ومن هنا وجب في قراءة غير أبي عمرو وابن ذكوان ﴿كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ بترك تنوين قلب تقدير كل بعد قلب ليعم أفراد القلوب كما عم أجزاء القلب
وترد كل باعتبار كل واحد مما قبلها وما بعدها على ثلاثة أوجه
فأما أوجهها باعتبار ما قبلها
١ - فأحدها أن تكون نعتا لنكرة أو معرفة فتدل على كماله وتجب إضافتها إلى اسم ظاهر يماثله لفظا ومعنى نحو أطعمنا شاة كل شاة وقوله
٣٤٥ - (وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد)
٢ - والثاني أن تكون توكيدا لمعرفة قال الأخفش والكوفيون أو لنكرة محدودة وعليهما ففائدتها العموم وتجب إضافتها إلى اسم مضمر راجع إلى المؤكد نحو ﴿فسجد الملائكة كلهم﴾ قال ابن مالك وقد يخلفه الظاهر كقوله
٣٤٦ - (كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه الناس كل الناس بالقمر)
وخالفه أبو حيان وزعم أن كل في البيت نعت مثلها في أطعمنا شاة كل شاة وليست توكيدا وليس قوله بشيء لأن التي ينعت بها دالة على الكمال لا على عموم الأفراد
ومن توكيد النكرة بها قوله
٣٤٧ - (نلبث حولا كاملا كله ... لا نلتقي إلا على منهج)
وأجاز الفراء والزمخشري أن تقطع كل المؤكد بها عن الإضافة لفظا تمسكا بقراءة بعضهم / إنا كلا فيها / وخرجها ابن مالك على أن كلا حال من ضمير الظرف وفيه ضعف من وجهين تقديم الحال على عامله الظرف وقطع كل عن الإضافة لفظا وتقديرا لتصير نكرة فيصح كونه حالا والأجود أن تقدر كلا بدلا من اسم إن وإنما جاز إبدال الظاهر من ضمير الحاضر بدل كل لأنه مفيد للاحاطة مثل قمتم ثلاثتكم
٣ - والثالث ألا تكون تابعة بل تالية للعوامل فتقع مضافة إلى الظاهر نحو ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ وغير مضافة نحو ﴿وكلا ضربنا له الأمثال﴾
أما أوجهها الثلاثة التي باعتبار ما بعدها فقد مضت الإشارة إليها
١ - الأول أن تضاف إلى الظاهر وحكمها أن يعمل فيها جميع العوامل نحو أكرمت كل بني تميم
٢ - والثاني أن تضاف إلى ضمير محذوف ومقتضى كلام النحويين أن
حكمها كالتي قبلها ووجهه أنهما سيان في امتناع التأكيد بهما وفي تذكرة أبي الفتح أن تقديم كل في قوله تعالى ﴿كلا هدينا﴾ أحسن من تأخيرها لأن التقدير كلهم فلو أخرت لباشرت العامل مع أنها في المعنى منزلة منزلة ما لا يباشره فلما قدمت أشبهت المرتفعة بالابتداء في أن كلا منهما لم يسبقها عامل في اللفظ
٣ - الثالث أن تضاف إلى ضمير ملفوظ به وحكمها ألا يعمل فيها غالبا إلا الابتداء نحو ﴿إن الأمر كله لله﴾ فيمن رفع كلا ونحو ﴿وكلهم آتيه﴾ لأن الابتداء عامل معنوي ومن القليل قوله
(... فيصدر عنه كلها وهو ناهل)
ولا يجب أن يكون منه قول علي رضي الله عنه
٣٤٩ - (فلما تبينا الهدى كان كلنا ... على طاعة الرحمن والحق والتقى) بل الأولى تقدير كان شأنية
فصل
واعلم أن لفظ كل حكمه الإفراد والتذكير وأن معناها بحسب ما تضاف إليه فإن كانت مضافة إلى منكر وجب مراعاة معناها فلذلك جاء الضمير
أمفردا مذكرا في نحو ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾ ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره﴾
) وقول أبي بكر وكعب ولبيد رضي الله عنهم
٣٥٠ - (كل امرىء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله)
٣٥ - (كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول)
٣٥ - (ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل)
وقول السموءل
٣٥٣ - (إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل)
ب ومفردا مؤنثا في قوله تعالى ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾
ج ومثنى في قول الفرزدق
٣٥٤ - (وكل رفيقي كل رحل وإن هما ... تعاطى القنا قوماهما أخوان)
وهذا البيت من المشكلات لفظا ومعنى وإعرابا فلنشرحه
قوله كل رحل كل هذه زائدة وعكسه حذفها في قوله تعالى ﴿على كل قلب متكبر جبار﴾ فيمن أضاف ورحل بالحاء المهملة وتعاطى أصله تعاطيا فحذف لامه للضرورة وعكسه إثبات اللام للضرورة فيمن قال
٣٥٥ - (لها متنتان خظاتا ...)
إذا قيل إن خظاتا فعل وفاعل أو الألف من تعاطى لام الفعل ووحد الضمير لأن الرفيقين ليسا باثنين معينين بل هما كثير كقوله تعالى ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ ثم حمل على اللفظ إذ قال هما أخوان كما قيل ﴿فأصلحوا بينهما﴾ وجملة هما أخوان خبر كل وقوله قوما إما بدل من القنا لأن قومهما من سببهما إذ معناها تقاومهما فحذفت الزوائد فهو بدل اشتمال أو مفعول لأجله أي تعاطيا القنا لمقاومة كل منهما الآخر أو مفعول مطلق من باب ﴿صنع الله﴾ لأن تعاطي القنا يدل على تقاومهما
ومعنى البيت أن كل الرفقاء في السفر إذا استقروا رفيقين رفيقين فهما كالأخوين لاجتماعهما في السفر والصحبة وإن تعاطى كل واحد منهما مغالبة الآخر
د - ومجموعا مذكرا في قوله تعالى ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ وقول لبيد
٣٥٦ - (وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل)
هـ ومؤنثا في قول الآخر
٣٥٧ - (وكل مصيبات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب)
ويروى
(وكل مصيبات تصيب فإنها ...)
