أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب السادس أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواه

معلوم أن كل حي سوى الله سبحانه من ملك أو إنس أو جن أو حيوان؛ فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ولا يتم له إلا بتصوره للنافع والضار، والمنفعة من جنس النعيم واللذة، والمضرة من جنس الألم والعذاب.

فلا بد له (^١) من أمرين: أحدهما: هو المحبوب المطلوب الذي ينتفع به، ويلتذ بإدراكه، والثاني: المعين الموصل، المحصل لذلك المقصود.
وبإزاء ذلك أمران آخران: أحدهما: مكروه بغيض ضار، والثاني: معين دافع له عنه.
فهذه أربعة أشياء:

أحدها (^٢): أمر هو محبوب مطلوب الوجود.

الثاني: أمر مكروه مطلوب العدم.

الثالث: الوسيلة إلى حصول المحبوب.

الرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه.

فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد، بل ولكل حيوان، لا يقوم وجوده (^٣) وصلاحه إلا بها.

(^١) «له» ساقطة من م. (^٢) م، ت: «أحدهما».
(^٣) «وجوده» ساقطة من م.

الجزء: 1 - الصفحة: 39

فإذا تقرر ذلك، فالله تعالى هو الذي يجب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب، الذي يراد وجهه، ويبتغى قربه، ويطلب رضاه، وهو المعين على حصول ذلك.
وعبودية ما سواه والالتفات إليه والتعلق به هو المكروه الضار، وهو المعين على دفعه.

فهو سبحانه الجامع لهذه الأمور الأربعة دون ما سواه؛ فهو المعبود المحبوب المراد، وهو المعين لعبده على وصوله إليه وعبادته له، والمكروه البغيض هو بمشيئته وقدرته، وهو المعين لعبده على دفعه عنه، كما قال أعرف الخلق به: «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك [٨ أ] منك» (^١)، وقال: «اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» (^٢)؛ فمنه المنجى، وإليه الملجأ، وبه الاستعاذة من شر ما هو كائن بمشيئته وقدرته، فالإعاذة فعله، والمستعاذ منه فعله أو مفعوله الذي خلقه بمشيئته.

فالأمر كله له، والحمد كله له، والملك كله له، والخير كله في يديه، لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق كل ما يثني عليه أحد من خلقه، ولهذا كان صلاح العبد وسعادته في تحقيق معنى ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]؛ فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذى يستعان به على المطلوب،

(^١) أخرجه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة.
(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠) من حديث البراء بن عازب.

الجزء: 1 - الصفحة: 40

فالأول من معنى ألوهيته، والثاني من معنى ربوبيته؛ فإن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة، وإنابة، وإجلالا، وإكراما، وتعظيما، وذلا، وخضوعا، وخوفا، ورجاء، وتوكلا.
والرب هو الذي يرب عبده، فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى مصالحه، فلا إله إلا هو، ولا رب إلا هو، فكما أن ربوبية ما سواه أبطل الباطل، فكذلك إلهية ما سواه.

وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه، كقوله: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ [هود: ١٢٣]، وقوله عن نبيه شعيب: ﴿وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾ [هود: ٨٨]، وقوله: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله: ﴿وتبتل إليه تبتيلا (٨) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا﴾ [المزمل: ٨ - ٩]، وقوله: ﴿قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب﴾ [الرعد: ٣٠]، وقوله عن الحنفاء أتباع إبراهيم: ﴿ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير﴾ [الممتحنة: ٤].

فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين لمعنيي التوحيد، اللذين لا سعادة للعبد بدونهما البتة.

الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته، الجامعة لمعرفته، والإنابة إليه، ومحبته، والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم، ويتم نعيمهم، فلا يعطيهم في الآخرة شيئا هو أحب إليهم ولا أقر لعيونهم ولا أنعم لقلوبهم من النظر إليه، وسماع كلامه منه بلا واسطة، ولم يعطهم في الدنيا شيئا خيرا لهم (^١)،

(^١) «خيرا لهم» ساقطة من ش وغيرها.

الجزء: 1 - الصفحة: 41

ولا أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم من الإيمان به، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، والتنعم بذكره.

وقد جمع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بين هذين الأمرين في الدعاء الذي رواه النسائي، والإمام أحمد، وابن حبان في «صحيحه» وغيرهم (^١) من حديث عمار بن ياسر أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يدعو به: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين».

فجمع في هذا الدعاء العظيم القدر بين أطيب شيء في الدنيا وهو الشوق إلى لقائه سبحانه، وأطيب شيء في الآخرة وهو النظر إلى وجهه سبحانه، ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما يضر في الدنيا، ويفتن في الدين [٨ ب]، قال: «في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة».

(^١) مسند أحمد (٤/ ٢٦٤)، سنن النسائي (٣/ ٥٤ - ٥٥)، صحيح ابن حبان (١٩٧١)، ورواه أيضا ابن أبي شيبة (٦/ ٤٤)، والبزار (١٣٩٢، ١٣٩٣)، وأبو يعلى (١٦٢٤)، وصححه الحاكم (١٩٢٣)، وقال الشوكاني في النيل (٢/ ٣٣٣): «رجال إسناده ثقات»، وصححه الألباني في تعليقه على شرح الطحاوية (ص ١٠٠)، واحتج به الأئمة على إثبات نظر المؤمنين في الآخرة إلى الباري تعالى.
وفي الباب عن أنس وزيد بن ثابت رضي الله عنهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 42

ولما كان كمال العبد في أن يكون عالما بالحق، متبعا له، معلما لغيره، مرشدا له، قال: «اجعلنا هداة مهتدين».

ولما كان الرضا النافع المحصل للمقصود هو الرضا بعد وقوع القضاء لا قبله ــ فإن ذلك عزم على الرضا، فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم ــ سأل الرضا بعده؛ فإن

المقدور يكتنفه (^١) أمران: الاستخارة قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه

، فمن سعادة العبد أن يجمع بينهما، كما في «المسند» وغيره (^٢) عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «إن من سعادة ابن آدم: استخارة الله، ورضاه بما قضى الله، وإن من شقاوة ابن آدم: ترك استخارة الله، وسخطه بما قضى الله».

