ومثاله قوله تعالى ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ وقوله تعالى ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾ ف إذا فيهما ظرف لخبر المبتدأ بعدها ولو كانت شرطية والجملة الاسمية جوابالاقترنت بالفاء مثل ﴿وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير﴾ وقول بعضهم إنه على إضمار الفاء تقدم رده وقول آخر
إن الضمير توكيد لا مبتدأ وإن ما بعده الجواب ظاهر التعسف وقول آخر إن جوابها محذوف مدلول عليه بالجملة بعدها تكلف من غير ضرورة
ومن ذلك إذا التي بعدها القسم نحو ﴿والليل إذا يغشى﴾ ﴿والنجم إذا هوى﴾ إذ لو كانت شرطية كان ما قبلها جوابا في المعنى كما في قولك آتيك إذا أتيتني فيكون التقدير إذا يغشى الليل وإذا هوى النجم أقسمت وهذا ممتنع لوجهين
أحدهما أن القسم الإنشائي لا يقبل التعليق لأن الإنشاء إيقاع والمعلق يحتمل الوقوع وعدمه فأما إن جائني فوالله لأكرمنه فالجواب في المعنى فعل الإكرام لأنه المسبب عن الشرط وإنما دخل القسم بينهما لمجرد التوكيد ولا يمكن ادعاء مثل ذلك هنا لأن جواب والليل ثابت دائما وجواب والنجم ماض مستمر الانتفاء فلا يمكن تسببهما عن أمر مستقبل وهو فعل الشرط
والثاني أن الجواب خبري فلا يدل عليه الإنشاء لتباين حقيقتهما
ايمن
المختص بالقسم اسم لا حرف خلافا للزجاج والرماني مفرد مشتق من اليمن وهو البركة وهمزته وصل لا جمع يمين وهمزته قطع خلافا للكوفيين
ويرده جواز كسر همزته وفتح ميمه ولا يجوز مثل ذلك في الجمع من نحو أفلس وأكلب وقول نصيب
١٤٩ - (فقال فريق القوم لمانشدتهم ... نعم وفريق لايمن الله ما ندري)
فحذف ألفها في الدرج ويلزمه الرفع بالابتداء وحذف الخبر وإضافته إلى اسم الله سبحانه وتعالى خلافا لابن درستويه في إجازة جره بحرف القسم ولابن مالك في جواز إضافته إلى الكعبة ولكاف الضمير وجوز ابن عصفور كونه خبرا والمحذوف مبتدأ أي قسمي ايمن الله
حرف الباء
الباء المفردة حرف جر لأربعة عشر معنى
أولها الإلصاق قيل وهو معنى لا يفارقها فلهذا اقتصر عليه سيبويه ثم الإلصاق حقيقي ك أمسكت بزيد إذا قبضت على شيء من جسمه أو على ما يحبسه من يد أو ثوب ونحوه ولو قلت أمسكته احتمل ذلك وأن تكون منعته من التصرف ومجازي نحو مررت بزيد أي ألصقت مروري بمكان يقرب من زيد وعن الأخفش أن المعنى مررت على زيد بدليل ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين﴾ واقول إن كلا من الإلصاق والاستعلاء إنما يكون حقيقيا إذا كان مفضيا إلى نفس المجرور ك أمسكت بزيد وصعدت على السطح فإن أفضى إلى ما يقرب منه فمجاز ك مررت بزيد في تأويل الجماعة وكقوله
١٥٠ - (... وبات على النار الندى والمحلق)
فإذا استوى التقديران في المجازية فالأكثر استعمالا أولى بالتخريج عليه ك مررت بزيد ومررت عليه وإن كان قد جاء كما في ﴿لتمرون عليهم﴾ ﴿يمرون عليها﴾
١٥ - (ولقد أمر على اللئيم يسبني ...)
إلا أن مررت به أكثر فكان أولى بتقديره أصلا ويتخرج على هذا الخلاف خلاف في المقدر في قوله
١٥ - (تمرون الديار ولم تعوجوا ...)
أهو الباء أم على
الثاني التعدية وتسمى باء النقل أيضا وهي المعاقبة للهمزة في تصيير الفاعل مفعولا وأكثر ما تعدي الفعل القاصر تقول في ذهب زيد ذهبت بزيد وأذهبته ومنه ﴿ذهب الله بنورهم﴾ وقرىء (أذهب الله نورهم) وهي بمعنى القراءة المشهورة وقول المبرد واالسهيلي إن بين التعديتين فرقا وإنك إذا قلت ذهبت بزيد كنت مصاحبا له في الذهاب مردود بالآية وأما قوله تعالى ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ فيحتمل أن الفاعل ضمير البرق
ولأن الهمزة والباء متعاقبتان لم يجز أقمت بزيد وأما ﴿تنبت بالدهن﴾ فيمن ضم أوله وكسر ثالثه فخرج على زيادة الباء أو على أنها للمصاحبة فالظرف حال من الفاعل أي مصاحبة للدهن أو المفعول أي تنبت الثمر مصاحبا للدهن أو أن أنبت يأتي بمعنى نبت كقول زهير
١٥٣ - (رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لها حتى إذا أنبت البقل)
ومن ورودها مع المتعدي قوله تعالى ﴿دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ وصككت الحجر بالحجر والأصل دفع بعض الناس بعضا وصك الحجر الحجر
الثالث الاستعانة وهي الداخلة على آلة الفعل نحو كتبت بالقلم ونجرت بالقدوم قيل ومنه البسملة لأن الفعل لا يتأتى على الوجه الأكمل إلا بها
الرابع السببية نحو ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾ ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ ومنه لقيت بزيد الأسد أي بسبب لقائي إياه وقوله
١٥٤ - (قد سقيت آبالهم بالنار ...)
