
زنأ بتخفيف النون كذا رواه يعقوب وأصله زنا بالهمز بمعنى ضيق وروي بتشديدها والأصل زنى بامرأة أبيه فحذف المضاف وأناب على عن الباء وقال
أبو خراش الهذلي وهو يطوف بالبيت
٤٤٤ - (إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما)
وأما قوله سبحانه وتعالى ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ فإن لا فيه مكررة في المعنى لأن المعنى فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا لأن ذلك تفسير للعقبة قاله الزمخشري وقال الزجاج إنما جاز لأن ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ معطوف عليه وداخل في النفي فكأنه قيل فلا اقتحم ولا آمن انتهى ولو صح لجاز لا أكل زيد وشرب وقال بعضهم لا دعائية دعاء عليه ألا يفعل خيرا وقال آخر تحضيض والأصل فألا اقتحم ثم حذفت الهمزة وهو ضعيف
وكذلك يجب تكرارها إذا دخلت على مفرد خبر أو صفة أو حال نحو زيد لا شاعر ولا كاتب وجاء زيد لا ضاحكا ولا باكيا ونحو ﴿إنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾ ﴿وظل من يحموم لا بارد ولا كريم﴾ ﴿وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ ﴿من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية﴾
وإن كان ما دخلت عليه فعلا مضارعا لم يجب تكرارها نحو ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء﴾ ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا﴾ وإذا لم يجب أن تكرر في لا نولك أن تفعل لكون الاسم المعرفة في تأويل المضارع فألا يجب في المضارع أحق
ويتخلص المضارع بها للاستقبال عند الأكثرين وخالفهم ابن مالك لصحة قولك جاء زيد لا يتكلم بالاتفاق مع الاتفاق على أن الجملة الحالية لا تصدر بدليل استقبال
تنبيه
من أقسام لا النافية المعترضة بين الخافض والمخفوض نحو جئت بلا زاد وغضبت من لا شيء وعن الكوفيين أنها اسم وأن الجار دخل عليها نفسها وأن ما بعدها خفض بالإضافة وغيرهم يراها حرفا ويسميها زائدة كما يسمون كان في نحو زيد كان فاضل زائدة وإن كانت مفيدة لمعنى وهو المضي والانقطاع فعلم أنهم قد يريدون بالزائد المعترض بين شيئين متطالبين وإن لم يصح أصل المعنى بإسقاطه كما في مسألة لا في نحو غضبت من لا شيء وكذلك إذا كان يفوت بفواته معنى كما مسألة كان وكذلك لا المقترنة بالعاطف في نحو ما جاءني زيد ولا عمرو ويسمونها زائدة وليست بزائدة البتة ألا ترى أنه إذا قيل ما جاءني زيد وعمرو احتمل أن المراد نفي مجيء كل منهما على كل حال وأن يراد نفي اجتماعهما في وقت المجيء فإذا جيء بلا صار الكلام نصا في المعنى الأول نعم هي في قوله سبحانه ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾
) لمجرد التوكيد وكذا إذا قيل لا يستوي زيد ولا عمرو
تنبيه
اعتراض لا بين الجار والمجرور في نحو غضبت من لا شيء وبين الناصب والمنصوب في نحو ﴿لئلا يكون للناس﴾ وبين الجازم والمجزوم في نحو ﴿إلا تفعلوه﴾ وتقدم معمول ما بعدها عليها في نحو ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾ الآية دليل على أنها ليس لها الصدر بخلاف ما اللهم إلا أن تقع في جواب القسم فان الحروف التي يتلقى بها القسم كلها لها الصدر ولهذا قال سيبويه في قوله
٤٤٥ - (آليت حب العراق الدهر أطعمه ...)
إن التقدير على حب العراق فحذف الخافض ونصب ما بعده بوصول الفعل إليه ولم يجعله من باب زيدا ضربته لأن التقدير لا أطعمه وهذه الجملة جواب لآليت فإن معناه حلفت وقيل لها الصدر مطلقا وقيل لا مطلقا والصواب الأول
٢ - الثاني من أوجه لا أن تكون موضوعة لطلب الترك وتختص بالدخول على المضارع وتقتضي جزمه واستقباله سواء كان المطلوب منه مخاطبا
نحو ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ أو غائبا نحو ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء﴾ أو متكلما نحو لا أرينك هاهنا وقوله
٤٤٦ - (لا أعرفن ربربا حورا مدامعها ...)
