المثال التاسع والأربعون: إذا كان لرجل على رجل دين، [٩٤ أ] فقال: تصدق به عني، ففعل، لم يبرأ، وكانت الصدقة عن المخرج ودينه باق، قاله أصحابنا؛ لأنه لم يتعين، ولأنه لا يكون مبرئا لنفسه بفعله.
قالوا: وطريق الصحة أن يقول: تصدق عنى بكذا بقدر دينه، ويكون ذلك اقتراضا منه، فإذا فعل ثبت له في ذمته ذلك القدر، وعليه له مثله، فيتقاصان.
وكذلك لو قال له: ضارب بالمال الذي عليك والربح بيننا، لم يصح.
والحيلة في صحته أن يقول: أذنت لك في دفعه إلى ابنك، أو زوجتك وديعة، ثم وكلتك في أخذه والمضاربة به.
والظاهر: أنه لا يحتاج إلى شيء من ذلك، ويكفي قبضه من نفسه لرب المال، وإذا تصدق عنه بالذي قال كان على الأمر، هذا هو الصحيح، وهو تخريج لبعض أصحابنا ولا حاجة به إلى هذه الحيلة، فإذا عينه بالنية تعين، وكان قابضا من نفسه لموكله، وأي محذور في ذلك؟
المثال الخمسون: يجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته عندنا، وكذلك الدابة بعلفها وكذلك المرضعة، وهو مذهب مالك.
وقال الشافعي: لا يجوز فيهما.
وجوزه أبو حنيفة في الظئر خاصة.
فإذا عقد الإجارة كذلك، ثم خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانها، فيلزمه بأجرة مثله:
فالحيلة في تصحيح ذلك: أن يستأجره بنقد معلوم، يكون بقدر الطعام
والكسوة، ثم يشهد عليه أنه وكله في إنفاق ذلك على نفسه وكسوته، وكذلك في الدابة.
المثال الحادي والخمسون: يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره للمؤجر، كما يجوز لغيره.
وأبو حنيفة يبطل هذه الإجارة.
فالحيلة في لزومها: أن يؤجر ذلك لأجنبي غير المؤجر، ثم يؤجره إياه الأجنبي.
المثال الثاني والخمسون: إذا كفل اثنان واحدا، فسلمه أحدهما، برئ الآخر، كما لو ضمنا دينا، فقضاه أحدهما، فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم لا يرى ذلك، ويلزم الآخر بتسليمه:
فالحيلة في خلاصه: أن يكفلا بهذا المكفول به، على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعا بريئان، أو يشهدا عليهما أن كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع المكفول به إلى الطالب، والتبرؤ إليه منه، فيبرآن على قول الجميع.
المثال الثالث والخمسون: يصح ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب عندنا، كما يصح ضمان الدرك، فإذا قال: ما أعطيت لفلان فأنا ضامن له صح ولزمه.
وقال الشافعي: لا يصح.
فالحيلة في صحته لئلا يبطل ذلك حاكم يرى بطلانه: أن يقول: ما أعطيت لفلان من درهم إلى ألف؛ فأنا ضامن له.
فإن ضمنه اثنان وأطلقا جاز، واستويا في الغرم، فإن ضمناه على أن على أحدهما الثلث، وعلى الآخر الثلثين، جاز ذلك؛ لأن المال إنما يجب على كل منها بالتزامه، فإذا التزماه على هذا الوجه صح.
فإن أراد أحد الضامنين أن يضمن الآخر ما لزمه من هذا الضمان، فيصير ضامنا، جاز ذلك أيضا؛ لأن المال قد ثبت في ذمة كل واحد منهما، فإذا ضمنه أحدهما جاز، كما يجوز في الأصل.
المثال الرابع والخمسون: إذا اشترك رجلان شركة عنان، فسافر ١ أحدهما بالمال بإذن شريكه، فخاف أن يموت المقيم، فيشتري بالمال بعد موته متاعا، فيضمن؛ لأنه قد انتقل إلى الورثة، وبطلت الشركة.
فالحيلة في تخلصه من ذلك: أن يشهد على شريكه المقيم أن حصته في المال الذي بينه وبينه لولده الصغار، وقد أوصى إلى شريكه بالتصرف فيه، وأمره أن يشتري لهما ٢ ما أحب في حياته وبعد وفاته، فإن كان [٩٤ ب] ولده كبارا أشهد على نفسه أن هذا المال لهم، ثم يأمر ولده الكبار هذا الشريك أن يعمل لهم في مالهم هذا بما يرى، ويشتري لهم ما أحب.
المثال الخامس والخمسون: إذا كان لرجلين على امرأة ألف درهم مثلا، فتزوجها أحدهما على نصيبه في المال الذي عليها، صح النكاح، وبرئت ذمة المرأة من ذلك القدر، ولم يلزم الزوج أن يضمن لصاحبه شيئا منه؛ لأنه لم يقبض شيئا من نصيبه، ولم يحصل في ضمانه، فجرى مجرى إبرائها له منه.
وبعض الفقهاء يضمنه نصيب شريكه من المهر، ويجعله كالمقبوض؛ لأنه عاوض عليه بالبضع، فهو كما لو اشترى منها به سلعة، فإنها تكون بينهما، وهاهنا تعذرت مشاركته في البضع، فيشاركه في بدله، وهو المهر، فكأنها وفته نصيبه من الدين.
وطريق الحيلة في تخلصه من ذلك: أن يهب لها نصيبه مما عليها، ثم يتزوجها بعد ذلك على خمس مئة في ذمته، ثم تهب له المرأة ما لها عليه من الصداق؛ فإن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لشريكه شيئا؛ لأنه متبرع.
فإن خاف أن يهبها أو يبرئها فتغدر به، ولا تتزوج به:
فالحيلة له ١: أن يشهد على إقرارها أنه يستحق عليها ذلك المبلغ مادامت أجنبية منه، وأنه لا يستحق على زوجته فلانة شيئا من ذلك المال.
وأكثر ما فيه: أنه يسميها زوجة قبل العقد، فإذا تم العقد برئت من الدين.
فإن خاف أن لا تبرئه من الصداق، وتطالبه به، ويسقط حقه من المال الذي عليها:
فالحيلة له: أن يشهد عليها في العقد: أنه برئ إليها من الصداق، وأنها لا تستحق المطالبة به.
المثال السادس والخمسون: إذا أراد أن يشتري جارية، وعرض له آخر يريد شراءها، فاستحلف أحدهما صاحبه: أنه إن اشتراها فهي بينه وبينه نصفين، فأراد أن يشتريها وتكون له، تأول في يمينه: أنه إن اشتراها بنفسه
فهي بينه وبينه، فإذا وكل من يشتريها له كانت له وحده.
فإن استحلفه أنه إن ملكها فهو شريكه فيها، بطلت هذه الحيلة، فله أن يأمر من يثق به أن يشتريها لنفسه، ويؤدي عنه الثمن، ثم يزوجه إياها، فإذا أراد بيعها استبرأها، ثم أمر ذلك الرجل أن يبيعها ويرجع ثمنها إليه.
المثال السابع والخمسون: إذا كان بينهما عرض من العروض، فاشتراه منهما أجنبي بمائة درهم، وقبضه، ثم إن المشتري أراد أن يصالح أحدهما من جميع الثمن على بعضه، على أن يضمن له الدرك من شريكه، حتى يخلصه منه، أو يرد عليه جميع الثمن الذي وقع العقد عليه.
فقال القاضي: لا يجوز ذلك؛ لأن الضمان لما كان على شريكه إنما يجب بقبضه المال، وذلك لم يوجد، فلا يكون مضمونا عليه.
فالحيلة للمشتري: أن يكون بريئا، وإن أدركه درك من شريكه، رجع به على الذي صالحه أن يحط الشريك المصالح عن المشتري نصيبه كله من الثمن، ثم يدفع المشتري إليه نصيب صاحبه، قضاء له ١ على أنه ضامن لما أدركه من شريكه، حتى يخلصه منه، أو يرد عليه ما قبضه منه، ويبرئه هو من نصيبه؛ لأنه إذا أبرأه من نصيبه لم يبق من الدين إلا نصيب صاحبه، فإذا قبضه كان مضمونا عليه؛ لأنه قبض دين الغير بغير أمره.
المثال الثامن والخمسون: إذا كان عبد بين شريكين موسرين، فأراد كل منهما عتق نصيبه، وأن لا يغرم لشريكه شيئا:
فالحيلة: أن يوكلا رجلا فيعتقه عنهما، ويكون [٩٥ أ] ولاؤه بينهما.