وعلى هذا فالبيت مما نحن فيه
وهذا الذي ذكرناه من وجوب مراعاة المعنى مع النكرة نص عليه ابن مالك ورده أبو حيان بقول عنترة
٣٥٨ - (جادت عليه من كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم)
فقال تركن ولم يقل تركت فدل على جواز كل رجل قائم وقائمون
والذي يظهر لي خلاف قولهما وأن المضافة إلى المفرد إن أريد نسبة الحكم إلى كل واحد وجب الإفراد نحو كل رجل يشبعه رغيف أو إلى المجموع وجب الجمع كبيت عنترة فإن المراد أن كل فرد من الأعين جاد وأن مجموع الأعين تركن وعلى هذا فتقول جاد علي كل محسن فأغناني أو فأغنوني بحسب المعنى الذي تريده
وربما جمع الضمير مع إرادة الحكم على كل واحد كقوله
٣٥٩ - (... من كل كوماء كثيرات الوبر)
وعليه أجاز ابن عصفور في قوله
٣٦٠ - (وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب)
أن يكون مؤتيك جمعا حذفت نونه للإضافة ويحتمل ذلك قول فاطمة الخزاعية تبكى إخوتها
٣٦ - (إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا)
(كل ما حي وإن أمروا ... واردو الحوض الذي وردوا)
وذلك في قولها أمروا فأما قولها وردوا فالضمير لإخوتها هذا إن حملت الحي على نقيض الميت وهو ظاهر فإن حملته على مرادف القبيلة فالجمع في أمروا واجب مثله في ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ وليس من ذلك ﴿وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه﴾ لأن القرآن لا يخرج على الشاذ وإنما الجمع باعتبار معنى الأمة ونظيره الجمع في قوله تعالى ﴿أمة قائمة يتلون﴾ ومثل ذلك قوله تعالى ﴿وعلى كل ضامر يأتين﴾ فليس الضامر مفردا في المعنى لأنه قسيم الجمع وهو ﴿رجالا﴾ بل هو اسم جمع كالجامل والباقر أو صفة لجمع محذوف أي كل نوع ضامر ونظيره ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ فإن ﴿كافر﴾ نعت لمحذوف مفرد لفظا مجموع معنى أي أول فريق كافر ولولا ذلك لم
يقل ﴿كافر﴾ بالإفراد وأشكل من الآيتين قوله تعالى ﴿وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون﴾ ولو ظفر بها أبو حيان لم يعدل إلى الاعتراض ببيت عنترة
والجواب عنها أن جملة ﴿لا يسمعون﴾ مستأنفة أخبر بها عن حال المسترقين لا صفة لكل شيطان ولا حال منه إذ لا معنى للحفظ من شيطان لا يسمع وحينئذ فلا يلزم عود الضمير إلى كل ولا إلى ما أضيفت إليه وإنما هو عائد إلى الجمع المستفاد من الكلام
وإن كانت كل مضافة إلى معرفة فقالوا يجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها نحو كلهم قائم أو قائمون وقد اجتمعتا في قوله تعالى ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾ والصواب أن الضمير لا يعود إليها من خبرها إلا مفردا مذكرا على لفظها نحو ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة﴾ الآية وقوله تعالى فيما يحكيه عنه نبيه عليه الصلاة والسلام يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته الحديث وقوله عليه الصلاة والسلام كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته وكلنا لك عبد ومن ذلك ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ وفي الآية حذف مضاف وإضمار لما دل عليه
المعنى لا اللفظ أي إن كل أفعال هذه الجوارح كان المكلف مسؤولا عنه وإنما قدرنا المضاف لأن السؤال عن أفعال الحواس لا عن أنفسها وإنما لم يقدر ضمير كان راجعا لكل لئلا يخلو مسؤولا عن ضمير فيكون حينئذ مسندا إلى عنه كما توهم بعضهم ويرده أن الفاعل ونائبه لا يتقدمان على عاملهما وأما ﴿لقد أحصاهم﴾ فجملة أجيب بها القسم وليست خبرا عن كل وضميرها راجع لمن لا لكل ومن معناها الجمع
فإن قطعت عن الإضافة لفظا فقال أبو حيان يجوز مراعاة اللفظ نحو ﴿كل يعمل على شاكلته﴾ (فكلا أخذنا بذنبه) ومراعاة المعنى نحو ﴿وكل كانوا ظالمين﴾ والصواب أن المقدر يكون مفردا نكرة فيجب الإفراد كما لو صرح بالمفرد ويكون جمعا معرفا فيجب الجمع وإن كانت المعرفة لو ذكرت لوجب الإفراد ولكن فعل ذلك تنبيها على حال المحذوف فيهما فالأول نحو ﴿كل يعمل على شاكلته﴾ ﴿كل آمن بالله﴾ ﴿كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ إذ التقدير كل أحد والثاني نحو ﴿كل له قانتون﴾ ﴿كل في فلك يسبحون﴾ ﴿وكل أتوه داخرين﴾ ﴿وكل كانوا ظالمين﴾ أي كلهم
مسألتان
الأولى قال البيانيون إذا وقعت كل في حيز النفي كان النفي موجها إلى الشمول خاصة وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد كقولك ما جاء كل القوم ولم آخذ كل الدرهم وكل الدراهم لم آخذ وقوله
٣٦ - (ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد ...)
وقوله
٣٦٣ - (ما كل ما يتمنى المرء يدركه ...)
وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد كقوله عليه الصلاة والسلام لما قال له ذو اليدين أنسيت أم قصرت الصلاة كل ذلك لم يكن وقول أبي النجم
٣٦٤ - (قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع)
وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى ﴿والله لا يحب كل مختال فخور﴾
وقد صرح الشلوبين وابن مالك في بيت أبي النجم بأنه لا فرق في المعنى بين رفع كل ونصبه ورد الشلوبين على ابن أبي العافية إذ زعم أن بينهما فرقا والحق
ما قاله البيانيون والجواب عن الآية أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض وهو هنا موجود إذ دل الدليل على تحريم الاختيال والفخر مطلقا
الثانية كل في نحو ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا﴾ منصوبة على الظرفية باتفاق وناصبها الفعل الذي هو جواب في المعنى مثل ﴿قالوا﴾ في الآية وجاءتها الظرفية من جهة ما فإنها محتملة لوجهين
أحدهما أن تكون حرفا مصدريا والجملة بعده صلة له فلا محل لها والأصل كل رزق ثم عبر عن معنى المصدر بما والفعل ثم أنيبا عن الزمان اي كل وقت رزق كما أنيب عنه المصدر الصريح في جئتك خفوق النجم
والثاني أن تكون أسما نكرة بمعنى وقت فلا تحتاج على هذا إلى تقدير وقت والجملة بعده في موضع خفض على الصفة فتحتاج إلى تقدير عائد منها أي كل وقت رزقوا فيه
ولهذا الوجه مبعد وهو ادعاء حذف عائد الصفة وجوبا حيث لم يرد مصرحا به في شيء من أمثلة هذا التركيب ومن هنا ضعف قول أبي الحسن في نحو أعجبني ما قمت إن ما اسم والأصل ما قمته أي القيام الذي قمته وقوله في يا أيها الرجل إن أيا موصولة والمعنى يا من هو الرجل فإن هذين العائدين لم يلفظ بهما قط وهو مبعد عندي أيضا لقول سيبويه في نحو سرت طويلا وضربت زيدا كثيرا إن طويلا وكثيرا حالان من ضمير المصدر
محذوفا أي سرته وضربته أي السير والضرب لأن هذا العائد لم يتلفظ به قط
فإن قلت فقد قالوا ولا سيما زيد بالرفع ولم يقولوا قط ولا سيما هو زيد
قلت هي كلمة واحدة شذوا فيها بالتزام الحذف ويؤنسك بذلك أن فيها شذوذين آخرين إطلاق ما على الواحد ممن يعقل وحذف العائد المرفوع بالابتداء مع قصر الصلة
وللوجه الأول مقربان كثرة مجيء الماضي بعدها نحو ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم﴾ ﴿كلما أضاء لهم مشوا فيه﴾ ﴿وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه﴾ ﴿وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا﴾ وأن ما المصدرية التوقيتية شرط من حيث المعنى فمن هنا احتيج إلى جملتين إحداهما مرتبة على الأخرى ولا يجوز أن تكون شرطية مثلها في ما تفعل أفعل لأمرين أن تلك عامة فلا تدخل عليها أداة العموم وأنها لا ترد بمعنى الزمان على الأصح
وإذا قلت كلما استدعيتك فإن زرتني فعبدي حر فكل منصوبة أيضا على الظرفية ولكن ناصبها محذوف مدلول عليه بحر المذكور في الجواب
وليس العامل المذكور لوقوعه بعد الفاء وإن ولما أشكل ذلك على ابن عصفور قال وقلده الأبدي إن كلا في ذلك مرفوعة بالابتداء وإن جملتي الشرط والجواب خبرها وإن الفاء دخلت في الخبر كما دخلت في نحو كل رجل يأتيني فله درهم وقدرا في الكلام حذف ضميرين أي كلما استدعيتك فيه فإن زرتني فعبدي حر بعده لترتبط الصفة بموصوفها والخبر بمبتدئه
قال أبو حيان وقولهما مدفوع بأنه لم يسمع كل في ذلك إلا منصوبة ثم تلا الآيات المذكورة وأنشد قوله
٣٦٥ - (وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي)
وليس هذا مما البحث فيه لأنه ليس فيه ما يمنع من العمل
كلا وكلتا
مفردان لفظا مثنيان معنى مضافان أبدا لفظا ومعنى إلى كلمة واحدة معرفة دالة على اثنين إما بالحقيقة والتنصيص نحو ﴿كلتا الجنتين﴾ ونحو ﴿أحدهما أو كلاهما﴾ وإما بالحقيقة والاشتراك نحو كلانا فإن نا مشتركة بين الاثنين والجماعة أو بالمجاز كقوله
٣٦٦ - (إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل)
فإن ذلك حقيقة في الواحد وأشير بها إلى المثنى على معنى وكلا ما ذكر على حدها في قوله تعالى ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ وقولنا كلمة واحدة احتراز من قوله
٣٦٧ - (كلا أخي وخليلي واجدي عضدا ...)
فإنه ضرورة نادرة وأجاز ابن الأنباري إضافتها إلى المفرد بشرط تكريرها نحو كلاي وكلاك محسنان وأجاز الكوفيون إضافتها إلى النكرة المختصة نحو كلا رجلين عندك محسنان فإن رجلين قد تخصصا بوصفهما بالظرف وحكوا كلتا جاريتين عندك مقطوعة يدها أي تاركة للغزل
ويجوز مراعاة لفظ كلا وكلتا في الإفراد نحو ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾ ومراعاة معناهما وهو قليل وقد اجتمعا في قوله
٣٦٨ - (كلاهما حين جد السير بينهما ... قد اقلعا وكلا أنفيهما راب)
ومثل أبو حيان لذلك يقول الأسود بن يعفر
٣٦٩ - (إن المنية والحتوف كلاهما ... يوفي المنية يرقبان سوادي)
وليس بمتعين لجواز كون يرقبان خبرا عن المنية والحتوف ويكون ما بينهما إما خبرا أول أو اعتراضا ثم الصواب في إنشاده كلاهما يوفي المخارم إذ لا يقال إن المنية توفي نفسها
وقد سئلت قديما عن قول القائل زيد وعمرو كلاهما قائم أو كلاهما
قائمان أيهما الصواب فكتبت إن قدر كلاهما توكيدا قبل قائمان لأنه خبر عن زيد وعمرو وإن قدر مبتدأ فالوجهان والمختار الإفراد وعلى هذا فإذا قيل إن زيدا وعمرا فإن قيل كليهما قيل قائمان أو كلاهما فالوجهان ويتعين مراعاة اللفظ في نحو كلاهما محب لصاحبه لأن معناه كل منهما وقوله
٣٧٠ - (كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا)
كيف
ويقال فيها كي كما يقال في سوف سو قال
٣٧ - (كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت ... قتلاكم ولظى الهيجاء تضطرم)
وهو اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل في قولهم على كيف تبيع الأحمرين ولإبدال الاسم الصريح منه نحو كيف أنت أصحيح أم سقيم وللاخبار به مع مباشرته الفعل في نحو كيف كنت فبالإخبار به انتفت الحرفية وبمباشرة الفعل انتفت الفعلية