وهذا النوع مما أقيم فيه المسبب مقام السبب والاصل لا تكن ها هنا فأراك ومثله في الأمر ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ أي وأغلظوا عليهم ليجدوا ذلك وإنما عدل إلى الأمر بالوجدان تنبيها على أنه المقصود لذاته وأما الإغلاظ فلم يقصد لذاته بل ليجدوه وعكسه ﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ أي لا تفتتنوا بفتنة الشيطان
واختلف في لا من قوله تعالى ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ على قولين
أحدهما أنها ناهية فتكون من هذا والأصل لا تتعرضوا للفتنة فتصيبكم ثم عدل عن النهي عن التعرض إلى النهي عن الإصابة لأن الإصابة مسببة عن التعرض وأسند هذا المسبب إلى فاعله وعلى هذا فالإصابة خاصة
بالمتعرضين وتوكيد الفعل بالنون واضح لاقترانه بحرف الطلب مثل ﴿ولا تحسبن الله غافلا﴾ ولكن وقوع الطلب صفة للنكرة ممتنع فوجب إضمار القول أي واتقوا فتنة مقولا فيها ذلك كما قيل في قوله
٤٤٧ - (حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط)
الثاني أنها نافية واختلف القائلون بذلك على قولين
أحدهما أن الجملة صفة لفتنة ولا حاجة إلى إضمار قول لأن الجملة خبرية وعلى هذا فيكون دخول النون شاذا مثله في قوله
٤٤٨ - (فلا الجارة الدنيا بها تلحينها ...)
بل هو في الآية أسهل لعدم الفصل وهو فيهما سماعي والذي جوزه تشبيه لا النافية بلا الناهية وعلى هذا الوجه تكون الإصابة عامة للظالم وغيره لا خاصة بالظالمين كما ذكره الزمخشري لأنها قد وصفت بأنها لا تصيب الظالمين خاصة فكيف تكون مع هذا خاصة بهم
والثاني أن الفعل جواب الأمر وعلى هذا فيكون التوكيد أيضا خارجا عن القياس شاذا وممن ذكر هذا الوجه الزمخشري وهو فاسد لأن المعنى حينئذ فإنكم إن تتقوها لا تصيب الذين ظلموا منكم خاصة وقوله إن التقدير إن أصابتكم لا تصيب الظالم خاصة مردود لأن الشرط إنما يقدر من جنس الأمر لا من جنس الجواب ألا ترى أنك تقدر في ائتني أكرمك إن تأتني أكرمك
نعم يصح الجواب في قوله تعالى ﴿ادخلوا مساكنكم﴾ الآية إذ يصح إن تدخلوا لا يحطمنكم ويصح أيضا النهي على حد لا أرينك هاهنا وأما الوصف فيأتي مكانه هنا أن تكون الجملة حالا أي ادخلوها غير محطومين والتوكيد بالنون على هذا الوجه وعلى الوجه الأول سماعي وعلى النهي قياسي
ولا فرق في اقتضاء لا الطلبية للجزم بين كونها مفيدة للنهي سواء كان للتحريم كما تقدم أو للتنزيه نحو ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ وكونها للدعاء كقوله تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾ وقول الشاعر
٤٤٩ - (يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا)
وقول الآخر
٤٥٠ - (فلا تشلل يد فتكت بعمرو ... فإنك لن تذل ولن تضاما)
ويحتمل النهي والدعاء قول الفرزدق
٤٥ - (إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدا ما دام فيها الجراضم)
أي العظيم البطن وكونها للالتماس كقولك لنظيرك غير مستعل عليه لا تفعل كذا وكذا الحكم إذا خرجت عن الطلب إلى غيره كالتهديد في قولك لولدك أو عبدك لاتطعني
وليس أصل لا التي يجزم الفعل بعدها لام الأمر فزيدت عليها ألف خلاف لبعضهم ولا هي النافيه والجزم بلام أمر مقدرة خلاف للسهيلي
٣ - والثالث لا الزائدة الداخلة في الكلام لمجرد تقويته وتوكيده نحو ﴿ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن﴾ ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ ويوضحه الآية الأخرى ﴿ما منعك أن تسجد﴾ ومنه ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ أي ليعلموا وقوله
