إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانصفحات 215-254

الباب الثالث عشر في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم

صفحات 215-254

أبي جندل؛ ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لرددته» ١.

واتهام الصحابة لآرائهم كثير مشهور، وهم أبر الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأبعدها من الشيطان، فكانوا أتبع الأمة للسنة، وأشدهم اتهاما لآرائهم، وهؤلاء ضد ذلك.

وأهل الاستقامة منهم سلكوا على الجادة، ولم يلتفتوا إلى شيء من الخواطر والهواجس والإلهامات، حتى يقوم عليها شاهدان.

قال الجنيد بن محمد: قال أبو سليمان الداراني: «ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما؛ فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة» ٢.

وقال أبو يزيد: «لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يترفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود؟» ٣.

وقال أيضا: «من ترك قراءة القرآن، ولزوم الجماعات، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وادعى بهذا الشأن؛ فهو مدع» ١.

وقال سري السقطي: «من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالط» ٢.

وقال الجنيد: «مذهبنا هذا مقيد بالأصول بالكتاب والسنة، فمن لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ويتفقه لا يقتدى به» ٣.

وقال أبو بكر الدقاق: «من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حرم مشاهدة القلب في الباطن».

وقال أبو الحسين [٣٧ ب] النوري: «من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربه، ومن رأيته يدعي حالة لا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه» ٤.

وقال أبو سعيد الخراز: «كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل» ٥.

وقال الجريري: «أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد: أن تلزم قلبك المراقبة، ويكون العلم على ظاهرك قائما» ١.

وقال أبو حفص الكبير الشأن: «من لم يزن أفعاله وأحواله بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره؛ فلا تعدوه في ديوان الرجال» ٢.

وما أحسن ما قال أبو أحمد الشيرازي: «كان الصوفية يسخرون من الشيطان، والآن الشيطان يسخر منهم» ٣.

ونظير هذا ما قاله بعض أهل العلم: «كان الشيطان فيما مضى ينهب من الناس، واليوم الرجل الذي ينهب من الشيطان».

فصل

ومن كيده: أمرهم بلزوم زي واحد، ولبسة واحدة، وهيئة ومشية معينة، وشيخ معين، وطريقة مخترعة، ويفرض عليهم لزوم ذلك؛ بحيث يلزمونه كلزوم الفرائض، فلا يخرجون عنه، ويقدحون فيمن خرج عنه ويذمونه، وربما يلزم أحدهم موضعا معينا للصلاة لا يصلي إلا فيه، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: أن يوطن الرجل المكان للصلاة كما يوطن البعير ٤.

وكذلك ترى أحدهم لا يصلي إلا على سجادة، ولم يصل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على سجادة قط، ولا كانت السجادة تفرش بين يديه، بل كان يصلي على الأرض، وربما سجد في الطين، وكان يصلي على الحصير، فيصلي على ما اتفق بسطه، فإن لم يكن ثمة شيء صلى على الأرض.

وهؤلاء اشتغلوا بحفظ الرسوم عن الشريعة والحقيقة، فصاروا واقفين مع الرسوم المبتدعة، ليسوا مع أهل الفقه، ولا مع أهل الحقائق، فصاحب الحقيقة أشد شيء عليه التقيد بالرسوم الوضعية، وهي من أعظم الحجب بين قلبه وبين الله، فمتى تقيد بها حبس بها قلبه عن سيره، وكان أحسن أحواله الوقوف معها، ولا وقوف في السير، بل إما تقدم وإما تأخر، كما قال تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾ [المدثر: ٣٧]، فلا وقوف في الطريق؛ إنما هو ذهاب وتقدم، أو رجوع وتأخر.

ومن تأمل هدي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وسيرته وجده مناقضا لهدي هؤلاء؛ فإنه كان يلبس القميص تارة، والقباء تارة، والجبة تارة، والإزار والرداء تارة، ويركب البعير وحده، ومردفا لغيره، ويركب الفرس مسرجا وعريانا، ويركب الحمار، ويأكل ما حضر، ويجلس على الأرض تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى البساط تارة، ويمشي وحده تارة، ومع أصحابه تارة.
وهديه عدم التكلف وعدم التقيد بغير ما أمره به ربه، فبين هديه وهدي هؤلاء بون بعيد.

فصل

ومن كيده الذي بلغ به من الجهال ما بلغ: الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفي، حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد، والتعب الحاضر، وبطلان الأجر أو تنقيصه.

ولا ريب أن الشيطان هو الداعي إلى الوسواس، فأهله قد أطاعوا الشيطان، ولبوا دعوته، واتبعوا أمره، ورغبوا عن اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وطريقته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، أو اغتسل كاغتساله؛ لم يطهر ولم يرتفع حدثه.

