«ليس بكاذب من أصلح بين الناس ، فكذب فيه» (^٢)؟
فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم كان خيرا من أن يصلح بين الناس بعضهم في بعض، وذلك أنه أراد به مرضاة الله، وكراهية أذى المؤمن، ويندم على ما كان منه، ويدفع شره عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم، ولا طمعا في شيء يصيب منهم؛ فإنه لم يرخص في ذلك، ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عداوتهم.
قال حذيفة بن اليمان (^٣) رضي الله عنه: إني أشتري ديني بعضه ببعض؛
(^١) ذكره من هذه الطريق ابن تيمية في بيان الدليل (ص ٢٠٩)، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٥٠) بإسناده عن نعيم بن حماد قال: قلت لسفيان بن عيينة: أرأيت الرجل يعتذر إلي من الشيء عسى أن يكون قد فعله ويحرف فيه القول ... وذكره.
(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٢)، ومسلم (٢٦٠٥) عن أم كلثوم بنت عقبة.
(^٣) رواه في المخارج في الحيل (ص ٦) من طريق مسعر بن كدام، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٧٤) والطبري في تهذيب الآثار (٢٣٨ ــ مسند علي ـ) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٧٩) ــ وعنه ابن عساكر في تاريخه (١٢/ ٢٩٤) ــ من طريق الأعمش، كلاهما عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن حذيفة بنحوه وفيه قصة.
ورواه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٧٤) وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣١٥) من طريق أبي قلابة عن حذيفة مختصرا.
الجزء: 2 - الصفحة: 823
مخافة أن أتقدم على ما هو أعظم منه.
قال سفيان (^١): وقال الملكان: ﴿خصمان بغى بعضنا على بعض﴾ [ص: ٢٢]، أرادا معنى شيء، ولم يكونا خصمين، فلم يصيرا بذلك كاذبين، وقال إبراهيم عليه السلام: ﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩]، وقال: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقال يوسف عليه السلام: ﴿إنكم لسارقون﴾، أراد بمعنى أخيهم (^٢).
فبين سفيان أن هذا كله من المعاريض المباحة، مع تسميته كذبا، وإن لم يكن في الحقيقة كذبا.
وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه يجوز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير، بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق.
قال شيخنا (^٣) رحمه الله: وهذه الحجة ضعيفة؛ فإن يوسف عليه السلام لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف، حتى يقال: قد اقتص منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم كان تخلفه عنهم مما يؤذيهم لتأذي أبيهم، وللميثاق الذي
(^١) ذكره بهذا اللفظ ابن تيمية في بيان الدليل (ص ٢١٠)، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٥٠، ٢٥١) بنحوه.
وفيه: «وإنما أرادا الخير والمعنى الحسن».
وهو أوضح.
(^٢) كذا في الأصل.
وفي بعض المراجع: «معنى أمرهم».
(^٣) في بيان الدليل (ص ٢١١).
الجزء: 2 - الصفحة: 824
أخذه عليهم، وقد استثنى في الميثاق بقوله: ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف: ٦٦]، وقد أحيط بهم.
ويوسف عليه السلام لم يكن قصده باحتباس أخيه الانتقام من إخوته؛ فإنه كان أكرم من هذا وإن كان في ضمن ما فعل من تأذي أبيه أعظم من أذى إخوته؛ فإنما ذلك أمر أمره الله تعالى به ليبلغ الكتاب أجله، ويتم البلاء الذي استحق به يوسف ويعقوب عليهما السلام كمال الجزاء، وعلو المنزلة، وتبلغ حكمة الله تعالى التي قدرها وقضاها نهايتها.
ولو فرض أن يوسف عليه السلام قصد الاقتصاص منهم بما فعل فليس هذا بموضع خلاف بين العلماء؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل له أن يخونه، كما خانه، أو يسرقه كما سرقه؟ ولم تكن قصة يوسف عليه السلام من هذا النوع.
نعم، لو كان يوسف عليه السلام أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا شبهة له أيضا على هذا التقدير؛ فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه كان في هذا ابتلاء من الله تعالى لذلك المعتقل، كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيا خاصا، كالوحي إلى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه (^١)، وتكون حكمته في حق الأخ امتحانه وابتلاءه؛ لينال درجة الصبر على حكم الله، والرضا بقضائه، ويكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب عليه السلام في احتباس يوسف عليه السلام عنه.