المثال التاسع والخمسون: إذا سأله عبده أن يزوجه أمته فحلف أن لا يفعل، ثم بدا له في تزويجه:
فالحيلة: أن يبيع العبد والأمة لمن يثق به، ثم يزوجه المشتري، فإذا تم العقد أقاله في البيع.
ولا بأس بمثل هذه الحيلة، فإنها لا تتضمن إبطال حق، ولا تحليل محرم، وذلك غير ممتنع على أصلنا؛ لأن الصفة وهي عقد النكاح قد وجدت في حال زوال ملكه، فلا يتعلق بها حنث، ولا يحنث أيضا باستدامة التزويج بعد ملكهما؛ لأن التزويج عبارة عن العقد، وقد انقضى، وإنما بقي حكمه.
ولهذا لو حلف: لا يتزوج، فاستدام التزويج، لم يحنث، وهذا بخلاف ما إذا حلف على عبده: أنه لا يدخل الدار، فباعه، ودخلها، ثم ملكه، فإن دخلها حنث؛ لأنه ابتدأ الدخول واليمين باقية، ولو دخلها في حال زوال ملكه، ثم ملكه وهو داخل فيها حنث؛ لأن الدخول عبارة عن الكون، وذلك موجود بعد الملك الثاني، فيحنث به، كما لو كان موجودا في الملك الأول.
وقد قال أحمد في رواية مهنا في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن رهنت كذا وكذا، فإذا هي قد رهنته قبل يمينه، فقال: أخاف أن يكون حنث.
قال القاضي: وهذا محمول على أنه قال: إن كنت رهنته، وهذا تأويل منه لكلام أحمد.
وظاهر كلامه: أنه جعل استدامة الرهن بمنزلة ابتدائه، كالدخول.
المثال الستون: إذا كان له عليه مال، فمرض المستحق، وأراد أن يبرئه منه، وهو يخرج من ثلثه، فخاف أن يكتم الورثة ماله، ويقولوا: لم يدع إلا
الدين الذي على هذا.
فالحيلة في خلاصه: أن يخرج المريض من ماله بقدر الدين الذي على غريمه، فيملكه إياه، ثم يستوفيه منه، ويشهد على ذلك، وكذلك إذا أراد المريض أن يعتق عبدا، وله مال، يخرج من ثلثه، ويملكه ماله، فخاف أن يقول الورثة: لم يدع ١ الميت شيئا غير هذا العبد:
فالحيلة: أن يملكه ٢ من رجل يثق به، ويقبض الثمن، فيهبه للمشتري ثم يعتقه المشتري.
فإن كان على الميت دين، وله وفاء وفضل يخرج العبد من ثلثه، فخاف المريض أن يغيب الورثة ماله، ثم يقولوا: أعتق العبد ولا مال له غيره، فلا يجوز له ما صنع من ذلك:
فالحيلة فيه: أن يبيع العبد من نفسه، ويقبض الثمن منه، بمحضر من الشهود، ثم يهب المريض للعبد ما قبض منه في السر، فيأمن حينئذ من اعتراض الورثة، فإن لم يكن للعبد مال يشتري به نفسه وهبه السيد مالا في السر، وأقبضه إياه، فيشتري به العبد نفسه من سيده.
فإن لم يرد السيد عتقه، وأراد بيعه من بعض ورثته بمال للوارث على المريض، ليست له به بينة:
فالحيلة في ذلك: أن يقبض وارثه ماله عليه في السر، ثم يبيعه العبد ويشهد له على ذلك، ويقبض الثمن بمحضر من الشهود، فيتخلص من
اعتراض الورثة.
المثال الحادي والستون: إذا أوصى إلى رجل، فخاف أن لا يقبل، فقال: إن لم يقبل ففلان وصيي، صح ذلك بسنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الصحيحة الصريحة التي لا تجوز مخالفتها، حيث علق الإمارة بالشرط ١، فتعليق الوصية أولى؛ لأنه يستفيد بالإمارة أكثر مما يستفيد بالوصية.
وبعض الفقهاء يبطل ذلك.
فالحيلة في ذلك: أن يشهد المريض أنهما جميعا وصياه، فإن لم يقبل أحدهما، وقبل الآخر، فالذي قبل منهما وصي وحده، فإن قبلا [٩٥ ب] جميعا فلكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف عن صاحبه؛ لأنه رضي بتصرف كل واحد منهما، قاله القاضي.
فإن خاف أن يمنع ذلك من لا يرى انفراد أحدهما بالتصرف، ويقول: قد شرك بينهما، وجعلهما بمنزلة وصي واحد:
فالحيلة في الجواز: أن يقول: أو صيت إليهما على الاجتماع والانفراد.
المثال الثاني والستون: إذا تصرف الوصي، وباع واشترى، وأنفق على اليتيم، فللحاكم أن يحاسبه ويسأله عن وجوه ذلك، ولا يمنعه من محاسبته كونه أمينا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حاسب عماله، كما ثبت في «صحيح البخاري» ٢: أنه بعث ابن اللتبية عاملا على الصدقة، فلما جاء حاسبه.
فإن أراد الوصي أن يتخلص من ذلك، فالحيلة له: أن يجعل غيره هو الذي يتولى بيع التركة، وقبض الدين والإنفاق، ولا يشهد على نفسه بوصول شيء من ذلك إليه، فإذا سأله الحاكم قال: لم يصل إلي شيء من التركة، ولا تصرفت فيها، فإن كانت التركة قد بيعت بأمره وقبض ثمنها بأمره، وصرف بأمره، فحلفه الحاكم إنه لم يقبض، ولم يوكل من قبض وتصرف وأنفق، فإن كان محسنا قد وضع التركة موضعها ولم يخن، وسعه أن يتأول في يمينه، وإن كان ظالما؛ لم ينفعه تأويله.
المثال الثالث والستون: يصح وقف الإنسان على نفسه، على أصح الروايتين، ويجوز اشتراط النظر لنفسه، ويجوز أن يستثني الإنفاق منه على نفسه ما عاش، أو على أهله، وغيرنا ينازعنا في ذلك، فإذا خاف من حاكم يبطل الوقف على هذا الوجه:
فالحيلة له: أن يملكه لولده أو زوجته، أو أجنبي يقفه عليه، ويشترط له النظر فيه، وأن تقدم على غيره من الموقوف عليهم بغلته، أو بالإنفاق عليه، فيصح حينئذ، ولا يبقى للاعتراض عليه سبيل.
المثال الرابع والستون: إذا اشترى جارية وقبضها، فوجد بها عيبا، ولم يكن نقد ثمنها، فأراد ردها، فصالحه البائع على أن يأخذ البائع الجارية بأقل من الثمن الذي اشتراها به.
فقال القاضي: لا يجوز ذلك؛ لأن هذا في الصلح بمعنى البيع، وبيع المبيع من بائعه بأقل من ثمنه لا يجوز؛ لأنه ذريعة إلى الربا، وهو كمسألة العينة، فإن كان قد حدث بالجارية عيب عند المشتري جاز ذلك؛ لأن مقدار الحط يكون بإزاء العيب الذي حدث عند المشتري، فلا يؤدي إلى مسألة العينة.
والحيلة في جواز ذلك، في الصورة الأولى على وجه لا يشبه العينة: أن يخرج الجارية من ملكه، فيبيعها لرجل بالثمن الذي يأخذها به البائع، فيصالح الذي في يده الجارية البائع على أن يقبلها بدون الثمن الذي وقع عليه العقد، ويجعل هذا الثمن الذي يأخذ به الجارية قضاء عن مشتري الجارية؛ لأن المشتري الثاني متى صالح البائع، على أن يقبل الجارية بدون الثمن الذي اشتريت به، فهو عقد جرى بينهما مبتدا، من غير بناء أحد العقدين على الآخر، فإذا اشتراها البائع من هذا الثاني حصل ثمنها في ذمته له، وله هو على المشتري الأول ثمنها، فإذا طالبه البائع بالثمن أحاله على المشتري الأول، فيتقاصان.
المثال الخامس والستون: الضمان لا يبرئ ذمة المضمون عنه بمجرده، حيا كان المضمون عنه أو ميتا.
وفيه رواية أخرى: أنه يبرئ ذمة الميت دون الحي، وهو مذهب [٩٦ أ] أبي حنيفة.
وفيه قول ثالث: أنه يبرئ ذمة الحي والميت، كالحوالة، وهو مذهب داود.