ولولا العذر بالجهل لكان هذا مشاقة للرسول؛ فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -[٣٨ أ] يتوضأ بالمد، وهو قريب من ثلث رطل بالدمشقي، ويغتسل بالصاع ١ وهو نحو رطل وثلث.

والموسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه.

وصح عنه أنه توضأ مرة مرة ٢، ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أن «من زاد عليها فقد أساء وتعدى وظلم» ٣.

فالموسوس مسيء متعد ظالم بشهادة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسيء به، متعد فيه لحدوده؟

وصح عنه أنه كان يغتسل هو وعائشة من قصعة بينهما، فيها أثر العجين ١.

ولو رأى الموسوس من يفعل هذا لأنكر عليه غاية الإنكار، وقال: ما يكفي هذا القدر لغسل اثنين، كيف والعجين يحلله الماء فيغيره؟ هذا والرشاش ينزل في الماء فينجسه عند بعضهم، ويفسده عند آخرين، فلا تصح به الطهارة.

وكان - صلى الله عليه وآله وسلم - يفعل ذلك مع غير عائشة، مثل ميمونة وأم سلمة.
وهذا كله في «الصحيح» ١.

وثبت أيضا في «الصحيح» ٢ عن ابن عمر، أنه قال: «كان الرجال والنساء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يتوضأون من إناء واحد».

والآنية التي كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأزواجه وأصحابه ونساؤهم يغتسلون منها لم تكن من كبار الآنية، ولا كانت لها مادة تمدها، كأنبوب الحمام ونحوه، ولم يكونوا يراعون فيضانها حتى يجري الماء من حافاتها، كما يراعيه جهال الناس ممن بلي بالوسواس في جرن الحمام.

فهدي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي من رغب عنه فقد رغب عن سنته: جواز الاغتسال من الحياض والآنية، وإن كانت ناقصة غير فائضة.
ومن انتظر الحوض حتى يفيض ثم استعمله وحده، ولم يمكن أحدا أن يشاركه في استعماله، فهو مبتدع مخالف للشريعة.

قال شيخنا: ويستحق التعزير البليغ، الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع.

ودلت هذه السنن الصحيحة على أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه لم يكونوا يكثرون صب الماء، ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان.

قال سعيد بن المسيب: «إني لأستنجي من كوز الحب، وأتوضأ، وأفضل منه لأهلي» ٣.

وقال الإمام أحمد: «من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء».

وقال المروذي: «وضأت أبا عبد الله بالعسكر، فسترته من الناس، لئلا يقولوا: إنه لا يحسن الوضوء؛ لقلة صبه الماء».

وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى.

وثبت عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - في «الصحيح» ١: أنه توضأ من إناء، فأدخل يده فيه، ثم تمضمض واستنشق.

وكذلك كان في غسله يدخل يده في الإناء، ويتناول الماء منه.

والموسوس لا يجوز ذلك، ولعله أن يحكم بنجاسة الماء، أو يسلبه طهوريته بذلك.

وبالجملة فلا تطاوعه نفسه لاتباع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وأن يأتي بمثل ٢ ما أتى به أبدا، وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر الفرق، قريبا من خمسة أرطال بالدمشقي، يغمسان أيديهما فيه، ويفرغان عليهما؟

فالموسوس يشمئز من ذلك كما يشمئز المشرك إذا ذكر الله وحده.

قال أصحاب الوسواس: إنما حملنا على ذلك الاحتياط لديننا، والعمل بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ١، وقوله: «من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» ٢، وقوله: «الإثم ما حاك في الصدر» ٣.

[٣٨ ب] وقال بعض السلف: الإثم حواز القلوب ٤.

وقد وجد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تمرة، فقال: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها» ١، أفلا ترى أنه ترك أكلها احتياطا؟

قد أفتى مالك من طلق امرأته وشك هل هي واحدة أم ثلاث: بأنها ثلاث؛ احتياطا للفروج.

وأفتى من حلف بالطلاق أن في هذه اللوزة حبتين، وهو لا يعلم ذلك، فبان الأمر كما حلف عليه: أنه حانث؛ لأنه حلف على ما لا يعلم.

وقال فيمن طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها: تطلق عليه جميع نسائه احتياطا، وقطعا للشك.

وقال أصحاب مالك فيمن حلف بيمين ثم نسيها: إنه يلزمه جميع ما يحلف به عادة، فيلزمه الطلاق، والعتاق، والصدقة بثلث المال، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين بالله، والحج ماشيا، ويقع الطلاق في جميع نسائه، ويعتق عليه جميع عبيده وإمائه، وهذا أحد القولين عندهم.

ومذهب مالك أيضا: أنه إذا حلف ليفعلن كذا، أنه على حنث حتى يفعله، فيحال بينه وبين امرأته إذا كان حالفا بالطلاق حتى يفعل، فإذا فعل خلي بينه وبين امرأته.