ولما كانت خشية الله رأس كل خير في المشهد والمغيب، سأله خشيته في الغيب والشهادة.

ولما كان أكثر الناس إنما يتكلم بالحق في رضاه، فإذا غضب أخرجه غضبه إلى الباطل، وقد يدخله أيضا رضاه في الباطل، سأل الله أن يوفقه لكلمة الحق في الغضب والرضا، ولهذا قال بعض السلف: «لا تكن ممن

(^١) م: «يكشفه».
(^٢) مسند أحمد (١/ ١٦٨) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ورواه أيضا الترمذي (٢١٥١)، والبزار (١٠٩٧، ١١٧٨)، وأبو يعلى (٧٠١)، والبيهقي في الشعب (١/ ٢١٩)، قال الترمذي: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد ابن أبي حميد، ويقال له أيضا: حماد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم المدني، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث»، وضعفه الذهبي في الميزان (٣/ ٥٣١)، والهيثمي في المجمع (٢/ ٥٦٦)، والعيني في عمدة القاري (٧/ ٢٢٣)، وأحمد شاكر في التعليق على المسند (٣/ ٢٨)، وصححه الحاكم (١٩٠٣)، وحسنه ابن حجر في الفتح (١١/ ١٨٤)، وهو في السلسلة الضعيفة (١٩٠٦، ٦٢١٢).

الجزء: 1 - الصفحة: 43

إذا رضي أدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب أخرجه غضبه من الحق».

ولما كان الفقر والغنى محنتين وبليتين، يبتلي الله بهما عبده، ففي الغنى يبسط يده، وفي الفقر يقبضها، سأل الله القصد في الحالين، وهو التوسط الذي ليس معه إسراف ولا تقتير.

ولما كان النعيم نوعين: نوعا للبدن، ونوعا للقلب؛ وهو قرة العين، وكماله بدوامه واستمراره، جمع بينهما في قوله: «أسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع».

ولما كانت الزينة زينتين: زينة البدن، وزينة القلب؛ وكانت زينة القلب أعظمهما قدرا وأجلهما خطرا، وإذا حصلت حصلت زينة البدن على أكمل الوجوه في العقبى، سأل ربه الزينة الباطنة فقال: «زينا بزينة الإيمان».

ولما كان العيش في هذه الدار لا يبرد لأحد كائنا من كان، بل هو محشو بالغصص والنكد، ومحفوف بالآلام الباطنة والظاهرة، سأل برد العيش بعد الموت.

والمقصود أنه جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا، وأطيب ما في الآخرة.
فإن حاجة العباد إلى ربهم في عبادتهم إياه وتألههم له كحاجتهم إليه في خلقه لهم، ورزقه إياهم، ومعافاة أبدانهم، وستر عوراتهم، وأمن روعاتهم، بل حاجتهم إلى تألهه ومحبته وعبوديته أعظم؛ فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، ولا صلاح لهم، ولا نعيم ولا فلاح، ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك بحال.

ولهذا كانت «لا إله إلا الله» أحسن الحسنات، وكان توحيد الإلهية رأس

الجزء: 1 - الصفحة: 44

الأمر.
وأما توحيد الربوبية ــ الذي أقر به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلام في كتبهم ــ فلا يكفى وحده، بل هو الحجة عليهم، كما بين ذلك سبحانه في كتابه في عدة مواضع.

ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، كما في الحديث الصحيح (^١) الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «أتدري ما حق الله على عباده؟»، قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟»، قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار».

ولذلك يحب سبحانه عباده المؤمنين الموحدين ويفرح بتوبتهم، كما أن في ذلك أعظم لذة العبد وسعادته ونعيمه، فليس في الكائنات (^٢) شيء غير الله سبحانه يسكن القلب إليه، ويطمئن به، ويأنس به، ويتنعم بالتوجه إليه! ومن عبد غيره سبحانه، وحصل له به نوع منفعة ولذة؛ فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته، وهو بمنزلة أكل الطعام [٩ أ] المسموم اللذيذ، وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما إله غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه، ويرجوه، ويخافه، ويتوكل عليه، وينيب إليه.

(^١) أخرجه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠). (^٢) «في الكائنات» ساقطة من الأصل.

الجزء: 1 - الصفحة: 45

الوجه الثالث: أن فقر العبد إلى أن يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا؛ ليس له نظير فيقاس به، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء والشراب والنفس، وبينهما فروق كثيرة؛ فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح له إلا بإلهه الحق الذي لا إله إلا هو، فلا يطمئن إلا بذكره، ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه، وهو كادح إليه كدحا فملاقيه، ولا بد له من لقائه، ولا صلاح له إلا بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه، ولو حصل له من اللذات والسرور بغيره ما حصل؛ فلا يدوم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في حال وبهذا في حال، وكثيرا ما يكون ذلك الذي يتنعم به هو أعظم أسباب ألمه ومضرته، وأما إلهه الحق فلا بد له منه في كل وقت، وفى كل حال، وأينما كان.
فنفس الإيمان به ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره هو غذاء الإنسان وقوته، وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان، ودل عليه السنة والقرآن، وشهدت به الفطرة والجنان، لا كما يقوله من قل نصيبه من التحقيق والعرفان، وبخس حظه من الإحسان: إن عبادته وذكره وشكره تكليف ومشقة، لمجرد الابتلاء والامتحان، أو لأجل مجرد التعويض بالثواب المنفصل كالمعاوضة بالأثمان، أو لمجرد رياضة النفس وتهذيبها ليرتفع عن درجة البهيم من الحيوان، كما هي مقالات لمن بخس حظه من معرفة الرحمن، وقل نصيبه من ذوق حقائق الإيمان، وفرح بما عنده من زبد الأفكار وزبالة الأذهان، بل عبادته ومعرفته وتوحيده وشكره قرة عين الإنسان، وأفضل لذة الروح والقلب والجنان، وأطيب نعيم ناله من كان أهلا لهذا الشان، والله المستعان، وعليه التكلان.

