ونفسوا عنهم بعض الكرب.
ولقد أقام رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد أن أرسله الله تعالى إلى الناس ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشرا بالمدينة، فما ألزم زوجا قط بنفقة وكسوة ماضية، ولا ادعتها عنده امرأة، وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، وكذلك عصر الصحابة جميعهم، وعصر التابعين، ولا حبس على عهده وعهد أصحابه وتابعيهم رجل واحد على ذلك، ولا على صداق امرأته، مع صيانة نسائهم، ولزومهن بيوتهن، وعدم تبرجهن وتزينهن وخروجهن في الأسواق والطرقات، والأزواج في الحبوس، وهن مسيبات يخرجن ويذهبن حيث أردن.
فوالله لو رأى هذا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لشق عليه غاية المشقة، ولعظم عليه وعز عليه، ولكان إلى دفعه وإنكاره أسرع منه إلى غيره.
وبالجملة فالدعوى إذا كانت مما تردها العادة والعرف والظاهر، لم يجز سماعها.
ومن هاهنا قال أصحاب مالك: إذا كان رجل حائزا لدار، متصرفا فيها مدة السنين الطويلة، بالبناء والهدم، والإجارة والعمارة، وينسبها إلى نفسه، ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو مع ذلك [١٠٢ أ] لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقا، ولا مانع يمنعه من مطالبته من خوف سلطان، أو نحو ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، ولا شركة في ميراث، وما أشبه ذلك مما يتسامح به القرابات وذوو الصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عريا عن ذلك كله، ثم جاء بعد طول هذه
المدة يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بينة بذلك: فدعواه غير مسموعة أصلا، فضلا عن بينة، وتقر الدار بيد حائزها.
قالوا: لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة، غير مسموعة، قال تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وأوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوى وغيرها.
قلت: ومما يدل على ذلك: أن الظن المستفاد من هذا الظاهر أقوى بكثير من الظن المستفاد من شاهدين، أو شاهد ويمين، أو مجرد النكول، أو الرد.
وأيضا فإن البينة على المدعي، والبينة هي كل ما يبين الحق، والعرف والعادة والظاهر القوي الذي إن لم يقطع به فهو أقرب إلى القطع يدل على صدق الزوج، وكذب المرأة في إمساكها عن كسوتها والإنفاق عليها مدة سنين متطاولة، ولا يدخل عليها أحد، ولا هي ممن تخرج تشتري لها ما تأكل وتشرب وتلبس.
فالشريعة جاءت بما يعرف لا بما ينكر، وقد أخبر الله سبحانه أن للزوجة مثل الذي عليها بالمعروف، وليس من المعروف إلزام الزوج بنفقة ستين سنة وكسوتها.
واجتياح ماله كله، وسلبه نعمة الله عليه، وجعله مسكينا ذا متربة، وجعله أسيرا لها: ينافي ما ادعت به، بل هذا من أنكر المنكر، ومما يراه المسلمون بل وغير المسلمين قبيحا.
وأيضا فالرجل له ولاية الإنفاق على زوجته، كما له ولاية حبسها ومنعها
من الخروج من بيته، فالشارع جعل إليه ذلك، وأمره أن يقوم على المرأة، ولا يؤتيها ماله، بل يرزقها ويكسوها فيه، وجعلها الله سبحانه في ذلك بمنزلة الصغير والمجنون مع وليه، كما قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ [النساء: ٥]، قال ابن عباس ١ رضي الله عنهما: لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك وبنيك؛ فيكونوا هم الذين يقومون عليك في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم.
فالسفهاء هم النساء والصبيان، وقد جعل الله سبحانه الأزواج قوامين عليهم، كما جعل ولي الطفل قواما عليه، والقوام على غيره أمير عليه، ومن قبل قول الزوجة أو الطفل بعد البلوغ في عدم إيصال النفقة إليهما فقد جعلهما قوامين على الأزواج والأولياء، ولو لم يقبل قول الزوج لم يكن قواما على المرأة؛ فإن المرأة إذا كانت غريما مقبول القول دون الزوج، كانت هي القوامة.
وبالجملة فللرجل على امرأته ولاية، حتى في مالها، فإن له أن يمنعها من التبرع به؛ لأنه إنما بذل لها المهر لمالها ونفسها، فليس لها أن تتصرف في ذلك بما يمنع الزوج من كمال استمتاعه، وقد سوى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بين نفقة الزوجات، ونفقة المماليك، وجعل المرأة عانية عند الزوج، والعاني: هو الأسير، وهو نوع من الرق، فقال في المرأة: «تطعمها مما تأكل، وتكسوها
مما تلبس» ١، وكذلك قال في الرقيق سواء ٢، فهو أمين على نفقة امرأته ورقيقه وأولاده، بحكم قيامه عليهم، ولم يوجب الله سبحانه على الأزواج تمليك النساء طعاما وإداما، ولا دراهم أصلا، وإنما أوجب إطعامهن [١٠٢ ب] وكسوتهن بالمعروف، وإيجاب التمليك مما لم يدل عليه كتاب، ولا سنة، ولا إجماع.
وكذلك فرض النفقة وتقديرها بدراهم: لا أصل له في كتاب، ولا سنة، ولا قول صحابي، ولا تابع، ولا أحد من الأئمة الأربعة.
فإن الناس لهم قولان: منهم من يرى تقديرها بالحب كالشافعي، ومنهم من يردها إلى العرف وهم الجمهور، ولا يعرف عن أحد من السلف والأئمة تقديرها بالدراهم البتة.
ثم إن فيه إيجاب المعاوضة على الواجب لها بغير رضا الزوج، ومن
غير ١ اعتبار كون الدراهم قيمة الواجب لها من الحب، أو الواجب بالعرف، ففرض الدراهم مخالف لهذا وهذا، ولأقوال جميع السلف والأئمة، وفيه من الفساد ما لا يحصيه إلا الله؛ فإنه إن مكن المرأة تخرج كل وقت تشتري لها طعاما وإداما، دخل على الزوج والزوجة من الشر والفساد ما يشهد به العيان، وإن منعها من الخروج أضر بها وبالزوج، وجعله كالأجير والأسير معها.
وبالجملة، فمبنى الحكم في الدعاوى على غلبة الظن المستفاد من براءة الأصل تارة، ومن الإقرار تارة، ومن البينة تارة، ومن النكول مع يمين الطالب المردودة، أو بدونها، وهذا كله مما يبين الحق ظاهرا؛ فهو بينة، وتخصيص البينة بالشهود عرف خاص، وإلا فالبينة اسم لما يبين الحق، فمن كان ظن الصدق من جانبه أقوى كان بالحكم أولى، ولهذا قدمنا جانب المدعى عليه، حيث لا بينة، ولا إقرار، ولا نكول، ولا شاهد حال، استنادا إلى الظن المستفاد من البراءة الأصلية.
فإن كان في جانب المدعي بينة شرعية قدم؛ لقوة الظن في جانبه بالبينة.
وكذلك إذا كان في جانبه قرينة ظاهرة كاللوث قدم جانبه.
وكذلك قدم جانبه في اللعان إذا نكلت المرأة؛ فإنها ترجم بأيمانه، لقوة الظن في جانبه بإقدامه على اللعان، مع نكول المرأة عن دفع الحد والعار عنها باليمين.