ومذهبه أيضا: إذا قال: إذا جاء رأس الحول فأنت طالق ثلاثا: أنها تطلق في الحال.

وهذا كله احتياط.

وقال الفقهاء: من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله.

وقالوا: إذا كان معه ثياب طاهرة وتنجس منها ثياب، وشك فيها، صلى في ثوب بعد ثوب بعدد النجس، وزاد صلاة ليتيقن براءة ذمته.

وقالوا: إذا اشتبهت الأواني الطاهرة بالنجسة أراق الجميع وتيمم.

وكذلك إذا اشتبهت عليه القبلة، فلا يدري في أي جهة، فإنه يصلي أربع صلوات عند بعض الأئمة؛ لتبرأ ذمته بيقين.

وقالوا: من ترك صلاة من يوم ثم نسيها وجب عليه أن يصلي خمس صلوات.

وقد أمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من شك في صلاته أن يبني على اليقين ١.

وحرم أكل الصيد إذا شك صاحبه: هل مات بسهمه أو بغيره ٢، كما إذا وقع في الماء.

وحرم أكله إذا خالط كلبه كلبا آخر؛ للشك في تسمية صاحبه عليه.

وهذا باب يطول تتبعه.
فالاحتياط والأخذ باليقين غير مستنكر في الشرع، وإن سميتموه وسواسا.

وقد كان عبد الله بن عمر يغسل داخل عينيه في الطهارة حتى عمي ١.

وكان أبو هريرة إذا توضأ أشرع في العضد، وإذا غسل رجليه أشرع في الساقين ٢.

فنحن إذا احتطنا لأنفسنا وأخذنا باليقين، وتركنا ما يريب إلى ما لا يريب، وتركنا المشكوك ٣ فيه للمتيقن المعلوم، وتجنبنا محل الاشتباه، لم نكن بذلك عن الشريعة خارجين، ولا في البدعة والجين، وهل هذا إلا خير من التسهيل والاسترسال؟ حتى لا يبالي العبد بدينه، ولا يحتاط له، بل يسهل الأشياء ويمشي حالها، ولا يبالي كيف توضأ؟ ولا بأي ماء توضأ؟ ولا بأي مكان صلى؟ ولا يبالي ما أصاب ذيله وثوبه، ولا يسأل عما عهد، بل يتغافل، ويحسن ظنه، فهو مهمل لدينه لا يبالي ما شك فيه؛ ويحمل الأمور على الطهارة، وربما كانت أفحش النجاسة، ويدخل بالشك ويخرج بالشك، فأين هذا ممن استقصى في فعل ما أمر به، واجتهد فيه، حتى لا يخل بشيء منه، وإن زاد على المأمور فإنما قصده بالزيادة تكميل المأمور، وأن لا ينقص منه شيئا!

قالوا: وجماع ما ينكرونه علينا: احتياط [٣٩ أ] في فعل مأمور، أو احتياط في تجنب محظور، وذلك خير وأحسن عاقبة من التهاون بهذين؛ فإنه يفضي غالبا إلى النقص من الواجب، والدخول في المحرم، وإذا وازنا بين هذه المفسدة ومفسدة الوسواس كانت مفسدة الوسواس أخف، هذا إن ساعدناكم على تسميته وسواسا، وإنما نسميه احتياطا واستظهارا، فلستم بأسعد منا بالسنة، ونحن حولها ندندن، وتكميلها نريد.

قال أهل الاقتصاد والاتباع: قال الله سبحانه: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ [الأنعام: ١٥٣].

وهذا الصراط المستقيم الذي وصانا باتباعه: هو الصراط الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه فهو من السبل الجائرة، قاله من قاله.

لكن الجور قد يكون جورا عظيما عن الصراط، وقد يكون يسيرا، وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، وهذا كالطريق الحسي ١، فإن السالك قد يعدل عنه ويجور جورا فاحشا، وقد يجور دون ذلك، ف

رد أهل السنة على هذه الشبهات

هو ما كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه

عليه، والجائر عنه إما مفرط ظالم، أو مجتهد متأول، أو مقلد جاهل، فمنهم المستحق للعقوبة ١، ومنهم المغفور له، ومنهم المأجور أجرا واحدا، بحسب نياتهم ومقاصدهم، واجتهادهم في طاعة الله ورسوله، أو تفريطهم.

ونحن نسوق من هدي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وهدي أصحابه ما يبين أي الفريقين أولى باتباعه، ثم نجيب عما احتجوا به، بعون الله وتوفيقه.

ونقدم قبل ذلك ذكر النهى عن الغلو، وتعدي الحدود، والإسراف، وأن الاقتصاد والاعتصام بالسنة عليهما مدار الدين.

قال تعالى: ﴿ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾ [النساء: ١٧١]، وقال تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [البقرة: ١٩٠].