٤٥ - (وتلحينني في اللهو أن لا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل)
وقوله
٤٥٣ - (أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله)
وذلك في رواية من نصب البخل فأما من خفض ف لا حينئذ اسم مضاف لأنه أريد به اللفظ وشرح هذا المعنى أن كلمة لا تكون للبخل وتكون للكرم وذلك أنها إذا وقعت بعد قول القائل أعطني أو هل تعطيني كانت للبخل فإن وقعت بعد قوله أتمنعني عطاءك أو أتحرمني نوالك كانت للكرم وقيل هي غير زائدة أيضا في رواية النصب وذلك على أن تجعل اسما مفعولا
والبخل بدلا منها قاله الزجاج وقال آخر لا مفعول به والبخل مفعول لأجله أي كراهية البخل مثل ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ أي كراهية أن تضلوا وقال أبو علي في الحجة قال أبو الحسن فسرته العرب أبى جوده البخل وجعلوا لا حشوا اه
وكما اختلف في لا في هذا البيت أنافية أم زائدة كذلك اختلف فيها في مواضع من التنزيل
أحدها قوله تعالى ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ فقيل هي نافية واختلف هؤلاء في منفيها على قولين
أحدهما أنه شيء تقدم وهو ما حكي عنهم كثيرا من إنكار البعث فقيل لهم ليس الأمر كذلك ثم استؤنف القسم قالوا وإنما صح ذلك لأن القرآن كله كالسورة الواحدة ولهذا يذكر الشيء في سورة وجوابه في سورة أخرى نحو ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ وجوابه ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾
والثاني أن منفيها أقسم وذلك على أن يكون إخبارا لا إنشاء واختاره الزمخشري قال والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له بدليل ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ فكأنه قيل إن إعظامه بالإقسام به كلا إعظام أي إنه يستحق إعظاما فوق ذلك وقيل
هي زائدة واختلف هؤلاء في فائدتها على قولين
أحدهما أنها زيدت توطئة وتمهيدا لنفي الجواب والتقدير لا أقسم بيوم القيامة لا يتركون سدى ومثله ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ وقوله
٤٥٤ - (فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر)
ورد بقوله تعالى ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ الآيات فإن جوابه مثبت وهو ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ ومثله ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ الآية
والثاني أنها زيدت لمجرد التوكيد وتقوية الكلام كما في ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ ورد بأنها لا تزاد لذلك صدرا بل حشوا كما أن زيادة ما وكان كذلك نحو ﴿فبما رحمة من الله﴾ ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ ونحو زيد كان فاضل وذلك لأن زيادة الشيء تفيد اطراحه وكونه أول الكلام يفيد الاعتناء به قالوا ولهذا نقول بزيادتها في نحو ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾ ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ لوقوعها بين الفاء ومعطوفها بخلاف هذه وأجاب أبو علي بما تقدم من أن القرآن كالسورة الواحدة
الموضع الثاني قوله تعالى ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا﴾
) فقيل إن لا نافية وقيل ناهية وقيل زائدة والجميع محتمل
وحاصل القول في الآية أن ما خبرية بمعنى الذي منصوبة بأتل و﴿حرم ربكم﴾ صلة و﴿عليكم﴾ متعلقة بحرم هذا هو الظاهر وأجاز الزجاج كون ما استفهامية منصوبة بحرم والجملة محكية بأتل لأنه بمعنى أقول ويجوز أن يعلق ﴿عليكم﴾ بأتل ومن رجح إعمال أول المتنازعين وهم الكوفيون رجحه على تعلقه بحرم وفي أن وما بعدها أوجه