وقد أجمع الناس على جواز وطء المرأة التي تزف إلى الزوج ليلة
العرس، وإن لم يكن رآها، ولا وصفت له، من غير اشتراط شاهدي عدل يشهدان أنها هي امرأته التي وقع عليها العقد، اكتفاء بالظن الغالب، بل بالقطع المستفاد من شاهد الحال.
وكذلك يجوز الأكل من الهدي المنحور إذا كان بالفلاة، ولا أحد عنده، اكتفاء بشاهد الحال.
وكذلك درج السلف والخلف على جواز أكل الفقير مما يدفعه إليه الصبي ويخرجه من البيت من كسرة ونحوها، اعتمادا على شاهد الحال.
وكذلك يكتفى بشاهد الحال في بيع المحقرات بالمعاطاة، وهو عمل الأمة قديما وحديثا.
واكتفى الشارع بسكوت البكر في الاستئذان، وجعله دليلا على رضاها ١، اكتفاء بشاهد الحال.
واكتفت الأمة في الاعتماد على المعاملات، والهدايا، والتبرعات، بكونها بيد الباذل؛ لأن دلالتها على ملكه تورث ظنا ظاهرا.
واكتفت بمعاملة مجهول الحرية والرشد، وإقراره، وأكل طعامه، وقبول هديته، وإباحة الدخول إلى منزله، اعتمادا على شاهد الحال، والظن الغالب.
واكتفى الشارع بقول الخارص الواحد في محل الظن والخرص ٢، نظرا إلى الظن المستفاد من خرصه.
واكتفت الأمة بقول المقومين فيما دق وجل، اعتمادا على الظن المستفاد من تقويمهم.
وقد اكتفى الشارع بتقويم اثنين في جزاء الصيد، واكتفى بواحد في الخرص، واكتفى بواحد في رؤية هلال رمضان.
واكتفت الأمة بقول القاسم وحده، أو بقول اثنين، وكذلك القائف، أو القائفين، واكتفت بقول المؤذن الواحد.
وقد اكتفى كثير من الفقهاء بانتساب [١٠٣ أ] الصغير، وميل طبعه إلى من ادعاه من رجلين أو أكثر، اعتمادا على الظن المستفاد من ميل طبعه، وهو من أضعف الظنون، ولذلك كان في آخر رتب الإلحاق عندهم، عند عدم القائف.
وكذلك الاعتماد في وجوب دفع اللقطة أو جوازه على الظن المستفاد من وصف الواصف لها.
وكذلك الاعتماد على أمارات الطهارة، والنجاسة، والقبلة، والاعتماد على قول الكيال والوزان، وقال كثير من الفقهاء بحبس المدعى عليه بشهادة المستورين إلى أن يعدلا؛ إذ الغالب من المستورين العدالة.
فاستجازوا عقوبة الرجل المسلم بمثل هذا الظن.
وقالوا: نسمع الشهادة على المقر بالإقرار، من غير اشتراط ذكر الشاهدين أهلية المقر حال إقراره؛ اعتمادا على ظن الرشد والاختيار.
وقالوا: إذا كان الجدار حائلا بين الطريق وبين ملك المدعي، أو بين ملكه وبين موات، اختص به المدعي؛ لأن الظاهر أن الطريق والموات لا يحاط عليهما.
وقالوا: لو كان بين الملكين جدار متصل بأبنية أحد الملكين اتصالا بدواخل وترصيف، اختص به صاحب الترصيف؛ لقوة الظن من جانبه؛ إذ معه دلالتان، إحداهما: الاتصال، والثانية: التداخل والترصيف، فلو تداخل من أحد طرفيه في ملك أحدهما، ومن الطرف الآخر في الملك الأخر اشتركا فيه؛ لتساويهما في الدلالتين.
وقالوا: إن الأبواب المشرعة في الدروب غير النافذة دالة على الاشتراك في الدرب إلى حد كل باب منها، فيكون الأول شريكا من أول الدرب إلى بابه، والثاني شريكا إلى بابه، والذي في آخر الدرب شريك من أول الدرب إلى بابه، قولا واحدا، وإلى آخر الدرب على الصحيح وعلى كل؛ بناء على الظن المستفاد من الاستطراق، وأنه بحق.
وقالوا: إن الأجنحة المطلة على ملك الجار وعلى الدروب غير النافذة، أنها ملك لأصحابها؛ اعتمادا على غلبة الظن بذلك، وأنها وضعت باستحقاق.
وكذلك القنوات والجداول الجارية في ملك الغير دالة على اختصاصها بأرباب المياه؛ بناء على الظن المستفاد من ذلك، وأن صورها دالة على أنها وضعت باستحقاق.
ومن ذلك: دلالة الأيدي على الاستحقاق، اعتمادا على الظن الغالب، مع القطع بكثرة وضع الأيدي عدوانا وظلما، ولا سيما ما اطردت العادة بإجارته وخروجه عن يد مالكه إلى يد مستأجره، كالأراضي، والدواب، والحوانيت، والرباع، والحمامات، وأن الغالب فيها الخروج عن يد مالكها، وقد اعتبرتم اليد، وقد استشكل كثير من فضلاء أصحابكم هذا، واعترف بأن
جوابه مشكل جدا، ولما كان الظن المستفاد من الشهود أقوى من الظن المستفاد من هذه الوجوه قدم عليها.
ولما كان الظن المستفاد من الإقرار أقوى من الظن المستفاد من الشهود، قدم الإقرار عليها.
ولذلك اكتفى كثير من الفقهاء بالمرة الواحدة في الإقرار بالزنى والسرقة، لهذه القوة.
قالوا: لأن وازع المقر طبعي، ووازع الشهود شرعي، والوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعى.
وكذلك يقبل الإقرار من المسلم، والكافر، والبر، والفاجر؛ لقيام الوازع الطبعي.
ولما كان الوازع عن الكذب على نفسه مخصوصا بالمقر كان إقراره حجة قاصرة عليه وعلى من يتلقى عنه؛ لكونه فرعه.
ولما كان الوازع الشرعي عاما بالنسبة [١٠٣ ب] إلى جميع الناس كان حجة عامة؛ فإن خوف الله يزع الشاهد عن الكذب في حق كل أحد، وكان قوله حجة عامة لكل أحد.
ولما كان وازع الكذب مختصا بالمقر قصر عليه، فهو خاص قوي، والشهادة عامة ضعيفة بالنسبة إلى الإقرار، قوية بالنسبة إلى الأيدي، وإلى ما ذكرناه من الدلالات.
ومعلوم أن الظنون لا تقع إلا بالأسباب، تثيرها وتحركها.
فمن أسبابها: الاستصحاب، واطراد العادة، أو كثرة وقوعها، أو قول الشاهد، أو شاهد الحال.
ولا يقع في الظنون تعارض، وإنما يقع في أسبابها وعلاماتها.
فإذا تعارضت أسباب الظنون: فإن حصل الشك لم يحكم بشيء، وإن وجد الظن في أحد الطرفين حكم به، والحكم للراجح؛ لأن مرجوحية مقابله تدل على ضعفه.
فإذا تعارض سببا ظن وكان كل منهما مكذبا للآخر تساقطا، كتعارض البينتين والأمارتين.
وإن لم يكن كل واحد منهما مكذبا للآخر عمل بهما على حسب الإمكان، كدابة عليها راكبان، وعبد ممسك بيديه اثنان، ودار فيها ساكنان، وخشبة لها حاملان، وجدار متصل بملكين، ونظائر هذا.
فإن كان أحدهما أرجح من الآخر عمل بالراجح، كالشاهد مع البراءة الأصلية ومع اليد، يقدم عليهما لرجحانه.