أي أنها بسبب ما وسمت به من أسماء أصحابها يخلى بينها وبين الماء
الخامس المصاحبة نحو ﴿اهبط بسلام﴾ أي معه ﴿وقد دخلوا بالكفر﴾ الآية
وقد اختلف في الباء من قوله تعالى ﴿فسبح بحمد ربك﴾ فقيل للمصاحبة والحمد مضاف إلى المفعول أي فسبحه حامدا له أي نزهه عما لا يليق به وأثبت له ما يليق به وقيل للاستعانة والحمد مضاف إلى الفاعل أي سبحه بما حمد به نفسه إذ ليس كل تنزيه بمحمود ألا ترى أن تسبيح المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات
واختلف في سبحانك اللهم وبحمدك فقيل جملة واحدة على أن الواو زائدة وقيل جملتان على أنها عاطفة ومتعلق الباء محذوف أي وبحمدك سبحتك وقال الخطابي المعنى وبمعونتك التي هي نعمة توجب علي حمدك سبحتك لا بحولي وقوتي يريد أنه مما أقيم فيه المسبب مقام السبب وقال ابن الشجري في ﴿فتستجيبون بحمده﴾ هو كقولك أجبته بالتلبية أي فتجيبونه بالثناء إذ الحمد الثناء أو الباء للمصاحبة متعلقة بحال محذوفة أي معلنين بحمده والوجهان في ﴿فسبح بحمد ربك﴾
والسادس الظرفية نحو ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ ﴿نجيناهم بسحر﴾
والسابع البدل كقول الحماسي
١٥٥ - (فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانا)
وانتصاب الإغارة على أنه مفعول لأجله
والثامن المقابلة وهي الداخلة على الأعواض نحو اشتريته بألف وكافأت إحسانه بضعف وقولهم هذا بذاك ومنه ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ وإنما لم نقدرها باء السببية كما قالت المعتزلة وكما قال الجميع في لن يدخل أحدكم الجنة بعمله لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب وقد تبين أنه لا تعارض بين الحديث والآية لاختلاف محملي الباءين جمعا بين الأدلة
والتاسع المجاوزة كعن فقيل تختص بالسؤال نحو ﴿فاسأل به خبيرا﴾ بدليل ﴿يسألون عن أنبائكم﴾ وقيل لا تختص به بدليل قوله تعالى ﴿يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾ ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ وجعل الزمخشري
هذه الباء بمنزلتها في شققت السنام بالشفرة على أن الغمام جعل كالآلة التي يشق بها قال ونظيره ﴿السماء منفطر به﴾ وتأول االبصريون ﴿فاسأل به خبيرا﴾ على أن الباء للسببية وزعموا أنها لا تكون بمعنى عن أصلا وفيه بعد لأنه لا يقتضي قولك سألت بسببه أن المجرور هو المسؤول عنه
العاشر الاستعلاء نحو ﴿من إن تأمنه بقنطار﴾ الآية بدليل ﴿هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل﴾ ونحو ﴿وإذا مروا بهم يتغامزون﴾ بدليل ﴿وإنكم لتمرون عليهم﴾ وقد مضى البحث فيه وقوله
١٥٦ - (أرب يبول الثعلبان برأسه ...)
بدليل تمامه
(... لقد هان من بالت عليه الثعالب)
الحادي عشر التبعيض أثبت ذلك الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك قيل والكوفيون وجعلوا منه ﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾ وقوله
١٥٧ - (شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج)
وقوله
١٥٨ - (... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج)
قيل ومنه ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ والظاهر أن الباء فيهن للالصاق وقيل هي في آية الوضوء للاستعانة وإن في الكلام حذفا وقلبا فإن مسح يتعدى إلى المزال عنه بنفسه وإلى المزيل بالباء فالأصل امسحوا رؤوسكم بالماء ونظيره بيت الكتاب
١٥٩ - (كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الإثمد)
يقول إن لثاتك تضرب إلى سمرة مسحتها بمسحوق الإثمد فقلب معمولي مسح وقيل في شربن إنه ضمن معنى روين ويصح ذلك في ﴿يشرب بها﴾ ونحوه وقال الزمخشري في ﴿يشرب بها﴾ المعنى يشرب بها الخمر كما تقول شربت الماء بالعسل
الثاني عشر القسم وهو أصل أحرفه ولذلك خصت بجواز ذكر الفعل معها نحو أقسم بالله لتفعلن ودخولها على الضمير نحو بك لأفعلن واستعمالها في القسم الاستعطافي نحو بالله هل قام زيد أي أسألك بالله مستحلفا
الثالث عشر الغاية نحو ﴿وقد أحسن بي﴾ أي إلي وقيل ضمن
أحسن معنى لطف
الرابع عشر التوكيد وهي الزائدة وزيادتها في ستة مواضع
أحدها الفاعل وزيادتها فيه واجبة وغالبة وضرورة
فالواجبة في نحو أحسن بزيد في قول الجمهور إن الأصل أحسن زيد بمعنى صار ذا حسن ثم غيرت صيغة الخبر إلى الطلب وزيدت الباء إصلاحا للفظ وأما إذا قيل بأنه أمر لفظا ومعنى وإن فيه ضمير المخاطب مستترا فالباء معدية مثلها في امرر بزيد
والغالبة في فاعل كفى نحو ﴿كفى بالله شهيدا﴾ وقال الزجاج دخلت لتضمن كفى معنى اكتف وهو من الحسن بمكان ويصححه قولهم أتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه أي ليتق وليفعل بدليل جزم يثب ويوجبه قولهم كفى بهند بترك التاء فإن احتج بالفاصل فهو مجوز لا موجب بدليل ﴿وما تسقط من ورقة﴾ ﴿وما تخرج من ثمرات﴾ فإن عورض بقولك أحسن بهند فالتاء لا تلحق صيغ الأمر وإن كان معناها الخبر وقال ابن السراج الفاعل ضمير الاكتفاء وصحة قوله موقوفة على جواز تعلق الجار بضمير المصدر وهو قول الفارسي والرماني أجازا مروري بزيد حسن وهو بعمرو قبيح وأجاز الكوفيون إعماله في الظرف وغيره ومنع جمهور البصريين إعماله مطلقا قالوا ومن مجيء فاعل كفى هذه مجردا عن الباء قول سحيم
١٦٠ - (... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا)
ووجه ذلك على ما اخترناه أنه لم يستعمل كفى هنا بمعنى اكتف
ولا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ وأغنى ولا التي بمعنى وقى والأولى متعدية لواحد كقوله
١٦ - (قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل)
والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ ﴿فسيكفيكهم الله﴾ ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل كفى المتعدية لواحد قال
١٦ - (كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل)
ولم أر من انتقد عليه ذلك فهذا إما لسهو عن شرط الزيادة أو لجعلهم هذه الزيادة من قبيل الضرورة كما سيأتي أو لتقدير الفاعل غير مجرور بالباء