وقال ابن عباس: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى»، فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا»، ثم قال: «أيها الناس! إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو في الدين»، رواه الإمام أحمد، والنسائي ٢.

وقال أنس: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم؛ فإن قوما شددوا على أنفسهم؛ فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار، ﴿رهبانية... ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾» ١.

فنهى - صلى الله عليه وآله وسلم - عن التشدد في الدين، وذلك بالزيادة على المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه؛ إما بالقدر، وإما بالشرع.

فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به.

وبالقدر: كفعل أهل الوسواس، فإنهم شددوا على أنفسهم؛ فشدد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك، وصار صفة لازمة لهم.

قال البخاري ١: «وكره أهل العلم الإسراف فيه، يعني الوضوء [٣٩ ب]، وأن يجاوزوا فعل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -».

وقال ابن عمر: «إسباغ الوضوء: الإنقاء» ٢.

فالفقه كل الفقه: الاقتصاد في الدين، والاعتصام بالسنة.

قال أبي بن كعب: «عليكم بالسبيل والسنة؛ فإنه ما من عبد على السبيل والسنة، ذكر الله فاقشعر جلده من خشية الله؛ إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها، وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصادا أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم» ٣.

قال الشيخ أبو محمد المقدسي في كتابه «ذم الوسواس» ١:

الحمد لله الذي هدانا بنعمته، وشرفنا بمحمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وبرسالته، ووفقنا للاقتداء به والتمسك بسنته، ومن علينا باتباعه الذي جعله علما على محبته ومغفرته، وسببا لكتابة رحمته وحصول هدايته، فقال سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾ إلى قوله: ﴿النبي الأمي﴾، ثم قال: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: ١٥٨].

أما بعد، فإن الله سبحانه جعل الشيطان عدوا للإنسان، يقعد له الصراط المستقيم، ويأتيه من كل جهة وسبيل، كما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم (١٦) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧]، وحذرنا الله تعالى من متابعته، وأمرنا بمعاداته ومخالفته، فقال سبحانه: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾ [فاطر: ٦]، وقال: ﴿يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ [الأعراف: ٢٧]، وأخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرا لنا من طاعته، وقطعا للعذر في متابعته، وأمرنا الله باتباع صراطه المستقيم، ونهانا عن اتباع السبل، فقال سبحانه: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا

تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣].

وسبيل الله وصراطه المستقيم: هو الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وصحابته، بدليل قوله عز وجل: ﴿يس (١) والقرآن الحكيم (٢) إنك لمن المرسلين (٣) على صراط مستقيم﴾ [يس: ١ - ٤]، وقال: ﴿إنك لعلى هدى مستقيم﴾ [الحج: ٦٧]، وقال: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢].

فمن اتبع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في قوله وفعله فهو على صراط الله المستقيم، وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه في قوله أو فعله فهو مبتدع، متبع لسبيل الشيطان، غير داخل فيمن وعد الله بالمحبة والمغفرة والإحسان.

فصل

ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان، حتى اتصفوا بوسوسته، وقبلوا قوله وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، أو صلى كصلاته، فوضوؤه باطل، وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في مؤاكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين: أنه قد صار نجسا، يجب عليه تسبيع يده وفيه، كما لو ولغ فيهما كلب، أو بال عليهما هر.

ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون، ويقارب مذهب السوفسطائية [٤٠ أ] الذين ينكرون حقائق الموجودات، والأمور المحسوسات، وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات، وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غسلا يشاهده ببصره، ويكبر ١

ويقرأ بلسانه، بحيث تسمعه أذناه ويعلمه بقلبه، بل يعلمه غيره منه ويتيقنه، ثم يشك هل فعل ذلك أم لا؟ وكذلك يشككه الشيطان في نيته وقصده التي يعلمها من نفسه يقينا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله، ومع هذا يقبل قول إبليس في أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها؛ مكابرة منه لعيانه، وجحدا ليقين نفسه، حتى تراه متلددا متحيرا؛ كأنه يعالج شيئا يجتذبه، أو يجد شيئا في باطنه يستخرجه؛ كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس، وقبول من وسوسته، ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية في طاعته.

ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه، ويطيعه في الإضرار بجسده، تارة بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك، وربما فتح عينيه في الماء البارد، وغسل داخلهما حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته للناس، وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان، ويستهزئ به من يراه.

قلت: ذكر أبو الفرج ابن الجوزي ١ عن أبى الوفاء ابن عقيل أن رجلا قال له: أنغمس في الماء مرارا كثيرة، وأشك هل صح الغسل أم لا؟ فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب؛ فقد سقطت عنك الصلاة، قال: وكيف؟ قال: لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ» ٢، ومن ينغمس في الماء مرارا ويشك

هل أصابه الماء أم لا؟ فهو مجنون.