ولما كانت اليد لها مراتب في القوة والضعف، وكان اللابس لثيابه، وعمامته، وخفه، ومنطقته، ونعله، أقوى من يد الجالس على البساط، والراكب على الدابة، ويد الراكب أقوى من يد السائق والقائد، ويد الساكن للدار أضعف من تلك الأيدي، ويد من هو داخل الحمام والخان أضعف من هذا كله، قدم أقوى الأيدي على أضعفها.
فلو كان في الدار اثنان، وتنازعا فيها، وفى لباسهما الذي عليهما، جعلت الدار بينهما؛ لاستوائهما في اليد، وكان القول قول كل منهما في لباسه المختص به؛ لقوة يده بالقرب والاتصال.
ولو تنازع الراكب والسائق والقائد قدمت يد الراكب، وكذلك قال الجمهور.
وإذا تنازع الزوجان في متاع البيت، أو الصانعان في حانوت، كان القول قول من يدعي منهما ما يصلح له وحده؛ لغلبة الظن القريب من القطع باختصاصه به.
وكذلك لو رأينا رجلا شريفا حاسر الرأس، وأمامه داعر على رأسه عمامة، وبيده عمامة لا تليق به، وهو هارب، فتقديم يده على الظن المستفاد من كونها يدا عادية مما يقطع ببطلانه.
وكذلك فقيه له كتب في داره، وامرأته غير معروفة بشيء من ذلك البتة، فتقديم يدها على شاهد حال الفقيه في غاية البعد.
وأين الظن المستفاد من هذا وأمثاله إلى الظن المستفاد من النكول، ومن الظن المستفاد من اليد؟ بل أين ذاك الظن من الظن المستفاد من الشاهد واليمين؟
ومن الممتنع أن يرتب الشارع الأحكام على هذه الظنون، ولا يرتبها على الظنون التي هي أقوى منها بمراتب كثيرة، بل تكاد تقرب من القطع، كما أنه من المحال أن يحرم التأفيف للوالدين، ويبيح شتمهما وضربهما.
وهل تقديم قول المدعى في القسامة إلا اعتمادا على الظن الواجب باللوث؟ وقدم هذا الظن على ظن البراءة الأصلية لقوته.
وقد حكى الله سبحانه في كتابه عن الشاهد الذي شهد من أهل امرأة العزيز، وحكم بالقرائن الظاهرة على براءة يوسف عليه السلام، وكذب المرأة، بقوله: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (٢٦) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (٢٧) فلما رأى قميصه قد
من دبر [١٠٤ أ] قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف: ٢٦ ــ ٢٨]، وسمى الله سبحانه ذلك آية، وهي أبلغ من البينة، فقال: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ [يوسف: ٣٥]، وحكى الله سبحانه ذلك مقررا له غير منكر، وذلك يدل على رضاه به.
ومن هذا: حكم نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام بالولد الذي تنازع فيه المرأتان، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا على سليمان، فقصتا عليه القصة، فقال سليمان عليه السلام: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل يا نبي الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى ١، ولم يكن سليمان ليفعل، ولكن أوهمهما ذلك، فطابت نفس الكبرى بذلك؛ استرواحا منها إلى راحة التأسي والتسلي بذهاب ابن الأخرى كما ذهب ابنها، ولم يطب قلب الصغرى بذلك، بل أدركتها شفقة الأم ورحمتها، فناشدته أن لا يفعل؛ استرواحا إلى بقاء الولد، ومشاهدته حيا، وإن اتصل إلى الأخرى.
وتأمل حكم سليمان به للصغرى وقد أقرت به للكبرى تجد تحته: أن الإقرار إذا ظهرت أمارات كذبه وبطلانه لم يلتفت إليه، ولم يحكم به على المقر، وكان وجوده كعدمه.
وهذا هو الحق الذي لا يجوز الحكم بغيره.
وكذلك إذا غلط المقر، أو أخطأ، أو نسي، أو أقر بما لا يعرف مضمونه، لم يؤاخذ بذلك الإقرار، ولم يحكم به عليه، كما لو أقر مكرها.
والله تعالى رفع المؤاخذة بلغو اليمين؛ لكون الحالف لم يقصد موجبها، وأخبر أنه إنما يؤاخذ بكسب القلب، والغالط والمخطئ والناسي
والجاهل والمكره لم يكسب قلبه ما أقر به أو حلف عليه، فلا يؤاخذ به.
والمقصود: أن الزوج المظلوم المدعى عليه دعوى كاذبة ظالمة بأنه ترك النفقة والكسوة تلك السنين كلها، أو مدة مقامها عنده، إذا تبين كذب المرأة في دعواها لم يجز للحاكم سماعها، فضلا عن مطالبته برد الجواب.
فله طرق في التخلص من هذه الدعوى:
أحدها هذا: أن يقول: كيف يسوغ سماع دعوى تكذبها العادة والعرف ومشاهدة الجيران؟
الثاني: أن يقول للحاكم: سلها من كان ينفق عليها، ويكسوها في هذه المدة؟
فإن ادعت أن غيره كان يؤدي ذلك عنه لم يسمع دعواها، وإن كانت الدعوى لذلك الغير، ولا يقبل قولها على الزوج إن غيره قام بهذا الواجب عنه، وهذا مما لا خفاء به، ولا إشكال فيه.
وإن قالت: أنا كنت أنفق على نفسي، قال الزوج: سلها هل كانت هي التي كانت تدخل وتخرج تشتري الطعام والإدام؟
فإن قالت: نعم، ظهر كذبها، ولاسيما إن كانت من ذوات الشرف والأقدار.
وإن قالت: كنت أوكل غيري في ذلك، ألزمت ببيانه، وإلا ظهر كذبها وظلمها وعدوانها، وكانت معاونتها على ذلك معاونة على الإثم والعدوان.
فإن أعوز الزوج حاكم عالم متحر للحق لا تأخذه فيه لومة لائم، فليعدل إلى التحيل بالخلاص بما يبطل دعواها الكاذبة، إما بأن يجحد استحقاقها
لما ادعت به، ولا يعدل إلى الجواب المفصل، فتحتاج هي إلى إقامة البينة على سبب الاستحقاق، وقد يتعذر أو يتعسر عليها ذلك.
فإن أحضرت الصداق وأقامت البينة، فإن كانت لم تنتقل معه إلى داره جحد تسليمها إليه، والقول قوله إذا لم تكن معه في منزله.
فإن كانت قد انتقلت معه إلى منزله، وادعى نشوزها تلك المدة، وأمكنه إقامة البينة بذلك، سقطت نفقتها في مدة النشوز، وإن لم يمكنه إقامة البينة، وادعى عدم تمكينها له من الوطء، وادعت أنها مكنته فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم التمكين، وهذا غير دعواه النشوز؛ فإن النشوز هو العصيان، والأصل عدمه، وهذا إنكار لاستيفاء حقه، والأصل عدمه فتأمله.
فإن كان له منها ولد لم يمكنه هذا الإنكار.
ومتى أحس بالشر والمكر احتال بأن يخبئ شاهدي عدل، بحيث يسمعان كلامها [١٠٤ ب]، ولا تراهما، ثم يدفع إليها مالا، أو ترضى به، ويتلطف بها، ثم يقول: أريد أن يجعل كل منا صاحبه في حل حتى تطيب أنفسنا، ولعل الموت يأتي بغتة، ونحو ذلك من الكلام.