فإذا أراد الضامن أن يكون ضمانه مبرئا لذمة المضمون عنه،
فالحيلة في ذلك أن يقول: لا أضمن دينه إلا بشرط أن تبرئه منه، فمتى أبرأته منه فأنا ضامن له.
ويصح تعليق الضمان بالشرط في أقوى الوجهين، فإذا أبرأه صحت البراءة، ولزم الدين الضامن وحده.
فإن خاف رب الدين أن يرفعه إلى حاكم لا يرى صحة الضمان المعلق، فيبطل دينه من ذمة الأصيل بالإبراء، ولا يثبت له في ذمة الضامن:
فالحيلة: أن يكتب ضمانه ضمانا مطلقا، ويشهد عليه به من غير شرط، بعد إقراره ببراءة الأصل، فيحصل مقصودهما.
المثال السادس والستون: الحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فلا يملك مطالبة المحيل بعد ذلك إلا في صورة واحدة، وهي: أن يشترط ملاءة المحال عليه فيتبين مفلسا.
وعند أبي حنيفة: إذا توى المال على المحال عليه، بأن جحده حقه، وحلف عليه، أو مات مفلسا، رجع على المحيل.
وعند مالك: إن ظن ملاءته، فبان مفلسا، رجع، وإن طرأ عليه الفلس لم يكن له الرجوع.
فإذا أراد صاحب الحق التوثق لنفسه، وأنه إن توى ماله على المحال عليه رجع على المحيل:
فالحيلة له في ذلك: أن يحتال حوالة قبض، لا حوالة استيفاء، فيقول للمحيل: أحلني على غريمك أن أقبض لك ما عليه من الدين، فيجيبه إلى ذلك، فما قبضه منه كان على ملك المحيل، فيأذن له في استيفائه.
فإن خاف المحيل أن يهلك هذا المال في يد القابض، ولا يغرمه، لأنه وكيل في قبضه:
فالحيلة أن يقول له: ما قبضته فهو قرض في ذمتك، فيثبت في ذمته نظير ما له عليه، فيتقاصان.
فالحوالة ثلاثة أنواع: حوالة قبض محض، فهي وكالة، وحوالة استيفاء، وهي التي تنقل الحق، وحوالة إقراض:
فالأولى: لا تثبت المقبوض في ذمة المحال، والثانية: تجعل حقه في ذمة المحال عليه، والثالثة: تثبت المأخوذ في ذمته بحكم الاقتراض.
المثال السابع والستون: إذا ضمن الدين ضامن فلمستحقه مطالبة أيهما شاء.
وعن مالك روايتان، إحداهما: كذلك، والثانية: أنه ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر مطالبة الأصل.
فإن أراد الضامن أن يضمن على هذا الوجه، فالحيلة أن يقول: إن تعذر مالك قبله فأنا ضامن له.
ويصح تعليق الضمان على الشرط على الأصح.
فإن أراد أن يصحح ذلك على كل قول، ويأمن رفعه إلى من يرى بطلان ذلك:
فالحيلة فيه: أن يقول: ضمنت ما يتوى لك على فلان، أو يعجز عن أدائه، فيصح ذلك، ولا يتمكن من مطالبته إلا إذا توى المال على الأصل، أو عجز عنه.
المثال الثامن والستون: إذا بذت عليه امرأته، فقال: الطلاق يلزمني منك؛ لا تقولين لي شيئا؛ إلا قلت لك مثله، فقالت: أنت طالق ثلاثا:
فقال بعضهم: يقول لها: أنت طالق ثلاثا بفتح التاء، ولا تطلق؛ لأن الخطاب لا يصلح لها.
وهذا ضعيف جدا؛ لأن قوله: أنت طالق؛ إما أن يعنيها به، أو يعني غيرها، فإن لم يعنها لم يكن قد قال لها مثل ما قالت، بل يكون القول لغيرها، فلا يبر به؛ وإن عناها به طلقت للمواجهة، وفتح التاء لا يمنع صحة الخطاب، والمعنى: أنت أيها الشخص أو الإنسان!
ثم يقول هذا القائل إذا قالت له: فعل الله بك كذا، فقال لها: فعل الله بك وفتح الكاف، هل يكون بارا في يمينه بذلك؟
فإن قال: لا يبر، لزمه مثله في الطلاق.
وإن قال: يبر، كان قائلا لها ذلك، فيكون مطلقا لها.
وأجود من هذا: [٩٦ ب] أن يكون قوله على التراخي، ما لم يقيده بالفور، بلفظه أو نيته.
وقالت طائفة: يقول لها: أنت طالق ثلاثا، إن لم أفعل كذا وكذا، وإن فعلت، لما لا تقدر هي عليه، فيكون قد قال لها مثل ما قالت، وزاد عليه.
وفى هذا ضعف لا يخفى؛ لأن هذه الزيادة تنقص الكلام، فهي زيادة في اللفظ ونقصان في المعنى، فإنه إذا علق الطلاق بشرط خرج من التنجيز إلى التعليق، وصار كله كلاما واحدا، وهي لم تعلق كلامها، وإنما نجزته، فالمماثلة تقتضي تنجيزا مثله.
وأجود من هذا كله أن يقال: لا يدخل هذا الكلام الذي صدر منها في يمينه؛ لأنه لم يرده قطعا، ولا خطر بباله، فيمينه لم يتناوله، فهو غير محلوف عليه بلا شك، واللفظ العام يختص بالنية والعرف، والعرف في مثل هذا لا يدخل فيه قولها له ذلك، والأيمان يرجع فيها إلى العرف والنية والسبب،
وهذا مطرد ظاهر على أصول مالك وأحمد، في اعتبارهم عرف الحالف ونيته وسبب يمينه، والله أعلم.
المثال التاسع والستون: يجوز أن يستأجر الشاة والبقرة ونحوهما مدة معلومة للبنها، ويجوز أن يستأجرها لذلك بعلفها وبدراهم مسماة، والعلف عليه، هذا مذهب مالك، وخالفه الباقون.
وقوله هو الصحيح، واختاره شيخنا رحمه الله؛ لأن الحاجة تدعو إليه، ولأنه كاستئجار الظئر للبنها مدة، ولأن اللبن وإن كان عينا فهو كالمنافع في استخلافه وحدوثه شيئا بعد شيء، ولأن إجارة الأرض لما ينبت فيها من الكلأ والشوك ١ جائزة، وهو عين، ولأن اللبن حصل بعلفه وخدمته، فهو كحصول المغل ببذره وخدمته، ولا فرق بينهما، فإن تولد اللبن من العلف كتولد المغل من البذر، فهذا من أصح القياس.
وأيضا فإنه يجوز أن يقفها، فينتفع الموقوف عليها بلبنها، وحق الواقف إنما هو في منفعة الموقوف مع بقاء عينه.
وأيضا فإنه يجوز أن يمنحها غيره مدة معلومة لأجل لبنها، وهي باقية على ملك المانح، فتجري منيحتها مجرى إعارتها، والعارية إباحة المنافع، فإذا كان اللبن يجري مجرى المنفعة في الوقف والعارية جرى مجراها في الإجارة.
وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]، فسمى ما تأخذه المرضعة في مقابلة اللبن أجرا، ولم يسمها ثمنا.
وأيضا فيجوز أن يستأجر بئرا مدة معلومة لمائها، والماء لم يحصل بعمله، فلأن يجوز استئجار الشاة للبنها الحاصل بعلفه والقيام عليها أولى.
وأيضا فإنه يجوز أن يستأجر بركة يعشش فيها السمك لأجله، فهذا أولى بالجواز؛ لأنه معلوم بالعرف، وهو حاصل بعلفه والقيام على الحيوان.
وقياس المنع على تحريم بيع اللبن في الضرع قياس فاسد؛ فإن ذلك بيع مجهول لا يعرف قدره، وما يتحصل منه، وهو بيع معدوم، فلا يجوز، والإجارة أوسع من البيع ولهذا يجوز على المنافع المعدومة المستخلفة شيئا بعد شيء، فاللبن في ذلك كالمنفعة سواء، وإن كان عينا، فهذا القول هو الصحيح.
فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل هذا العقد:
فالحيلة في لزومه: أن يؤجره الحيوان مدة بدراهم مسماة، ثم يأذن له في علفه بها، ويبيحه اللبن.
وهذه الحيلة تتأتى في إجارة البقرة، والناقة، والجاموس؛ إذ يمكن الحرث عليها وركوبها، وأما الشاة فلا يراد منها إلا الدر والنسل، فلا تتهيأ الإجارة على منفعتها:
فالطريق في ذلك: أن يستأجرها لرضاع سخلة له مدة معلومة، ويوكله في النفقة عليها بأجرتها، أو ببعضها، ويبيحه اللبن.