أحدها أن يكونا في موضع نصب بدلا من ما وذلك على أنها موصولة لا استفهامية إذ لم يقترن البدل بهزة الاستفهام
الثاني أن يكونا في موضع رفع خبرا ل هو محذوفا أجازهما بعض المعربين وعليهما ف لا زائدة قاله ابن الشجري والصواب أنها نافية على الأول وزائدة على الثاني
والثالث أن يكون الأصل أبين لكم ذلك لئلا تشركوا وذلك لأنهم إذا حرم عليهم رؤساؤهم ما أحله الله سبحانه وتعالى فأطاعوهم أشركوا لأنهم جعلوا غير الله بمنزلته
والرابع أن الأصل أوصيكم بألا تشركوا بدليل أن ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ معناه وأوصيكم بالوالدين وأن في آخر الاية ﴿ذلكم وصاكم به﴾ وعلى هذين الوجهين فحذفت الجملة وحرف الجر
والخامس أن التقدير أتل عليكم ألا تشركوا فحذف مدلولا عليه بما
تقدم وأجاز هذه الأوجه الثلاثة الزجاج
والسادس أن الكلام تم عند ﴿حرم ربكم﴾ ثم ابتدئ عليكم ألا تشركوا وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا وألا تقتلوا ولا تقربوا ف ﴿عليكم﴾ على هذا اسم فعل بمعنى الزموا وأن في الأوجه الستة مصدرية ولا في الأوجه الأربعة الأخيرة نافية
والسابع أن أن مفسرة بمعنى أي ولا ناهية والفعل مجزوم لا منصوب وكأنه قيل أقول لكم لا تشركوا به شيئا وأحسنوا بالوالدين إحسانا وهذان الوجهان الأخيران أجازهما ابن الشجري
الموضع الثالث قوله سبحانه وتعالى ﴿وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ فيمن فتح الهمزة فقال قوم منهم الخليل والفارسي لا زائدة وإلا لكان عذرا للكفار ورده الزجاج بأنها نافية في قراءة الكسر فيجب ذلك في قراءة الفتح وقيل نافية واختلف القائلون بذلك فقال النحاس حذف المعطوف أي أو أنهم يؤمنون وقال الخليل في قوله له آخر أن بمعنى لعل مثل ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا ورجحه الزجاج وقال إنهم أجمعوا عليه ورده الفارسي فقال التوقع الذي في لعل ينافيه الحكم بعدم إيمانهم يعني في قراءة الكسر وهذا نظير ما رجح به الزجاج كون لا غير زائدة وقد انتصروا لقول الخليل بأن قالوا يؤيده أن ﴿يشعركم﴾ ويدريكم بمعنى وكثيرا ما تأتي لعل بعد فعل الدراية نحو ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ وأن في مصحف أبي ﴿ولا أدراكم﴾ وقال قوم أن مؤكدة والكلام فيمن حكم
بكفرهم ويئس من إيمانهم والآية عذر للمؤمنين أي إنكم معذورون لأنكم لا تعلمون ما سبق لهم به القضاء من أنهم لا يؤمنون حينئذ ونظيره ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية﴾ وقيل التقدير لأنهم واللام متعلقة بمحذوف أي لأنهم لا يؤمنون امتنعنا من الإتيان بها ونظيره ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون﴾ واختاره الفارسي
واعلم أن مفعول ﴿يشعركم﴾ الثاني على هذا القول وعلى القول بأنها بمعنى لعل محذوف أي إيمانهم وعلى بقية الأقوال أن وصلتها
الموضع الرابع ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ فقيل لا زائدة والمعنى ممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم أنهم يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة وعلى هذا ف (حرام) خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها ومثله ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم﴾ لا مبتدأ وأن وصلتها فاعل أغنى عن الخبر كما جوزه أبو البقاء لأنه ليس بوصف صريح ولأنه لم يعتمد على نفي ولا استفهام وقيل لا نافية والإعراب إما على ما تقدم والمعنى ممتنع عليهم أنهم لا يرجعون إلى الآخرة وإما على أن ﴿حرام﴾ مبتدأ حذف خبره أي قبول أعمالهم وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول وإما على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي والعمل الصالح حرام عليهم وعلى الوجهين ف ﴿أنهم لا يرجعون﴾ تعليل على إضمار اللام والمعنى لا يرجعون عما هم فيه ودليل المحذوف ما تقدم من قوله تعالى ﴿فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه﴾