وإن أمكنه أن يستنطقها بأنها لا تستحق عليه إلى ذلك الوقت نفقة، ولا كسوة، وأنه يرضيها من الآن، ويدفع إليها ما ترضى به، كان أقوى، ثم يأخذ خط الشاهدين بذلك، ويكتمه منها، فإن أعجله الأمر عن ذلك، وأمكنه المبادرة برفعها إلى حاكم مالكي أو حنفي، بادر إلى ذلك.
وبالجملة، فالحازم من يستعد لحيلهن، ويعد لها حيلا يتخلص بها منها، وهذا لا بأس به، ولا إثم فيه، ولا في تعليمه؛ فإن فيه تخليص المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإخزاء الظالم المعتدي، والله الموفق للصواب.
وإنما أطلنا الكلام في هذا المثال لشدة حاجة الناس إلى ذلك، ولعموم البلوى، وكثرة الفجور، وانتشار الضرر بتمكين المرأة من هذه الدعوى، أو سماعها، وجعل القول قولها، وفى ذلك كفاية، وإلا فهي تحتمل أكثر من ذلك.
فصل
والمقصود بهذه الأمثلة وأضعافها مما لم نذكره: أن الله سبحانه أغنانا بما شرعه لنا من الحنيفية السمحة، وما يسره من الدين على لسان رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وسهله للأمة: عن الدخول في الآصار والأغلال، وعن ارتكاب طرق المكر والخداع والاحتيال، كما أغنانا عن كل باطل ومحرم وضار، بما هو أنفع لنا منه من الحق، والمباح النافع.
فأغنانا بأعياد الإسلام: عن أعياد الكفار والمشركين من أهل الكتاب، والمجوس، والصابئين، وعبدة الأصنام.
وأغنانا بوجوه التجارات، والمكاسب الحلال: عن الربا والميسر والقمار.
وأغنانا بنكاح ما طاب لنا من النساء مثنى وثلاث ورباع، والتسري بما شئنا من الإماء: عن الزنى والفواحش.
وأغنانا بأنواع الأشربة اللذيذة، النافعة للقلب والبدن: عن الأشربة الخبيثة المسكرة، المذهبة للعقل والدين.
وأغنانا بأنواع الملابس الفاخرة من الكتان، والقطن، والصوف: عن الملابس المحرمة من الحرير، والذهب.
وأغنانا عن سماع الأبيات وقرآن الشيطان: بسماع الآيات وكلام الرحمن.
وأغنانا عن الاستقسام بالأزلام طلبا لما هو خير وأنفع لنا: باستخارته التي هي توحيد، وتفويض، واستعانة، وتوكل.
وأغنانا عن طلب التنافس في الدنيا وعاجلها: بما أحبه ١ لنا وندبنا إليه من التنافس في الآخرة، وما أعد لنا فيها، وأباح الحسد في ذلك، وأغنانا به عن الحسد على الدنيا وشهواتها.
وأغنانا بالفرح بفضله ورحمته وهما القرآن والإيمان: عن الفرح بما يجمعه أهل الدنيا من المتاع والعقار والأثمان، فقال تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ [يونس: ٥٨].
وأغنانا بالتكبر على أعداء الله تعالى، وإظهار الفخر والخيلاء لهم: عن التكبر على أولياء الله تعالى، والفخر والخيلاء عليهم، فقال - صلى الله عليه وآله وسلم - لمن رآه يتبختر بين الصفين: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن» ٢.
وأغنانا بالفروسية الإيمانية، والشجاعة الإسلامية التي تأثيرها في الغضب على أعدائه ونصرة دينه: عن الفروسية الشيطانية، التي يبعث عليها الهوى وحمية الجاهلية.
وأغنانا بالخلوة الشرعية حال الاعتكاف: عن الخلوة البدعية التي يترك لها الحج والجهاد والجمعة والجماعة.
وكذلك أغنانا بالطرق الشرعية: عن طرق أهل المكر والاحتيال.
فلا تشتد حاجة الأمة إلى شيء إلا وفيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ما يقتضي إباحته ١ وتوسعته، بحيث لا يحوجهم فيه إلى مكر واحتيال، ولا يلزمهم الآصار والأغلال، فلا هذا من دينه ولا هذا.
كما أغنانا بالبراهين والآيات التي أرشد إليها القرآن: عن الطرق المتكلفة المتعسفة المعقدة، التي باطلها أضعاف [١٠٥ أ] حقها، من الطرق الكلامية التي الصحيح منها: «كلحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل» ٢.
ونحن نعلم علما لا نشك فيه أن الحيل التي تتضمن تحليل ما حرمه الله تعالى، وإسقاط ما أوجبه، لو كانت جائزة لسنها الله سبحانه، وندب إليها؛ لما فيها من التوسعة والفرج للمكروب، والإغاثة للملهوف، كما ندب إلى الإصلاح بين الخصمين.
وقد قال المبعوث بالحنيفية السمحة - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ما تركت من شيء يقربكم
إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا تركت من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به» ١.
«تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» ٢.
فهلا ندب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الحيل، وحض عليها، كما حض على إصلاح ذات البين؟
بل لم يزل يحذر من الخداع، والمكر، والنفاق، ومشابهة أهل الكتاب باستحلال محارمه بأدنى الحيل.
ولو كان مقصود الشارع إباحة تلك المحرمات، التي رتب عليها أنواع الذم والعقوبات، وسد الذرائع الموصلة إليها، لم يحرمها ابتداء، ولا رتب عليها ٣ العقوبة، ولا سد الذرائع إليها، ولكان ترك أبوابها مفتحة أسهل من المبالغة في غلقها وسدها، ثم يفتح لها أنواع الحيل، حتى ينقب المحتال
عليها من كل ناحية، فهذا مما يصان عنه الشرائع، فضلا عن أكملها شريعة وأفضلها دينا.
وقد قدمنا أن الضرر والمفاسد الحاصلة من تلك المحرمات لا يزول بالاحتيال والنقب عليها، بل تقوى وتشتد مفاسدها.
فصل
إذا عرف هذا فالطرق التي تتضمن نفع المسلمين، والذب عن الدين، ونصر المظلومين، وإغاثة الملهوفين، ومعارضة المحتالين بالباطل ليدحضوا به الحق: من أنفع الطرق، وأجلها علما وعملا وتعليما.
فيجوز للرجل أن يظهر قولا أو فعلا مقصوده به مقصود صالح، وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به، إذا كان فيه مصلحة دينية، مثل دفع ظلم عن نفسه، أو عن مسلم، أو معاهد، أو نصرة حق، أو إبطال باطل من حيلة محرمة أو غيرها، أو دفع الكفار عن المسلمين، أو التوصل إلى تنفيذ أمر الله تعالى ورسوله.
فكل هذه طرق جائزة، أو مستحبة، أو واجبة.
وإنما المحرم أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعت له، فيصير مخادعا لله.
فهذا مخادع لله ورسوله، وذاك مخادع للكفار والفجار والظلمة، وأرباب المكر والاحتيال، فبين هذا الخداع وذاك الخداع من الفرق كما بين البر والإثم، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية.
فأين من قصده إظهار دين الله تعالى، ونصر المظلوم، وكسر الظالم، إلى من قصده ضد ذلك؟
إذا عرف هذا فنقول: الحيل أقسام:
أحدها: الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه، فمتى كان المقصود بها محرما في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين، وصاحبها فاجر ظالم آثم.