المثال [٩٧ أ] السبعون: إذا دفع إليه ثوبه، وقال: بعه بعشرة، فما زاد فلك:
فنص أحمد على صحته، تبعا لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما ١، ووافقه إسحاق، ومنعه أكثرهم.
ووجه الخلاف: أن في هذا العقد شائبة الوكالة والإجارة والمضاربة، فمن رجح جانب الوكالة صحح العقد، ومن رجح جانب الإجارة أو المضاربة أبطله؛ لأن الأجرة والربح الذي جعل له مجهول.
والصحيح الجواز؛ لأن العشرة تجري مجرى رأس المال في المضاربة، وما زاد فهو كالربح، فإذا جعله كله له كان بمنزلة الإبضاع، إذا دفع إليه مالا يضارب به، وقال: ما ربحت فهو لك، فليس العقد من باب الإجارات، بل هو بالمشاركات أشبه.
فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانه:
فالحيلة في ذلك: أن يقول: وكلتك في بيعه بعشرة، فإن بعته بأكثر فلا حق لى في الزيادة، فيصح هذا، وتكون الزيادة للوكيل.
المثال الحادي والسبعون: قال الإمام أحمد رضي الله عنه في رواية مهنا: لا بأس أن يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس ما يخرج منه، وهو أحب إلي من المقاطعة.
يعني: أن يقاطعه على كيل معين، أو دراهم أو عروض.
ولذلك نص في رواية الأثرم وغيره، في رجل دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما رزق الله بينهما نصفين: أن ذلك جائز.
وقال أحمد أيضا: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع، لحديث جابر رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أعطى خيبر على الشطر ١.
ونقل عنه أبو داود فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: إذا كان على النصف والربع؛ فهو جائز.
ونقل عنه أحمد بن سعيد، فيمن دفع عبده إلى رجل ليكتسب عليه، ويكون له ثلث الكسب، أو ربعه: أنه جائز.
ونقل عنه حرب فيمن دفع ثوبا إلى خياط ليفصله قمصانا ويبيعها، وله نصف ربحها بحق عمله، فهو جائز.
ونص في رجل دفع غزله إلى رجل ينسجه ثوبا بثلث ثمنه أو ربعه: أنه جائز.
وقال في «المغني» ٢: وعلى قياس قول أحمد يجوز أن يعطى الطحان أقفزة معلومة يطحنها بقفيز دقيق منها.
وحكي عن ابن عقيل المنع منه، واحتج بأن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نهى عن قفيز الطحان ٣.
قال الشيخ ١ وهذا الحديث لا نعرفه، ولا يثبت عندنا صحته.
وقياس قول أحمد: جوازه، لما ذكرنا عنه من المسائل.
وكذلك لو دفع شبكته إلى صياد ليصيد بها، والسمك بينهما نصفين.
قال في «المغني» ٢: فقياس قول أحمد صحة ذلك، والسمك بينهما شركة.
وقال ابن عقيل: السمك للصائد، ولصاحب الشبكة أجرة مثلها.
ولو كان له على رجل مال، فقال لرجل: اقبضه منه، ولك ربعه، أو ثلثه، أو قال: إن قبضته ٣ منه فلك منه الربع أو الثلث، فهو جائز.
وكذلك لو غصبت منه عين، فقال لرجل: خلصها لي، ولك نصفها، جاز أيضا.
ولو غرق متاعه في البحر، فقال لرجل: ما خلصته منه فلك نصفه أو ربعه، جاز.
ولو أبق عبده، فقال لرجل أو قال: من رده علي فله فيه نصفه أو ربعه، أو شردت دابته، فقال ذلك؛ صح ذلك كله.
قلت: وكذلك يجوز أن يقول له: انفض لي هذا الزيتون بالسدس، أو الربع، أو اعصره بالثلث أو الربع، أو اكسر هذا الحطب بالربع، أو اخبز هذا العجين بالربع، وما أشبه ذلك، فكل هذا جائز على نصوصه وأصوله، وهو أحب إليه من المقاطعة في بعض الصور.
ولم يجز الشافعي وأبو حنيفة شيئا من ذلك.
وأما مالك فقال أصحابه عنه: إذا قال: احصد زرعي ولك نصفه فذلك جائز، وإن قال: احصد اليوم، فما حصدت فلك نصفه، لم يجز عند ابن القاسم.
[٩٧ ب] وفى «العتبية»: أنه يجوز.
فإن قال: القط زيتوني، فما لقطت فلك نصفه، فهو جائز عند ابن القاسم، وروى سحنون أنه لا يجوز.
ولو قال: انفض زيتوني، فما نقضت فلك نصفه، لم يجز عند ابن القاسم، وأجازه عبد الملك بن حبيب.
فإن قال: اقبض لي المئة دينار التي على فلان، ولك عشرها، جاز عند ابن القاسم وابن وهب، وعند أشهب: لا يجوز.
فلو قال: اقبض ديني الذي على فلان، ولك من كل عشرة واحد، ولم يبين قدر الدين، لم يجز عند ابن وهب، وأجازه ابن القاسم وأصبغ.
والذين منعوا الجواز في ذلك جعلوه إجارة، والأجر فيها مجهول.
والصحيح: أن هذا ليس من باب الإجارات، بل من باب المشاركات، وقد نص أحمد على ذلك.
فاحتج على جواز دفع الثوب بالثلث والربع بحديث خيبر ١، وقد دلت السنة على جواز ذلك، كما في «المسند» و«السنن» ٢ عن رويفع بن ثابت، قال: إن كان أحدنا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح.
وأصل هذا كله: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - دفع أرض خيبر إلى اليهود، يعملونها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
وأجمع المسلمون على جواز المضاربة، وأنها دفع ماله لمن يعمل عليه بجزء من ربحه، فكل عين تنمي فائدتها من العمل عليها جاز لصاحبها دفعها لمن يعمل بجزء من ربحها.
فهذا محض القياس، وموجب الأدلة، وليس مع المانعين حجة سوى ظنهم أن هذا من باب الإجارات بعوض مجهول، وبهذا أبطلوا المساقاة والمزارعة.
واستثنى قوم بعض صورها، وقالوا: المضاربة على خلاف القياس، لظنهم أنها إجارة بعوض لا يعلم قدره.
وأحمد رحمه الله عنده هذا الباب كله أطيب وأحل من المؤاجرة؛ لأنه في الإجارة يحصل المؤجر على سلامة العوض قطعا، والمستأجر متردد بين سلامة العوض وهلاكه، فهو على خطر.
وقاعدة العدل في المعاوضات: أن يستوي المتعاقدان في الرجاء والخوف، وهذا حاصل في المزارعة، والمساقاة، والمضاربة، وسائر هذه الصور الملحقة بذلك؛ فإن المنفعة إن سلمت سلمت لهما، وإن تلفت تلفت عليهما، وهذا من أحسن العدل.
واحتج المتأخرون من المانعين بحديث أبي سعيد الذي رواه الدارقطني ١: نهي عن قفيز الطحان، وهذا الحديث لا يصح.
وسمعت شيخ الإسلام رحمه الله يقول: «هو موضوع» ٢.
وحمله بعض أصحابنا على أن المنهي عنه طحن الصبرة لا يعلم كيلها بقفيز منها؛ لأن ما عداه مجهول، فهو كبيعها إلا قفيزا منها، فأما إذا كانت معلومة القفزان، فقال: اطحن هذه العشرة بقفيز منها صح حبا ودقيقا: أما إذا كان حبا فقد استأجره على طحن تسعة أقفزة بقفيز حنطة، وأما إذا كان دقيقا فقد شاركه في ذلك على أن العشر للعامل وتسعة الأعشار للآخر، فيصير شريكه بالجزء المسمى.
فإن قيل: فالشركة عندكم لا تصح بالعروض.
قيل: بل أصح الروايتين صحتها.
وإن قلنا بالرواية الأخرى فإلحاق هذه بالمساقاة والمزارعة أولى منها بإلحاقها بالمضاربة على العروض؛ لأن المضاربة بالعروض تتضمن التجارة والتصرف في رقبة المال بإبداله بغيره، بخلاف هذا.