(^١) «فيكون المبيح ... ابنه» ساقطة من م.
الجزء: 2 - الصفحة: 825
وقد دل على هذا نسبة الله سبحانه ذلك الكيد إلى نفسه بقوله: ﴿كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله﴾ [يوسف: ٧٦]، وهو سبحانه ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعاني، وما هو منها حكمة وحق وصواب، وجزاء للمسيء، وذلك غاية العدل والحق، كقوله: ﴿إنهم يكيدون كيدا (١٥) وأكيد كيدا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]، وقوله: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله: ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ [الأعراف: ١٨٣].
فهذا منه سبحانه في أعلى مراتب الحسن، وإن كان من العبد قبيحا [١١٦ أ] سيئا؛ لأنه ظالم فيه، وموقعه بمن لا يستحقه، والرب تعالى عادل فيه، موقعه بأهله ومن يستحقه، سواء قيل: إنه مجاز للمشاكلة الصورية، أو للمقابلة، أو سماه كذلك مشاكلة لاسم ما فعلوه، أو قيل: إنه حقيقة، وإن مسمى هذه الأفعال ينقسم إلى مذموم ومحمود، واللفظ حقيقة في هذا وهذا، كما قد بسطنا هذا المعنى، واستوفينا عليه الكلام في كتاب «الصواعق» (^١).
فصل
وإذا عرف ذلك، فيوسف صلوات الله عليه وسلامه كيد من وجوه عديدة:
أحدها: أن إخوته كادوه، حيث احتالوا في التفريق بينه وبين أبيه، كما قال له يعقوب صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا﴾ [يوسف: ٥].
(^١) انظر مختصر الصواعق (ص ٢٤٨ وما بعدها).
الجزء: 2 - الصفحة: 826
وثانيها: أنهم كادوه، حيث باعوه بيع العبيد، وقالوا: إنه غلام لنا أبق.
وثالثها: كيد امرأة العزيز له بتغليق الأبواب، ودعائه إلى نفسها.
ورابعها: كيدها له بقولها: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾ [يوسف: ٢٥]، فكادته بالمراودة أولا، وكادته بالكذب عليه ثانيا، ولهذا قال لها الشاهد لما تبين له براءة يوسف عليه السلام: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف: ٢٨].
وخامسها: كيدها له حيث جمعت له النسوة، وأخرجته عليهن، تستعين بهن عليه، وتستعذر إليهن من شغفها به.
وسادسها: كيد النسوة له، حتى استجار بالله تعالى من كيدهن، فقال: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (٣٣) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم﴾ [يوسف: ٣٣، ٣٤]، ولهذا لما جاءه الرسول بالخروج من السجن قال له: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم﴾ [يوسف: ٥٠].
فإن قيل: فما كان مكر النسوة اللاتي مكرن به، وسمعت به امرأة العزيز؟ فإن الله سبحانه لم يقصه في كتابه.
قيل: بل قد أشار إليه بقوله: ﴿وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين﴾ [يوسف: ٣٠]، وهذا الكلام متضمن لوجوه من المكر:
أحدها: قولهن: ﴿امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه﴾، ولم يسموها
الجزء: 2 - الصفحة: 827
باسمها، بل ذكروها بالوصف الذي ينادي عليها بقبيح فعلها، بكونها ذات بعل، فصدور الفاحشة منها أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.
الثاني: أن زوجها عزيز مصر ورئيسها وكبيرها، وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.
الثالث: أن الذي هم (^١) بها مملوك لا حر، وذلك أبلغ في القبح.
الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها وتحت كنفها، فحكمه حكم أهل البيت، بخلاف من طلب ذلك من الأجنبي البعيد.
الخامس: أنها هي المراودة الطالبة.
السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ، حتى وصل حبها له إلى شغاف قلبها.
السابع: أنه في ضمن هذا أنه أعف منها، وأبر، وأوفى، حيث كانت هي المراودة الطالبة، وهو الممتنع: عفافا وكرما وحياء، وهذا غاية الذم لها.
الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار والوقوع حالا واستقبالا، وأن هذا شأنها، ولم يقلن: راودت فتاها.
وفرق بين قولك: فلان أضاف ضيفا، وفلان يقرى الضيف، ويطعم الطعام، ويحمل الكل، فإن هذا يدل على أن هذا شأنه وعادته.
التاسع: قولهن: ﴿إنا لنراها في ضلال مبين﴾، أي: إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح، فنسبن الاستقباح إليهن، ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضا
(^١) «هم» ساقطة من النسخ، واستدركت من ح.
الجزء: 2 - الصفحة: 828
على الهوى، ولا يكدن يرين [١١٦ ب] ذلك قبيحا، كما يساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك، فحيث استقبحن منها ذلك كان هذا دليلا على أنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه.
العاشر: أنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط والطلب المفرط، فلم تقتصد في حبها ولا في طلبها، أما العشق فقولهن: ﴿قد شغفها حبا﴾، أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وأما الطلب المفرط فقولهن: ﴿تراود فتاها﴾، والمراودة: الطلب مرة بعد مرة، فنسبوها إلى شدة العشق، وشدة الحرص على الفاحشة.
فلما سمعت بهذا المكر منهن هيأت لهن مكرا أبلغ منه، فهيأت لهن متكا، ثم أرسلت إليهن، فجمعتهن، وخبأت يوسف عليه السلام عنهن، وقيل: إنها جملته وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته عليهن فجأة، فلم يرعهن إلا وأحسن خلق الله وأجمله قد طلع عليهن بغتة، فراعهن ذلك المنظر البهي، وفى أيديهن مدى يقطعن بها ما يأكلنه، فدهشن حتى قطعن أيديهن وهن لا يشعرن.
وقد قيل: إنهن أبن أيديهن، والظاهر خلاف ذلك، وإنما تقطيعهن أيديهن: جرحها وشقها بالمدى لدهشهن بما رأين، فقابلت مكرهن القولي بهذا المكر الفعلي، وكانت هذه في النساء غاية في المكر.
والمقصود أن الله سبحانه كاد ليوسف عليه السلام: بأن جمع بينه وبين أخيه، وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم، كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره.
الجزء: 2 - الصفحة: 829
وكاد له بأن أوقفهم بين يديه موقف الذليل الخاضع المستجدي، فقالوا: ﴿ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين﴾ [يوسف: ٨٨]، فهذا الذل والخضوع له في مقابلة ذله وخضوعه لهم يوم إلقائه في الجب، وبيعه بيع العبيد.
وكاد له بأن هيأ له الأسباب التي سجدوا له هم وأبوه وخالته في مقابلة كيدهم له، حذرا من وقوع ذلك، فإن الذي حملهم على إلقائه في الجب خشيتهم أن يرتفع عليهم حتى يسجدوا له كلهم، فكادوه خشية ذلك، فكاد الله تعالى له حتى وقع ذلك، كما رآه في منامه.
وهذا كما كاد فرعون بني إسرائيل: ﴿يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم﴾ [القصص: ٤]، خشية أن يخرج فيهم من يكون زوال ملكه على يديه، فكاده الله سبحانه بأن أخرج له هذا المولود، ورباه في بيته، وفى حجره، حتى وقع به منه ما كان يحذره، كما قيل:
وإذا خشيت من الأمور مقدرا ... وفررت منه فنحوه تتوجه (^١)
فصل
وكيد الله سبحانه لا يخرج عن نوعين:
أحدهما: أن يفعل سبحانه فعلا خارجا عن قدرة العبد الذي كاد له، فيكون الكيد قدرا محضا، ليس من باب الشرع، كما كاد الذين كفروا بأن
(^١) البيت لابن الرومي في التمثيل والمحاضرة (ص ١٠١)، والتذكرة الحمدونية (٧/ ٣٣)، ومجموعة المعاني (ص ١١)، ونهاية الأرب (٣/ ٩٥). وليس في ديوانه.