الجزء: 1 - الصفحة: 46

وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول، وإن وقع ذلك ضمنا وتبعا في بعضها؛ لأسباب اقتضته لابد منها، هي من لوازم هذه النشأة.
فأوامره سبحانه، وحقه الذي أوجبه على عباده، وشرائعه التي شرعها لهم؛ هي قرة العيون ولذة القلوب، ونعيم الأرواح وسرورها، وبه سعادتها وفلاحها، وكمالها في معاشها ومعادها، بل لا سرور لها، ولا فرح، ولا لذة، ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (٥٧) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ [يونس: ٥٧، ٥٨].

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله (^١).

وقال هلال بن يساف: بالإسلام الذي هداكم إليه، وبالقرآن الذي علمكم إياه، هو خير مما تجمعون من الذهب والفضة (^٢).

وكذلك قال ابن عباس والحسن وقتادة: فضله الإسلام، ورحمته القرآن (^٣).

وقالت طائفة من السلف: فضله القرآن، ورحمته الإسلام.

(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٠٦). (^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٠٦). (^٣) أخرج أقوالهم الطبري في تفسيره (١٥/ ١٠٧).

الجزء: 1 - الصفحة: 47

والتحقيق: أن كلا منهما فيه الوصفان [٩ ب] الفضل والرحمة، وهما الأمران اللذان امتن الله بهما على رسوله، فقال: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢]؛ والله سبحانه إنما رفع من رفع: بالكتاب والإيمان، ووضع من وضع: بعدمهما.

فإن قيل: فقد وقع تسمية ذلك تكليفا في القرآن كقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾ [الأنعام: ١٥٢].

قيل: نعم، إنما جاء ذلك في جانب النفي، ولم يسم سبحانه أوامره ووصاياه وشرائعه تكليفا قط، بل سماها روحا، ونورا، وشفاء، وهدى، ورحمة، وحياة، وعهدا، ووصية، ونحو ذلك.

الوجه الرابع: أن أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع خطابه، كما في «صحيح مسلم» (^١) عن صهيب، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ويثقل موازيننا؟ ويدخلنا الجنة؟ ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه».
وفى حديث آخر: «فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه» (^٢).

(^١) برقم (١٨١). (^٢) رواه ابن ماجه (١٨٤)، والآجري في التصديق بالنظر (٤٨)، والدارقطني في الرؤية (٦١)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال أبو نعيم: «تفرد به الفضل الرقاشي، ولم يتابع عليه، وفيه ضعف ولين»، وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٧٥٩): «في إسناده نظر»، وضعفه الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١٨)، وهو في ضعيف الترغيب (٢٢٤٤).

الجزء: 1 - الصفحة: 48

فبين النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة، لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم؛ لأن ما يحصل لهم به ــ من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين ــ فوق ما يحصل لهم من اللذة والنعيم (^١) والتمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين البتة.

ولهذا قال سبحانه في حق الكفار: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (١٥) ثم إنهم لصالو الجحيم﴾ [المطففين: ١٥، ١٦]، فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة، ونعيم التمتع برؤيته، وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة في هذه السورة، فقال في حق الأبرار: ﴿إن الأبرار لفي نعيم (٢٢) على الأرائك ينظرون﴾ [المطففين: ٢٢، ٢٣].

وهضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض.
وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم محجوبون، ﴿ثم إنهم لصالو الجحيم﴾ [المطففين: ١٦].

(^١) «اللذة والنعيم» ساقطة من الأصل.

الجزء: 1 - الصفحة: 49

وتأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار في أوليائه (^١) في الدنيا وسخروا به منهم، بضده في القيامة؛ فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم، ﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٣٢]، قال تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ [المطففين: ٣٤]، مقابلة لتغامزهم بهم وضحكهم منهم.

ثم قال: ﴿على الأرائك ينظرون﴾ [المطففين: ٣٥]، فأطلق النظر، ولم يقيده بمنظور دون منظور، وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه: هو الله سبحانه، والنظر إليه أجل أنواع النظر وأفضلها، وهو أعلى مراتب الهداية، فقابل بذلك قولهم: ﴿إن هؤلاء لضالون﴾، فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين (^٢) ولا بد، إما بخصوصه، وإما بالعموم والإطلاق؛ ومن تأمل السياق لم يجد الآيتين تحتملان غير إرادة ذلك خصوصا أو عموما.

فصل

وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجه الأعلى سبحانه، فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته، ومعرفته، والشوق إليه، والأنس (^٣) به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة [١٠ أ] لمعرفتهم به، ومحبتهم له؛ فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة، فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب، وأشد محبة له، كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم.

(^١) ش: «عباده».
ظ: «أعدائهم».
(^٢) ش: «النوعين».
(^٣) ش: «الأمن».

الجزء: 1 - الصفحة: 50

الوجه الخامس: أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا ضلال، ولا نصر ولا خذلان، ولا خفض ولا رفع، ولا عز ولا ذل، بل الله وحده هو الذي يملك له ذلك كله، قال تعالى:

﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾ [فاطر: ٢]، وقال تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم﴾ [يونس: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تعالى عن صاحب يس: ﴿أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون﴾ [يس: ٢٣]، وقال: ﴿ياأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ [فاطر: ٣]، وقال تعالى: ﴿أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (٢٠) أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور﴾ [الملك: ٢٠، ٢١].

فجمع سبحانه بين النصر والرزق، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه بنصره (^١)، ويجلب له منافعه برزقه (^٢)، فلا بد له من ناصر ورازق، والله وحده هو الذي ينصر ويرزق، فهو الرزاق ذو القوة المتين، ومن كمال فطنة العبد ومعرفته أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يرفعه عنه غيره، وإذا ناله

(^١) في بعض النسخ: «وينصره».
(^٢) في بعض النسخ: «ويرزقه».

الجزء: 1 - الصفحة: 51

بنعمة لم يرزقه إياها سواه.