وثعل رهط الممدوح وهم بطن من طيئ وصرفه للضرورة إذ فيه العدل والعلمية كعمر ودهر مرفوع عند ابن جني بتقدير وليفخر دهر وأهل صفة له بمعنى مستحق واللام متعلقة بأهل وجوز ابن الشجري في دهر ثلاثة أوجه أحدها أن يكون مبتدأ حذف خبره أي يفتخر بك وصح الابتداء بالنكرة لأنه قد وصف بأهل والثاني كونه معطوفا على فاعل كفى أي انهم فخروا بكونه منهم وفخروا بزمانه لنضارة أيامه وهذا وجه لا حذف فيه والثالث أن تجره بعد أن ترفع فخرا على تقدير كونه فاعل كفى والباء متعلقة بفخر لا زائدة وحينئذ تجر الدهر
بالعطف وتقدر أهلا خبرا لهو محذوفا وزعم المعري أن الصواب نصب دهر بالعطف على ثعلا أي وكفى دهرا هو أهل لأن أمسيت من أهله أنه أهل لكونك من أهله ولا يخفى ما فيه التعسف وشرحه أنه عطف على المفعول المتقدم وهو ثعلا والفاعل المتأخر وهو أنك منهم منصوبا ومرفوعا وهما دهرا وأن ومعمولاها وما تعلق بخبرها ثم حذف المرفوع المعطوف اكتفاء بدلالة المعنى وزعم الربعي أن النصب بالعطف على اسم أن وأن أهل عطف على خبرها ولا معنى للبيت على تقديره
والضرورة كقوله
١٦٣ - (ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد)
وقوله
١٦٤ - (مهما لي الليلة مهما ليه ... أودى بنعلي وسرباليه)
وقال ابن الضائع في الأول إن الباء متعلقة بتنمي وإن فاعل يأتي مضمر فالمسألة من باب الإعمال
وقال ابن الحاجب في الثاني الباء معدية كما تقول ذهب بنعلي ولم يتعرض لشرح الفاعل وعلام يعود إذا قدر ضميرا في أودى ويصح أن يكون التقدير
أودى هو أي مود أي ذهب ذاهب كما جاء في الحديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن أي ولا يشرب هو أي الشارب إذ ليس المراد ولا يشرب الزاني
والثاني مما تزاد فيه الباء المفعول نحو ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ ﴿ومن يرد فيه بإلحاد﴾ ﴿فطفق مسحا بالسوق﴾ أي يمسح السوق مسحا ويجوز أن يكون صفة أي مسحا واقعا بالسوق وقوله
١٦٥ - (... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج)
الشاهد في الثانية فأما الأولى فللاستعانة وقوله
١٦٦ - (... سود المحاجر لا يقرأن بالسور)
وقيل ضمن تلقوا معنى تفضوا ويريد معنى يهم ونرجو معنى نطمع ويقرأن معنى يرقين ويتبركن وأنه يقال قرأت بالسورة على هذا المعنى ولا يقال قرأت بكتابك لفوات معنى التبرك فيه قاله السهيلي وقيل المراد لا تلقوا
أنفسكم إلى التهلكة بأيديكم فحذف المفعول به والباء للآلة كما في قولك كتبت بالقلم أو المراد بسبب أيديكم كما يقال لا تفسد أمرك برأيك
وكثرت زيادتها في مفعول عرفت ونحوه وقلت في مفعول ما يتعدى إلى اثنين كقولك
١٦٧ - (تبلت فؤادك في المنام خريدة ... تسقي الضجيع ببارد بسام)
وقد زيدت في مفعول كفى المتعدية لواحد ومنه الحديث كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع
وقوله
١٦٨ - (فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا)
وقيل إنما هي في البيت زائدة في الفاعل وحب بدل اشتمال على المحل وقال المتنبي
١٦٩ - (كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني)
والثالث المبتدأ وذلك في قولهم بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك إذا كان كذا ومنه عند سيبويه ﴿بأيكم المفتون﴾ وقال أبو الحسن بأيكم متعلق باستقرار محذوف مخبر به عن المفتون ثم اختلف فقيل المفتون مصدر بمعنى الفتنة وقيل الباء ظرفية أي في أي طائفة منكم المفتون
تنبيه
من الغريب أنها زيدت فيما أصله المبتدأ وهو اسم ليس بشرط أن يتأخر إلى موضع الخبر كقراءة بعضهم ﴿ليس البر أن تولوا﴾ بنصب البر وقوله
١٧٠ - (أليس عجيبا بأن الفتى ... يصاب ببعض الاذى في يديه)
والرابع الخبر وهو ضربان غير موجب فينقاس نحو ليس زيد بقائم ﴿وما الله بغافل﴾ وقولهم لا خير بخير بعده النار إذا لم تحمل على الظرفية وموجب فيتوقف على السماع وهو قول الأخفش ومن تابعه وجعلوا منه قوله تعالى ﴿جزاء سيئة بمثلها﴾ وقول الحماسي
١٧ - (... ومنعكها بشيء يستطاع)
والأولى تعليق ﴿بمثلها﴾ باستقرار محذوف هو الخبر وبشيء بمنعكها والمعنى ومنعكها بشيء ما يستطاع وقال ابن مالك في بحسبك زيد إن زيدا مبتدأ مؤخر لأنه وحسبك نكرة
والخامس الحال المنفي عاملها كقوله
١٧ - (فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيب منتهاها)
وقوله
١٧٣ - (... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل)
ذكر ذلك ابن مالك وخالفه أبو حيان وخرج البيتين على أن التقدير بحاجة خائبة وبشخص مزؤود أي مذعور ويريد بالمزؤود نفسه على حد قولهم رأيت منه أسدا وهذا التخريج ظاهر في البيت الأول دون الثاني لأن صفات الذم إذا نفيت على سبيل المبالغة لم ينتف أصلها ولهذا قيل في ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ إن فعالا ليس للمبالغة بل للنسب كقوله
١٧٤ - (... وليس بذي سيف وليس بنبال)
أي وما ربك بذي ظلم لأن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا ولا يقال لقيت منه أسدا أو بحرا أو نحو ذلك إلا عند قصد المبالغة في الوصف بالإقدام أو الكرم
والسادس التوكيد بالنفس والعين وجعل منه بعضهم قوله تعالى ﴿يتربصن بأنفسهن﴾ وفيه نظر إذا حق الضمير المرفوع المتصل المؤكد بالنفس أو بالعين أن يؤكد أولا بالمنفصل نحو قمتم أنتم أنفسكم ولأن التوكيد هنا ضائع إذ المأمورات بالتربص لا يذهب الوهم إلى أن المأمور غيرهن بخلاف قولك زارني الخليفة نفسه وإنما ذكر الأنفس هنا لزيادة البعث على التربص لإشعاره بما يستنكفن منه من طموح أنفسهن إلى الرجال
تنبيه
مذهب البصريين أن أحرف الجر لا ينوب بعضها عن بعض بقياس كما
أن أحرف الجزم وأحرف النصب كذلك وما أوهم ذلك فهو عندهم إما مؤول تأويلا يقبله اللفظ كما قيل في ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ إن في ليست بمعنى على ولكن شبه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحال في الشيء وإما على تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف كما ضمن بعضهم شربن في قوله
١٧٥ - (شربن بماء البحر ...)