الجزء: 2 - الصفحة: 830
انتقم منهم بأنواع العقوبات، وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام، فإن يوسف أكثر ما قدر عليه أن ألقى الصواع في رحل أخيه، وأرسل مؤذنا يؤذن: ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾ [يوسف: ٧٠]، فلما أنكروا قال: ﴿فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (٧٤) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه﴾ [يوسف: ٧٤، ٧٥]، أي: جزاؤه استعباد المسروق ماله للسارق: إما مطلقا، وإما إلى مدة، وهذه كانت شريعة آل يعقوب عليه السلام، حتى قيل: إن مثل هذا كان مشروعا في أول الإسلام: أن المدين إذا أعسر بالدين استرقه صاحب الحق.
وعليه حمل حديث بيع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - سرقا (^١).
وقد قيل: بل كان بيعه إياه إيجاره (^٢) لمن يستعمله، وقضاء دينه بأجرته، وعلى هذا فليس بمنسوخ، [١١٧ أ] وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى: أن المفلس إذا بقيت عليه ديون، وله صنعة، أجبر على إجارته نفسه، أو آجره الحاكم، ووفى دينه من أجرته.
(^١) هو سرق بضم أوله وتشديد الراء المفتوحة وقيل: بتخفيفها، ابن أسد الجهني، وقيل غير ذلك، صحابي جليل سكن مصر، قدم المدينة وأخبر الصحابة أن ماله سيقدم، فبايعوه فاستهلك أموالهم، فأتوا به إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: «أنت سرق»، وباعه بأربعة أبعرة، ثم أعتقوه.
روى خبره هذا ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ٣٤٧)، والروياني (١٤٨٧)، والطحاوي في شرح المعاني (٥٦٩٢)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٩٩)، والدارقطني (٣/ ٦٢)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٥٠) وقال: «في إجماع العلماء على خلافه دليل على ضعفه، أو نسخه إن كان ثابتا»، وصححه الحاكم (٢٣٣٠)، وابن عبد الهادي في التنقيح (٤/ ١٣٠)، وحسنه الألباني في الإرواء (١٤٤٠).
(^٢) م: «إعساره».
وهو تحريف، والمثبت من باقي النسخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 831
وكان إلهام الله تعالى لإخوة يوسف عليه السلام قولهم: ﴿من وجد في رحله فهو جزاؤه﴾ [يوسف: ٧٥] كيدا من الله تعالى ليوسف عليه السلام، أجراه على ألسن إخوته، وذلك خارج عن قدرته، وكان يمكنهم أن يتخلصوا من ذلك بأن يقولوا: لا جزاء عليه حتى يثبت أنه هو الذي سرق، فإن مجرد وجوده في رحله لا يوجب أن يكون سارقا، وقد كان يوسف عليه السلام عادلا لا يأخذهم بغير حجة.
وكان يمكنهم التخلص أيضا بأن يقولوا: جزاؤه أن يفعل به ما تفعلونه بالسراق في دينكم، وقد كان من دين ملك مصر فيما ذكر: أن السارق يضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين، فلو قالوا له ذلك لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم، فلذلك قال سبحانه: ﴿كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله﴾ [يوسف: ٧٦]، أي: ما كان ليمكنه أخذه في دين ملك مصر، لأنه لم يكن في دينه طريق إلى أخذه.
وقوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾ [يوسف: ٧٦] استثناء منقطع، أي: لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر.
ويجوز أن يكون متصلا، والمعنى: إلا أن يهيئ الله سببا آخر يؤخذ به في دين الملك غير السرقة.
وفي هذه القصة تنبيه على الأخذ باللوث الظاهر في الحدود، وإن لم تقم بينة ولم يحصل إقرار، فإن وجود المسروق مع السارق أصدق من البينة، فهو بينة لا تلحقها التهمة، وقد اعتبرت شريعتنا ذلك في مواضع:
منها: اللوث في القسامة، والصحيح: أنها يقاد بها، كما دل عليه النص
الجزء: 2 - الصفحة: 832
الصحيح الصريح (^١).
ومنها: حد الصحابة رضي الله عنهم في الخمر بالرائحة والقيء (^٢).
ومنها: حد عمر رضي الله عنه في الزنى بالحبل، وجعله قسيم الاعتراف والشهادة (^٣).
فوجود المسروق مع السارق إن لم يكن أظهر من هذا كله، فليس دونه.