ويذكر أن الله سبحانه أوحى إلى بعض أنبيائه: «أدرك لي لطيف الفطنة وخفي اللطف، فإني أحب ذلك، قال: يا رب! وما لطيف الفطنة؟ قال: إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أوقعتها؛ فسلني أرفعها، قال: وما خفي اللطف؟ قال: إذا آتيتك (^١) حبة فاعلم أني ذكرتك بها».

وقد قال تعالى عن السحرة: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهو سبحانه وحده - الذي يكفى عبده وينصره ويرزقه ويكلؤه.

قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عمران، قال: سمعت وهبا يقول: قال الله عز وجل في بعض كتبه: «بعزتي إنه من اعتصم بي، فإن كادته السماوات بمن فيهن، والأرضون بمن فيهن؛ فإني أجعل له من ذلك مخرجا، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء، وأخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء، ثم أكله إلى نفسه، كفى بي

(^١) في بعض النسخ: «أتتك».
وهذا الأثر ذكره أبو طالب المكي في «قوت القلوب» (٢/ ١٥، ١٧٨). (^٢) لم أقف عليه بهذا الإسناد، ورواه إلى قوله: «ثم أكله إلى نفسه» أبو داود في الزهد (٣) وابن أبي حاتم في التفسير (١٦٥٢٠) من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب به.
ورواه بنحوه ابن المبارك في الزهد (ص ١٠٨) عن معمر عن محمد بن عمر عن وهب، ومن طريق ابن المبارك رواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٨). وروى جزأه الأخير أحمد في الزهد (ص ٩٦ ــ ٩٧) من طريق جعفر عن عمران، وأبو نعيم (٤/ ٢٦) من طريق عبد الصمد بن معقل، كلاهما عن وهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 52

لعبدي مالا، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني، وأستجيب له قبل أن يدعوني، فأنا أعلم بحاجته التي ترفق به منه».

قال أحمد (^١): وحدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من سمع عطاء الخراساني، قال: لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت، فقلت له: حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا، وأوجز، قال: نعم، أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود عليه السلام: «يا داود! أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبادي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له من بينهن مخرجا، أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم مني عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعرف ذلك [١٠ ب] من نيته؛ إلا قطعت أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي بأي واد هلك».

وهذا الوجه أظهر للعامة من الذي قبله، ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول، ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول، وإذا تدبر اللبيب القرآن وجد الله سبحانه يدعو عباده بهذا الوجه إلى الوجه الأول، وهذا الوجه يقتضى التوكل على الله والاستعانة به، ودعاءه ومسألته دون ما سواه، ويقتضي أيضا محبته وعبادته، لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه، فإذا عبدوه وأحبوه وتوكلوا عليه من هذا الوجه دخلوا منه إلى الوجه الأول.

ونظير ذلك من ينزل به بلاء عظيم، أو فاقة شديدة، أو خوف مقلق، فجعل يدعو الله سبحانه ويتضرع إليه، حتى فتح له من لذيذ مناجاته، وعظيم

(^١) لم أقف عليه بهذا الإسناد، ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٥ - ٢٦) من طريق سعيد ابن سليمان عن فرج بن فضالة عن عطاء الخراساني به.

الجزء: 1 - الصفحة: 53

الإيمان به، والإنابة إليه، ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه، ويشتاق إليه.
وفي نحو ذلك قال القائل (^١):

جزى الله يوم الروع خيرا فإنه ... أرانا على علاته أم ثابت

أرانا مصونات الحجال ولم نكن ... نراهن إلا عند نعت النواعت

الوجه السادس: أن

تعلق العبد بما سوى الله تعالى مضرة عليه

، إذا أخذ منه فوق القدر الزائد على حاجته، غير مستعين به على طاعة الله، فإذا نال من الطعام والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك، ولو أحب سوى الله ما أحب؛ فلا بد أن يسلبه ويفارقه، فإن أحبه لغير الله فلا بد أن تضره محبته ويعذب بمحبوبه إما في الدنيا وإما في الآخرة؛ والغالب أنه يعذب به في الدارين، قال تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (٣٤) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥]، وقال تعالى: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ [التوبة: ٥٥].

ولم يصب من قال: إن الآية على التقديم والتأخير كالجرجانى (^٢)،

(^١) البيتان لابن ميادة في المحب والمحبوب (١/ ٧٦)، ولأعرابي في وفيات الأعيان (٣/ ١٢٢). (^٢) هو أبو علي الحسن بن يحيى صاحب «نظم القرآن»، وقد نقله عنه المؤلف في كتاب «الروح» (ص ١٦٨، ١٦٩) ط. محمد علي صبيح، و«الفوائد» (ص ١٢٩)، ونقل عنه القرطبي في تفسيره في مواضع.

الجزء: 1 - الصفحة: 54

حيث قال: ينتظم قوله: ﴿في الحياة الدنيا﴾ بعد فصل آخر ليس بموضعه، على تأويل: «فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة».

وهذا القول يروى عن ابن عباس، وهو منقطع (^١)، واختاره قتادة (^٢) وجماعة.
وكأنهم لما أشكل عليهم وجه تعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا، وأن سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك، فروا إلى التقديم والتأخير.

وأما الذين رأوا أن الآية على وجهها ونظمها، فاختلفوا في هذا التعذيب:

فقال الحسن البصري: يعذبهم بأخذ الزكاة منها والإنفاق في الجهاد (^٣).

واختاره ابن جرير، وأوضحه، فقال: العذاب بها إلزامهم بما أوجب الله عليهم فيها من حقوقه وفرائضه، إذ كان يؤخذ منه ذلك، وهو غير طيب النفس، ولا راج من الله جزاء، ولا من الآخذ منه حمدا ولا شكرا، بل على صغر منه وكره (^٤).

(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٩٦) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعزاه في الدر المنثور (٤/ ٢١٨) لابن المنذر.
(^٢) رواه عن قتادة ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨١٣)، وعزاه في الدر المنثور (٤/ ٢١٨) لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٩٦). (^٤) انظر المصدر السابق.