وذلك كالتحيل على هلاك النفوس، وأخذ الأموال المعصومة، وفساد ذات البين، وحيل الشياطين على إغواء بني آدم، وحيل المخادعين بالباطل على إدحاض الحق، وإظهار الباطل في الخصومات الدينية والدنيوية، فكل ما هو محرم في نفسه فالتوصل إليه محرم بالطرق الظاهرة والخفية، بل التوصل إليه بالطرق الخفية أعظم إثما، وأكبر عقوبة؛ فإن أذى المخادع وشره يصل إلى المظلوم من حيث لا يشعر، ولا يمكنه الاحتراز عنه، ولهذا قطع السارق دون المنتهب والمختلس.
ومن هذا: رأى مالك ومن وافقه أن القاتل غيلة يقتل، وإن قتل من لا يكافئه؛ لمفسدة فعله، وعدم إمكان التحرز منه.
ومن هذا: رأى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قطع يد الزغلي ١؛ لعظم ضرره على الأموال، وعدم إمكان التحرز منه، فهو أولى بالقطع من السارق، وقوله قوي جدا.
[١٠٥ ب] ومن هذا: رأى الأمام أحمد قطع يد جاحد العارية؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف جاحد الوديعة، فإنه هو الذي ائتمنه.
والعمدة في ذلك: على السنة الصحيحة التي لا معارض لها.
والقصد أن التوصل إلى الحرام حرام، سواء توصل إليه بحيلة خفية أو بأمر ظاهر، وهذا النوع من الحيل ينقسم قسمين:
أحدهما: ما يظهر فيه أن مقصود صاحبه الشر والظلم، كحيل اللصوص، والظلمة، والخونة.
و
وهذا النوع من الحيل إما أن يظهر مقصود صاحبه من الشر، كاللصوص والظلمة، أو لا يظهر مثل إقرار المريض لوارث إضرارا بالورثة ونحوه
، بل يظهر المحتال أن قصده الخير، ومقصوده الظلم والبغي، مثل إقرار المريض لوارث لا شيء له عنده، قصدا لتخصيصه بالمقر به، أو إقراره بوارث وهو غير وارث، إضرارا بالورثة.
وهذا حرام باتفاق الأمة، وتعليمه لمن يفعله حرام، والشهادة عليه حرام، إذا علم الشاهد صورة الحال، والحكم بموجب ذلك حكم باطل حرام، يأثم به الحاكم باتفاق المسلمين، إذا علم صورة الحال، فهذه الحيلة في نفسها محرمة لأنها كذب وزور، والمقصود بها محرم لكونه ظلما وعدوانا.
ولكن لما أمكن أن يكون صدقا، اختلف العلماء في إقرار المريض لوارث، هل هو باطل سدا للذريعة، وردا للإقرار الذي صادف حق الورثة فيما هو متهم فيه؛ لأنه شهادة على نفسه فيما تعلق به حقهم، فيرد للتهمة، كالشهادة على غيره؟ أو هو مقبول إحسانا للظن بالمقر، ولا سيما عند الخاتمة؟
ومن هذا الباب: احتيال المرأة على فسخ نكاح الزوج، مع إمساكه بالمعروف، بإنكارها الإذن للولي، أو إساءة عشرة الزوج، ونحو ذلك.
واحتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه كان محجورا عليه.
واحتيال المشتري على الفسخ بأنه لم ير المبيع.
واحتيال المؤجر على المستأجر في فسخ الإجارة، أو احتيال المستأجر عليه بأنه استأجر ما لم يره.
واحتيال الراهن على المرتهن في فسخ الرهن بأن يظهر أنه آجره قبل الرهن، أو كان رهنه عند زوجته، أو أمته ١، ونحو ذلك.
فهذا النوع لا يستريب أحد أنه من كبائر الإثم، وهو من أقبح المحرمات، وهو بمنزلة لحم خنزير، من جهة أنه ٢ في نفسه معصية؛ لتضمنه الكذب والزور، ومن جهة تضمنه إبطال الحق، وإثبات الباطل.
القسم الثالث ٣: ما هو مباح في نفسه، لكن بقصد المحرم صار حراما، كالسفر لقطع الطريق، ونحو ذلك، فهاهنا المقصود حرام، والوسيلة في نفسها غير محرمة، لكن لما توسل بها إلى الحرام صارت حراما.
القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حق، أو دفع باطل، لكن يكون الطريق إلى حصول ذلك محرمة، مثل أن يكون له على رجل حق فيجحده، فيقيم شاهدين لا يعرفان غريمه ولم يرياه، يشهدان له بما ادعاه، فهذا محرم أيضا، وهو عند الله تعالى عظيم؛ لأن الشاهدين يشهدان بالزور، وشهادة
الزور من الكبائر، وقد حملهما على ذلك.
وكذلك لو كان له عند رجل دين، فيجحده إياه، وله عنده وديعة، فجحد الوديعة، وحلف أنه لم يودعه.
أو كان له على رجل دين لا بينة له به، ودين آخر به بينة، لكنه اقتضاه منه، فيدعي هذا الدين، ويقيم به بينة، وينكر الاستيفاء.
أو يكون قد اشترى منه شيئا، فظهر به عيب تلف المبيع به، فادعى عليه بثمنه، فأنكر أصل العقد، وأنه لم يشتر منه شيئا.
أو تزوج امرأة، فأنفق عليها مدة طويلة، فادعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئا، فجحد نكاحها بالكلية.
فهذا حرام أيضا؛ لأنه كذب، ولاسيما إن حلف عليه، ولكن لو تأول في يمينه لم يكن به بأس، فإنه مظلوم.
فإن قيل: فما تقولون لو عامله معاملة ربا، فقبض رأس ماله، ثم ادعى عليه بالزيادة المحرمة، هل يسوغ له أن ينكر المعاملة أو يحلف عليها؟
قيل: يسوغ له الحلف على عدم استحقاقها، وأن دعواها دعوى باطلة، فلو لم يقبل منه الحاكم هذا الجواب ساغ له التأويل في [١٠٦ أ] اليمين؛ لأنه مظلوم، ولا يسوغ له الإنكار والحلف من غير تأويل؛ لأنه كذب صريح، فليس له أن يقابل الفجور بمثله، كما أنه ليس له أن يكذب على من كذب عليه، أو يقذف من قذفه، أو يفجر بزوجة من فجر بزوجته، أو بابن من فجر بابنه.
فإن قيل: فما تقولون في مسألة الظفر؟ هل هي من هذا الباب، أو من القصاص المباح؟
قيل: قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال:
أحدها: أنها من هذا الباب، وأنه ليس له أن يخون من خانه، ولا يجحد من جحده، ولا يغصب من غصبه، وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك.
والثاني: يجوز له أن يستوفي قدر حقه إذا ظفر بماله، سواء ظفر بجنسه أو غير جنسه، وفى غير الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه، ويستوفي ثمنه منه، وهذا قول أصحاب الشافعي.
والثالث: يجوز له أن يستوفي قدر حقه إذا ظفر بجنس ماله، وليس له أن يأخذ من غير الجنس، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة.
والرابع: أنه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه دين فله الأخذ، وهذا إحدى الروايتين عن مالك.
والخامس: أنه إن كان سبب الحق ظاهرا كالنكاح، والقرابة، وحق الضيف، جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه، كما أذن فيه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لهند أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها ويكفي بنيها ١، وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يضيفوه أن يعقبهم في مالهم بمثل قراه، كما في «الصحيحين» ٢ عن عقبة بن عامر، قال: قلت للنبي: إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا يقرونا، فما ترى؟ فقال لنا: «إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم».