قال ١: وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ويشغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى، وربما فوت عليه ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا، ويكذب.

قلت: وحكى لي من أثق به عن موسوس عظيم: رأيته أنا يكرر عقد النية مرارا عديدة، فيشق على المأمومين مشقة كبيرة، فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة، فلم يدعه إبليس حتى زاد، ففرق بينه وبين امرأته، فأصابه لذلك غم شديد، وأقاما متفرقين دهرا طويلا، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد، ثم إنه حنث في يمين حلفها، ففرق بينهما، وردت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها.

وبلغني عن آخر: أنه كان شديد التنطع في التلفظ بالنية، والتقعر في ذلك، فاشتد به التنطع والتقعر يوما إلى أن قال: أصلي، أصلي ــ مرارا ــ صلاة كذا وكذا، وأراد أن يقول: أداء، فأعجم الدال، وقال: أذاء لله، فقطع الصلاة

رجل إلى جانبه، فقال: ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين.

قال ١: ومنهم من يتوسوس في إخراج الحرف، حتى يكرره مرارا.

قال: فرأيت منهم من يقول: الله أكككبر.

قال: وقال لي إنسان منهم: قد عجزت عن قول: «السلام عليكم»، فقلت له: قل مثل ما قد قلت الآن، وقد استرحت.

وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا والآخرة، وأخرجهم عن اتباع الرسول، وأدخلهم في جملة أهل التنطع والغلو، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما خالفه من تسويل إبليس ووسوسته، ويوقن أنه عدو له لا يدعوه إلى خير: ﴿إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ [فاطر: ٦]، وليترك [٤٠ ب] التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كائنا ما كان؛ فإنه لا يشك أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان على الصراط المستقيم، ومن شك في هذا فليس بمسلم.

ومن علمه قال: فإلى أين العدول عن سنته؟ وأي شيء ينبغي للعبد غير طريقته ٢؟ ويقول لنفسه: ألست تعلمين أن طريقة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - هي الصراط المستقيم؟ فإذا قالت: بلى؛ قال لها: فهل كان يفعل هذا؟ فستقول:

لا، فقل لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وهل بعد طريق الجنة إلا طريق النار؟ وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان؟ فإن اتبعت سبيله كنت قرينه، وستقولين: ﴿ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين﴾ [الزخرف: ٣٨]، ولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فليقتد بهم، وليحتذ ١ طريقتهم؛ فقد روينا عن بعضهم أنه قال: «لقد تقدمني قوم؛ لو لم يتجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته».

قلت: هو إبراهيم النخعي ٢.

وقال زين العابدين يوما لابنه: «يا بني! اتخذ لي ثوبا ألبسه عند قضاء الحاجة؛ فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء، ثم يقع على الثوب».
ثم انتبه ٣ فقال: «ما كان للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه إلا ثوب واحد».
فتركه ٤.

وكان عمر رضي الله تعالى عنه يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - انتهى، حتى إنه قال: «لقد هممت أن أنهى عن لبس هذه الثياب؛ فإنه بلغني أنها تصبغ ببول العجائز»، فقال له أبي: «ما لك أن تنهى؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قد لبسها، ولبست في زمانه، ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله».
فقال عمر: «صدقت» ٥.

ثم ليعلم أن الصحابة ما كان فيهم موسوس، ولو كانت الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته، وهم خير الخلق وأفضلهم، ولو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الموسوسين لمقتهم، ولو أدركهم عمر لضربهم وأدبهم، ولو أدركهم ١ الصحابة لبدعوهم.

وها أنا أذكر ما جاء في خلاف مذهبهم؛ على ما يسره الله تعالى مفصلا ٢:

الفصل الأول في النية في الطهارة والصلاة

النية: هي القصد والعزم على فعل الشيء، ومحلها القلب، لا تعلق لها باللسان أصلا، ولذلك لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا عن أصحابه في النية لفظ بحال، ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك.

وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة قد جعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس، يحبسهم عندها، ويعذبهم فيها، ويوقعهم في طلب تصحيحها؛ فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها، وليست من الصلاة في شيء، وإنما

النية قصد فعل الشيء

، فكل عازم على فعل فهو ناويه، لا يتصور انفكاك ذلك عن النية؛ فإنه حقيقتها، فلا يمكن عدمها في حال وجودها، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل يفعل شيئا من العبادات ولا غيرها بغير نية؛ فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة، لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل، ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية عن نيته لعجز عن ذلك، ولو كلفه الله تعالى الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيق، ولا يدخل تحت وسعه، وما كان هكذا فما وجه التعب في تحصيله؟