الجزء: 1 - الصفحة: 55

وهذا أيضا عدول عن المراد بتعذيبهم في الدنيا بها، وذهاب عن مقصود الآية.

وقالت طائفة: تعذيبهم بها أنهم يعرضون (^١) بكفرهم لغنيمة أموالهم، وسبي أولادهم؛ فإن هذا حكم الكافر، وهم في الباطن كذلك.

وهذا أيضا من جنس ما قبله؛ فإن الله سبحانه أقر المنافقين، وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلام الظاهر، وتولى سرائرهم، فلو كان المراد ما ذكره هؤلاء لوقع مراده سبحانه من غنيمة أموالهم وسبي أولادهم، فإن الإرادة هاهنا كونية بمعنى المشيئة، وما شاء الله كان ولا بد، وما لم يشأ لم يكن.

فالصواب والله أعلم أن يقال: تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة، بالحرص على تحصيلها، والتعب العظيم في جمعها، ومقاساة أنواع المشاق في ذلك، فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همه، وهو حريص بجهده على تحصيلها.

والعذاب هنا هو الألم والمشقة والتعب، كقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «السفر قطعة من العذاب» (^٢)، وقوله: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» (^٣)؛ أي يتألم ويتوجع، لا أنه يعاقب بأعمالهم.

وهكذا من الدنيا كل همه أو أكبر همه، كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أنس رضي الله عنه: «من كانت الآخرة

(^١) في م: «يرضون»، وفي ح: «معرضون».
(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٢٩)، ومسلم (١٩٢٧) عن أبي هريرة.
(^٣) أخرجه البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٥٠٨)

الجزء: 1 - الصفحة: 56

همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» (^١).

ومن أبلغ العذاب في الدنيا تشتيت الشمل وتفرق القلب، وكون الفقر نصب عيني العبد لا يفارقه، ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب، على أن أكثرهم لا يزال يشكو ويصرخ منه.

وفي الترمذي أيضا عن أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، قال: «يقول الله تبارك وتعالى: ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلا، ولم أسد فقرك» (^٢)، وهذا أيضا من أنواع العذاب، وهو اشتغال القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومجاذبة (^٣) أهلها إياها، ومقاساة معاداتهم، كما قال بعض السلف (^٤): «من أحب الدنيا

(^١) سنن الترمذي (٢٤٦٥)، ورواه أيضا هناد في الزهد (٦٦٩)، وابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (٣٩٩)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٦٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، وهو في صحيح الترغيب (٣١٦٩)، وفي الباب عن زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء رضي الله عنهم.
(^٢) سنن الترمذي (٢٤٦٦)، ورواه أيضا أحمد (٢/ ٣٥٨)، وابن ماجه (٤١٠٧)، والبيهقي في الآداب (١١١٩)، وفي الشعب (٧/ ٢٨٨)، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصححه ابن حبان (٣٩٣)، والحاكم (٣٦٥٧)، وحسنه ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ٢٦٢)، وهو في السلسلة الصحيحة (١٣٥٩). وفي الباب عن معقل بن يسار رضي الله عنه.
(^٣) م: «محاربة».
(^٤) هو عبد الرحمن بن أبي بكرة، أخرجه ابن أبي الدنيا في «الاعتبار» (٢٠).

الجزء: 1 - الصفحة: 57

فليوطن نفسه على تحمل المصائب».

و

محب الدنيا لا ينفك من ثلاث: هم لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي

، وذلك أن محبها لا ينال منها شيئا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه، كما في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا» (^١)، وقد مثل عيسى ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب البحر (^٢)، كلما ازداد شربا ازداد عطشا (^٣).

وذكر ابن أبى الدنيا (^٤): أن الحسن كتب إلى عمر بن عبد العزيز: «أما بعد فإن الدنيا دار ظعن، ليست بدار إقامة، إنما أنزل إليها آدم عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين! فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها؛ كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه، فكن فيها كالمداوي جراحه، يحتمي قليلا، مخافة ما يكره طويلا، ويصبر على شدة الدواء (^٥)؛ مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرارة، الخداعة الختالة، التي قد تزينت بخدعها، وفتنت بغرورها، وخيلت (^٦) بآمالها،

(^١) أخرجه البخاري (٦٤٣٩)، ومسلم (١٠٤٨) عن أنس بن مالك.
(^٢) ت: «الخمر» وهو تحريف.
(^٣) رواه ابن أبي الدنيا في الزهد (٣٤٢) قال: قرأت في كتاب داود بن رشيد، حدثني أبو عبد الله قال: قال عيسى ابن مريم: «طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر؛ كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله»، ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ٤٣١) من طريق إبراهيم الحربي عن داود بن رشيد عن أبي عبد الله الصوفي به.
(^٤) في كتاب ذم الدنيا (٥٠). (^٥) في جميع النسخ: «الداء»، والمثبت من ت. (^٦) ح: «ختلت».

الجزء: 1 - الصفحة: 58

وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة؛ فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهى لأزواجها كلهم قاتلة؛ فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى، ونسي المعاد فشغل بها لبه، حتى زالت عنها قدمه، فعظمت ندامته، وكثرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات [١١ ب] الموت وألمه، وحسرات الفوت، وعاشق لم ينل منها بغيته، فعاش بغصته، وذهب بكمده، ولم يدرك منها ما طلب، ولم تسترح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد.
فكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها؛ فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، فلو كان ربها لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثلا، لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله فيها واعظ، وعنها زاجر؟ فما لها عند الله قدر ولا وزن، وما نظر إليها منذ خلقها.
ولقد عرضت على نبينا بمفاتيحها وخزائنها، لا تنقصه عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها.

كره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، فزواها عن الصالحين اختبارا (^١)، وبسطها لأعدائه اغترارا، فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها، ونسي ما صنع الله برسوله حين شد الحجر على بطنه» (^٢).

