إغاثة اللهفان في مصايد الشيطاناتصال الهدى بالرحمة في حق المؤمنين

اتصال الهدى بالرحمة في حق المؤمنين

.

فأما العاجلة فما يعطيهم الله تعالى في الدنيا من محبة الخير والبر، وذوق طعم الإيمان، ووجدان حلاوته، والفرح والسرور بأن هداهم الله تعالى لما أضل عنه غيرهم، ولما اختلف فيه من الحق بإذنه، فهم يتقلبون في نور هداه، ويمشون به في الناس، ويرون غيرهم متحيرا في الظلمات،

فهم أشد الناس فرحا بما آتاهم ربهم من الهدى، قال تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ [يونس: ٥٨]، فأمر سبحانه عباده المؤمنين المهتدين أن يفرحوا بفضله ورحمته.

وقد دارت عبارات السلف على أن الفضل والرحمة هو العلم، والإيمان، والقرآن، واتباع الرسول، وهذا من أعظم الرحمة التي يرحم الله بها من يشاء من عباده، فإن الأمن والعافية والسرور ولذة القلب ونعيمه وبهجته وطمأنينته مع الإيمان والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة.
والخوف والهم والغم والبلاء والألم والقلق: مع الضلال والحيرة.

ومثل هذا بمسافرين، أحدهما: قد اهتدى لطريق مقصده، فسار آمنا مطمئنا، والآخر: قد ضل الطريق فلم يدر أين يتوجه؟ كما قال تعالى: ﴿قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ [الأنعام: ٧١].

فالرحمة التي تحصل لمن حصل له الهدى هي بحسب هداه، فكلما كان نصيبه من الهدى أتم كان حظه من الرحمة أوفر، وهذه هي الرحمة الخاصة بعباده المؤمنين، وهى غير الرحمة العامة بالبر والفاجر.

وقد جمع الله سبحانه لأهل هدايته بين الهدى والرحمة والصلاة عليهم، فقال تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٧].

قال عمر بن الخطاب ١ رضي الله تعالى عنه: نعم العدلان، ونعمت العلاوة.

فبالهدى خلصوا من الضلال، وبالرحمة نجوا من الشقاء والعذاب، وبالصلاة عليهم نالوا منزلة القرب والكرامة.

والضالون حصل لهم ضد هذه الثلاثة: الضلال عن طريق السعادة، والوقوع في ضد الرحمة من الألم والعذاب، والذم واللعن الذي هو ضد الصلاة.

ولما كان نصيب كل عبد من الرحمة على قدر نصيبه من الهدى، كان أكمل المؤمنين إيمانا أعظمهم رحمة، كما قال تعالى في أصحاب رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩].

وكان الصديق رضي الله عنه [١٣١ أ] من أرحم الأمة، وقد روي عن النبي أنه قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر» رواه الترمذي ٢.

وكان أعلم الصحابة باتفاق الصحابة، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: وكان أبو بكر رضي الله عنه أعلمنا به يعني النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ١.

فجمع الله له بين سعة العلم والرحمة.
وهكذا الرجل، كلما اتسع علمه اتسعت رحمته.

وقد

جارٍ التحميل