و

إن شك في حصول نيته فهو نوع جنون

، فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر يقيني، فكيف يشك فيه عاقل من نفسه؟ ومن قام ليصلي صلاة الظهر خلف الإمام فكيف يشك في ذلك؟ ولو دعاه داع إلى شغل في تلك الحال لقال: إني [٤١ أ] مشتغل أريد صلاة الظهر، ولو قال له قائل في وقت خروجه

إلى الصلاة: أين تمضي؟ لقال: أريد أصلي صلاة الظهر مع الإمام، فكيف يشك عاقل في هذا من نفسه وهو يعلمه يقينا؟

بل أعجب من هذا كله: أن غيره يعلم بنيته بقرائن الأحوال؛ فإنه إذا رأى إنسانا جالسا في الصف في وقت الصلاة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر الصلاة، وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها علم أنه إنما قام ليصلي، فإن تقدم بين يدي المأمومين علم أنه يريد إمامتهم، فإن رآه في الصف علم أنه يريد الائتمام.

قال ١: فإذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الأحوال، فكيف يجهلها من نفسه مع اطلاعه هو على باطنه؟ فقبوله من الشيطان أنه ما نوى: تصديق له في جحد العيان، وإنكار الحقائق المعلومة يقينا، ومخالفة للشرع، ورغبة عن السنة وعن طريق الصحابة.

ثم إن النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها، والموجودة لا يمكن إيجادها؛ لأن من شرط إيجاد الشيء كونه معدوما، فإن إيجاد الموجود محال، وإذا كان كذلك فما يحصل له بوقوفه شيء، ولو وقف ألف عام.

قال ٢: ومن العجب أنه يتوسوس حال قيامه حتى يركع الإمام، فإذا خشي فوات الركوع كبر سريعا وأدركه، فمن لم يحصل النية في الوقوف الطويل حال فراغ باله كيف يحصلها في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة؟

ثم ما يطلبه: إما أن يكون سهلا أو عسيرا، فإن كان سهلا فكيف يعسره؟ وإن كان عسيرا فكيف تيسر عند ركوع الإمام سواء؟

وكيف خفي ذلك على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وصحابته من أولهم إلى آخرهم، والتابعين ومن بعدهم؟ وكيف لم ينتبه له سوى من استحوذ عليه الشيطان؟ أفيظن بجهله أن الشيطان ناصح له؟ أما علم أنه لا يدعو إلى هدى، ولا يهدي إلى خير؟ وكيف يقول في صلاة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا فعل هذا الموسوس؟ أهي ناقصة عنده مفضولة، أم هي التامة الفاضلة؟ فما دعاه إلى مخالفتهم والرغبة عن طريقهم؟

فإن قال: هذا مرض بليت به، قلنا: نعم؛ سببه قبولك من الشيطان، ولم يعذر الله أحدا بذلك.

ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبلا منه أخرجا من الجنة، ونودي عليهما بما سمعت؟ وهما أقرب إلى العذر؛ لأنهما لم يتقدم قبلهما من يعتبران به، وأنت فقد سمعت، وحذرك الله من فتنته، وبين لك عداوته، وأوضح لك الطريق، فمالك عذر ولا حجة في ترك السنة، والقبول من الشيطان.

قلت: قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا أحد من أصحابه واحدة منها، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت، أداء لله تعالى، إماما أو مأموما، أربع ركعات، مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه، ويحني جبهته، ويقيم عروق عنقه ١،

ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو.

ولو مكث أحدهم عمر نوح يفتش: هل فعل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أو أحد من أصحابه شيئا من ذلك لما ظفر به؛ إلا أن يجاهر بالكذب البحت! فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه، ولدلونا عليه فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه، وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال؟

قال ١: ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة، كقوله في التحيات: أت أت، التحي التحي، وفى السلام: أس أس، [٤١ ب] وقوله في التكبير: أكككبر... ونحو ذلك، فهذا؛ الظاهر بطلان الصلاة به، وربما كان إماما فأفسد صلاة المأمومين، وصارت الصلاة التي هي من أكبر الطاعات أعظم إبعادا له عن الله من الكبائر، وما لم يبطل الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة، ورغبة عن طريقة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وهديه، وما كان عليه أصحابه.

وربما رفع صوته بذلك؛ فآذى سامعيه، وأغرى الناس بذمه والوقيعة فيه، فجمع على نفسه طاعة إبليس، ومخالفة السنة، وارتكاب شر الأمور ومحدثاتها، وتعذيب نفسه ٢، وإضاعة الوقت، والاشتغال بما ينقص أجره، وفوات ما هو أنفع له، وتعريض نفسه لطعن الناس فيه، وتغرير الجاهل بالاقتداء به؛ فإنه يقول: لولا أن ذلك أفضل لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه لا يكفي وحده، وانفعال النفس وضعفها للشيطان حتى يشتد طمعه فيه، وتعريضه نفسه للتشديد عليه بالقدر عقوبة له، وإقامته

على الجهل، ورضاه بالخبل في العقل، كما قال أبو حامد الغزالي وغيره: الوسوسة سببها إما جهل بالشرع، وإما خبل في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب.

فهذه نحو خمس ١ عشرة مفسدة في الوسواس، ومفاسده أضعاف ذلك بكثير.

وقد روى مسلم في «صحيحه» ٢ من حديث عثمان بن أبى العاص، قال: قلت: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، يلبسها علي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا»، ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني.

فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأصحابه، نعوذ بالله منه.

فصل

ومن ذلك: الإسراف في ماء الوضوء والغسل.

وقد روى أحمد في «مسنده» ٣ من حديث عبد الله بن عمرو: أن

رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «لا تسرف»، فقال: يا رسول الله! أفي الماء إسراف؟ قال: «نعم؛ وإن كنت على نهر جار».

وفى «جامع الترمذي» ١ من حديث أبي بن كعب، أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال:

«للوضوء شيطان يقال له الولهان؛ فاتقوا وسواس الماء».

وفى «المسند» و«السنن» ١ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثا ثلاثا، وقال: «هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم».

وفى كتاب «الشافي» لأبى بكر عبد العزيز، من حديث أم سعد، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يجزئ من الوضوء مد، والغسل صاع، وسيأتي قوم يستقلون ذلك، فأولئك خلاف أهل سنتي، والآخذ بسنتي في حظيرة القدس متنزه أهل الجنة» ٢.

وفي «سنن الأثرم» من حديث سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: «يجزئ من الوضوء المد، ومن الغسل من الجنابة الصاع، فقال رجل: ما يكفيني! فغضب جابر حتى تربد وجهه، ثم قال: قد كفى من هو خير منك وأكثر شعرا» ١.

وقد رواه الإمام أحمد في «مسنده» ٢ مرفوعا، ولفظه: عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يجزئ من الغسل الصاع، ومن الوضوء المد».

وفي «صحيح مسلم» ١ عن عائشة: «أنها كانت تغتسل هي والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من إناء واحد؛ يسع ثلاثة أمداد، أو قريبا من ذلك».

وفي «سنن النسائي» ٢ [٤٢ أ] عن عبيد بن عمير: أن عائشة قالت: لقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من هذا، فإذا تور موضوع مثل الصاع أو دونه؛ نشرع فيه جميعا، فأفيض بيدي على رأسي ثلاث مرات، وما أنقض لي شعرا.

وفي «سنن أبى داود» و«النسائي» ٣ عن عباد بن تميم، عن أم عمارة

بنت كعب أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - توضأ، فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد.

وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن لي ركوة أو قدحا ما يسع إلا نصف المد أو نحوه، أبول ثم أتوضأ منه، وأفضل منه فضلا»، قال عبد الرحمن: فذكرت ذلك لسليمان بن يسار فقال: «وأنا يكفيني مثل ذلك»، قال عبد الرحمن: فذكرت ذلك لأبى عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر، فقال: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -. رواه الأثرم في «سننه» ١.

وقال إبراهيم النخعي: «كانوا أشد استيفاء للماء منكم، وكانوا يرون أن ربع المد يجزئ من الوضوء» ٢.

وهذا مبالغة عظيمة ٣؛ فإن ربع المد لا يبلغ أوقية ونصفا بالدمشقي.

وفى «الصحيحين» ٤ عن أنس: «كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد».

وفى «صحيح مسلم» ٥ عن سفينة، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يغسله

الصاع من الجنابة، ويوضئه المد».

وقال إبراهيم النخعي: «إني لأتوضأ من كوز الحب مرتين» ١.

وتوضأ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق بقدر نصف المد، أو أزيد بقليل ٢.

وقال محمد بن عجلان: «الفقه في دين الله: إسباغ الوضوء، وقلة إهراق الماء» ٣.

وقال الإمام أحمد: «كان يقال: من قلة فقه الرجل ولعه بالماء».

وقال الميموني: «كنت أتوضأ بماء كثير، فقال لي أحمد: يا أبا الحسن، أترضى أن تكون كذا؟ فتركته».

وقال عبد الله بن أحمد: «قلت لأبي: إني لأكثر الوضوء، فنهاني عن ذلك، وقال: يا بني، يقال: إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، قال لي ذلك في غير مرة، ينهاني عن كثرة صب الماء، وقال لي: أقلل من هذا الماء يا بني!».

وقال إسحاق بن منصور: «قلت لأحمد: نزيد على ثلاث في الوضوء؟ فقال: لا والله، إلا رجلا مبتلى».

وقال أسود بن سالم ــ الرجل الصالح شيخ الإمام أحمد ــ: «كنت مبتلى بالوضوء، فنزلت دجلة أتوضأ، فسمعت هاتفا يقول: يا أسود! يحيى، عن سعيد: «الوضوء ثلاث، ما كان أكثر لم يرفع»، فالتفت فلم أر أحدا» ١.

وقد روى أبو داود في «سننه» ٢ من حديث عبد الله بن المغفل، قال:

سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء».

فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف: ٥٥]، وعلمت أن الله يحب عبادته، أنتج لك من هذا أن وضوء الموسوس ليس بعبادة يقبلها الله، وإن أسقطت الفرض عنه؛ فلا تفتح أبواب الجنة الثمانية لوضوئه يدخل من أيها شاء!

ومن مفاسد الوسواس: أنه يشغل ذمته بالزائد على حاجته، إذا كان الماء مملوكا لغيره كماء الحمام، فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته، ويتطاول عليه الدين، حتى يرتهن من ذلك بشيء كثير جدا، يتضرر به في البرزخ ويوم القيامة.

فصل

ومن ذلك: الوسواس في انتقاض الطهارة؛ لا يلتفت إليه.

وفي «صحيح مسلم» ١ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد؛ حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا».

[٤٢ ب] وفي «الصحيحين» ٢ عن عبد الله بن زيد، قال: شكي إلى

رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا».

وفي «المسند»، و«سنن أبي داود» ١ عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة، فيأخذ شعرة من دبره، فيمدها، فيرى أنه قد أحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا».

ولفظ أبي داود ٢: «إذا أتى الشيطان أحدكم فقال له: إنك قد أحدثت؛ فليقل له: كذبت؛ إلا ما وجد ريحا بأنفه، أو سمع صوتا بأذنه».

فأمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بتكذيب الشيطان فيما يحتمل صدقه فيه، فكيف إذا كان كذبه معلوما متيقنا، كقوله للموسوس: لم تفعل كذا، وقد فعله!

قال الشيخ أبو محمد ٣: ويستحب للإنسان أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا بال؛ ليدفع عن نفسه الوسوسة، فمتى وجد بللا قال: هذا من الماء

الذي نضحته؛ لما روى أبو داود ١ بإسناده عن سفيان بن الحكم الثقفي ــ أو الحكم بن سفيان ــ قال: «كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا بال توضأ وينتضح».

وفي رواية ٢: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بال، ثم نضح فرجه»، وكان ابن عمر ينضح فرجه؛ حتى يبل سراويله ٣.

وشكا إلى الإمام أحمد بعض أصحابه أنه يجد البلل بعد الوضوء، فأمره أن ينضح فرجه إذا بال، قال: ولا تجعل ذلك من همتك، واله عنه.

وسئل الحسن أو غيره عن مثل هذا، فقال: «اله عنه»؛ فأعاد عليه المسألة، فقال: «أتستدره لا أبا لك؟! اله عنه» ١.

فصل

ومن هذا: ما يفعله كثير من الموسوسين بعد البول؛ وهو عشرة أشياء: السلت، والنتر، والنحنحة، والمشي، والقفز، والحبل، والتفقد، والوجور، والحشو، والعصابة، والدرجة.

أما السلت فيسلته من أصله إلي رأسه، على أنه قد روي في ذلك حديث غريب لا يثبت، ففي «المسند» و«سنن ابن ماجه» ٢ عن عيسي بن يزداد،

عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إذا بال أحدكم فليمسح ذكره ثلاث مرات».

وقال جابر بن زيد: «إذا بلت فامسح أسفل ذكرك؛ فإنه ينقطع» رواه سعيد عنه ١.

قالوا: ولأنه بالسلت والنتر يستخرج ما يخشى عوده بعد الاستنجاء.

قالوا: وإن احتاج إلى مشي خطوات لذلك ففعل فقد أحسن.
والنحنحة ليستخرج الفضلة، وكذلك القفز؛ يرتفع عن الأرض شيئا، ثم يجلس بسرعة.
والحبل يتخذ بعضهم حبلا يتعلق به، حتى يكاد يرتفع، ثم ينخرط فيه حتى يقعد.
والتفقد: يمسك الذكر ثم ينظر في المخرج: هل بقي فيه شيء أم لا؟ والوجور: يمسكه ثم يفتح الثقب، ويصب فيه الماء.
والحشو يكون معه ميل وقطن يحشوه به؛ كما يحشو الدمل بعد فتحها.
والعصابة: يعصبه بخرقة.
والدرجة: يصعد في سلم قليلا، ثم ينزل بسرعة.
والمشي: يمشي خطوات، ثم يعيد الاستجمار.

قال شيخنا: وذلك كله وسواس وبدعة.
فراجعته في السلت والنتر؛ فلم يره، وقال: لم يصح الحديث، قال: والبول كاللبن في الضرع، إن تركته قر، وإن حلبته در.

قال: ومن اعتاد ذلك ابتلي به ٢ بما عوفي منه من لها عنه.

جارٍ التحميل