فإن قيل: دفع حبه إلى من يطحنه بجزء منه مطحونا، أو غزله إلى من ينسجه بجزء منه منسوجا، يتضمن محذورين:
أحدهما: أن يكون طحن قدر الأجرة ونسجه مستحقا على العامل بحكم الإجارة، ومستحقا له بحكم كونه أجرة، وذلك [٩٨ أ] تناقض؛ فإن كونه مستحقا عليه يقتضي مطالبة المستأجر به، وكونه مستحقا له يقتضي مطالبته للمؤجر به.
الثاني: أن يكون بعض المعقود عليه هو العوض نفسه، وذلك ممتنع.
قيل: إنما نشأ هذا من ظن كونه إجارة، وقد بينا أنه مشاركة لا إجارة، ولو سلم أنه من باب المؤاجرة فلا تناقض في ذلك؛ فإن جهة الاستحقاق مختلفة، فإنه يستحق له بغير الجهة التي يستحق بها عليه، فأي محذور في ذلك؟
وأما كون بعض المعقود عليه يكون عوضا: فهو إنما عقد على عمله فالمعقود عليه العمل، والنفع بجزء من العين، وهذا أمر متصور شرعا وحسا.
فظهر أن صحة هذا الباب هي مقتضى النص والقياس، وبالله التوفيق.
وعلى هذا: فلا يحتاج إلى حيلة لتصحيح ذلك إلا إذا خيف غدر أحدهما، وإبطاله للعقد، والرجوع إلى أجرة المثل.
فالحيلة في التخلص من ذلك: أن يدفع إليه ربع الغزل والحب أو نصفه، ويقول: انسج لي باقيه بهذا القدر، فيصيران شريكين في الغزل والحب، فإذا تشاركا فيه بعد ذلك صح، وكان بينهما على قدر ما شرطاه.
والعجب أن المانعين جوزوا ذلك على هذا الوجه، وجعلوه مشاركة لا مؤاجرة، فهلا أجازوه من أصله كذلك؟ وهل الاعتبار في العقود إلا بمقاصدها وحقائقها، دون صورها وألفاظها؟ وبالله التوفيق.
المثال الثاني والسبعون: إذا كان لرجل على رجل دين، فتوارى عن غريمه، وله هو دين على آخر، فأراد الغريم أن يقبض دينه من الدين الذي له على ذلك، لم يكن له ذلك إلا بحوالة أو وكالة، وقد توارى عنه غريمه، فتعذر عليه الحوالة والوكالة.
فالحيلة له في اقتضاء دينه من ذلك: أن يوكله، فيقول: وكلتك في اقتضاء ديني الذي على فلان، وبالخصومة فيه، ووكلتك أن تجعل ما له عليك قصاصا مما لي عليه، وأجزت أمرك في ذلك، فيقبل الوكيل، ويشهد عليه شهودا، ثم يشهد الوكيل أولئك الشهود، أو غيرهم: أن فلانا وكلني
بقبض ما له على فلان، وأن أجعله قصاصا بما لفلان علي، وأجاز أمري في ذلك، وقد قبلت من فلان ما جعل إلي من ذلك، واشهدوا أن قد جعلت الألف درهم التي لفلان علي قصاصا بالألف التي لفلان موكلي عليه، فتصير الألف قصاصا، ويتحول ما كان للرجل المتواري على هذا الوكيل: للرجل الذي وكله.
المثال الثالث والسبعون: إذا كان لرجل على رجل مال، فغاب الذي عليه المال، وأراد الرجل أن يثبت ما له عليه، حتى يحكم الحاكم عليه وهو غائب، جاز للحاكم أن يحكم عليه في حال غيبته مع بقائه على حجته، في أصح المذهبين، وهو قول أحمد في الصحيح عنه، ومالك، والشافعي.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز الحكم على الغائب.
فإذا لم يكن في الناحية إلا حاكم يرى هذا القول، ويخشى صاحب الحق من ضياع حقه:
فالحيلة: أن يجيء رجل، فيضمن لهذا الرجل الذي له المال جميع ما له على الرجل الغائب، ويسميه وينسبه، ويشهد على ذلك، ثم يقدمه إلى القاضي، فيقر الضامن بالضمان، ويقول: قد ضمنت له ما له على فلان بن فلان، ولا أدري كم له عليه؟ ولا أدري: له عليه مال أم لا؟ فإن القاضي يكلف المضمون له أن يحضر بينته على ذلك بما له على فلان، فإذا أحضر البينة؛ قبلها القاضي بمحضر من هذا الضمين، وحكم على الغائب، وعلى هذا الضامن بالمال بموجب ضمانه، ويجعل القاضي هذا الضمين بالمال خصما على الغائب؛ لأنه قد ضمن ما عليه.
ولا يجوز الحكم على هذا الضمين حتى يحكم على المضمون عنه، ثم يحكم بذلك على الضمين؛ لأنه فرعه، فما لم يثبت المال على الأصل لا يثبت على الفرع.
[٩٨ ب] المثال الرابع والسبعون: إذا غصبه متاعا له، ويقول له في السر: بعنيه، ويجحده في العلانية، ويريد تخليص ماله منه.
فالحيلة له: أن يبيعه ممن يثق به، ويشهد له على ذلك بينة عادلة، ثم يبيعه بعد ذلك من الغاصب، ويكون بين البيعين من المدة ما يعرفه الشهود، ليوقتوا بذلك عند الأداء، فإذا أشهد للغاصب بالبيع في الوقت المعين جاء الذي باع منه المغصوب قبله ببينته، فيحكم له لسبق بينته، فيرجع الغاصب على المغصوب منه بالثمن الذي دفعه إليه، ويسلم العين للمغصوب منه.
وكذلك لو أقر بها المغصوب منه لرجل يثق به، ثم باعها بعد ذلك للغاصب، ثم جاء المقر له، فأقام بينة على الإقرار السابق.
فإن قيل: فلو خاف الغاصب من هذه الحيلة، وقال للمغصوب منه: لست أبتاع منك هذه السلعة خشية هذا الصنيع، ولكن آمر من يبتاعها منك لي، فأراد المغصوب منه حيلة يرجع إليه بها سلعته:
فالحيلة: أن يبيعها أولا ممن يثق به، ولا يكتب في كتاب التبايع قبضه، ثم يبيعها بعد ذلك من الرجل الذي يريد شراءها للغاصب، ويكتب في هذا الشراء الثاني قبض المشتري، فإنه إذا أقر وكيل الغاصب بقبض العين من المغصوب منه، ثم جاء الرجل الذي كتب له المغصوب منه الشراء، كان أولى بها من وكيل الغاصب؛ لأن وقت شرائه أقدم، وإقراره بقبضها وتسليمها إلى الرجل المشتري لها أولا أولى، ويرجع وكيل الغاصب على
المغصوب منه بالثمن الذي دفعه إليه.
المثال الخامس والسبعون: إذا أقرضه مالا وأجله لزم تأجيله على أصح المذهبين
، وهو مذهب مالك، وقول في مذهب أحمد.
والمنصوص عنه: أنه لا يتأجل، كما هو قول الشافعي، وأبي حنيفة.
ويدل على التأجيل قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (٢) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢، ٣]، وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «المسلمون عند شروطهم» ١، وقوله: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف» ٢، وقوله: «ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة بقدر غدرته» ٣، وقوله: «لا تغدروا» ٤، وقوله: «إن الغدر لا يصلح» ٥، وقوله في صفة المنافق: «إذا وعد أخلف»، وإخلاف الوعد مما فطر الله العباد على ذمه واستقباحه، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح.
وعلى هذا: فلا حاجة إلى التحيل على لزوم التأجيل.
وعلى القول الأخر: قد يحتاج إلى حيلة يلزم بها التأجيل.
فالحيلة فيه: أن يحيل المستقرض صاحب المال بماله إلى سنة أو نحوها، بقدر مدة التأجيل، فيكون المال على المحال عليه إلى ذلك الأجل، ولا يكون للطالب ولا لورثته على المستقرض سبيل، ولا على المحال عليه إلى الأجل؛ فإن الحوالة تنقل الحق.
ولو أحال المحال عليه صاحب المال على رجل آخر إلى ذلك الأجل جازت الحوالة، فإن مات المحال عليه الأول لم يكن لصاحب المال على تركته سبيل، ولا على المحال عليه الثاني.
المثال السادس والسبعون: إذا رهنه دارا أو سلعة على دين، وليس عنده من يشهد له على قدر الدين ويكتبه، فالقول قول المرتهن في قدره، ما لم يدع أكثر من قيمته، هذا قول مالك.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد: القول قول الراهن.