وتستعمل على وجهين
أحدهما أن تكون شرطا فتقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى غير مجزومين نحو كيف تصنع أصنع ولا يجوز كيف تجلس أذهب باتفاق ولا كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا لمخالفتها لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها كما مر وقيل يجوز مطلقا وإليه ذهب قطرب
والكوفيون وقيل يجوز بشرط اقترانها بما قالوا ومن ورودها شرطا ﴿ينفق كيف يشاء﴾ (يصوركم في الأرحام كيف يشاء) ﴿فيبسطه في السماء كيف يشاء﴾ وجوابها في ذلك كله محذوف لدلالة ما قبلها وهذا يشكل على إطلاقهم أن جوابها يجب مماثلته لشرطها
والثاني وهو الغالب فيها أن تكون استفهاما إما حقيقيا نحو كيف زيد أو غيره نحو ﴿كيف تكفرون بالله﴾ الآية فإنه أخرج مخرج التعجب
وتقع خبرا قبل ما لا يستغني نحو كيف أنت وكيف كنت ومنه وكيف ظننت زيدا وكيف أعلمته فرسك لأن ثاني مفعولي ظن وثالث مفعولات أعلم خبران في الأصل وحالا قبل ما يستغني نحو كيف جاء زيد أي على أي حالة جاء زيد وعندي أنها تأتي في هذا النوع مفعولا مطلقا أيضا وأن منه ﴿كيف فعل ربك﴾ إذ المعنى أي فعل فعل ربك ولا يتجه فيه أن يكون حالا من الفاعل ومثله ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ أي فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد يصنعون ثم حذف عاملها مؤخرا عنها وعن إذا كذا قيل والأظهر أن يقدر بين كيف وإذا وتقدر إذا خالية عن معنى الشرط وأما (كيف وإن يظهروا عليكم) فالمعنى كيف يكون
لهم عهد وحالهم كذا وكذا فكيف حال من عهد إما على أن يكون تامة أو ناقصة وقلنا بدلالتها على الحدث وجملة الشرط حال من ضمير الجمع
وعن سيبويه أن كيف ظرف وعن السرافي والأخفش أنها اسم غير ظرف ورتبوا على هذا الخلاف أمورا
أحدها أن موضعها عند سيبويه نصب دائما وعندهما رفع مع المبتدأ نصب مع غيره
الثاني أن تقديرها عند سيبويه في أي حال أو على أي حال وعندهما تقديرها في نحو كيف زيد أصحيح زيد ونحوه وفي نحو كيف جاء زيد أراكبا جاء زيد ونحوه
الثالث أن الجواب المطابق عند سيبويه أن يقال على خير ونحوه ولهذا قال رؤية وقد قيل له كيف أصبحت خير عافاك الله أي على خير فحذف الجار وأبقى عمله فإن أجيب على المعنى دون اللفظ قيل صحيح أو سقيم وعندهما على العكس وقال ابن مالك ما معناه لم يقل أحد إن كيف ظرف إذ ليست زمانا ولا مكانا ولكنها لما كانت تفسر بقولك على أي حال لكونها سؤالا عن الأحوال العامة سميت ظرفا لأنها في تأويل الجار والمجرور واسم الظرف يطلق عليهما مجازا اهـ وهو حسن ويؤيده الإجماع على أنه يقال في البدل كيف أنت أصحيح أم سقيم بالرفع ولا يبدل المرفوع من المنصوب
تنبيه
قوله تعالى ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ لا تكون كيف بدلا من الإبل لأن دخول الجار على كيف شاذ على أنه لم يسمع في إلى بل في على ولأن إلى متعلقة بما قبلها فيلزم أن يعمل في الاستفهام فعل متقدم عليه ولأن الجملة التي بعدها تصير حينئذ غير مرتبطة وإنما هي منصوبة بما بعدها على الحال وفعل النظر معلق وهي وما بعدها بدل من الإبل بدل اشتمال والمعنى إلى الإبل كيفية خلقها ومثله ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ ومثلهما في إبدال جملة فيها كيف من اسم مفرد قوله
٣٧ - (إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان)
أي أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما
مسألة
زعم قوم أن كيف تأتي عاطفة وممن زعم ذلك عيسى بن موهب ذكره في كتاب العلل وأنشد عليه
٣٧٣ - (إذا قل مال المرء لانت قناته ... وهان على الأدنى فكيف الأباعد)
وهذا خطأ لاقترانها بالفاء وإنما هي هنا اسم مرفوع المحل على الخبرية ثم يحتمل أن الأباعد مجرور بإضافة مبتدأ محذوف أي فكيف حال الأباعد فحذف المبتدأ على حد قراءة ابن جماز ﴿والله يريد الآخرة﴾ أو بتقدير
فكيف الهوان على الأباعد فحذف المبتدأ والجار أو بالعطف بالفاء ثم أقحمت كيف بين العاطف والمعطوف لإفادة الأولوية بالحكم
حرف اللام
اللام المفردة ثلاثة أقسام عاملة للجر وعاملة للجزم وغير عاملة وليس في القسمة أن تكون عاملة للنصب خلافا للكوفيين وسيأتي
فالعاملة للجر مكسورة مع كل ظاهر نحو لزيد ولعمرو إلا مع المستغاث المباشر ليا فمفتوحة نحو يالله وأما قراءة بعضهم ﴿الحمد لله﴾ بضمها فهو عارض للإتباع ومفتوحة مع كل مضمر نحو لنا ولكم ولهم إلا مع ياء المتكلم فمكسورة
وإذا قيل يا لك ويالي احتمل كل منهما أن يكون مستغاثا به وأن يكون مستغاثا من أجله وقد أجازهما ابن جني في قوله
٣٧٤ - (فيا شوق ما أبقى ويالي من النوى ...)
وأوجب ابن عصفور في يالي أن يكون مستغاثا من أجله لأنه لو كان مستغاثا به لكان التقدير يا أدعو لي وذلك غير جائز في غير باب ظننت وفقدت وعدمت وهذا لازم له لا لابن جني لما سأذكره بعد
ومن العرب من يفتح اللام الداخلة على الفعل ويقرأ ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾
وللام الجارة اثنان وعشرون معنى
أحدها الاستحقاق وهي الواقعة بين معنى وذات نحو ﴿الحمد لله﴾ و﴿العزة لله﴾ والملك لله والأمر لله ونحو ﴿ويل للمطففين﴾ و﴿لهم في الدنيا خزي﴾ ومنه للكافرين النار أي عذابها
والثاني الاختصاص نحو الجنة للمؤمنين وهذا الحصير للمسجد والمنبر للخطيب والسرج للدابة والقميص للعبد ونحو ﴿إن له أبا﴾ ﴿فإن كان له إخوة﴾ وقولك هذا الشعر لحبيب وقولك أدوم لك ما تدوم لي
والثالث الملك نحو ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ وبعضهم يستغني بذكر الاختصاص عن ذكر المعنيين الآخرين ويمثل له بالأمثلة المذكورة ونحوها ويرجحه أن فيه تقليلا للاشتراك وأنه إذا قيل هذا المال لزيد والمسجد لزم القول بأنها للاختصاص مع كون زيد قابلا للملك لئلا يلزم استعمال المشترك في معنييه دفعة وأكثرهم يمنعه
الرابع التمليك نحو وهبت لزيد دينارا
الخامس شبه التمليك نحو ﴿جعل لكم من أنفسكم أزواجا﴾
السادس التعليل كقوله
٣٧٥ - (ويوم عقرت للعذارى مطيتي ...)