فلما فتشوا متاعه فوجدوا فيه الصواع، كان ذلك قائما مقام البينة والاعتراف، فلهذا لم يمكنهم أن يتظلموا من أخذه، ولو كان هذا ظلما لقالوا: كيف يأخذه بغير بينة ولا إقرار؟
وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتاب «الإعلام باتساع طرق الأحكام» (^٤).
والمقصود: أنه ليس في قصة يوسف عليه السلام شبهة، فضلا عن الحجة لأرباب الحيل.
فإنا إنما تكلمنا في الحيل التي يفعلها العبد، وحكمها في الإباحة والتحريم، لا فيما يكيد الله سبحانه وتعالى لعبده، بل في قصة يوسف عليه
(^١) وهو حديث سهل بن أبي حثمة الذي أخرجه البخاري (٦٨٩٨)، ومسلم (١٦٦٩).
(^٢) أخرجه البخاري (٥٠٠١)، ومسلم (٨٠١)، وأما بالقيء فأخرجه مسلم (١٧٠٧/ ٣٨).
(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٣١).
(^٤) لعله المطبوع بعنوان «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، ففي أوله تفصيل الكلام في هذا الموضوع، وفيه ذكر جميع الطرق التي يحكم بها الحاكم، وقد بلغت ستا وعشرين طريقة.
ومحتواه مناسب للعنوان المذكور هنا (الإعلام باتساع طرق الأحكام).
الجزء: 2 - الصفحة: 833
السلام تنبيه على أن من كاد غيره كيدا محرما فإن الله سبحانه وتعالى لابد أن يكيده، وأنه لا بد أن يكيد للمظلوم إذا صبر على كيد كائده، وتلطف به، فالمؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله تعالى يكيد له، وينتصر له، بغير حول منه ولا قوة.
فهذا أحد النوعين من كيده سبحانه لعبده.
النوع الثاني: أن يلهمه أمرا مباحا، أو مستحبا، أو واجبا، يوصله إلى المقصود الحسن، فيكون على هذا إلهامه ليوسف عليه السلام أن يفعل ما فعل: هو من كيده سبحانه أيضا، فيكون قد كاد له نوعي الكيد، ولهذا قال سبحانه: ﴿استخرجها من وعاء أخيه﴾ [يوسف: ٧٦].
وفى ذلك تنبيه على أن العلم الدقيق بلطيف الحيل الموصلة إلى المقصود الشرعي، الذي يحبه الله تعالى ورسوله من نصر دينه، وكسر أعدائه، ونصر المحق، وقمع المبطل صفة مدح يرفع الله تعالى بها درجة العبد.
كما أن العلم الذي يخصم به المبطل، ويدحض حجته، صفة مدح يرفع الله بها درجة عبده، كما قال سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام، ومناظرته قومه، وكسر حجتهم: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء﴾ [الأنعام: ٨٣].
[١١٧ ب] وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع، ولكن ليس هو الكيد الذي تستحل به المحرمات، وتسقط به الواجبات، فإن هذا كيد لله تعالى ودينه، فالله سبحانه ودينه هو المكيد في هذا القسم، فمحال أن يشرع الله سبحانه هذا النوع من الكيد.
الجزء: 2 - الصفحة: 834
وأيضا فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يقصد به غير مقصوده الشرعي، ومحال أن يشرع الله تعالى لعبد أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له.
وأيضا فإن الأمر المشروع هو عام لا يختص به شخص دون شخص، فالشيء إذا كان مباحا لشخص كان مباحا لكل من كان حاله مثل حاله، فمن احتال بحيلة فقهية محرمة أو مباحة لم يكن له اختصاص بتلك الحيلة، لا بفهمها ولا بعلمها.
وإنما خاصية الفقيه إذا حدثت حادثة أن يتفطن لاندراجها تحت الحكم العام الذي يعلمه هو وغيره، والله سبحانه إنما كاد ليوسف عليه السلام كيدا خاصا به، جزاء له على صبره وإحسانه، وذكره في معرض المنة عليه، وهذه الأفعال التي فعلها يوسف عليه السلام والأفعال التي فعلها الله سبحانه له، إذا تأملها اللبيب رآها لا تخرج عن نوعين:
أحدهما: إلهام الله سبحانه له فعلا، كان مباحا له أن يفعله.