وقول مالك هو الراجح، وهو اختيار شيخنا رحمه الله؛ لأن الله سبحانه جعل الرهن بدلا من الكتاب، يشهد بقدر الحق، والشهود التي تشهد به، وقائما مقامه، فلو لم يقبل قول المرتهن في ذلك بطلت التوثقة من الرهن، وادعى المرتهن أنه رهن على أقل شيء، فلم يكن في الرهن فائدة، والله سبحانه [٩٩ أ] قد قال في آية المداينة التي أرشد بها عباده إلى حفظ حقوق بعضهم على بعض خشية ضياعها بالجحود أو النسيان، فأرشدهم إلى حفظها بالكتاب، وأكد ذلك بأن أمرهم بكتابة الدين، وأمر الكاتب أن يكتب، ثم أكد ذلك بأن نهاه أن يأبى أن يكتب، ثم أعاد الأمر بأن يكتب مرة أخرى،
وأمر من عليه الحق أن يملل، ويتقي ربه، ولا يبخس من الحق شيئا، فإن تعذر إملاؤه لسفهه، أو صغره، أو جنونه، أو عدم استطاعته، فوليه مأمور بالإملاء عنه.
وأرشدهم إلى حفظها باستشهاد شهيدين من الرجال، أو رجل وامرأتين، فأمرهم بالحفظ بالنصاب التام، الذي لا يحتاج صاحب الحق معه إلى يمين، ونهى الشهود أن يأبوا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة.
ثم أكد ذلك عليهم بنهيهم أن يمتنعوا من كتابة الحقير والجليل من الحقوق سآمة ومللا.
وأخبر أن ذلك أعدل عنده، وأقوم للشهادة، فيتذكرها الشاهد إذا عاين خطه، فيقيمها، وفى ذلك تنبيه على أن له أن يقيمها إذا رأى خطه وتيقنه، وإلا لم يكن للتعليل بقوله: ﴿وأقوم للشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٢] فائدة.
وأخبر أن ذلك أقرب إلى اليقين، وعدم الريب، ثم رفع عنهم الجناح بترك الكتابة إذا كان بيعا حاضرا فيه التقابض من الجانبين، يأمن به كل واحد من المتبايعين من جحود الآخر ونسيانه.
ثم أمرهم مع ذلك بالإشهاد إذا تبايعوا، خشية الجحود وغدر كل واحد منهما بصاحبه، فإذا أشهدا على التبايع أمنا ذلك.
ثم نهى الكاتب والشهيد عن أن يضارا، إما بأن يمتنعا من الكتابة والشهادة تحملا وأداء، أو أن يطلبا على ذلك جعلا يضر بصاحب الحق، أو يكتم الشاهد بعض الشهادة، أو يؤخرا الكتابة والشهادة تأخيرا يضر بصاحب الحق، أو يمطلا، ونحو ذلك.
أو هو نهي لصاحب الحق أن يضار الكاتب والشهيد، بأن يشغلهما عن ضرورتهما وحوائجهما، أو يكلفهما من ذلك ما يشق عليهما.
ثم أخبر أن ذلك فسوق بفاعله.
فهذا كله عند القدرة على الكتاب والشهود.
ثم ذكر ما يحفظ به الحقوق عند عدم القدرة على الكتاب والشهود وهو السفر في الغالب، فقال: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣].
فدل ذلك دلالة بينة أن الرهن قائمة مقام الكتاب والشهود، شاهدة مخبرة بالحق، كما يخبر به الكتاب والشهود.
وهذا والله أعلم سر تقييد الرهن بالسفر؛ لأنه حال يتعذر فيها الكتاب الذي ينطق بالحق غالبا، فقام الرهن مقامه، وناب منابه، وأكد ذلك بكونه مقبوضا للمرتهن، حتى لا يتمكن الراهن من جحده.
فلا أحسن من هذه النصيحة، وهذا الإرشاد والتعليم، الذي لو أخذ به الناس لم يضع في الأكثر حق أحد، ولم يتمكن المبطل من الجحود والنسيان.
فهذا حكمه سبحانه المتضمن لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم.
والمقصود: أنه لو لم يقبل قول المرتهن على الراهن في قدر الدين لم يكن وثيقة ولا حافظا لدينه، ولا بدلا من الكتاب والشهود؛ فإن الراهن يتمكن من أخذه منه، ويقول: إنما رهنته منه على ثمن درهم ونحوه، ومن يجعل القول قول الراهن فإنه يصدقه على ذلك، ويقبل قوله في رهن الربع، والصيغة على هذا القدر.
فالذي نعتقده وندين الله به هو قول أهل المدينة.
فإذا أراد الرجل حفظ حقه، وخاف أن يقع التحاكم عند حاكم لا يرى هذا المذهب؛ فالحيلة في قبول قوله: أن ١ يسترهنه المرتهن على قيمته، ويدفع إليه ما اتفقا عليه، ويشهد الراهن أن الباقي من قيمته أمانة عنده، أو قرض في ذمته [٩٩ ب] يطالبه به متى شاء، فيتمكن كل واحد منهما من أخذ حقه، ويأمن ظلم الآخر له، والله أعلم.
المثال السابع والسبعون: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم، وفي يده رهن بالألف، وطالب صاحب الدين الغريم بالألف، وقدمه إلى الحاكم، وقال: لي على هذا ألف درهم، وخاف أن يقول: وله عندي رهن بالألف وهو كذا وكذا، فيقول الغريم: ما له علي هذه الألف التي يدعيها، ولا شيء منها، وهذا الذي ادعى أنه لي رهن في يده هو لي كما قال، ولكنه ليس برهن، بل وديعة، أو عارية، فيأخذه منه، ويبطل حقه:
فالحيلة في أمنه من ذلك: أن يدعي بالألف، فيسأل الحاكم المطلوب عن المال، فإما أن يقر به، وإما أن ينكره، فإن أقر به وادعى أن له رهنا لزمه المال ودفع الرهن إلى صاحبه، أو بيع في وفائه، وإن أنكره وقال: ليس له علي شيء، ولي عنده تلك العين إما الدار وإما الدابة، فليقل صاحب الحق للقاضي: سله عن هذا الذي يدعي علي: على أي وجه هو عندي؟ أعارية، أم غصب، أم وديعة، أم رهن؟ فإن ادعى أنه في يده على غير وجه الرهن حلف على إبطال دعواه، وكان صادقا، وإن ادعى أنه في يده على وجه الرهن، قال للقاضي: سله على كم هو رهن؟ إن أقر بقدر الحق أقر له بالعين، وطالب
بحقه، وإن جحد بعضه حلف على نفي ما ادعاه، وكان صادقا.
المثال الثامن والسبعون: إذا باعه سلعة ولم يقبضه إياها، أو آجره دارا ولم يتسلمها، أو زوجه ابنته ولم يسلمها إليه، ثم ادعى عليه بالثمن، أو الأجرة، أو المهر، فخاف إن أنكره أن يستحلفه، أو يقيم عليه البينة بجريان هذه العقود، وإن أقر لزمه ما ادعى عليه به:
فالحيلة في تخلصه أن يقول في الجواب: إن ادعيت هذا المبلغ من ثمن مبيع لم أقبضه، أو إجارة دار لم تسلمها إلي، أو نكاح امرأة لم تسلمها إلي، أو كانت المرأة هي التي ادعت، فقال: إن ادعيت هذا المبلغ من مهر أو كسوة أو نفقة من نكاح لم تسلمي إلي نفسك فيه، ولم تمكنيني من استيفاء المعقود عليه، فأنا مقر به، وإن كان غير ذلك فلا أقر به ١، وهذا جواب صحيح يتخلص به.
فإن قيل: فهذا تعليق للإقرار بالشرط، والإقرار لا يصح تعليقه، كما لو قال: إن شاء الله أو إن شاء زيد فله علي ألف.
قيل: بل يصح تعليق الإقرار بالشرط في الجملة، كقوله: إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف؛ فهذا إقرار صحيح، ولا يلزمه قبل مجيء الشهر، وكذا لو قال: إن شهد فلان علي بما ادعاه صدقته، صح التعليق، فإذا شهد به عليه فلان كان مقرا به، ولا فرق بين تقديم الشرط وتأخيره، كما في تعليق الطلاق والعتاق والخلع.
وفيه وجه آخر: أنه إن أخر الشرط لم ينفعه، وكان إقرارا ناجزا، وهذا
ضعيف جدا؛ فإن الكلام بآخره، ولو بطل الشرط الملحق به لبطل الاستثناء والبدل والصفة؛ فإن ذلك يغير الكلام، ويخرجه من العموم إلى الخصوص، والشرط يخرجه من الإطلاق إلى التقييد، فهو أولى بالصحة.