(^١) كذا في ش، ت. وفي الأصل، م، ظ، ح: «اختيارا».
(^٢) شد النبي الحجر على بطنه من الجوع ثابت في الصحيح، فمن ذلك ما رواه البخاري (٣٨٧٥) عن جابر رضي الله عنه في قصة الخندق أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قام إلى كدية وبطنه معصوب بحجر.
ومنه ما رواه مسلم (٢٠٤٠) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جئت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يوما، فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة على حجر، فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بطنه؟ فقالوا: من الجوع.

الجزء: 1 - الصفحة: 59

وقال الحسن أيضا: «إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها» (^١).

وهذا باب واسع.

وأهل الدنيا وعشاقها أعلم بما يقاسونه من العذاب وأنواع الألم في طلبها.
ولما كانت هي أكبر هم من لا يؤمن بالآخرة، ولا يرجو لقاء ربه كان عذابه بها بحسب حرصه عليها، وشدة اجتهاده في طلبها.

وإذا أردت أن تعرف عذاب أهلها بها فتأمل حال عاشق فان في حب معشوقه، فكلما رام قربا من معشوقه نأى عنه، ولا يفي له، ويهجره ويصل عدوه، فهو مع معشوقه في أنكد عيش، يختار الموت دونه، فمعشوقه قليل الوفاء، كثير (^٢) الجفاء، كثير الشركاء، سريع الاستحالة، عظيم الخيانة، كثير التلون، لا يأمن عاشقه معه على نفسه، ولا على ماله، مع أنه لا صبر له عنه، ولا يجد عنه سبيلا إلى سلوة تريحه، ولا وصال يدوم له، فلو لم يكن لهذا العاشق عذاب إلا هذا العاجل لكفى به، فكيف إذا حيل بينه وبين لذاته كلها، وصار معذبا بنفس ما كان ملتذا به، على قدر لذته به التي شغلته عن سعيه في طلب زاده، ومصالح معاده؟

(^١) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (٤٨٩) عن الحسين بن عبد الرحمن عن شيخ مولى لبني هاشم عن الحسن به، إلا أنه قال فيه: «فأهنأ ما تكونون إذا أهنتموها».
(^٢) الأصل: «كبير».

الجزء: 1 - الصفحة: 60

وسنعود إلى تمام الكلام في هذا الباب في باب ذكر علاج مرض القلب بحب الدنيا إن شاء الله تعالى؛ إذ المقصود بيان أن من أحب شيئا سوى الله تعالى، ولم تكن محبته له لله، ولا لكونه معينا له على طاعة الله، عذب به في الدنيا قبل اللقاء.
كما قيل (^١):

أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي

فإذا كان يوم المعاد ولى الحكم العدل سبحانه كل محب ما كان يحبه في الدنيا؛ فكان معه إما منعما أو معذبا، ولهذا «يمثل لمحب المال ماله شجاعا أقرع، يأخذ بلهزمته، يقول: أنا مالك، أنا كنزك، وتصفح له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره» (^٢)، وكذلك عاشق الصور إذا اجتمع هو ومعشوقه على غير طاعة الله، جمع بينهما في النار، وعذب كل منهما بصاحبه، قال تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧]، وأخبر سبحانه أن الذين توادوا في الدنيا على الشرك، يكفر بعضهم ببعض يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضا، ومأواهم النار وما لهم [١٢ أ] من ناصرين.

فالمحب مع محبوبه دنيا وأخرى، ولهذا يقول تعالى يوم القيامة للخلق: «أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولى في دار الدنيا؟» (^٣)،

(^١) البيت لابن الفارض في ديوانه (ص ١٥١)، وهو بلا نسبة في روضة المحبين (ص ١١٠، ٥٧٢). (^٢) أخرجه البخاري (١٤٠٣)، ومسلم (٩٨٧) عن أبي هريرة في حديث طويل.
(^٣) روى الطبراني في الأوسط (٨١) من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «يحشر الناس يوم القيامة، فينادي مناد: أليس عدلا مني أن أولي كل قوم ما كانوا يعبدون؟» الحديث.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٦٢١): «رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه فرات بن السائب وهو ضعيف».

الجزء: 1 - الصفحة: 61

وقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «المرء مع من أحب» (^١).
وقال تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (٢٧) ياويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (٢٨) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]، وقال تعالى: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (٢٢) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (٢٣) وقفوهم إنهم مسئولون (٢٤) ما لكم لا تناصرون﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٥]، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أزواجهم أشباههم ونظراؤهم (^٢).

وقال تعالى: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ [التكوير: ٧]، فقرن كل شكل إلى شكله، وجعل معه قرينا وزوجا: البر مع البر، والفاجر مع الفاجر.

والمقصود أن من أحب شيئا سوى الله تعالى فالضرر حاصل له بمحبوبه، إن وجد وإن فقد؛ فإنه إن فقده عذب بفواته، وتألم على قدر تعلق قلبه به، وإن وجده كان ما يحصل له من الألم قبل حصوله، ومن النكد في حال حصوله، ومن الحسرة عليه بعد فواته، أضعاف أضعاف ما في حصوله له من اللذة:

(^١) أخرجه البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤١) عن أبي موسى الأشعري.
(^٢) رواه ابن منيع - كما في المطالب العالية (٤/ ١٤٧) - بلفظ: «أزواجهم أشباههم»، وصححه ابن حجر.
ورواه ابن جرير في تفسيره (٢١/ ٢٧، ٢٤/ ٢٤٤) ولفظه: «وأزواجهم ضرباءهم».
وعزاه في الدر المنثور (٧/ ٨٣) لعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث، ولفظه: «أمثالهم الذين هم مثلهم»، وصححه الحاكم (٣٦٠٩).

الجزء: 1 - الصفحة: 62

فما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق

تراه باكيا في كل حال ... مخافة فرقة أو لاشتياق

فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا حذر الفراق

فتسخن عينه عند التلاقي ... وتسخن عينه عند الفراق (^١)

وهذا أمر معلوم بالاستقراء والاعتبار والتجارب، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها؛ إلا ذكر الله وما والاه» (^٢)؛ فذكر الله (^٣) جميع أنواع طاعته، فكل من كان في طاعته فهو ذاكره، وإن لم يتحرك لسانه بالذكر، وكل من والاه الله فقد أحبه وقربه، فاللعنة لا تنال ذلك بوجه، وهى نائلة كل ما عداه.