وقوله تعالى ﴿لإيلاف قريش﴾ وتعلقها ب (فليعبدوا) وقيل بما قبله أي (فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش) ورجح بأنهما في مصحف أبي سورة واحدة وضعف بأن جعلهم كعصف إنما كان لكفرهم وجرأتهم على البيت وقيل متعلقة بمحذوف تقديره اعجبوا وكقوله تعالى ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ إي وإنه من أجل حب المال لبخيل وقراءة حمزة (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة) الآية أي لأجل إتياني إياكم بعض الكتاب والحكمة ثم لمجيء محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصدقا لما معكم لتؤمنن به فما مصدرية فيهما واللام تعليلية وتعلقت بالجواب المؤخر على الاتساع في الظرف كما قال الأعشى
٣٧٦ - (... عوض لا نتفرق)
ويجوز كون ما موصولا اسميا
فإن قلت فأين العائد في ﴿ثم جاءكم رسول﴾
قلت إن ﴿إني معكم﴾ هو نفس ﴿لما آتيتكم﴾ فكأنه قيل مصدق له وقد يضعف هذا لقلته نحو قوله
٣٧٧ - (... وأنت الذي في رحمة الله أطمع)
وقد يرجح بأن الثواني يتسامح فيها كثيرا واما قراءة الباقين بالفتح فاللام لام التوطئة وما شرطية أو اللام للابتداء وما موصولة أي الذي آتيتكموه وهي مفعولة على الأول ومبتدأ على الثاني
ومن ذلك قراءة حمزة والكسائي ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ بكسر اللام ومنها اللام الثانية في نحو يا لزيد لعمرو وتعلقها بمحذوف وهو فعل من جملة مستقلة أي أدعوك لعمرو أو اسم هو حال من المنادى أي مدعوا لعمرو قولان ولم يطلع ابن عصفور على الثاني فنقل الإجماع على الأول
ومنها اللام الداخلة لفظا على المضارع في نحو ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس﴾ وانتصاب الفعل بعدها بأن مضمرة بعينها وفاقا للجمهور لا بأن مضمرة أو بكي المصدرية مضمرة خلافا للسيرافي وابن كيسان ولا باللام بطريق الأصالة خلافا لأكثر الكوفيين ولا بها لنيابتها عن أن خلافا لثعلب ولك إظهار أن فتقول جئتك لأن تكرمني بل قد يجب وذلك إذا اقترن الفعل بلا نحو ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ لئلا يحصل الثقل بالتقاء المثلين
فرع
أجاز أبو الحسن أن يتلقى القسم بلام كي وجعل منه ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم﴾ فقال المعنى ليرضنكم قال أبو علي وهذا عندي أولى من أن يكون متعلقا بيحلفون والمقسم عليه محذوف وأنشد أبو الحسن
٣٧٨ - (إذا قلت قدني قال بالله حلفة ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا)
والجماعة يأبون هذا لأن القسم إنما يجاب بالجملة ويروون لتغنن بفتح اللام ونون التوكيد وذلك على لغة فزارة في حذف آخر الفعل لأجل النون إن كان ياء تلي كسرة كقوله
٣٧٩ - (وابكن عيشا تقضي بعد جدته ...)
وقدروا الجواب محذوفا واللام متعلقة به أي ليكونن كذا ليرضوكم ولتشربن لتغني عني
السابع توكيد النفي وهي الداخلة في اللفظ على الفعل مسبوقة بما كان أو بلم يكن ناقصتين مسندتين لما أسند إليه الفعل المقرون باللام نحو (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) (لم يكن الله ليغفر لهم) ويسميها أكثرهم لام الجحود لملازمتها للجحد أي النفي قال النحاس والصواب تسميتها لام النفي
لأن الجحد في اللغة إنكار ما تعرفه لا مطلق الإنكار اهـ
ووجه التوكيد فيها عند الكوفيين أن أصل ما كان ليفعل ما كان يفعل ثم أدخلت اللام زيادة لتقوية النفي كما أدخلت الباء في ما زيد بقائم لذلك فعندهم أنها حرف زائد مؤكد غير جار ولكنه ناصب ولو كان جارا لم يتعلق عندهم بشيء لزيادته فكيف به وهو غير جار ووجهه عند البصريين أن الأصل ما كان قاصدا للفعل ونفي القصد أبلغ من نفيه ولهذا كان قوله
٣٨٠ - (يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ... إن العواذل لسن لي بأمير)
أبلغ من لا تلمنني لأنه نهي عن السبب وعلى هذا فهي عندهم حرف جر معد متعلق بخبر كان المحذوف والنصب بأن مضمرة وجوبا
وزعم كثير من الناس في قوله تعالى ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ في قراءة غير الكسائي بكسر اللام الأولى وفتح الثانية أنها لام الجحود
وفيه نظر لأن النافي على هذا غير ما ولم ولاختلاف فاعلي كان وتزول والذي يظهر لي أنها لام كي وأن إن شرطية أي وعند الله جزاء مكرهم وهو مكر أعظم منه وإن كان مكرهم لشدته معدا لأجل زوال الأمور العظام المشبهة في عظمها بالجبال كما تقول أنا أشجع من فلان وإن كان معدا للنوازل
وقد تحذف كان قبل لام الجحود كقوله
٣٨ - (فما جمع ليغلب جمع قومي ... مقاومة ولا فرد لفرد)
أي فما كان جمع وقول أبي الدرداء رضي الله عنه في الركعتين بعد العصر ما أنا لأدعهما
والثامن موافقة إلى نحو قوله تعالى ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ ﴿كل يجري لأجل مسمى﴾ ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾
والتاسع موافقة على في الاستعلاء الحقيقي نحو ﴿ويخرون للأذقان﴾ ﴿دعانا لجنبه﴾ ﴿وتله للجبين﴾
٣٨ - (... فخر صريعا لليدين وللفم)
والمجازي نحو ﴿وإن أسأتم فلها﴾ ونحو قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله تعالى عنها اشترطي لهم الولاء وقال النحاس المعنى من أجلهم قال ولا نعرف في العربية لهم بمعنى عليهم