وقد جاء تأخير الشرط في القرآن فيما هو أبلغ من الإقرار، كقوله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم﴾ [الأعراف: ٨٩].
وقد وافق صاحب هذا الوجه على أنه إذا قال: له علي ألف درهم إذا جاء رأس الشهر أنه يصح، وجها واحدا، وهذا يبطل تعليله بأن إلحاق الشرط بعد الخبر كالرجوع عن الإقرار.
وعلى هذا فلو قال: له علي ألف مؤجلة صح الإقرار، ولزمه الألف مؤجلا.
وقيل: [١٠٠ أ] القول قول خصمه في حلوله، وشبهة هذا: أنه مقر بالدين مدع لحلوله.
وهذا ظاهر البطلان؛ فإنه إنما أقر به على هذه الصفة، فلا يجوز إلزامه به مطلقا، كما لو وصفها بنقد غير النقد الغالب، أو استثنى منها شيئا.
وكذا لو قال: له علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه، أو أجرة عن دار لم أتسلمها، أو قال: هلك قبل التمكن من قبضه، على أصح الوجهين؛ لأنه إنما أقر به على هذه الصفة، فلا يجوز إلزامه به مطلقا.
وكذا لو قال: كان له علي ألف فقضيته، لم يلزمه؛ لأنه إنما أقر به في الماضي، لا في الآن، هذا منصوص أحمد، وليس الكلام بمتناقض في نفسه، فيكون بمنزلة قوله: له علي ألف لا يلزمني، والفرق بين الكلامين أظهر من
أن يحتاج إلى بيان.
وعن أحمد رواية أخرى: أنه مقر بالحق مدع لقضائه، فلا يقبل منه إلا ببينة، وهذا قول الأئمة الثلاثة.
وعنه رواية ثالثة: أن هذا ليس بجواب صحيح، فيطالب برد الجواب.
وعلى هذا فإذا قال: له علي ألف قضيته إياه، ففيه ثلاث روايات منصوصات:
إحداهن: أنه غير مقر، كما لو قال: كان له علي.
والثانية: أنه مقر مدع للقضاء، فلا يقبل منه إلا ببينة.
والثالثة: أنه لا يسمع منه دعوى القضاء، ولو أقام به بينة، بل يكون مكذبا لها.
وعلى هذا إذا قال: كان له علي، ولم يزد على هذا، فهو مقر.
وخرج أنه غير مقر من نصه، على أنه إذا قال: كان له علي وقضيته، أنه غير مقر.
وهو تخريج في غاية الصحة؛ فإن أحمد لم يجعله غير مقر من قوله: وقضيته؛ فإن هذا دعوى منه للقضاء، وإنما جعله كذلك من جهة أنه أخبر عن الماضي لا عن الحال، فلا يلزم بكونه في ذمته في الحال، وهو لم يقر به.
والمقصود: أن المدعى عليه إذا كان مظلوما فالحيلة في تخلصه أن يقول: إن ادعيت كذا من جهة كذا وكذا فأنا غير مقر به، وإن ادعيته من جهة كذا وكذا فأنا مقر به: كان جوابا صحيحا، ولم يكن مقرا على الإطلاق.
المثال التاسع والسبعون: قال أصحابنا: لا يملك البائع حبس المبيع على قبض ثمنه، بل يجبر على تسليمه إلى المشتري، ثم إن كان الثمن معينا فتشاحنا في المبتدئ بالتسليم، جعل بينهما عدل يقبض منهما، ويسلم إليهما، وإن كان دينا أجبر البائع على التسليم، ثم يجبر المشتري على دفع الثمن، فإن كان ماله غائبا عن المجلس حجر عليه في ماله كله، حتى يسلم الثمن، وإن كان غائبا عن البلد فوق مسافة القصر ثبت للبائع الفسخ، وإن كان دونها فهل يحجر عليه، أو يثبت للبائع الفسخ؟ على وجهين، وإن كان المشتري معسرا فللبائع الفسخ والرجوع في عين ماله، هذا منصوص أحمد والشافعي.
وللشافعية وجه: أن تباع السلعة، ويقضى دينه من ثمنها، فإن فضل له فضل أخذه، وإن فضل عليه شيء استقر في ذمته.
والصحيح: أن البائع يملك حبس السلعة على الثمن، حتى يقبضه، هذا هو موجب العدل، وإلا ففي تمكين المشتري من القبض قبل الإقباض إضرار بالبائع؛ فإنه قد يتلف المبيع بأن يكون طعاما أو شرابا فيستهلكه، ويتعذر أو يتعسر عليه ١ مطالبته بالثمن، فيضر به ولا يزول ضرره إلا بحبس المبيع على ثمنه.
وعلى هذا لو دفع الثمن إلا درهما منه، فله حبس المبيع كله على باقي الثمن، كما نقول في الرهن.
وفيه قول آخر: أنه يملك أن يتسلم من المبيع بقدر ما دفع من الثمن؛
لأن كل جزء من المبيع في مقابلة كل جزء من أجزاء الثمن، فإذا سلم بعض الثمن ملك تسلم ما يقابله.
والفرق بينه وبين الرهن: أن الرهن ليس بعوض [١٠٠ ب] من الدين، وإنما هو وثيقة، فملك حبسه إلى أن يستوفي جميع الدين، والأول هو الصحيح؛ لأنه إنما رضي بإخراج المبيع من ملكه إذا سلم له جميع الثمن، ولم يرض بإخراجه ولا إخراج شيء منه ببعض الثمن.
فإذا خاف البائع أن يجبر على التسليم، ثم يحال على تقاضي المشتري؛ فالحيلة له في الأمن من ذلك: أن يبيعه العين بشرط أن يرتهنها على ثمنها، ويجوز شرط الرهن والضمين في عقد البيع، ويصح رهنه قبل قبضه على ثمنه في أصح الوجهين، كما يصح رهنه قبل القبض بدين آخر غير ثمنه، ومن غير البائع، بل رهنه على ثمنه أولى؛ فإنه يملك حبسه على الثمن بدون الرهن كما تقدم، فلأن يصح حبسه على الثمن رهنا أولى وأحرى.
وأيضا فإذا جاز التصرف فيه بالرهن من الأجنبي قبل القبض، فجوازه من البائع أولى، ولأن المشتري يملك من التصرف مع البائع قبل القبض بالإقالة وغيرها ما لا يملكه مع الأجنبي، ومن منع رهنه على ثمنه قبل قبضه لزمه أن يمنع رهنه على غير الثمن، أو من الأجنبي.
فإن قيل: الفرق بينهما: أنه قبل القبض عرضة للتلف، فيكون من ضمان البائع، وكونه رهنا يقتضى أن يكون من ضمان راهنه، فيتنافى الأمران، حيث يكون مضمونا له ومضمونا عليه من جهة واحدة، وهذا بخلاف رهنه من أجنبي قبل القبض؛ فإنه يكون مضمونا عليه للأجنبي ومضمونا له من البائع، ولا تنافي بين أن يكون مضمونا له لشخص، ومضمونا عليه لغيره، كالعين المؤجرة إذا
أجرها المستأجر صارت المنافع مضمونة عليه للمستأجر الثاني، ومضمونة له من المؤجر الأول، وكذلك الثمار إذا بدا صلاحها جاز للمشتري بيعها، وهي مضمونة له على البائع الأول، ومضمونة عليه للمشتري الثاني.
قيل: هذا هو الفرق الذي بني عليه هذا القول بالمنع ١، ولكن يقال: أي محذور في ذلك، وأن يكون مضمونا له وعليه؟
وقولكم: إن ذلك من جهة واحدة، ليس كذلك؛ فإنه مضمون له من جهة كونه مشتريا، فهو من ضمان البائع حتى يمكنه من قبضه، ومضمونا عليه من جهة كونه راهنا، فإذا تلف تلف من ضمانه، حتى لو اتحدت الجهة لم يكن في ذلك محذور، بحيث يكون مضمونا له وعليه من جهة واحدة، كما قلتم: إنه يجوز للمستأجر إجارة ما استأجره لمؤجره، فتكون المنافع مضمونة عليه وله، فأي محذور في ذلك؟
فإن قيل: فإذا تلف هذا الرهن، فمن ضمان من يكون؟ فالبائع يقول للمشتري: يتلف من ضمانك؛ لأنه رهن، والمشتري يقول: يتلف من ضمانك؛ لأنه مبيع لم يقبض، وليس أحدهما بترجيح جانبه أولى من الآخر.