الثاني: فعل من الله سبحانه به، خارج عن مقدور العبد.
وكلا النوعين مباين للحيل المحرمة، التي يحتال بها على إسقاط الواجبات وإباحة المحرمات.
فصل
لعلك تقول: قد أطلت الكلام في هذا الفصل جدا، وقد كان يكفي الإشارة إليه.
فيقال: بل الأمر أعظم مما ذكرنا، وهو بالإطالة أجدر، فإن بلاء الإسلام ومحنته عظمت من هاتين الطائفتين:
الجزء: 2 - الصفحة: 835
أهل المكر والمخادعة والاحتيال في العمليات.
وأهل التحريف والسفسطة والقرمطة في العلميات.
فكل فساد في الدين بل والدنيا فمنشؤه من هاتين الطائفتين.
وبالتأويل الباطل قتل عثمان رضي الله عنه، وعاثت الأمة في دمائها، وكفر بعضها بعضا، وتفرقت على بضع وسبعين فرقة، فجرى على الإسلام من تأويل هؤلاء وخداع هؤلاء ومكرهم ما جرى، واستولت الطائفتان، وقويت شوكتهما، وعاقبوا من لم يوافقهم وأنكر عليهم، ويأبى الله إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه، ويبين أعلامه وحقائقه، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته على عباده.
فلنرجع إلى ما نحن بصدده من بيان مكايد الشيطان ومصايده.
فصل
ومن مكايده ومصايده: ما فتن به عشاق الصور.
وتلك لعمر الله الفتنة الكبرى، والبلية العظمى، التي استعبدت النفوس لغير خلاقها، وملكت القلوب لمن يسومها الهوان من عشاقها، وألقت الحرب بين العشق والتوحيد، ودعت إلى موالاة كل شيطان مريد (^١)، فصيرت القلب للهوى أسيرا، وجعلته عليه حاكما وأميرا، فأوسعت القلوب محنة، وملأتها فتنة، وحالت بينها وبين رشدها، وصرفتها عن طريق قصدها، ونادت عليها في سوق الرقيق فباعتها بأبخس الأثمان، وأعاضتها بأخس الحظوظ وأدنى المطالب عن المعالي في غرف الجنان، فضلا عما هو فوق
(^١) «مريد» ساقطة من م.
الجزء: 2 - الصفحة: 836
ذلك من القرب من الرحمن، فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس الذي ألمها به أضعاف لذتها، ونيله والوصول إليه أكبر أسباب مضرتها، فما أوشكه حبيبا يستحيل عدوا عن قريب، ويتبرأ منه محبه لو أمكنه حتى كأنه لم يكن له بحبيب، وإن تمتع به في هذه الدار فسوف يجد به أعظم الألم بعد حين، لاسيما إذا صار ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧].
فيا حسرة المحب الذي باع نفسه لغير الحبيب [١١٨ أ] الأول بثمن بخس، وشهوة عاجلة، ذهبت لذتها وبقيت تبعتها، وانقضت منفعتها وبقيت مضرتها، فذهبت الشهوة وبقيت الشقوة، وزالت المسرة (^١) وبقيت الحسرة، فوارحمتاه لصب جمع له بين الحسرتين: حسرة فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم، وحسرة ما يقاسيه من النصب في العذاب الأليم! فهنالك يعلم المخدوع أي بضاعة أضاع، وأن من كان مالك رقه وقلبه لم يكن يصلح أن يكون له من جملة الخدم والأتباع، وأي مصيبة أعظم من مصيبة ملك أنزل عن سرير ملكه، وجعل لمن لا يصلح أن يكون مملوكه أسيرا، وجعل تحت أوامره ونواهيه مقهورا، فلو رأيت قلبه وهو في يد محبوبه لرأيته:
كعصفورة في كف طفل يسومها ... حياض الردى والطفل يلهو ويلعب (^٢)
(^١) م، ت: «السيرة».
والمثبت من باقي النسخ.
(^٢) ذكره المؤلف في روضة المحبين (ص ١٦٣)، والداء والدواء (ص ٤٩٣). ونسب البيت إلى ابن الزيات في معجم الشعراء (ص ٣٦٦)، والفتح بن خاقان في الزهرة (ص ٨٥).