والعاشر موافقة في نحو ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾
﴿لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ وقولهم مضى لسبيله قيل ومنه ﴿يا ليتني قدمت لحياتي﴾ أي في حياتي وقيل للتعليل أي لأجل حياتي في الآخرة
والحادي عشر أن تكون بمعنى عند كقولهم كتبته لخمس خلون وجعل منه ابن جني قراءة الجحدري ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم
والثاني عشر موافقة بعد نحو ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ وفي الحديث صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وقال
٣٨٣ - (فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا)
والثالث عشر موافقة مع قاله بعضهم وأنشد عليه هذا البيت
والرابع عشر موافقة من نحو سمعت له صراخا وقول جرير
٣٨٤ - (لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل)
والخامس عشر التبليغ وهي الجارة لاسم السامع لقول أو ما في معناه نحو قلت له وأذنت له وفسرت له
والسادس عشر موافقة عن نحو قوله تعالى ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه﴾ قاله ابن الحاجب وقال ابن مالك وغيره وهي لام التعليل وقيل لام التبليغ والتفت عن الخطاب إلى الغيبة أو يكون اسم المقول لهم محذوفا أي قالوا لطائفة من المؤمنين لما سمعوا بإسلام طائفة أخرى وحيث دخلت اللام على غير المقول له فالتأويل على بعض ما ذكرناه نحو ﴿قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا﴾ ﴿ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا﴾ وقوله
٣٨٥ - (كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا إنه لدميم)
السابع عشر الصيرورة وتسمى لام العاقبة ولام المآل نحو ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ وقوله
٣٨٦ - (فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن)
وقوله
٣٨٧ - (فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده)
ويحتمله ﴿ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك﴾
) ويحتمل أنها لام الدعاء فيكون الفعل مجزوما لا منصوبا ومثله في الدعاء ﴿ولا تزد الظالمين إلا ضلالا﴾ ويؤيده أن في آخر الآية ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا﴾
وأنكر البصريون ومن تابعهم لام العاقبة قال الزمخشري والتحقيق أنها لام العلة وأن التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة وبيانه أنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا بل المحبة والتبني غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله فاللام مستعارة لما يشبه التعليل كما استعير الأسد لمن يشبه الأسد
الثامن عشر القسم والتعجب معا وتختص باسم الله تعالى كقوله
٣٨٨ - (لله يبقى على الأيام ذو حيد ...)
التاسع عشر التعجب المجرد عن القسم وتستعمل في النداء كقولهم يا للماء ويا للعشب إذا تعجبوا من كثرتهما وقوله
٣٨٩ - (فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل)
وقولهم يا لك رجلا عالما وفي غيره كقولهم لله دره فارسا ولله أنت وقوله
٣٩٠ - (شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا)
المتمم عشرين التعدية ذكره ابن مالك في الكافية ومثل له في شرحها بقوله تعالى ﴿فهب لي من لدنك وليا﴾ وفي الخلاصة ومثل له ابنه بالآية وبقولك قلت له افعل كذا ولم يذكره في التسهيل ولا في شرحه بل في شرحه أن اللام في الآية لشبه التمليك وأنها في المثال للتبليغ والأولى عندي أن يمثل للتعدية بنحو ما أضرب زيدا لعمرو وما أحبه لبكر
الحادي والعشرون التوكيد وهي اللام الزائدة وهي أنواع
منها اللام المعترضة بين الفعل المتعدي ومفعولة كقوله
٣٩ - (ومن يك ذا عظم صليب رجابه ... ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره)
وقوله
٣٩ - (وملكت ما بين العراق ويثرب ... وملكا أجار لمسلم ومعاهد)
وليس منه ﴿ردف لكم﴾ خلافا للمبرد ومن وافقه بل ضمن ردف معنى اقترب فهو مثل ﴿اقترب للناس حسابهم﴾
واختلف في اللام من نحو ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ وقول الشاعر
٣٩٣ - (أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل)
فقيل زائدة وقيل للتعليل ثم اختلف هؤلاء فقيل المفعول محذوف أي يريد الله التبيين ليبين لكم ويهديكم أي ليجمع لكم بين الأمرين وأمرنا بما أمرنا به لنسلم وأريد السلو لأنسى وقال الخليل وسيبويه ومن تابعهما الفعل في ذلك كله مقدر بمصدر مرفوع بالابتداء واللام وما بعدها خبر أي إرادة الله للتبيين وأمرنا للإسلام وعلى هذا فلا مفعول للفعل
ومنها اللام المسماة بالمقحمة وهي المعترضة بين المتضايفين وذلك في قولهم يا بؤس للحرب والأصل يا بؤس الحرب فأقحمت تقوية للاختصاص
قال
٣٩٤ - (يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا)
وهل انجرار ما بعدها بها أو بالمضاف قولان أرجحهما الأول لأن اللام أقرب ولأن الجار لا يعلق
ومن ذلك قولهم لا أبا لزيد ولا أخاله ولا غلامي له على قول سيبويه إن اسم لا مضاف لما بعد اللام وأما على قول من جعل اللام وما بعدها صفة وجعل الاسم شبيها بالمضاف لأن الصفة من تمام الموصوف وعلى قول من جعلهما خبرا وجعل أبا وأخا على لغة من قال
٣٩٥ - (إن أباها وأبا أباها ...)