معنى روين وأحسن في ﴿وقد أحسن بي﴾ معنى لطف وإما على شذوذ إنابة كلمة عن أخرى وهذا الأخير هو مجمل الباب كله عند أكثر الكوفيين وبعض المتأخرين ولا يجعلون ذلك شاذا ومذهبهم أقل تعسفا
بجل
على وجهين حرف بمعنى نعم واسم وهي على وجهين اسم فعل بمعنى يكفي واسم مرادف لحسب ويقال على الأول بجلني وهو نادر وعلى الثاني بجلي قال
١٧٦ - (... ألا بجلي من ذا الشراب ألا بجل)
بل
حرف إضراب فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب إما الإبطال نحو ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾
) أي بل هم عباد ونحو ﴿أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق﴾ وإما الانتقال من غرض إلى آخر ووهم ابن مالك إذ زعم في شرح كافيته أنها لا تقع في التنزيل إلا على هذا الوجه ومثاله ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ ونحو ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة﴾ وهي في ذلك كله حرف ابتداء لا عاطفة على الصحيح ومن دخولها على الجملة قوله
١٧٧ - (... بل بلد ملء الفجاج قتمه)
إذ التقدير بل رب موصوف بهذا الوصف قطعته ووهم بعضهم فزعم إنها تستعمل جارة
وإن تلاها مفرد فهي عاطفة ثم إن تقدمها أمر أو إيجاب ك اضرب زيدا بل عمرا وقام زيد بل عمرو فهي تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه فلا يحكم عليه بشيء وإثبات الحكم لما بعدها وإن تقدمها نفي أو نهي فهي لتقرير ما قبلها على حالته وجعل ضده لما بعده نحو ما قام زيد بل عمرو ولا يقم زيد بل عمرو وأجاز المبرد وعبد الوارث أن تكون ناقلة معنى النفي والنهي إلى ما بعدها وعلى قولهما فيصح ما زيد قائما بل قاعدا وبل قاعد ويختلف المعنى
ومنع الكوفيون أن يعطف بها بعد غير النفي وشبهه قال هشام محال ضربت زيدا بل إياك اه ومنعهم ذلك مع سعة روايتهم دليل على قلته
وتزاد قبلها لا لتوكيد الإضراب بعد الإيجاب كقوله
(وجهك البدر لا بل الشمس لو لم ... يقض للشمس كسفة أو أفول)
ولتوكيد تقرير ما قبلها بعد النفي ومنع ابن درستويه زيادتها بعد النفي وليس بشيء لقوله
١٧٩ - (وما هجرتك لا بل زادني شغفا ... هجر وبعد تراخي لا إلى أجل)
بلى
حرف جواب أصلي الألف وقال جماعة الأصل بل والألف زائدة وبعض هؤلاء يقول إنها للتأنيث بدليل إمالتها وتختص بالنفي وتفيد إبطاله سواء كان مجردا نحو ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي﴾ أم مقرونا بالاستفهام حقيقيا كان نحو أليس زيد بقائم فتقول بلى أو توبيخيا نحو ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ ﴿أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى﴾ أو تقريريا نحو ﴿ألم يأتكم نذير قالوا بلى﴾ ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ب بلى ولذلك
قال ابن عباس وغيره لو قالوا نعم لكفروا ووجهه أن نعم تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب ولذلك قال جماعة من الفقهاء لو قال أليس لي عليك ألف فقال بلى لزمته ولو قال نعم لم تلزمه وقال آخرون تلزمه فيهما وجروا في ذلك على مقتضى العرف لا اللغة ونازع السهيلي وغيره في المحكي عن ابن عباس وغيره في الآية مستمسكين بأن الاستفهام التقريري خبر موجب ولذلك امتنع سيبويه من جعل أم متصلة في قوله تعالى ﴿أفلا تبصرون أم أنا خير﴾ لأنها لا تقع بعد الإيجاب وإذا ثبت أنه إيجاب فنعم بعد الإيجاب تصديق له انتهى
ويشكل عليهم أن بلى لايجاب بها الإيجاب وذلك متفق عليه ولكن وقع في كتب الحديث ما يقتضي أنها يجاب بها الاستفهام المجرد ففي صحيح البخاري في كتاب الإيمان أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا بلى وفي صحيح مسلم في كتاب الهبة أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء قال بلى قال فلا إذن وفيه أيضا أنه قال أنت الذي لقيتني بمكة فقال له المجيب بلى وليس لهؤلاء أن يحتجوا بذلك لأنه قليل فلا يتخرج عليه التنزيل
واعلم أن تسمية الاستفهام في الآية تقريرا عبارة جماعة ومرادهم أنه تقرير
بما بعد النفي كما مر في صدر الكتاب وفي الموضع بحث أوسع من هذا في باب النون
بيد
ويقال ميد بالميم وهو اسم ملازم للاضافة إلى أن وصلتها وله معنيان أحدهما غير إلا أنه لا يقع مرفوعا ولا مجرورا بل منصوبا ولا يقع صفة ولا استثناء متصلا وإنما يستثنى به في الانقطاع خاصة ومنه الحديث نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وفي مسند الشافعي رضي الله عنه بائد أنهم وفي الصحاح بيد بمعنى غير يقال إنه كثير المال بيد أنه بخيل اه وفي المحكم أن هذا المثال حكاه ابن السكيت وأن بعضهم فسرها فيه بمعنى على وأن تفسيرها بغير أعلى
والثاني أن تكون بمعنى من أجل ومنه الحديث أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش واسترضعت في بني سعد بن بكر وقال ابن مالك وغيره إنها هنا بمعنى غير على حد قوله
١٨٠ - (ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب)
وأنشد أبو عبيدة على مجيئها بمعنى من أجل قوله
١٨ - (عمدا فعلت ذاك بيد أني ... أخاف إن هلكت أن ترني)
وقوله ترني من الرنين وهو الصوت
بله
على ثلاثة أوجه اسم ل دع ومصدر بمعنى الترك واسم مرادف لكيف وما بعدها منصوب على الأول ومخفوض على الثاني ومرفوع على الثالث وفتحها بناء على الأول والثالث وإعراب على الثاني وقد روي بالأوجه الثلاثة قوله يصف السيوف