قيل: بل يكون تلفه من ضمان البائع؛ لأن ضمانه أسبق من ضمان الراهن؛ لأنه لما باعه كان من ضمانه حتى يسلمه، فحبسه على ثمنه لا يسقط عنه ضمانه، كما لو حبسه من غير ارتهان، فارتهانه إياه لم يسقط عنه ما لزمه بعقد البيع من التسليم؛ فإنه إنما احتاط لنفسه بعقد الرهن، والراهن لم يتعوض عن الرهن بدين يكون الرهن في مقابلته، فإذا تلف كان قد انتفع بالدين الذي أخذه في مقابلة الرهن.
فإن أراد
الحيلة في تصحيح الرهن والوثيقة
، وأن لا يعرضه للبطلان؛ فالحيلة له: أن يقبضه من البائع، ثم يرهنه إياه على ثمنه بعد قبضه، فيصح الرهن، ولا يتوالى هناك ضمانان، فإذا تلف بعد ذلك تلف من ضمان المشتري، ولا يسقط الثمن عنه، فإن خاف البائع أن يغيب المشتري، أو يؤخر فكاك الرهن، كتب كتابا وأشهد فيه شهودا، [١٠١ أ] أنه إن مضى وقت كذا وكذا، ولم يفتك الرهن، فقد أذن له في بيعه وقبض دينه من ثمنه، وما بقي منه فهو أمانة في يده.
فإن خاف أن يبطل هذه الوكالة من يرى أنه لا يصح تعليقها بالشرط، كتب في الكتاب: أنه قد وكله الآن، ويعلق تصرفه فيه بالبيع بمجيء الوقت، فيعلق التصرف، وينجز التوكيل.
فإن خاف أن يعزله الموكل فلا ينفذ تصرفه فيه، فالحيلة له: أن يوكله وكالة دورية عند من يرى ذلك، فيقول: وكلما عزلته فقد وكلته، وإن شاء أن يقول: وكلته وكالة لا تقبل العزل، وإن شاء أن يقول: على أني متى عزلته فلا حق لي عنده ولا دعوى، وما أدعيه عليه من جهة كذا وكذا فدعوى باطلة، والله أعلم.
المثال الثمانون: إذا ادعت عليه المرأة أنه لم ينفق عليها، ولم يكسها مدة مقامها معه أو سنين كثيرة، والحس والعرف يكذبها، لم يحل للحاكم أن يسمع دعواها، ولا يطالبه برد الجواب؛ فإن الدعوى إذا ردها الحس والعادة المعلومة كانت كاذبة.
وفى «الصحيح» ١ عنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: «من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله بها إلا قلة».
وفى «الصحيح» ١ أيضا عنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: «من ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار».
فلا يجوز لأحد حاكم ولا غيره أن يساعد من ادعى ما يشهد الحس والعرف والعادة أنه ليس له، وأن دعواه كاذبة، ففي سماع دعواه وإحضار المدعى عليه وإحلافه أعظم مساعدة ومعاونة على ما يكذبه الحس والعادة.
ثم كيف يسع الحاكم أن يقبل قول المرأة إنها هي التي كانت تنفق على نفسها، وتكسو نفسها هذه المدة كلها، مع شهادة العرف والعادة المطردة بكذبها؛ ولا يقبل قول الزوج إنه هو الذي كان ينفق عليها ويكسوها، مع شهادة العرف والعادة له، ومشاهدة الجيران وغيرهم له: أنه كل وقت يدخل إلى بيته الطعام والشراب والفاكهة، وغير ذلك؟ فكيف يكذب من معه مثل هذه الشهادة، ويقبل قول من يكذب دعواه ذلك؟
وكيف يمكن الزوج أن يتخلص من مثل هذا البلاء الطويل، والخطب الجليل، إلا بأن يشهد كل يوم بكرة وعشية شاهدي عدل على الإنفاق وعلى الكسوة، أو يفرض لها كل شهر دراهم معلومة، يقبضها إياها بإشهاد؟
ثم إما أن يمكنها أن تخرج من بيته كل وقت تشتري لها ما يقوم بمصالحها، أو يتصدى هو لخدمتها وشراء حوائجها، فيكون هو المعاشر ٢ الأسير المملوك ٣، وهي المالكة الحاكمة عليه.
وكل هذا ضد ما قصده الشارع من النكاح من الألفة والمودة والمعاشرة بالمعروف؛ فإن هذه المعاشرة من أنكر المعاشرة، وأبعدها من المعروف.
ثم من العجب: أنها إذا ادعت الكسوة والنفقة لمدة مقامها عنده، فقال الزوج للحاكم: سلها من أين كانت تأكل وتشرب وتلبس؟ فيقول الحاكم: لا يلزمها ذلك.
فيا لله العجب! إذا كانت غير معروفة بالدخول والخروج، ولا يمكن الزوج أحدا يدخل عليها، وهي في منزله عدد سنين، تأكل، وتشرب، وتلبس، كيف لا يسألها الحاكم: من الذي كان يقوم لك بذلك؟ ومتى سأله الزوج سؤالها وجب عليه ذلك، فمتى تركه كان تاركا للحق.
فإن سمت أجنبيا غير الزوج؛ كلفها الحاكم البينة على ذلك، وإن قالت: أنا الذي كنت أطعم نفسي وأكسوها في هذه المدة كلها كان كذبها معلوما، ولم يقبل قولها، فإن النفقة والكسوة واجبان على الزوج، وهي تدعي أنها هي التي قامت عنه بهذا الواجب وأدته من مالها، وهو يدعي أنه هو الذي فعل [١٠١ ب] هذا الواجب، وقام به، وأسقطه عن نفسه، ومعه الظاهر والأصل.
أما الظاهر: فلا يمكن عاقلا أن يكابر فيه، بل هو ظاهر ظهورا قريبا من القطع، بل يقطع به في حق أكثر الناس.
وأما الأصل: فهو أيضا من جانب الزوج؛ فإنهما قد اتفقا على القيام بواجب حقها، وهي تضيف ذلك إلى نفسها، أو إلى أجنبي، وهو يدعى أنه هو الذي قام بهذا الواجب، فقد اتفقا على وصول النفقة والكسوة إليها، وهي تقول: كان ذلك بطريق البدل والنيابة عنك، وهو يقول: لم يكن بطريق النيابة، بل بطريق الأصالة.
وهذا بخلاف ما إذا لم يعلم وصول الحق إلى مستحقه كالديون والأعيان المضمونة؛ فإن قبول قول المنكر متوجه، ومعه الأصل.
ونظيره: أن يعترف بقضاء الدين ووصوله إليه، ثم ينكر أن يكون وصل إليه من جهة من عليه الدين، فيقول: وصل إلي الدين الذي لي، لكن ليس من جهتك، بل غيرك أداه عنك، فهل يقبل قوله هاهنا أحد، ويقال: الأصل بقاء الدين في ذمته؟
وهذا نظير مسألة الإنفاق سواء بسواء؛ فإنها مقرة بوصول النفقة إليها، ولو أنكرتها لكذبها الحس، ومدعية أن وصول ذلك إلي لم يكن من جهتك، فدعواها تخالف الأصل والظاهر جميعا، ولهذا لا يقبلها مالك، وفقهاء أهل المدينة، وقولهم هو الصواب والحق الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه.
وأي قبيح أعظم من دعوى امرأة على الزوج ترك النفقة والكسوة ستين سنة أو أكثر، وهي لا تدخل ولا تخرج، ولا يمكنها تعيش عيش الملائكة، فيطالب الزوج بنفقة جميع المدة التي ادعت ترك الإنفاق فيها، وقد تستغرق جميع ماله وداره وثيابه ودوابه، فيؤخذ ذلك كله منه، ويحبس على الباقي، ويجعل دينا مستقرا في ذمته، تطالبه به متى شاءت، وهي تعلم كذب دعواها، ووليها يعلم ذلك، وجيرانها، والله، وملائكته، والذي يساعدها ويخاصم عنها؟
ولما علم فقهاء العراق كأبي حنيفة وأصحابه ما في ذلك من الشر والفساد والضرر الذي لا تأتى به شريعة، أسقطوا النفقة والكسوة عن الزوج بمضي الزمان، فلم يسمعوا دعوى المرأة بذلك، كما يقوله منازعوهم في نفقة القريب، فنفسوا الخناق عن الأزواج بهذا القول، وأشموهم رائحة الحياة،