الوجه السابع: أن اعتماد العبد على المخلوق، وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولا بد، عكس ما أمله منه، فلا بد أن يخذل من الجهة التي قدر أن ينصر منها، ويذم من حيث قدر أن يحمد.
وهذا (^٤) أيضا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة، فهو معلوم بالاستقراء والتجارب، قال تعالى: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (٨١) كلا سيكفرون بعبادتهم

(^١) الأبيات لنصيب في ديوانه (ص ١١١)، وبلا نسبة في الحماسة (٢/ ٩٣). (^٢) سنن الترمذي (٢٣٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أيضا ابن ماجه (٤١١٢)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٢٦)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٢٦٥)، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وحسنه ابن القيم في عدة الصابرين (ص ١٤٠)، وابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٣٨)، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٧٩٧). وفي الباب عن جابر وأبي الدرداء رضي الله عنهما.
(^٣) الأصل: «فذكره».
(^٤) «هذا» ساقطة من م.

الجزء: 1 - الصفحة: 63

ويكونون عليهم ضدا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢]، وقال تعالى: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (٧٤) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون﴾ [يس: ٧٤، ٧٥]؛ أي يغضبون لهم ويحاربون، كما يغضب الجند ويحارب عن أصحابه (^١)، وهم لا يستطيعون نصرهم، بل هم كل عليهم.
وقال تعالى: ﴿وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب﴾ [هود: ١٠١]؛ أي غير تخسير، وقال تعالى: ﴿فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين﴾ [الشعراء: ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا﴾ [الإسراء: ٢٢]؛ فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة، والحمد والثناء تارة، فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه، ويحصل له الخذلان والذم.

والمقصود أن هذين الوجهين في المخلوق ضدهما في الخالق، فصلاح القلب وسعادته وفلاحه في عبادة الله والاستعانة به، وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق والاستعانة به.

الوجه الثامن: أن الله سبحانه غني كريم، عزيز رحيم؛ فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة؛ بل رحمة منه وإحسانا.
فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة، ولا ليتعزز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه، ولا لينفعوه، ولا ليدفعوا عنه، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (٥٧) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾

(^١) ظ: «أصحابهم».

الجزء: 1 - الصفحة: 64

[الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل﴾ [الإسراء: ١١١].

وهو سبحانه لا يوالي من يواليه من الذل، كما يوالي المخلوق المخلوق، وإنما يوالي أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم، وأما العباد فإنهم كما قال تعالى: ﴿والله الغني وأنتم الفقراء﴾ [محمد: ٣٨]، فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك، وانتفاعه به عاجلا أو آجلا، ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى حصول (^١) نفع ذلك الإحسان إليه؛ فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء، ومعاوض بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره، فهو أيضا إنما يحسن إليه ليحصل له منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير، وإما أن يريد الجزاء من الله في الآخرة، فهو أيضا محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير ملوم في هذا القصد؛ فإنه فقير محتاج، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه.

وقال تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ [الإسراء: ٧]، وقال تعالى: ﴿وما تنفقوا (^٢) من خير يوف إليكم﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقال تعالى، فيما رواه عنه رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن

(^١) في بعض النسخ: «وصول».
(^٢) في جميع النسخ: «وما تفعلوا».

الجزء: 1 - الصفحة: 65

تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (^١).

فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد انتفاعه بك،

والرب تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه بك، وذلك منفعة محضة لك، خالصة من المضرة، بخلاف إرادة المخلوق نفعك، فإنه قد تكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمل منته.

فتدبر هذا، فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق، أو تعامله دون الله، أو تطلب منه نفعا أو دفعا، أو تعلق قلبك به؛ فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك.
وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض، وهو حال الولد مع والده، والزوج مع زوجته، والمملوك مع سيده، والشريك مع شريكه، فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم، وأحسن إليهم لله، وخاف الله فيهم، ولم يخفهم مع الله، ورجا الله بالإحسان إليهم، ولم يرجهم مع الله، وأحبهم لحب الله، ولم يحبهم مع الله، كما قال أولياء الله: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ [الإنسان: ٩].

الوجه التاسع: أن العبد لا يعلم مصلحتك حتى يعرفه الله تعالى إياها، ولا يقدر على تحصيلها لك حتى يقدره الله عليها، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة، [١٣ أ] فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه؛ وهو الذى بيده

(^١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) عن أبي ذر.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية شرح عليه مطبوع ضمن مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٦ - ٢٠٩). وقبله في مجموعة الرسائل المنيرية (٣/ ٢٠٥ ــ ٢٤٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 66

الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فتعلق القلب بغيره رجاء وخوفا وتوكلا وعبودية ضرر محض، لا منفعة فيه، وما يحصل بذلك من المنفعة فهو وحده الذي قدرها ويسرها، وأوصلها إليك.

الوجه العاشر: أن

غالب الخلق إنما يريدون قضاء حاجاتهم بك، وإن أضر ذلك بدينك ودنياك

، فهم إنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرتك، والرب تعالى إنما يريدك لك، ويريد الإحسان إليك لك لا لمنفعته، ويريد دفع الضرر عنك، فكيف تعلق أملك ورجاءك وخوفك بغيره؟

وجماع هذا أن تعلم «أن الخلق لو اجتمعوا كلهم على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا كلهم على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» (^١).
قال تعالى: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [التوبة: ٥١].

خاتمة لهذا الباب

لما كان الإنسان بل وكل حي متحرك بالإرادة لا ينفك عن علم وإرادة وعمل بتلك الإرادة، وله مراد مطلوب، وطريق وسبب موصل إليه، معين عليه، وتارة يكون السبب منه، وتارة من خارج منفصل عنه، وتارة منه ومن الخارج، فصار الحي مجبولا على أن يقصد شيئا ويريده، ويستعين بشيء، ويعتمد عليه في حصول مراده.