١٨ - (تذر الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكف كأنها لم تخلق)
وإنكار أبي علي أن يرتفع ما بعدها مردود بحكاية أبي الحسن وقطرب له وإذا قيل بله الزيدين أو المسلمين أو أحمد أو الهندات احتملت المصدرية واسم الفعل
ومن الغريب أن في البخاري في تفسير ألم السجدة يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا من بله ما اطلعتم عليه
واستعملت معربة مجرورة بمن خارجة عن المعاني الثلاثة وفسرها بعضهم بغير وهو ظاهر وبهذا يتقوى من يعدها في ألفاظ الاستثناء
حرف التاء
التاء المفردة محركة في أوائل الأسماء ومحركة في أواخرها ومحركة في أواخر الأفعال ومسكنة في أواخرها
فالمحركة في أوائل الأسماء حرف جر معناه القسم وتختص بالتعجب وباسم الله تعالى وربما قالوا تربي وترب الكعبة وتالرحمن قال الزمخشري في ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ الباء أصل حروف القسم والواو بدل منها والتاء بدل من الواو وفيها زيادة معنى التعجب كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه مع عتو نمرود وقهره اه
والمحركة في أواخرها حرف خطاب نحو أنت وأنت
والمحركة في أواخر الأفعال ضمير نحو قمت وقمت وقمت ووهم ابن خروف فقال في قولهم في النسب كنتي إن التاء هنا علامة كالواو في أكلوني البراغيث ولم يثبت في كلامهم أن هذه التاء تكون علامة
ومن غريب أمر التاء الاسمية أنها جردت عن الخطاب والتزم فيها لفظ التذكير والإفراد في أرأيتكما وأرأيتكم وأرأيتك وأرأيتك وأرأيتكن إذ لو قالوا أرأيتماكما جمعوا بين خطابين وإذا امتنعوا من اجتماعهما في يا غلامكم فلم يقولوه كما قالوا يا غلامنا ويا غلامهم مع أن الغلام طارئ عليه الخطاب بسبب النداء وأنه خطاب لاثنين لا لواحد فهذا أجدر وإنما جاز واغلامكيه لأن المندوب ليس بمخاطب في الحقيقة ويأتي تمام القول في أرأيتك في حرف الكاف إن شاء الله تعالى
والتاء الساكنة في أواخر الأفعال حرف وضع علامة للتأنيث كقامت وزعم
الجلولي أنها اسم وهو خرق لإجماعهم وعليه فيأتي في الاسم الظاهر بعدها أن يكون بدلا أو مبتدأ والجملة قبله خبر ويرده أن البدل صالح للاستغناء به عن المبدل منه وأن عود الضمير على ما هو بدل منه نحو اللهم صل عليه الرؤوف الرحيم قليل وأن تقدم الخبر الواقع جملة قليل أيضا كقوله
١٨٣ - (إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره)
وربما وصلت هذه بثم ورب والأكثر تحريكها معهما بالفتح
حرف الثاء
ثم ويقال فيها فم كقولهم في جدث جدف حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور التشريك في الحكم والترتيب والمهلة وفي كل منها خلاف
فأما التشريك فزعم الأخفش والكوفيون أنه قد يتخلف وذلك بأن تقع زائدة فلا تكون عاطفة البتة وحملوا على ذلك قوله تعالى ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم﴾ وقول زهير
١٨٤ - (أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى ... فثم إذا أمسيت أمسيت غاديا)
وخرجت الآية على تقدير الجواب والبيت على زيادة الفاء
وأما الترتيب فخالف قوم في اقتضائها إياه تمسكا بقوله تعالى ﴿خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها﴾ ﴿وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه﴾ ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ثم آتينا موسى الكتاب﴾ وقول الشاعر
١٨٥ - (إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده)
والجواب عن الآية الأولى من خمسة أوجه
أحدها أن العطف على محذوف أي من نفس واحدة أنشأها ثم جعل منها زوجها
الثاني أن العطف على ﴿واحدة﴾ على تأويلها بالفعل أي من نفس توحدت أي انفردت ثم جعل منها زوجها
الثالث أن الذرية أخرجت من ظهر آدم عليه السلام كالذر ثم خلقت حواء من قصيراه
الرابع أن خلق حواء من آدم لما لم تجر العادة بمثله جيء بثم إيذانا بترتبه
وتراخيه في الإعجاب وظهور القدرة لا لترتيب الزمان وتراخيه
الخامس أن ثم لترتيب الإخبار لا لترتيب الحكم وأنه يقال بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب أي ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب
والأجوبة السابقة أنفع من هذا الجواب لأنها تصحح الترتيب والمهلة وهذا يصحح الترتيب فقط إذ لا تراخي بين الإخبارين ولكن الجواب الأخير أعم لأنه يصح أن يجاب به عن الاية الأخيرة والبيت
وقد أجيب عن الآية الثانية أيضا بأن ﴿سوأة﴾ عطف على الجملة الأولى لا الثانية
وأجاب ابن عصفور عن البيت بأن المراد أن الجد أتاه السؤدد من قبل الأب والأب من قبل الابن كما قال ابن الرومي
(قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمري ولكن منه شيبان)
(وكم أب قد علا بابن ذرا حسب ... كما علت برسول الله عدنان)
وأما المهلة فزعم الفراء أنها قد تتخلف بدليل قولك أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب لأن ثم في ذلك لترتيب الإخبار ولا تراخي بين الإخبارين وجعل منه ابن مالك ﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾ الآية وقد مر البحث في ذلك والظاهر أنها واقعة موقع الفاء في قوله
١٨٦ - (كهز الرديني تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب)
إذا الهز متى جرى في أنابيب الرمح يعقبه الاضطراب ولم يتراخ عنه