وهو في اعتلال القلوب (ص ٣١٢) من إنشاد ابن الزيات.
وللمجنون في ديوانه (ص ٤٤).
الجزء: 2 - الصفحة: 837
ولو شاهدت حاله وعيشه لقلت:
وما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكى إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق (^١)
ولو شاهدت نومه وراحته لعلمت أن المحبة والمنام تعاهدا وتحالفا أن ليسا يلتقيان، ولو شاهدت فيض مدامعه، ولهيب النار في أحشائه لقلت:
سبحان رب العرش متقن صنعه ... ومؤلف الأضداد دون تعاند
قطر تولد عن لهيب في الحشا ... ماء ونار في محل واحد (^٢)
ولو شاهدت مسلك الحب في القلب وتغلغله فيه لعلمت أن الحب ألطف مسلكا فيه من الأرواح في أبدانها.
فهل يليق بالعاقل أن يبيع هذا الملك المطاع لمن يسومه سوء العذاب، ويوقع بينه وبين وليه ومولاه الحق الذي لا غناء له عنه ولا بد له منه أعظم الحجاب؟
فالمحب بمن أحبه قتيل، وهو له عبد خاضع ذليل، إن دعاه لباه، وإن قيل له: ما تتمنى؟ فهو غاية ما يتمناه، ولا يأنس بغيره ولا يسكن إلى سواه.
فحقيق به أن لا يملك رقه إلا لأجل حبيب، وأن لا يبيع نصيبه منه بأخس نصيب.
(^١) كذا في م. وفي بقية النسخ: «حذر الفراق».
وسبقت الأبيات.
(^٢) لم أجد البيتين فيما بين يدي من المصادر.
الجزء: 2 - الصفحة: 838
فصل
إذا عرف هذا، فأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة، فهما مبدأ لجميع الأفعال والحركات، كما أن البغض والكراهية مبدأ كل ترك وكف، إذا قيل: إن الترك والكف أمر وجودي كما عليه أكثر الناس، وإن قيل: إنه عدمي فيكفي في عدمه عدم مقتضيه.
والتحقيق أن الترك نوعان: ترك هو أمر وجودي، وهو كف النفس ومنعها وحبسها عن الفعل، فهذا سببه أمر وجودي، وترك هو عدم محض، فهذا يكفي فيه عدم المقتضي.
فانقسم الترك إلى قسمين: قسم يكفي فيه عدم السبب المقتضي لوجوده، وقسم يستلزم وجود السبب الموجب له من البغض والكراهة، وهذا السبب لا يقتضي بمجرده كف النفس وحبسها إلا لقيام سبب من المحبة والإرادة، يقتضي أمرا هو أحب إليه من هذا الذي كف نفسه عنه، فيتعارض عنده الأمران، فيؤثر خيرهما وأعلاهما، وأنفعهما له، وأحبهما إليه على أدناهما، فلا يترك محبوبا إلا لمحبوب هو أحب إليه منه، ولا يرتكب مبغوضا إلا ليتخلص به من مبغوض هو أكره إليه منه.
ثم خاصية العقل واللب التمييز بين مراتب المحبوبات والمكروهات [١١٨ ب] بقوة العلم والتمييز، وإيثار أعلى المحبوبين على أدناهما، واحتمال أدنى المكروهين للتخلص من أعلاهما بقوة الصبر والثبات واليقين.
فالنفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب، ولا تتحمل مكروها إلا لتحصيل محبوب، أو التخلص من مكروه آخر، وهذا التخلص لا تقصده إلا لمنافاته لمحبوبها، فصار سعيها في تحصيل محبوبها بالذات، وأسبابه بالوسيلة،
الجزء: 2 - الصفحة: 839
ودفع مبغوضها بالذات، وأسبابه بالوسيلة، فسعيه في تحصيل محبوبه لما فيه من اللذة، وكذلك سعيه في دفع مكروهه أيضا لما له في دفعه من اللذة، كدفع ما يؤلمه من البول، والنجو، والدم، والقيء، وما يؤلمه من الحر، والبرد، والجوع، والعطش، وغير ذلك.