(^١) جزء من حديث أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣، ٣٠٣) عن ابن عباس.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقد أفرد ابن رجب هذا الحديث بالشرح في «نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لابن عباس».

الجزء: 1 - الصفحة: 67

والمراد قسمان:

أحدهما: ما هو مراد لنفسه، والثاني: ما هو مراد لغيره.

والمستعان قسمان (^١):

أحدهما: ما هو مستعان بنفسه، والثاني: ما هو تبع له وآلة.

فهذه أربعة أمور: مراد لنفسه، ومراد لغيره، ومستعان بنفسه، ومستعان بكونه آلة وتبعا للمستعان بنفسه.

فلا بد للقلب من مطلوب يطمئن إليه، وتنتهي إليه محبته، ولا بد له من شيء يتوصل به ويستعين به في حصول مطلوبه، والمستعان مدعو ومسؤول، والعبادة والاستعانة كثيرا ما يتلازمان، فمن اعتمد القلب عليه في رزقه ونصره ونفعه خضع له، وذل له، وانقاد له، وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته، لكن قد يغلب عليه حكم الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه.

وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعين به، ويستعين بغيره عليه، كمن أحب مالا أو منصبا أو امرأة، فإن علم أن محبوبه قادر على تحصيل غرضه استعان (^٢) به، فاجتمع له محبته والاستعانة (^٣) به.

فالأقسام أربعة: محبوب لنفسه وذاته مستعان بنفسه؛ فهذا أعلى الأقسام، وليس ذلك إلا لله وحده، وكل ما سواه فإنما ينبغي أن يحب تبعا لمحبته، ويستعان به لكونه آلة وسببا.

(^١) «أحدهما ... قسمان» ساقطة من الأصل.
(^٢) م: «استعاذ».
(^٣) م: «الاستعاذة».

الجزء: 1 - الصفحة: 68

الثاني: محبوب لغيره ومستعان به أيضا، كالمحبوب الذي هو قادر على تحصيل غرض محبه (^١).

الثالث: محبوب مستعان عليه بغيره.

الرابع: مستعان به غير محبوب في نفسه.

فإذا عرف ذلك تبين من أحق هذه الأقسام الأربعة بالعبودية والاستعانة، وأن محبة غيره واستعانته به إن لم تكن وسيلة إلى محبته واستعانته، وإلا كانت مضرة على العبد، ومفسدتها أعظم من مصلحتها.
والله المستعان، وعليه التكلان.

(^١) م: «محبته» وهو خطأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 69

فصول الكتاب · 55 فصل
إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: الباب السادس أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواه — 9 من 55
فصول إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقالباب الأول في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميتالباب الثاني في ذكر حقيقة مرض القلبالباب الثالث في انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبعية وشرعيةالباب الرابع في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر فيهالباب الخامس في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له، مؤثرا له على غيرهالباب السادس أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواهالباب السابع في أن القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضهالباب الثامن في زكاة القلبالباب التاسع في طهارة القلب من أدرانه ونجاساتهالباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحتهالباب الثاني عشر في علاج مرض القلب بالشيطانالباب الثالث عشر في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدمالمقدمةمذهب أشهب المالكي: أنه لا يقع عليه الطلاق بفعلها ويقع عليه بفعل غيرهاالتزام التطليق لا يوجب وقوع الطلاقبطلان الاحتجاج بحديث بلال على جواز بيع العينة ومثله إذا قال: بع هذا القطن واشتر بثمنه ثياب قطن ونحو ذلكفصل وأما استدلالكم بالمعاريض على جواز الحيل«ليس بكاذب من أصلح بين الناس ، فكذب فيه» (^٢)؟الملائكة إنما تنفذ أمر الله الواحد القهارالله المدبر أمرا وإذنا ومشيئة. والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالافصل: أصل المحبة المحمودة: هي محبة الله وحده المتضمنة لعبادته دون ما سواهدعوة ذي النون لم يدع بها مسلم في شيء إلا استجيب لهقد قيل: إن فساد القصد من فساد العلمالمحبة مع الله: أصل الشركتبديل الدين من اتباع الأقوال الخاطئة والظنون الكاذبة، والأهواء الغالبةإذا شغف القلب بمحبة غير الله كان فيه من التعبد له بقدر ذلكسلطان الشيطان على الذين يتولونه من الغاوين أتباع الهوى والشهواتأصل الغي من الحب لغير اللهالعشق أعظم مما بالمجانينقول قوم نوح: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾قرن الله الفتنة بالصبر في سورة الفرقان وفي سورة النملفصل: الفتنة نوعان: فتنة الشبهات وفتنة الشهواتأصل كل فتنة تقديم الرأي على الشرع وتقديم الهوى على العقلالبصائر: جمع بصيرة، وهى فعيلة بمعنى مفعلةقوله: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة﴾ ومعناهااتصال الهدى بالرحمة في حق المؤمنينوسع ربنا كل شيء رحمة وعلماقوله في سورة الأحزاب: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله﴾قول الله تعالى: ﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل. . .﴾محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمحب ووبالفصل فى بيان كيد الشيطان لنفسه، قبل كيده للأبوينكانت قريش وجميع العرب تعظم اللات ويسمون تيم اللاتالمشبه الله بغيره إن قصد التعظيم لم يكن تعظيما(من) لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونهمن الصابئة من يوافق المسلمين في صوم رمضان واستقبال الكعبة والحج وغير ذلكالحكمة التي جاءت بها الرسلأرسطو معطل مشرك جاحد للنبواتالنصير الطوسي وزير هولاكو نصير الشرك والكفرثم كان لهم مجمع عاشر:وأما تلاعبه بهم في صلاتهم فمن وجوه:هم أبدا يعتقدون الصواب والحق مع من يشدد ويضيقأعز ما صادفه الإسلام من هذه الأمة: يهود خيبر، والمدينة
جارٍ التحميل