وفي «المسند» ١ من حديث المقدام أبي كريمة، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «من نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه».
وفي «المسند» لأحمد ٢ أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أيما ضيف نزل بقوم، فأصبح الضيف محروما، فله أن يأخذ بقدر قراه، ولا حرج عليه».
وإن كان سبب الحق خفيا، بحيث يتهم بالأخذ، وينسب إلى الخيانة ظاهرا، لم يكن له الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة، وإن كان في الباطن آخذا حقه، كما أنه ليس له أن يتعرض للتهمة التي تسلط الناس على عرضه، وإن ادعى أنه محق غير متهم.
وهذا القول أصح الأقوال وأسدها، وأوفقها لقواعد الشريعة وأصولها، وبه تجتمع الأحاديث.
فإنه قد روى أبو داود في «سننه» ١ من حديث يوسف بن ماهك، قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت له من أموالهم مثلها، فقلت: اقبض الألف الذي ذهبوا به منك، قال: لا، حدثني أبي، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
وهذا وإن كان في حكم المنقطع فإن له شاهدا من وجه آخر، وهو حديث طلق بن غنام ٢.
أخبرنا شريك، وقيس، عن أبي حصين، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
وقيس هو ابن الربيع، وشريك ثقة، وقد قوي حديثه بمتابعة قيس له، وإن كان فيه ضعف.
وله شاهد آخر من حديث أيوب بن سويد، عن ابن شوذب عن أبي التياح، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - نحوه ١.
وأيوب بن سويد وإن كان فيه ضعف، فحديثه يصلح للاستشهاد به.
وله شاهد آخر وإن كان فيه ضعف، فهو يقوى بانضمام هذه الأحاديث إليه: رواه يحيى بن أيوب ٢، [١٠٦ ب] عن إسحاق بن أسيد، عن أبي حفص
الدمشقي، عن مكحول: أن رجلا قال لأبي أمامة الباهلي: الرجل أستودعه الوديعة، أو يكون لي عليه دين، فيجحدني، ثم يستودعني، أو يكون له عندي الشيء، فيجحدني، ثم يستودعني، أفأجحده؟ فقال: لا، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
وله شاهد آخر مرسل ١: قال يحيى بن أيوب: عن ابن جريج، عن الحسن، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
وله شاهد آخر، وهو ما رواه الترمذي ٢ من حديث مالك بن نضلة، قال: قلت: يا رسول الله! الرجل أمر به، فلا يقريني، ولا يضيفني، فيمر بي، أجزيه؟ قال: «لا، اقره».
قال الترمذي: «هذا الحديث حسن صحيح».
وله شاهد آخر، وهو ما رواه أبو داود ١، من حديث بشير ٢ بن الخصاصية، قال: قلت: يا رسول الله! إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: «لا».
وله شاهد آخر من حديث بشير هذا أيضا، قلت: يا رسول الله! إن لنا جيرانا، لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟ فقال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
ذكره شيخنا رحمه الله في كتاب «إبطال التحليل» ٣.
فهذه الآثار مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها يشد بعضها بعضا، ولا
يشبه الأخذ فيها الأخذ في الموضعين اللذين أباح رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيهما الأخذ؛ لظهور سبب الحق، فلا ينسب الآخذ إلى الخيانة، ولا يتطرق إليه تهمة، ولتعسر الشكوى في ذلك إلى الحاكم، وإثبات الحق والمطالبة به.
والذين جوزوه يقولون: إذا أخذ قدر حقه من غير زيادة لم يكن ذلك خيانة؛ فإن الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه.
وهذا ضعيف جدا؛ فإنه يبطل فائدة الحديث فإنه قال: «ولا تخن من خانك»، فجعل مقابلته له خيانة، ونهاه عنها، فالحديث نص بعد صحته.
فإن قيل: فهلا جعلتموه مستوفيا لحقه بنفسه إذ عجز عن استيفائه بالحاكم، كالمغصوب ماله، إذا رآه في يد الغاصب، وقدر على أخذه منه قهرا، فهل تقولون: إنه لا يحل له أخذ عين ماله، وهو يشاهده في يد الظالم المعتدي، ولا يحل له إخراجه من داره وأرضه؟
وكذلك إذا غصب زوجته، وحال بينه وبينها، وعقد عليها ظاهرا، بحيث لا يتهم، فهل يحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه خشية التهمة؟
وهذا لا تقولونه أنتم، ولا أحد من أهل العلم.
ولهذا قال الشافعي ١ وقد ذكر حديث هند ٢: «وإذا دلت السنة وإجماع كثير من أهل العلم على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سرا، فقد دل أن ذلك ليس بخيانة.
الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه».
فالجواب: أنا نقول: يجوز له أن يستوفي قدر حقه، لكن بطريق مباح،
فأما بخيانة وطريق محرمة فلا.
وقولكم: ليس ذلك بخيانة، قلنا: بل هو خيانة حقيقة، ولغة، وشرعا، وقد سماه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - خيانة، وغايتها أنها خيانة مقابلة ومقاصة، لا خيانة ابتداء، فيكون كل واحد منهما مسيئا إلى الآخر ظالما له، فإن تساوت الخيانتان قدرا وصفة فقد يتساقط إثمهما والمطالبة في الآخرة، أو يكون لكل منهما على الآخر مثل ما للآخر عليه، وإن بقي لأحدهما فضل رجع به، فهذا في أحكام الثواب والعقاب.
وأما في أحكام الدنيا فليس كذلك؛ لأن الأحكام فيها مرتبة على الظواهر، وأما السرائر فإلى الله، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، أقضي بنحو مما أسمع، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» ١.
فأخبر - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه يحكم بينهم [١٠٧ أ] بالظاهر، وأعلم المبطل في نفس الأمر: أن حكمه لا يحل له أخذ ما يحكم له به، وأنه مع حكمه له به فإنما يقطع له قطعة من النار، فإذا كان الحق مع هذا الخصم في الظاهر وجب على الحاكم أن يحكم له به، ويقره بيده، وإن كانت يدا عادية ظالمة عند الله تعالى، فكيف يسوغ لخصمه أن يحكم لنفسه، ويستوفي لنفسه بطريق محرمة باطلة، لا يحكم بمثلها الحاكم، وإن كان محقا في نفس الأمر؟
وليس هذا بمنزلة من رأى عين ماله أو أمته أو زوجته بيد غاصب ظالم،
فخلصها منه قهرا، فإنه قد تعين حقه في هذه العين، بخلاف صاحب الدين، فإن حقه لم يتعين في تلك العين التي يريد أن يستوفي منها، ولأنه لا يتكتم بذلك، ولا يستخفي به، كما يفعل الخائن، بل يكابر صاحب اليد العادية ويغالبه، ويستعين عليه بالناس، فلا ينسب إلى خيانة، والأول متكتم مستخف، متصور بصورة خائن وسارق، فإلحاق أحدهما بالآخر باطل، والله أعلم.
فصل
القسم الخامس من الحيل: أن يقصد حل ما حرمه الشارع، أو سقوط ما أوجبه، بأن يأتي بسبب نصبه الشارع سببا إلى أمر مباح مقصود، فيجعله المحتال المخادع سببا إلى أمر محرم مقصود اجتنابه.