مسألة
أجرى الكوفيون ثم مجرى الفاء والواو في جواز نصب المضارع المقرون بها بعد فعل الشرط واستدل لهم بقراءة الحسن ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ بنصب ﴿يدرك﴾ وأجراها ابن مالك مجراهما بعد الطلب فأجاز في قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه ثلاثة أوجه الرفع بتقدير ثم هو يغتسل وبه جاءت الرواية والجزم بالعطف على موضع فعل النهي والنصب قال بإعطاء ثم حكم واو الجمع فتوهم تلميذه الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله أن المراد إعطاؤها حكمها في إفادة معنى الجمع فقال لا يجوز النصب لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقله أحد بل البول منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا انتهى وإنما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في النصب لا في المعية أيضا ثم ما أورده إنما جاء من قبل المفهوم لا المنطوق وقد قام دليل آخر على عدم إرادته ونظيره إجازة الزجاج والزمخشري في ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾ كون ﴿تكتموا﴾ مجزوما وكونه منصوبا مع أن النصب معناه النهي عن الجمع
تنبيه
قال الطبري في وقوله تعالى ﴿أثم إذا ما وقع آمنتم به﴾ معناه أهنالك وليست ثم التي تأتي للعطف انتهى وهذا وهم اشتبه عليه ثم المضمومة الثاء بالمفتوحتها
ثم بالفتح
اسم يشار به إلى المكان البعيد نحو ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾ وهو ظرف لا يتصرف فلذلك غلط من أعربه مفعولا لرأيت في قوله تعالى ﴿وإذا رأيت ثم رأيت﴾ ولا يتقدمه حرف التنبيه ولا يتأخر عنه كاف الخطاب
حرف الجيم
جير بالكسر على أصل التقاء الساكنين كأمس وبالفتح للتخفيف كأين وكيف حرف جواب بمعنى نعم لا اسم بمعنى حقا فتكون مصدرا ولا بمعنى أبدا فتكون ظرفا وإلا لأعربت ودخلت عليها أل ولم تؤكد أجل بجير في قوله
١٨٧ - (... أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره)
ولا قوبل بها لا في قوله
١٨٨ - (إذا تقول لا ابنة العجير ... تصدق لا إذا تقول جير)
وأما قوله
١٨٩ - (وقائلة أسيت فقلت جير ... أسي إنني من ذاك إنه)
فخرج على وجهين أحدهما أن الأصل جير إن بتأكيد جير بإن التي بمعنى نعم ثم حذفت همزة إن وخففت الثاني أن يكون شبه آخر النصف بآخر البيت فنونه تنوين الترنم وهو غير مختص بالاسم ووصل بنية الوقف
جلل
حرف بمعنى نعم حكاه الزجاج في كتاب الشجرة واسم بمعنى عظيم أو يسير أو أجل
فمن الأول قوله
١٩٠ - (قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي)
(فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي)
ومن الثاني قول امرئ القيس وقد قتل أبوه
١٩ - (... ألا كل شيء سواه جلل)
ومن الثالث قولهم فعلت كذا من جللك وقال جميل
١٩ - (رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الحياة من جلله)
فقيل أراد من أجله وقيل أراد من عظمه في عيني
حرف الحاء المهملة
حاشا على ثلاثة أوجه
أحدها أن تكون فعلا متعديا متصرفا تقول حاشيته بمعنى استثنيته ومنه الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال أسامة أحب الناس إلي ما حاشى فاطمة ما نافية والمعنى أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستثن فاطمة وتوهم ابن مالك أنها ما المصدرية وحاشا الاستثنائية بناء على أنه من كلامه صلى الله عليه وآله وسلم فاستدل به على أنه قد يقال قام القوم ما حاشا زيدا كما قال
١٩٣ - (رأيت الناس ما حاشا قريشا ... فإنا نحن أفضلهم فعالا)
ويرده أن في معجم الطبراني ماحاشى فاطمة ولا غيرها ودليل تصرفه قوله
١٩٤ - (ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد)
وتوهم المبرد أن هذا مضارع حاشا التي يستثنى بها وإنما تلك حرف أو فعل جامد لتضمنه معنى الحرف
الثاني أن تكون تنزيهية نحو ﴿حاش لله﴾ وهي عند المبرد وابن جني
والكوفيين فعل قالوا لتصرفهم فيها بالحذف ولإدخالهم إياها على الحرف وهذان الدليلان ينافيان الحرفية ولا يثبتان الفعلية قالوا والمعنى في الآية جانب يوسف المعصية لأجل الله ولا يتأتى هذا التأويل في مثل ﴿حاش لله ما هذا بشرا﴾ والصحيح أنها اسم مرادف للبراءة من كذا بدليل قراءة بعضهم / حاشا لله / بالتنوين كما يقال براءة لله من كذا وعلى هذا فقراءة ابن مسعود رضي الله عنه / حاش الله / كمعاذ الله ليس جارا ومجرورا كما وهم ابن عطية لأنها إنما تجر في الاستثناء ولتنوينها في القراءة الأخرى ولدخولها على اللام في قراءة السبعة والجار لا يدخل على الجار وإنما ترك التنوين في قراءتهم لبناء حاشا لشبهها بحاشا الحرفية وزعم بعضهم أنها اسم فعل معناها أتبرأ أو برئت وحامله على ذلك بناؤها ويرده إعرابها في بعض اللغات
الثالث أن تكون للاستثناء فذهب سيبويه وأكثر البصريين إلى أنها حرف دائما بمنزلة إلا لكنها تجر المستثنى وذهب الجرمي والمازني والمبرد والزجاج والأخفش وأبو زيد والفراء وأبو عمرو الشيباني إلى أنها تستعمل كثيرا حرفا جارا وقليلا فعلا متعديا جامدا لتضمنه معنى إلا وسمع اللهم اغفر لي ولمن يسمع حاشا الشيطان وأبا الأصبغ وقال
١٩٥ - (حاشا أبا ثوبان إن به ... ضنا على الملحاة والشتم)
ويروى أيضا حاشا أبي بالياء ويحتمل أن تكون رواية الألف على لغة من قال
١٩٦ - (إن أباها وأبا أباها ...)
وفاعل حاشا ضمير مستتر عائد على مصدر الفعل المتقدم عليها أو اسم فاعله أو البعض المفهوم من الاسم العام فإذا قيل قام القوم حاشا زيدا فالمعنى جانب هو أي قيامهم أو القائم منهم أو بعضهم زيدا
حتى
حرف يأتي لأحد ثلاثة معان انتهاء الغاية وهو الغالب والتعليل وبمعنى إلا في الاستثناء وهذا أقلها وقل من يذكره
وتستعمل على ثلاثة أوجه
١ - أحدها أن تكون حرفا جارا بمنزلة إلى في المعنى والعمل ولكنها تخالفها في ثلاثة أمور
أحدها أن لمخفوضها شرطين أحدهما عام وهو أن يكون ظاهرا لا مضمرا خلافا للكوفيين والمبرد فأما قوله
١٩٧ - (أتت حتاك تقصد كل فج ... ترجي منك أنها لا تخيب)
فضرورة واختلف في علة المنع فقيل هي أن مجرورها لا يكون إلا بعضا مما قبلها أو كبعض منه فلم يمكن عود ضمير البعض على الكل ويرده أنه قد يكون ضميرا حاضرا كما في البيت فلا يعود على ما تقدم وأنه قد يكون ضميرا غائبا عائدا على ما تقدم غير الكل كقولك زيد ضربت القوم حتاه وقيل العلة خشية التباسها بالعاطفة ويرده أنها لو دخلت عليه لقيل في العاطفة قاموا حتى أنت وأكرمتهم حتى إياك بالفصل لأن الضمير لا يتصل إلا بعامله وفي الخافضة حتاك بالوصل كما في البيت وحينئذ فلا التباس ونظيره أنهم يقولون في توكيد الضمير المنصوب رأيتك أنت وفي البدل منه رأيتك إياك فلم يحصل لبس وقيل لو دخلت عليه قلبت ألفها ياء كما في إلى وهي فرع عن إلى فلا تحتمل ذلك والشرط الثاني خاص بالمسبوق بذي أجزاء وهو أن يكون المجرور آخرا نحو أكلت السمكة حتى رأسها أو ملاقيا لآخر جزء نحو ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ ولا يجوز سرت البارحة حتى ثلثها أو نصفها كذا قال المغاربة وغيرهم وتوهم ابن مالك أن ذلك لم يقل به إلا الزمخشري واعترض عليه بقوله
١٩٨ - (عينت ليلة فما زلت حتى ... نصفها راجيا فعدت يؤوسا)
وهذا ليس محل الاشتراط إذ لم يقل فما زلت في تلك الليلة حتى نصفها وإن كان المعنى عليه ولكنه لم يصرح به
الثاني أنها إذا لم يكن معها قرينة تقتضي دخول ما بعدها كما في قوله
١٩٩ - (ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها)
أو عدم دخوله كما في قوله
٢٠٠ - (سقى الحيا الأرض حتى أمكن عزيت ... لهم فلا زال عنها الخير مجدودا)
حمل على الدخول ويحكم في مثل ذلك لما بعد إلى بعدم الدخول حملا على الغالب في البابين هذا هو الصحيح في البابين وزعم الشيخ شهاب الدين القرافي أنه لا خلاف في وجوب دخول ما بعد حتى وليس كذلك بل الخلاف فيها مشهور وإنما الاتفاق في حتى العاطفة لا الخافضة والفرق أن العاطفة بمعنى الواو
والثالث أن كلا منهما قد ينفرد بمحل لا يصلح للآخر
فمما انفردت به إلى أنه يجوز كتبت إلى زيد وأنا إلى عمرو أي هو غايتي كما جاء في الحديث أنا بك وإليك وسرت من البصرة إلى الكوفة ولا يجوز حتى زيد وحتى عمرو وحتى الكوفة أما الأولان فلأن حتى موضوعة لإفادة تقضي الفعل قبلها شيئا فشيئا إلى الغاية وإلى ليست كذلك وأما الثالث فلضعف حتى في الغاية فلم يقابلوا بها ابتداء الغاية
ومما انفردت به حتى أنه يجوز وقوع المضارع المنصوب بعدها نحو سرت حتى أدخلها وذلك بتقدير حتى أن أدخلها وأن المضمرة والفعل في تأويل مصدر مخفوض بحتى ولا يجوز سرت إلى أدخلها وإنما قلنا إن النصب بعد حتى بأن
مضمرة لا بنفسها كما يقول الكوفيون لأن حتى قد ثبت أنها تخفض الأسماء وما يعمل في الأسماء لا يعمل في الأفعال وكذا العكس
ولحتى الداخلة على المضارع المنصوب ثلاثة معان مرادفة إلى نحو ﴿حتى يرجع إلينا موسى﴾ ومرادفة كي التعليلية نحو ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم﴾ ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ وقولك أسلم حتى تدخل الجنة ويحتملهما ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ ومرادفة إلا في الاستثناء وهذا المعنى ظاهر من قول سيبويه في تفسير قولهم والله لا أفعل إلا أن تفعل المعنى حتى أن تفعل وصرح به ابن هشام الخضراوي وابن مالك ونقله أبو البقاء عن بعضهم في ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا﴾ والظاهر في هذه الآية خلافه وأن المراد معنى الغاية نعم هو ظاهر فيما أنشده ابن مالك في قوله
٢٠ - (ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل)
وفي قوله
٢٠ - (والله لا يذهب شيخي باطلا ... حتى أبير مالكا وكاهلا)
لأن ما بعدهما ليس غاية لما قبلهما ولا مسببا عنه وجعل ابن هشام من ذلك الحديث كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه إذ زمن الميلاد لا يتطاول فتكون حتى فيه للغاية ولا كونه يولد على الفطرة علته اليهودية والنصرانية فتكون فيه للتعليل ولك أن تخرجه على أن فيه حذفا أي يولد على الفطرة ويستمر على ذلك حتى يكون
ولا ينتصب الفعل بعد حتى إلا إذا كان مستقبلا ثم إن كان استقباله بالنظر إلى زمن التكلم فالنصب واجب نحو ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ وإن كان بالنسبة إلى ما قبلها خاصة فالوجهان نحو ﴿وزلزلوا حتى يقول الرسول﴾ الآية فإن قولهم إنما هو مستقبل بالنظر إلى الزلزال لا بالنظر إلى زمن قص ذلك علينا
وكذلك لا يرتفع الفعل بعد حتى إلا إذا كان حالا ثم إن كانت حاليته بالنسبة إلى زمن التكلم فالرفع واجب كقولك سرت حتى أدخلها إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول وإن كانت حاليته ليست حقيقية بل كانت محكية رفع وجاز نصبه إذا لم تقدرالحكاية نحو ﴿وزلزلوا حتى يقول الرسول﴾ قراءة نافع بالرفع بتقدير حتى حالتهم حينئذ أن الرسول والذين آمنوا معه يقولون كذا وكذا