وقولهم مكره أخاك لا بطل وجعل حذف النون على وجه الشذوذ كقوله بيضك ثنتا وبيضي مئتا فاللام للاختصاص وهي متعلقة باستقرار محذوف
ومنها اللام المسماة لام التقوية وهي المزيدة لتقوية عامل ضعف إما بتأخره نحو ﴿هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون﴾ ونحو ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾
) أو بكونه فرعا في العمل نحو ﴿مصدقا لما معهم﴾ ﴿فعال لما يريد﴾ ﴿نزاعة للشوى﴾ ونحو ضربي لزيد حسن وأنا ضارب لعمرو قيل ومنه ﴿إن هذا عدو لك ولزوجك﴾ وقوله
٣٩٦ - (إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي)
وفيه نظر لأن عدوا وأكيلا وإن كانا بمعنى معاد ومؤاكل لا ينصبان المفعول لأنهما موضوعان للثبوت وليسا مجاريين للفعل في التحرك والسكون ولا محولان عما هو مجار له لأن التحويل إنما هو ثابت في الصيغ التي يراد بها المبالغة وإنما اللام في البيت للتعليل وهي متعلقة ب (التمسي) وفي الآية متعلقة بمستقر محذوف صفة لعدو وهي للاختصاص
وقد اجتمع التأخر والفرعية في ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ وأما قوله تعالى ﴿نذيرا للبشر﴾ فإن كان النذير بمعنى المنذر فهو مثل ﴿فعال لما يريد﴾ وإن كان بمعنى الإنذار فاللام مثلها في سقيا لزيد وسيأتي
قال ابن مالك ولا تزاد لام التقوية مع عامل يتعدي لاثنين لأنها إن زيدت في مفعولية فلا يتعدى فعل إلى اثنين بحرف واحد وإن زيدت في أحدهما
لزم ترجيح من غير مرجح وهذا الأخير ممنوع لأنه إذا تقدم أحدهما دون الآخر وزيدت اللام في المقدم لم يلزم ذلك وقد قال الفارسي في قراءة من قرأ ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ بإضافة كل إنه من هذا وإن المعنى الله مول كل ذي وجهة وجهته والضمير على هذا للتولية وإنما لم يجعل كلا والضمير مفعولين ويستغن عن حذف ذي ووجهته لئلا يتعدى العامل إلى الضمير وظاهره معا ولهذا قالوا في الهاء من قوله
٣٩٧ - (هذا سراقة للقرآن يدرسه ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا)
إن الهاء مفعول مطلق لا ضمير القرآن وقد دخلت اللام على أحد المفعولين مع تأخرهما في قول ليلى
٣٩٨ - (أحجاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها)
وهو شاذ لقوة العامل
ومنها لام المستغاث عند المبرد واختاره ابن خروف بدليل صحة إسقاطها وقال جماعة غير زائدة ثم اختلفوا فقال ابن جني متعلقة بحرف النداء لما فيه من معنى الفعل ورد بأن معنى الحرف لا يعمل في المجرور وفيه نظر لأنه قد عمل في الحال في نحو قوله
٣٩٩ - (كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي)
وقال الأكثرون متعلقة بفعل النداء المحذوف واختاره ابن الضائع وابن عصفور ونسباه لسيبويه واعترض بأنه متعد بنفسه فأجاب ابن أبي الربيع بأنه ضمن معنى الالتجاء في نحو يا لزيد والتعجب في نحو يا للدواهي وأجاب ابن عصفور وجماعة بأنه ضعف بالتزام الحذف فقوي تعديه باللام واقتصر على إيراد هذا الجواب أبو حيان وفيه نظر لأن اللام المقوية زائدة كما تقدم وهؤلاء لا يقولون بالزيادة
فإن قلت وأيضا فإن اللام لا تدخل في نحو زيدا ضربته مع أن الناصب ملتزم الحذف
قلت لما ذكر في اللفظ ما هو عوض منه كان بمنزلة ما لم يحذف
فإن قلت وكذلك حرف النداء عوض من فعل النداء
قلت إنما هو كالعوض ولو كان عوضا البته لم يجز حذفه ثم إنه ليس بلفظ المحذوف فلم ينزل منزلته من كل وجه
وزعم الكوفيون أن اللام في المستغاث بقية اسم وهو آل والأصل يا آل زيد ثم حذفت همزة آل للتخفيف وإحدى الألفين لالتقاء الساكنين واستدلوا بقوله
٤٠٠ - (فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا)
فإن الجار لا يقتصر عليه وأجيب بأن الأصل يا قوم لا فرار أو لا نفر فحذف ما بعد لا النافية أو الأصل يا لفلان ثم حذف ما بعد الحرف كما يقال ألاتا فيقال ألافا يريدون ألا تفعلون وألا فافعلوا
تنبيه
إذا قيل يا لزيد بفتح اللام فهو مستغاث فإن كسرت فهو مستغاث لأجله والمستغاث محذوف فإن قيل يا لك احتمل الوجهين فإن قيل يا لي فكذلك عند ابن جني أجازهما في قوله
٤٠ - (فيا شوق ما أبقى ويا لي من النوى ... ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبى)
وقال إبن عصفور الصواب أنه مستغاث لأجله لأن لام المستغاث متعلقة بأدعو فيلزم تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل وهذا لا يلزم ابن جني لأنه يرى تعلق اللام بيا كما تقدم ويا لا تتحمل ضميرا كما لا تتحمله ها إذا عملت في الحال في نحو ﴿وهذا بعلي شيخا﴾ نعم هو لازم لابن عصفور لقوله في يا لزيد لعمرو إن لام لعمرو متعلقة بفعل محذوف تقديره أدعوك لعمرو وبنبغي له هنا أن يرجع إلى قول ابن الباذش إن تعلقها محذوف تقديره مدعوا لعمرو وإنما ادعيا وجوب التقدير لأن العامل الواحد لا يصل بحرف واحد مرتين وأجاب ابن الضائع بأنهما مختلفان معنى نحو وهبت لك دينارا لترضى
تنبيه
زادوا اللام في بعض المفاعيل المستغنية عنها كما تقدم وعكسوا ذلك فحذفوها
من بعض المفاعيل المفتقرة إليها كقوله تعالى ﴿تبغونها عوجا﴾ ﴿والقمر قدرناه منازل﴾ ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ وقالوا وهبتك دينارا وصدتك ظبيا وجنيتك ثمرة قال
٤٠ - (وقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ...)
وقال
٤٠٣ - (فتولى غلامهم ثم نادى ... أظليما أصيدكم أم حمارا)
وقال
٤٠٤ - (إذا قالت حذام فأنصتوها ...)