فهذه هي الحيل المحرمة التي ذمها السلف، وحرموا فعلها وتعليمها.
وهذا حرام من وجهين: من جهة غايته، ومن جهة سببه:
أما غايته: فإن المقصود به إباحة ما حرمه الله ورسوله، وإسقاط ما أوجبه.
وأما من جهة سببه: فإنه اتخذ آيات الله هزوا، وقصد بالسبب ما لم يشرع لأجله، ولا قصده به الشارع، بل قصد ضده، فقد ضاد الشارع في الغاية، والحكمة، والسبب جميعا.
وقد يكون أصحاب القسم الأول من الحيل أحسن حالا من كثير من أصحاب هذا القسم؛ فإنهم يقولون: إن ما نفعله حرام وإثم ومعصية، ونحن أصحاب تحيل بالباطل، عصاة لله ورسوله، مخالفون لدينه.
وكثير من هؤلاء يجعلون هذا القسم من الدين الذي جاءت به الشريعة، وأن الشارع جوز لهم التحيل بالطرق المتنوعة على إباحة ما حرمه، وإسقاط ما أوجبه.
فأين حال هؤلاء من حال أولئك؟
ثم إن هذا النوع من الحيل يتضمن نسبة الشارع إلى العبث، وشرع ما لا فائدة فيه إلا زيادة الكلفة والعناء؛ فإن حقيقة الأمر عند أرباب الحيل الباطلة: أن تصير العقود الشرعية عبثا لا فائدة فيها؛ فإنها لا يقصد بها المحتال مقاصدها التي شرعت لها، بل لا غرض له في مقاصدها وحقائقها البتة، وإنما غرضه التوصل بها إلى ما هو ممنوع منه، فجعلها سترة وجنة يتستر بها من ارتكاب ما نهي عنه صرفا، فأخرجه في قالب الشرع.
كما أخرجت الجهمية التعطيل: في قالب التنزيه.
وأخرج المنافقون النفاق: في قالب الإحسان والتوفيق والعقل المعيشي.
وأخرج الظلمة الفجرة الظلم والعدوان: في قالب السياسة، وعقوبة الجناة.
وأخرج المكاسون أكل المكوس: في قالب إعانة المجاهدين، وسد الثغور، وعمارة الحصون.
وأخرج الروافض الإلحاد والكفر، والقدح في سادات الصحابة وحزب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وأوليائه وأنصاره: في قالب محبة أهل البيت، والتعصب لهم، وموالاتهم.
وأخرجت المباحية وفسقة المنتسبين إلى الفقر والتصوف بدعهم وشطحهم: في قالب الفقر، والزهد، والأحوال، والمعارف، ومحبة الله، ونحو ذلك.
وأخرجت الاتحادية أعظم الكفر [١٠٧ ب] والإلحاد: في قالب التوحيد، وأن الوجود واحد لا اثنان، وهو الله وحده، فليس هاهنا وجودان: خالق ومخلوق، ولا رب وعبد، بل الوجود كله واحد، وهو حقيقة الرب.
وأخرجت القدرية إنكار عموم قدرة الله تعالى على جميع الموجودات أفعالها وأعيانها: في قالب العدل، وقالوا: لو كان الرب قادرا على أفعال عباده لزم أن يكون ظالما لهم، فأخرجوا تكذيبهم بالقدر: في قالب العدل ١.
وأخرجت الجهمية جحدهم لصفات كماله سبحانه: في قالب التوحيد، وقالوا: لو كان له سبحانه سمع وبصر، وقدرة، وحياة، وإرادة، وكلام يقوم به، لم يكن واحدا، وكان آلهة متعددة.
وأخرجت الفسقة والذين يتبعون الشهوات الفسوق والمعاصي: في قالب الرجاء وحسن الظن بالله تعالى، وعدم إساءة الظن بعفوه، وقالوا: تجنب المعاصي والشهوات إزراء بعفو الله تعالى، وإساءة للظن به، ونسبة له إلى خلاف الجود والكرم والعفو.
وأخرجت الخوارج قتال الأئمة، والخروج عليهم بالسيف: في قالب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر.
وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم: في قوالب متنوعة، بحسب تلك البدع.
وأخرج المشركون شركهم: في قالب التعظيم لله، وأنه أجل من أن يتقرب إليه بغير وسائط وشفعاء وآلهة تقربهم إليه.
فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق.
والمقصود: أن أهل المكر والحيل المحرمة يخرجون الباطل في القوالب الشرعية، ويأتون بصور العقود، دون حقائقها ومقاصدها.
فصل
وهذا القسم من أقسام الحيل أنواع:
أحدها: الاحتيال لحل ما هو حرام في الحال، كالحيل الربوية، وحيلة التحليل.
الثاني: الاحتيال على حل ما انعقد سبب تحريمه، فهو صائر إلى التحريم ولا بد، كما إذا علق طلاقها بشرط محقق، تعليقا يقع به، ثم أراد منع وقوع الطلاق عند الشرط، فخالعها خلع الحيلة، حتى بانت، ثم تزوجها بعد ذلك.
الثالث: الاحتيال على إسقاط ما هو واجب في الحال، كالاحتيال على إسقاط الإنفاق الواجب عليه، وأداء الدين الواجب، بأن يملك ماله لزوجته أو ولده، فيصير معسرا، فلا يجب عليه الإنفاق والأداء، وكمن يدخل عليه رمضان ولا يريد صومه، فسافر ولا غرض له سوى الفطر، ونحو ذلك.
الرابع: الاحتيال على إسقاط ما انعقد سبب وجوبه ولم يجب، لكنه صائر إلى الوجوب، فيحتال حتى يمتنع الوجوب، كالاحتيال على إسقاط الزكاة، بتمليكه ماله قبل مضي الحول لبعض أهله، ثم استرجاعه بعد ذلك، وهذا النوع ضربان:
أحدهما: إسقاط حق الله تعالى بعد وجوبه، أو انعقاد سببه.
والثاني: إسقاط حق المسلم بعد وجوبه، أو انعقاد سببه، كالاحتيال على إسقاط الشفعة التي شرعت دفعا للضرر عن الشريك، قبل وجوبها أو بعده.
الخامس: الاحتيال على أخذ حقه أو بعضه أو بدله بخيانة، كما تقدم، وله صور كثيرة:
منها: أن يجحده دينه، كما جحده.
ومنها: أن يخونه في وديعته، كما خانه.
ومنها: أن يغشه في بيع معيب كما غشه هو في بيع معيب.
ومنها: أن يسرق ماله كما سرق ماله.
ومنها: أن يستعمله بأجرة دون أجرة مثله ظلما وعدوانا، أو غرورا وخداعا، أو غبنا، فيقدر المستأجر له على مال، فيأخذ تمام أجرته.
وهذا النوع يستعمله كثيرا أرباب الديوان، ونظار الوقوف، والعمال، وجباة الفيء والخراج والجزية والصدقة، وأمثالهم، فإن كان المال مشتركا بين المسلمين؛ رتعوا وربعوا، ورأى أحدهم أن من الغبن أن يفوته شيء منه، ويرى إن عدل أن له نصف ذلك المال، ويسعى في السدس تكملة الثلثين،
كما قيل في بعضهم ١: [١٠٨ أ]
له نصف بيت المال فرض مقرر... وفي سدس التكميل يسعى ليخلصا
من القوم من لم يثنهم عن مرادهم... عقوبة سلطان بسوط ولا عصا
فصل
وقد عرف بما ذكرنا الفرق بين الحيل التي تخلص من الظلم والبغي والعدوان، والحيل التي يحتال بها على إباحة الحرام وإسقاط الواجبات، وإن جمعهما اسم الحيلة والوسيلة.
وعرف بذلك أن العينة لا تخلص من الحرام، وإنما يتوسل بها إليه، وهو المقصود الذي اتفقا عليه، ويعلمه الله تعالى من نفوسهما، وهما يعلمانه، ومن شاهدهما يعلمه.
وكذلك تمليك ماله لولده عند قرب الحول فرارا من الزكاة، لا يخلص من الإثم، بل يغمسه فيه؛ لأنه قصد إلى إسقاط فرض قد انعقد سببه.
ولكن عذر من جوز ذلك: أنه لم يسقط الواجب، وإنما أسقط الوجوب، وفرق بين الأمرين؛ فإن له أن يمنع الوجوب، وليس له أن يمنع الواجب.
وهكذا القول في التحيل على إسقاط الشفعة قبل البيع؛ فإنه يمنع وجوب الاستحقاق، ولا يمنع الحق الذي وجب بالبيع، فذلك لا يجوز، وهو نظير منع الزكاة بعد وجوبها، فذلك لا يجوز بحيلة ولا غيرها.
وكذلك التحيل على منع وجوب الجمعة عليه، بأن يسكن في مكان لا
يبلغه النداء، أولا يمكنه الذهاب منه إلى الجمعة، والرجوع في يومه، أو السفر قبل دخول وقتها، ولا يجوز له التحيل على تركها بعد وجوبها عليه.
وكذلك التحيل على منع وجوب الإنفاق على القريب، بأن لا يكتسب مالا يجب فيه الإنفاق، ولا يجوز له التحيل على إسقاط ما وجب من ذلك.
فهذا سر الفرق اعتمده أصحاب الحيل.
وأما المانعون فيجيبون عن ذلك بأن هذا لو أجدى على المتحيلين لم يعاقب الله سبحانه وتعالى أصحاب الجنة، الذين عزموا على صرامها ليلا لئلا يحضرهم المساكين، فهؤلاء قصدوا دفع الوجوب بعد انعقاد سببه، وهو نظير التحيل لإسقاط الزكاة بعد ثبوت سببها.
وبأن هذا يبطل حكمة الإيجاب؛ فإن الله سبحانه إنما أوجبها في أموال الأغنياء طهرة لهم وزكاة، ورحمة للمساكين، وسدا لفاقتهم، فالتحيل على منع وجوبها يعود على ذلك كله بالإبطال.
وبأن الشارع لو جوز التحيل على منع الإيجاب بعد انعقاد سببه لم يكن في الإيجاب فائدة؛ إذ ما من أحد إلا ويمكنه التحيل بأدنى حيلة على الدفع، فيكون الإيجاب عديم الفائدة؛ فإنه إذا أوجبه وجوز إسقاطه بعد انعقاد سبب الإيجاب عاد ذلك بنقض ما قصده.
وبأنه إذا انعقد سبب الوجوب فقد تعلق الوجوب بالمكلف، فلا يمكنه الشارع من قطع هذا التعلق، ولاسيما إذا شارف وقت الوجوب وحضر، حتى كأنه داخل فيه، كما إذا بقي من الحول يوم أو ساعة فالإسقاط هاهنا في حكم الإسقاط بعد الحول سواء، ومفسدته كمفسدته؛ فإن المصلحة الفائتة بالمنع بعد تلك الساعة كالمفسدة الحاصلة بالتسبب إلى المنع قبلها من كل وجه.
وبأن الحكم بعد انعقاد سببه كالثابت الذي قد صح ووجد.
وبأن الوجوب قد تحقق بانعقاد سببه، وإنما جوز له التأخير إلى تمام الحول توسعة عليه، ولهذا يجوز له أداء الواجب قبل الحول، ويكون واقعا موقعه.
ولأن الفرار من الإيجاب إنما يقصد به الفرار من أداء الواجب، وأن يسقط ما فرضه الله عليه عند مضي الحول، وليس هذا كمن يترك اكتساب المال الذي يجب فيه الزكاة فرارا من وجوبها عليه، أو ترك بيع الشقص فرارا من أخذ الشفيع له، أو يترك التزوج فرارا من وجوب الإنفاق، [١٠٨ ب] ونحو ذلك؛ فإن هذا لم ينعقد في حقه السبب، بل ترك ما يفضي إلى الإيجاب، ولم يتسبب إليه، وهذا تحيل بعد السبب على إسقاط ما تعلق به من أداء الواجب، واحتال على قطع سببه بعد ثبوتها.
وأيضا فإن قطع سببية السبب تغيير لحكم الله، وإسقاط للسببية بالتحيل، وليس ذلك للمكلف؛ فإن الله سبحانه هو الذي جعل هذا سببا بحكمه وحكمته، فليس له أن يبطل هذا الجعل بالحيلة والمخادعة، وهذا بخلاف ما إذا وهبه ظاهرا وباطنا أو أنفقه، فإنه لم يحتل بإظهار أمر وإبطان خلافه على منع الإيجاب، وأداء الواجب.
وأيضا فإنه إذا احتال على منع الإيجاب تضمن ذلك تحيله على منع أداء الواجب، ومعلوم أن منعه أداء الواجب فقط أيسر من تحيله على الآمرين جميعا.
وأيضا فإنه لا يصح فراره من الوجوب مع إتيانه لسببه؛ فإن الفار من الشيء فار من أسبابه، وهذا أحرص شيء على الملك الذي هو سبب وجوب
الحق عليه، ومن حرصه عليه: تحيل على ترك الإخراج حرصا وشحا، فهو فار من أداء الواجب، ظانا أنه يفر من وجوبه عليه، والأول حاصل له دون الثاني.
ونكتة الفرق: من جهة الوسيلة والمقصود؛ فإن المحتال على المحرمات وإسقاط الواجبات مقصوده فاسد، ووسيلته باطلة؛ فإنه توسل بالشيء إلى غير مقصوده، وتوسل به إلى مقصود محرم.
فإن الله سبحانه إنما جعل النكاح وسيلة إلى المودة والرحمة، والمصاهرة والنسل، وغض البصر، وحفظ الفرج، والتمتع، والإيواء، وغير ذلك من مقاصد النكاح، والمحلل لم يتوسل به إلى شيء من ذلك، بل إلى تحليل ما حرمه الله تعالى؛ فإنه سبحانه حرمها على المطلق ثلاثا عقوبة له، فتوسل هذا بنكاحها إلى تحليلها له، ولم يتوسل به إلى ما شرع له، فكان القصد محرما، والوسيلة باطلة.
وكذلك شرع الله البيع وسيلة إلى انتفاع المشتري بالعين، والبائع بالثمن، فتوسل به المرابي إلى محض الربا، وأتى به لغير مقصوده؛ فإنه لا غرض له في تملك تلك العين، ولا الانتفاع بها، وإنما غرضه الربا، فتوصل إليه بالبيع.
وكذلك شرع سبحانه الأخذ بالشفعة دفعا للضرر عن الشريك، فتوسل المبطل لها بإظهار الصرف الذي لا حقيقة له إلى إبطالها، فكانت وسيلة باطلة، ومقصوده محرما.
وكذلك الزكاة فرضها رحمة منه للمساكين، وطهرة للأغنياء، فتوسل المسقط لها إلى إبطال هذا المقصود بإظهار عقد لا حقيقة له من بيع أو هبة.