) ويؤيدهما تمام الكلام قبل مجيء إن في قراءة بعضهم بالكسر
الموضع الخامس ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا﴾ قرئ في السبع برفع ﴿يأمركم﴾ ونصبه فمن رفعه قطعه عما قبله وفاعله ضميره تعالى أو ضمير الرسول ويؤيد الاستئناف قراءة بعضهم / ولن يأمركم / ولا على هذه القراءة نافية لا غير ومن نصبه فهو معطوف على ﴿يؤتيه﴾ كما أن ﴿يقول﴾ كذلك ولا على هذه زائدة مؤكدة لمعنى النفي السابق وقيل على ﴿يقول﴾ ولم يذكر الزمخشري غيره ثم جوز في لا وجهين
أحدهما الزيادة فالمعنى ما كان لبشر أن ينصبه الله للدعاء إلى عبادته وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا
والثاني أن تكون غير زائدة ووجهه بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة وأهل الكتاب عن عبادة عزير وعيسى فلما قالوا له أنتخذك ربا قيل لهم ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء هذا ملخص كلامه وإنما فسر لا يأمر بينهى لأنها حالته عليه الصلاة والسلام وإلا فانتفاء الأمر أعم من النهي
والسكوت والمراد الأول وهي الحالة التي يكون بها البشر متناقضا لأن نهيه عن عبادتهم لكونهم مخلوقين لا يستحقون أن يعبدوا وهو شريكهم في كونه مخلوقا فكيف يأمرهم بعبادته والخطاب في ﴿ولا يأمركم﴾ على القراءتين التفات
تنبيه
قرأ جماعة ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا﴾ وخرجها أبو الفتح على حذف ألف لا تخفيفا كما قالوا أم والله ولم يجمع بين القراءتين بأن تقدر لا في قراءة الجماعة زائدة لأن التوكيد بالنون يأبى ذلك
لات
اختلف فيها في أمرين
١ - أحدهما في حقيقتها وفي ذلك ثلاثة مذاهب
أحدها أنها كلمة واحدة فعل ماض ثم اختلف هؤلاء على قولين أحدهما أنها في الأصل بمعنى نقص من قوله تعالى ﴿لا يلتكم من أعمالكم شيئا﴾ فإنه يقال لات يليت كما يقال ألت يألت وقد قرئ بهما ثم استعملت للنفي كما أن قل كذلك قاله أبو ذر الخشني والثاني أن أصلها ليس بكسر الياء فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وأبدلت السين تاء
والمذهب الثاني أنها كلمتان لا النافية والتاء لتأنيث اللفظة كما في ثمت وربت وإنما وجب تحريكها لالتقاء الساكنين قاله الجمهور
والثالث أنها كلمة وبعض كلمة وذلك أنها لا النافية والتاء زائدة في أول الحين قاله أبو عبيدة وابن الطراوة
واستدل أبو عبيدة بأنه وجدها في الإمام وهو مصحف عثمان رضي الله عنه مختلطة بحين في الخط ولا دليل فيه فكم في خط المصحف من أشياء خارجة عن القياس
ويشهد للجمهور أنه يوقف عليها بالتاء والهاء وأنها رسمت منفصلة عن الحين وأن التاء قد تكسر على أصل حركة التقاء الساكنين وهو معنى قول الزمخشري وقرئ بالكسر على البناء كجير اه ولو كان فعلا ماضيا لم يكن للكسر وجه
٢ - الأمر الثاني في عملها وفي ذلك أيضا ثلاثة مذاهب
أحدها أنها لا تعمل شيئا فإن وليها مرفوع فمبتدأ حذف خبره أو منصوب فمفعول لفعل محذوف وهذا قول للأخفش والتقدير عنده في الآية لا أرى حين مناص وعلى قراءة الرفع ولا حين مناص كائن لهم
الثاني أنها تعمل عمل إن فتنصب الاسم وترفع الخبر وهذا قول آخر للأخفش
والثالث أنها تعمل عمل ليس وهو قول الجمهور