وإذا علم أن هذا المكروه يفضي إلى ما يحبه يصير محبوبا له، وإن كان يكرهه، فهو يحبه من وجه، ويكرهه من وجه، وكذلك إذا علم أن هذا المحبوب يفضي إلى ما يكرهه يصير مكروها له، وإن كان يحبه، فهو يكرهه من وجه، ويحبه من وجه.
فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه مع قدرته عليه إلا لما يحبه ويهواه، ولا يرتكب ما يكرهه ويخشاه إلا حذار وقوعه فيما يكرهه ويخشاه، لكن خاصية العقل أن يترك أدنى المحبوبين وأقلهما نفعا لأعلاهما وأعظمهما نفعا، ويرتكب أدنى المكروهين ضررا ليتخلص به (^١) من أشدهما ضررا.
فتبين بذلك أن
المحبة والإرادة أصل للبغض والكراهة، وعلة لهما من غير عكس
، فكل بغض فهو لمنافاة البغيض للمحبوب، ولولا وجود المحبوب لم يكن البغض، بخلاف الحب للشيء فإنه قد يكون لنفسه، لا لأجل منافاته للبغيض، وبغض الإنسان لما يضاد محبوبه مستلزم لمحبته ولضده، وكلما كان الحب أقوى كان قوة (^٢) البغض للمنافي أشد.
ولهذا كان «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (^٣)،
(^١) «به» ساقطة من م. (^٢) «قوة» ساقطة من م. (^٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٦) عن البراء بن عازب، وهو حسن بشواهده.
الجزء: 2 - الصفحة: 840
وكان «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (^١).
فإن الإيمان علم وعمل، والعمل ثمرة العلم، وهو نوعان: عمل القلب حبا وبغضا، ويترتب عليهما عمل الجوارح فعلا وتركا، وهما العطاء والمنع.
فإذا كانت هذه الأصول الأربعة لله تعالى كان صاحبها مستكمل الإيمان، وما نقص منها فكان لغير الله نقص من إيمانه بحسبه.
فصل
إذا عرف هذا، فكل حركة في العالم العلوي والسفلي فسببها المحبة والإرادة، وغايتها المحبة والإرادة.
فإن الحركات ثلاث: إرادية، وطبعية، وقسرية.
فإن المتحرك إن كان له شعور بحركته وإرادته لها فحركته إرادية.
وإن لم يكن له شعور بحركته، أو له بها شعور وهو غير مريد لها، فحركته إما على وفق طبعه، أو على خلافه، فالأولى طبعية، والثانية قسرية.
وأظهر من هذا أن يقال: مبدأ الحركة إما أن يكون أمرا مباينا للمتحرك، أو قوة فيه، فالأول: الحركة فيه قسرية، والثاني: إما أن يكون له به شعور أو لا، فالأول: الحركة فيه إرادية، والثاني: طبعية.
فالحركة متى لازمت الشعور والإرادة فهي إرادية، ومتى انتفى عنها
(^١) أخرجه أبو داود (٤٦٨١) عن أبي أمامة.
وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن، وقد تكلم فيه غير واحد.
والحديث حسن بشواهده، انظر السلسلة الصحيحة (٣٨٠).
الجزء: 2 - الصفحة: 841
الأمران: فإن كانت بقوة في المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت من غير قوة في المحرك فهي القسرية.
وكل حركة في السماوات والأرض من حركات الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فالمدبرات أمرا﴾ [النازعات: ٥]، وقال: ﴿فالمقسمات أمرا﴾ [الذاريات: ٤]، وهي الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل عليهم السلام.
وأما المكذبون للرسل المنكرون للصانع، فيقولون: هي النجوم.
وقد أشبعنا الرد على هؤلاء في كتابنا الكبير المسمى بـ «المفتاح» (^١).
وقد دل الكتاب [١١٩ أ] والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظه، وملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها ملائكة، وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها وعمل الأنهار فيها (^٢) ملائكة، فالملائكة أعظم جنود الله تعالى، ومنهم: المرسلات عرفا، والناشرات نشرا، والفارقات فرقا، والملقيات ذكرا، ومنهم: النازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات
(^١) أي مفتاح دار السعادة (٢/ ١٢٥ وما بعدها).
(^٢) م: «آلاتها».
الجزء: 2 - الصفحة: 842
سبقا، فالمدبرات أمرا، ومنهم: