إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانالباب الثاني في ذكر حقيقة مرض القلب

الباب الثاني في ذكر حقيقة مرض القلب

قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾ [البقرة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض﴾ [الحج: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ [الأحزاب: ٣٢]، أمرهن أن لا يلن في كلامهن، كما تلين المرأة المعطية الليان في منطقها، فيطمع من في قلبه مرض الشهوة، ومع ذلك فلا يخشن في القول بحيث يلتحق بالفحش، بل يقلن قولا معروفا.

وقال تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم﴾ [الأحزاب: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وما جعلنا أصحاب النار [٤ ب] إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾ [المدثر: ٣١].

أخبر الله سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه خمس حكم:

فتنة الكافرين؛ فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم.

وقوة يقين أهل الكتاب؛ فيقوى يقينهم ١ بموافقة الخبر بذلك لما

عندهم عن أنبيائهم؛ من غير تلق من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عنهم، فتقوم الحجة على معاندهم، وينقاد للإيمان من يريد ١ الله أن يهديه.

وزيادة إيمان الذين آمنوا؛ بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به.

وانتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال ٢ تصديقهم به.

فهذه أربع ٣ حكم: فتنة الكفار، ويقين أهل الكتاب، وزيادة إيمان المؤمنين، وانتفاء الريب عن المؤمنين وأهل الكتاب.

الخامسة: حيرة الكافر ومن في قلبه مرض، وعمي قلبه عن المراد بذلك، فيقول: ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾.

وهذه

حال القلوب عند ورود الحق المنزل

عليها: قلب يفتتن به كفرا وجحودا، وقلب يزداد به إيمانا وتصديقا، وقلب يتيقنه، فتقوم عليه الحجة به، وقلب يوجب له حيرة وعمى، فلا يدرى ما يراد به.

واليقين وعدم الريب في هذا الموضع: إن رجعا إلى شيء واحد كان ذكر عدم الريب مقررا لليقين، ومؤكدا له، ونافيا عنه ما يضاده بوجه من الوجوه، وإن رجعا إلى شيئين بأن يكون اليقين راجعا إلى الخبر المذكور عن عدة ٤ الملائكة، وعدم الريب عائدا إلى عموم ما أخبر الرسول به؛

لدلالة هذا الخبر الذي لا يعلم إلا من جهة الرسول على صدقه، فلا يرتاب من قد عرف صحة هذا الخبر بعد في صدق الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-= ظهرت فائدة ذكره.

والمقصود ذكر مرض القلب وحقيقته.

وقال تعالى: ﴿ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ [يونس: ٥٧]؛ فهو شفاء لما في الصدور من مرض الجهل والغي، فإن الجهل مرض؛ شفاؤه العلم والهدى، والغي مرض؛ شفاؤه الرشد.
وقد نزه الله سبحانه نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- عن هذين الداءين، فقال: ﴿والنجم إذا هوى (١) ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم: ١، ٢]، ووصف رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- خلفاءه بضدهما فقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" ١، وجعل كلامه سبحانه موعظة للناس عامة، وهدى ورحمة

لمن آمن به خاصة، وشفاء تاما لما في الصدور؛ فمن استشفى به صح وبرئ من مرضه، ومن لم يستشف به فهو كما قيل:

إذا بل من داء به ظن أنه... نجا وبه الداء الذي هو قاتله ١

وقال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا﴾ [الإسراء: ٨٢]، والأظهر أن "من" هاهنا لبيان الجنس، فالقرآن جميعه شفاء ورحمة للمؤمنين.

فصل

ولما كان مرض البدن خلاف صحته وصلاحه، وهو خروجه عن اعتداله الطبيعي، لفساد يعرض له، يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية: فإما أن يذهب إدراكه بالكلية؛ كالعمى والصمم والشلل، وإما أن ينقص إدراكه لضعف في آلات [٥ أ] الإدراك مع استقامة إدراكه، وإما أن يدرك الأشياء على خلاف ما هي عليه، كما يدرك الحلو مرا، والخبيث طيبا، والطيب خبيثا.

وأما فساد حركته الطبيعية: فمثل أن تضعف قوته الهاضمة، أو الماسكة، أو الدافعة، أو الجاذبة، فيحصل له من الألم بحسب خروجه عن الاعتدال، ولكن مع ذلك لم يصل إلى حد الموت والهلاك، بل فيه نوع قوة على الإدراك والحركة.

وسبب هذا الخروج عن الاعتدال: إما فساد في الكمية أو في الكيفية:

فالأول إما نقص في المادة؛ فيحتاج إلى زيادتها، وإما زيادة فيها؛ فيحتاج إلى نقصانها.

والثاني إما بزيادة الحرارة، أو البرودة، أو الرطوبة، أو اليبوسة أو نقصانها عن القدر الطبيعي، فيداوى بمقتضى ذلك.

ومدار الصحة على حفظ القوة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة؛ ونظر الطبيب دائر على هذه الأصول الثلاثة، وقد تضمنها الكتاب العزيز، وأرشد إليها من أنزله شفاء ورحمة.

فأما حفظ القوة: فإنه سبحانه أمر المسافر والمريض أن يفطرا في رمضان، ويقضي المسافر إذا قدم، والمريض إذا برئ؛ حفظا لقوتهما عليهما؛ فإن الصوم يزيد المريض ضعفا، والمسافر محتاج إلى توفير قوته عليه لمشقة السفر، والصوم يضعفها.

وأما الحمية عن المؤذى: فإنه سبحانه حمى المريض عن استعمال الماء البارد في الوضوء والغسل إذا كان يضره، وأمره بالعدول إلى التيمم؛ حمية له عن ورود المؤذي عليه من ظاهر بدنه، فكيف بالمؤذي له من باطنه؟!

وأما استفراغ المادة الفاسدة: فإنه - سبحانه - أباح للمحرم الذي به أذى من رأسه أن يحلقه، فيستفرغ بالحلق الأبخرة المؤذية له، وهذا من أسهل أنواع الاستفراغ وأخفها، فنبه به على ما هو أحوج إليه منه.

وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر بهذا، فقال: والله لو سافرت إلى المغرب في معرفة هذه الفائدة؛ لكان سفرا قليلا أو كما قال.

وإذا عرف هذا فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وهو الإيمان وأوراد الطاعات؛ وإلى حمية عن المؤذى الضار، وذلك باجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات؛ وإلى استفراغه من مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح، واستغفار غافر الخطيئات.

ومرضه هو نوع فساد يحصل له، يفسد به تصوره للحق وإرادته له، فلا يرى الحق حقا، أو يراه على خلاف ما هو عليه، أو ينقص إدراكه له، ويفسد به إرادته له، فيبغض الحق النافع، أو يحب الباطل الضار، أو يجتمعان له وهو الغالب، ولهذا يفسر المرض الذي يعرض له؛ تارة بالشك والريب، كما قال مجاهد ١ وقتادة ٢ في قوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرض﴾ [البقرة: ١٠].
أي شك، وتارة بشهوة الزنى، كما فسر به قوله تعالى: ﴿فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ [الأحزاب: ٣٢]، فالأول مرض الشبهة، والثاني مرض الشهوة.

والصحة تحفظ بالمثل والشبه، والمرض يدفع بالضد والخلاف، وهو يقوى بمثل سببه، ويزول بضده، والصحة تحفظ بمثل سببها، وتضعف أو تزول بضده.

ولما كان البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح من يسير الحر والبرد والحركة ونحو ذلك، فكذلك القلب إذا كان فيه مرض؛ آذاه أدنى [٥ ب] شيء من الشبهة أو الشهوة، حيث لا يقدر على دفعهما ٣ إذا وردا عليه، والقلب الصحيح القوي يطرقه أضعاف ذلك، وهو يدفعه بقوته وصحته.

وبالجملة؛ فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه، وضعفت قوته، وترامى إلى التلف، ما لم يتدارك ذلك؛ بأن يحصل له ما يقوي قوته، ويزيل مرضه.

جارٍ التحميل