في رواية جماعة والمشهور فصدقوها
الثاني والعشرون التبيين ولم يوفوها حقها من الشرح وأقول هي ثلاثة أقسام
إحدها ما تبين المفعول من الفاعل وهذه تتعلق بمذكور وضابطها أن تقع بعد فعل تعجب أو اسم تفضيل مفهمين حبا أو بغضا تقول ما أحبني وما أبغضني فإن قلت لفلان فأنت فاعل الحب والبغض وهو مفعولهما وإن قلت إلى فلان فالأمر بالعكس وهذا شرح ما قاله ابن مالك ويلزمه ان يذكر هذا المعنى في معاني إلى أيضا لما بينا وقد مضى في موضعه
الثاني والثالث ما يبين فاعلية غير ملتبسة بمفعولية وما يبين مفعولية غير ملتبسة بفاعلية ومصحوب كل منهما إما غير معلوم مما قبلها أو معلوم لكن استؤنف بيانه تقوية للبيان وتوكيدا له واللام في ذلك كله متعلقة بمحذوف
مثال المبينة للمفعولية سقيا لزيد وجدعا له فهذه اللام ليست متعلقة بالمصدرين ولا بفعليهما المقدرين لأنهما متعديان ولا هي مقوية للعامل لضعفه بالفرعية إن قدر أنه المصدر أو بالتزام الحذف إن قدر أنه الفعل لأن لام التقوية صالحة للسقوط وهذه لا تسقط لا يقال سقيا زيدا ولا جدعا إياه خلافا لابن الحاجب ذكره في شرح المفصل ولا هي ومخفوضها صفة للمصدر فتتعلق بالاستقرار لأن الفعل لا يوصف فكذا ما أقيم مقامه وإنما هي لام مبينة للمدعو له أو عليه إن لم يكن معلوما من سياق أو غيره أو مؤكدة للبيان إن كان معلوما وليس تقدير المحذوف أعني كما زعم ابن عصفور لأنه يتعدى بنفسه بل التقدير إرادتي لزيد
وينبني على أن هذه اللام ليست متعلقة بالمصدر انه لا يجوز في زيد سقيا له أن ينصب زيد بعامل محذوف على شريطة التفسير ولو قلنا إن المصدر الحال محل فعل دون حرف مصدري يجوز تقديم معموله عليه فتقول زيدا ضربا لأن الضمير في المثال ليس معمولا له ولا هو من جملته وأما تجويز بعضهم في قوله تعالى ﴿والذين كفروا فتعسا لهم﴾ كون الذين في موضع نصب على الاشتغال فوهم
وقال ابن مالك في شرح باب النعت من كتاب التسهيل اللام في سقيا لك متعلقة بالمصدر وهي للتبيين وفي هذا تهافت لأنهم إذا أطلقوا القول بأن اللام للتبيين فإنما يريدون بها أنها متعلقة بمحذوف استؤنف للتبيين
ومثال المبينة للفاعلية تبا لزيد وويحا له فإنهما في معنى خسر وهلك فإن رفعتهما بالابتداء فاللام ومجرورها خبر ومحلهما الرفع ولا تبيين لعدم تمام الكلام
فإن قلت تبا له وويح فنصبت الأول ورفعت الثاني لم يجز لتخالف الدليل والمدلول عليه إذ اللام في الأول للتبيين واللام المحذوفة لغيره
واختلف في قوله تعالى ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون﴾ فقيل اللام زائدة وما فاعل وقيل الفاعل ضمير مستتر راجع إلى البعث أو الإخراج فاللام للتبيين وقيل هيهات مبتدأ بمعنى البعد والجار والمجرور خبر
وأما قوله تعالى ﴿وقالت هيت لك﴾ فيمن قرأ بهاء مفتوحة وياء ساكنة وتاء مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة فهيت اسم فعل ثم قيل مسماه فعل ماض أي تهيأت فاللام متعلقة به كما تتعلق بمسماه لو صرح به وقيل مسماه فعل أمر بمعنى أقبل أو تعال فاللام للتبيين أي إرادتي لك أو أقول لك وأما من قرأ / هئت / مثل جئت فهو فعل بمعى تهيأت واللام متعلقة به وأما من قرأ كذلك ولكن جعل التاء ضمير المخاطب فاللام للتبيين مثلها مع اسم الفعل ومعنى تهيئة تيسر انفرادها به لا أنه قصدها بدليل ﴿وراودته﴾ فلا وجه لإنكار
الفارسي هذه القراءة مع ثبوتها واتجاهها ويحتمل أنها أصل قراءة هشام ﴿هيت﴾ بكسر الهاء وبالياء وبفتح التاء وتكون على إبدال الهمزة
تنبيه
الظاهر أن لها من قول المتنبي
٤٠٥ - (لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا)
جار ومجرور متعلق بوجدت لكن فيه تعدى فعل الظاهر إلى ضميره المتصل كقولك ضربه زيد وذلك ممتنع فينبغي أن يقدر صفة في الأصل لسبلا فلما قدم عليه صار حالا منه كما أن قوله إلى أرواحنا كذلك إذ المعنى سبلا مسلوكة إلى أرواحنا ولك في لها وجه غريب وهو أن تقدره جمعا للهاة كحصاة وحصى ويكون لها فاعلا بوجدت والمنايا مضافا إليه ويكون إثبات اللهوات للمنايا استعارة شبهت بشيء يبتلع الناس ويكون أقام اللها مقام الأفواه لمجاورة اللهوات للفم
وأما اللام العاملة للجزم فهي اللام الموضوعة للطلب وحركتها الكسر وسليم تفتحها وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها نحو ﴿فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي﴾ وقد تسكن بعد ثم نحو ﴿ثم ليقضوا﴾ في قراءة الكوفيين وقالون
والبزي وفي ذلك رد على من قال إنه خاص بالشعر
ولا فرق في اقتضاء اللام الطلبية للجزم بين كون الطلب أمرا نحو ﴿لينفق ذو سعة﴾ أو دعاء نحو ﴿ليقض علينا ربك﴾ أو التماسا كقولك لمن يساويك ليفعل فلان كذا إذا لم ترد الاستعلاء عليه وكذا لو أخرجت عن الطلب إلى غيره كالتي يراد بها وبمصحوبها الخبر نحو ﴿من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا﴾ ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ أي فيمد ونحمل أو التهديد نحو ﴿ومن شاء فليكفر﴾ وهذا هو معنى الأمر في ﴿اعملوا ما شئتم﴾ وأما ﴿ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا﴾ فيحتمل اللامان منه التعليل فيكون ما بعدهما منصوبا والتهديد فيكون مجزوما ويتعين الثاني في اللام الثانية في قراءة من سكنها فيترجح بذلك أن تكون اللام الأولى كذلك ويؤيده أن بعدهما ﴿فسوف يعلمون﴾ وأما ﴿وليحكم أهل الإنجيل﴾ فيمن قرأ بسكون اللام فهي لام الطلب لأنه يقرأ بسكون الميم ومن كسر اللام وهو حمزة فهي لام التعليل لأنه يفتح الميم وهذا التعليل إما معطوف على تعليل آخر متصيد من المعنى