واعلم أنه لا يرتفع الفعل بعد حتى إلا بثلاثة شروط أحدها أن يكون حالا أو مؤولا بالحال كما مثلنا والثاني أن يكون مسببا عما قبلها فلا يجوز سرت
حتى تطلع الشمس ولا ما سرت حتى أدخلها وهل سرت حتى تدخلها أما الأول فلأن طلوع الشمس لا يتسبب عن السير وأما الثاني فلأن الدخول لا يتسبب عن عدم السير وأما الثالث فلأن السبب لم يتحقق وجوده ويجوز أيهم سار حتى يدخلها ومتى سرت حتى تدخلها لأن السير محقق وإنما الشك في عين الفاعل وفي عين الزمان وأجاز الأخفش الرفع بعد النفي على أن يكون أصل الكلام إيجابا ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره لا على ما قبل حتى خاصة ولو عرضت هذه المسألة بهذا المعنى على سيبويه لم يمنع الرفع فيها وإنما منعه إذا كان النفي مسلطا على السبب خاصة وكل أحد يمنع ذلك والثالث أن يكون فضلة فلا يصح في نحو سيري حتى أدخلها لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر ولا في نحو كان سيري حتى أدخلها إن قدرت كان ناقصة فإن قدرتها تامة أو قلت سيري أمس حتى أدخلها جاز الرفع إلا إن علقت أمس بنفس السير لا باستقرار محذوف
٢ - الثاني من أوجه حتى أن تكون عاطفة بمنزلة الواو إلا أن بينهما فرقا من ثلاثة أوجه
أحدها أن لمعطوف حتى ثلاثة شروط أحدها أن يكون ظاهرا لا مضمرا كما أن ذلك شرط مجرورها ذكره ابن هشام الخضراوي ولم أقف عليه لغيره والثاني أن يكون إما بعضا من جمع قبلها ك قدم الحاج حتى المشاة أو جزءا من كل نحو أكلت السمكة حتى رأسها أو كجزء نحو أعجبتني الجارية حتى حديثها ويمتنع أن تقول حتى ولدها والذي يضبط لك ذلك أنها تدخل حيث يصح دخول الاستثناء وتمتنع حيث يمتنع ولهذا لا يجوز ضربت الرجلين حتى أفضلهما وإنما جاز
٢٠٣ - (... حتى نعله ألقاها)
لأن إلقاء الصحيفة والزاد في معنى ألقى ما يثقله والثالث أن يكون غاية لما قبلها إما في زيادة أو نقص فالأول نحو مات الناس حتى الأنبياء والثاني نحو زارك الناس حتى الحجامون وقد اجتمعا في قوله
٢٠٤ - (قهرناكم حتى الكماة فأنتم ... تهابوننا حتى بنينا الأصاغرا)
الفرق الثاني أنها لا تعطف الجمل وذلك لأن شرط معطوفها أن يكون جزءا مما قبلها أو كجزء منه كما قدمناه ولا يتأتى ذلك إلا في المفردات هذا هو الصحيح وزعم ابن السيد في قول أمرىء القيس
٢٠٥ - (سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان)
فيمن رفع تكل أن جملة تكل مطيهم معطوفة بحتى على سريت بهم
الثالث أنها إذا عطفت على مجرور أعيد الخافض فرقا بينها وبين الجارة فتقول مررت بالقوم حتى بزيد ذكر ذلك ابن الخباز وأطلقه وقيده ابن مالك بأن لا يتعين كونها للعطف نحو عجبت من القوم حتى بنيهم وقوله
٢٠٦ - (جود يمناك فاض في الخلق حتى ... بائس دان بالإساءة دينا)
وهو حسن ورده أبو حيان وقال في المثال هي جارة إذ لا يشترط في تالي الجارة أن يكون بعضا أو كبعض بخلاف العاطفة ولهذا معنوا أعجبتني الجارية حتى ولدها قال وهي في البيت محتملة انتهى وأقول إن شرط الجارة التالية ما يفهم الجمع أن يكون مجرورها بعضا أو كبعض وقد ذكر ذلك ابن مالك في باب حروف الجر وأقره أبو حيان عليه ولا يلزم من امتناع أعجبتني الجارية
حتى ابنها امتناع عجبت من القوم حتى بنيهم لأن اسم القوم يشمل أبناءهم واسم الجارية لا يشمل ابنها ويظهر لي أن الذي لحظة ابن مالك أن الموضع الذي يصح أن تحل فيه إلى محل حتى العاطفة فهي فيه محتملة للجارة فيحتاج حينئذ إلى اعادة الجار عند قصد العطف نحو اعتكفت في الشهر حتى في آخره بخلاف المثال والبيت السابقين وزعم ابن عصفور أن إعادة الجار مع حتى أحسن ولم يجعلها واجبة
تنبيه
العطف بحتى قليل وأهل الكوفة ينكرونه البتة ويحملون نحو جاء القوم حتى أبوك ورأيتهم حتى أباك ومررت بهم حتى أبيك على أن حتى فيه ابتدائية وأن ما بعدها على إضمار عامل
٣ - الثالث من أوجه حتى أن تكون حرف ابتداء أي حرفا تبتدأ بعده الجمل أي تستأنف فيدخل على الجملة الاسمية كقول جرير
٢٠٧ - (فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل)
وقول الفرزدق
٢٠٨ - (فوا عجبا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع)
ولا بد من تقدير محذوف قبل حتى في هذا البيت يكون ما بعد حتى غاية له أي فوا عجبا يسبني الناس حتى كليب تسبني وعلى الفعلية التي فعلها مضارع كقراءة نافع رحمه الله ﴿حتى يقول الرسول﴾ برفع يقول وكقول حسان
٢٠٩ - (يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل)
وعلى الفعلية التي فعلها ماض نحو ﴿حتى عفوا وقالوا﴾ وزعم ابن مالك أن حتى هذه جارة وأن بعدها أن مضمرة ولا أعرف له في ذلك سلفا وفيه تكلف إضمار من غير ضرورة وكذا قال في حتى الداخلة على إذا في نحو ﴿إذا فشلتم وتنازعتم﴾ إنها الجارة وإن إذا في موضع جر بها وهذه المقالة سبقه إليها الأخفش وغيره والجمهور على خلافها وأنها حرف ابتداء وأن إذا في موضع نصب بشرطها أو جوابها والجواب في الآية محذوف أي امتحنتم أو أنقسمتم قسمين بدليل ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ ونظيره حذف جواب لما في قوله تعالى ﴿فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد﴾ أي انقسموا قسمين فمنهم مقتصد ومنهم غير ذلك وأما قول ابن مالك إن ﴿فمنهم مقتصد﴾ هو الجواب فمبني على صحة مجيء جواب لما مقرونا بالفاء ولم يثبت وزعم بعضهم أن الجواب في الآية الأولى مذكور وهو / عصيتم / أو ﴿صرفكم﴾ وهذا مبني على زيادة الواو ثم ولم يثبت ذلك
وقد دخلت حتى الابتدائية على الجملتين الاسمية والفعلية في قوله
٢١٠ - (سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان)