وقال ابن الأنباري ١: السامد: اللاهي، والسامد: الغافل، والسامد: الساهي، والسامد: المتكبر، والسامد: القائم.
وقال ابن عباس ٢ في الآية: «وأنتم مستكبرون».
وقال الضحاك ٣: «أشرون بطرون».
وقال مجاهد ٤: «غضاب مبرطمون».
وقال غيره: لاهون غافلون معرضون».
فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه.
فهذه أربعة عشر اسما، سوى اسم الغناء.
فصل
في بيان تحريم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الصريح لآلات اللهو والمعازف، وسياق الأحاديث في ذلك:
عن عبد الرحمن بن غنم، قال: حدثني أبو عامر [٧٣ ب] أو أبو مالك الأشعري، سمع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف».
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري في «صحيحه» ١ محتجا به، وعلقه تعليقا مجزوما به، فقال: «باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري ــ والله ما كذبني ــ، سمع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوم إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة».
ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئا، كابن حزم؛ نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع؛ لأن البخاري لم يصل سنده به ٢.
وجواب هذا الوهم من وجوه ١:
أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار، وسمع منه، فإذا قال: قال هشام، فهو بمنزلة قوله: عن هشام.
الثاني: أنه لو لم يسمعه منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صح عنه أنه حدث به، وهذا كثيرا ما يكون: لكثرة من رواه عن ذلك الشيخ وشهرته؛ فالبخاري أبعد خلق الله من التدليس.
الثالث: أنه أدخله في كتابه المسمى بـ «الصحيح» محتجا به، فلولا صحته عنده لما فعل ٢ ذلك.
الرابع: أنه علقه بصيغة الجزم، دون صيغة التمريض؛ فإذا توقف في الحديث أو لم يكن على شرطه يقول: ويروى عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ويذكر عنه، نحو ذلك، فإذا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ فقد جزم وقطع بإضافته إليه.
الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحا؛ فالحديث صحيح متصل عند غيره:
قال أبو داود في كتاب اللباس ٣: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا بشر بن بكر ٤، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس،
قال: سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثنا أبو عامر أو أبو مالك، فذكره مختصرا.
ورواه أبو بكر الإسماعيلي ١ في كتابه «الصحيح» مسندا، فقال: أبو عامر، ولم يشك.
ووجه الدلالة منه: أن المعازف هي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والحر، فإن كان بالحاء والراء المهملتين فهو استحلال الفروج الحرام، وإن كان بالخاء والزاي المعجمتين فهو نوع من الحرير غير الذي صح عن الصحابة لبسه، إذ الخز نوعان ٢؛ أحدهما: من حرير، والثاني: من صوف؛ وقد روي هذا الحديث بالوجهين.
وقال ابن ماجه في «سننه» ٣: حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا معن بن
عيسى عن معاوية بن صالح، عن حاتم بن حريث، عن ابن أبى مريم، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، عن أبى مالك الأشعري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير».
وهذا إسناد صحيح.
وقد توعد مستحل المعازف فيه بأن يخسف الله به الأرض، ويمسخهم قردة وخنازير، وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال فلكل واحد قسط من الذم والوعيد.
وفي الباب: عن سهل بن سعد الساعدي، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وأبى هريرة، وأبي أمامة الباهلي، وعائشة أم المؤمنين، وعلي بن أبى طالب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سابط، والغاز بن ربيعة.
ونحن نسوقها [٧٤ أ] لتقر بها عيون أهل القرآن، وتشجى بها حلوق أهل سماع الشيطان:
فأما حديث سهل بن سعد: فقال ابن أبى الدنيا ١: أخبرنا الهيثم بن
خارجة، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ»، قيل: يا رسول الله! متى؟ قال: «إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر».
وأما حديث عمران بن حصين: فرواه الترمذي ١ من حديث الأعمش، عن هلال بن يساف، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يكون في أمتي قذف وخسف ومسخ»، فقال رجل من المسلمين: متى ذاك يا رسول الله؟ قال: «إذا ظهرت القيان والمعازف، وشربت الخمور».
قال الترمذي: «هذا حديث غريب».
وأما حديث عبد الله بن عمرو: فروى أحمد في «مسنده»، وأبو داود ٢ عنه أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إن الله حرم الخمر، والميسر، والكوبة، والغبيراء،
وكل مسكر حرام».
وفي لفظ آخر لأحمد ١: «إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والمزر، والكوبة، والقنين».
وأما حديث ابن عباس: ففي «المسند» ٢ أيضا عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة، وكل مسكر حرام».
والكوبة: الطبل، قاله سفيان ٣.
وقيل: البربط.
والقنين: هو الطنبور بالحبشية.
والتقنين: الضرب به، قاله ابن الأعرابي.
وأما
حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
فرواه الترمذي ١ عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إذا اتخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمر، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وزلزلة، وخسفا، ومسخا، وقذفا، وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع».
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».
وقال ابن أبى الدنيا ٢: حدثنا عبد الله بن عمر الجشمي، ثنا سليمان بن سالم أبو داود، ثنا حسان بن أبي سنان، عن رجل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير»، قالوا: يا رسول الله! أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا
رسول الله؟ قال: «بلى، ويصومون، ويصلون، ويحجون»، قيل: فما بالهم؟ قال: «اتخذوا المعازف والدفوف والقينات، فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير».
وأما حديث أبي أمامة الباهلي: فهو في «مسند أحمد»، و«الترمذي» ١ عنه، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «يبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب، ولهو ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير، ويبعث على أحياء من أحيائهم ريح، فتنسفهم كما نسف من كان قبلكم، باستحلالهم الخمر، وضربهم بالدفوف، واتخاذهم القينات».
في إسناده فرقد السبخي، وهو من كبار الصالحين، ولكنه ليس بقوي في الحديث، وقال الترمذي: «تكلم فيه يحيى بن سعيد، وقد روى عنه الناس».
وقال ابن أبي الدنيا ١: حدثنا عبد الله بن عمر الجشمي، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا فرقد السبخي، حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: وحدثني عاصم بن عمرو البجلي، عن أبي أمامة، عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو، فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير، وليصيبنهم خسف وقذف، حتى يصبح الناس فيقولون: [٧٤ ب] خسف الليلة بدار فلان، خسف الليلة ببني فلان، ولترسلن عليهم حجارة من السماء، كما أرسلت على قوم لوط، على قبائل فيها، وعلى دور فيها، ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا؛ بشربهم الخمر، وأكلهم الربا، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم الرحم».
وفي «مسند أحمد» ٢ من حديث عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكنارات ــ يعني البرابط ــ
والمعازف، والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية».
قال البخاري: عبيد الله بن زحر: ثقة، وعلي بن يزيد: ضعيف، والقاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن: ثقة.
وفي «الترمذي» و«مسند أحمد» ١ بهذا الإسناد بعينه، أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، وفي مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله...﴾ [لقمان: ٦]».
وأما
حديث عائشة رضي الله عنها:
فقال ابن أبي الدنيا ٢: حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف»، قالت عائشة: يا رسول الله! وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ فقال: «إذا ظهرت القيان، وظهر الزنى، وشربت الخمر، ولبس الحرير، كان ذا عند ذا».
وقال ابن أبي الدنيا ٣ أيضا: حدثنا محمد بن ناصح، حدثنا بقية بن
الوليد، عن يزيد بن عبد الله الجهني، حدثني أبو العلاء، عن أنس بن مالك: أنه دخل على عائشة رضي الله عنها ورجل معه، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين! حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنى، وشربوا الخمر، وضربوا بالمعازف، غار الله في سمائه، فقال: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا وإلا هدمتها عليهم.
قال: قلت: يا أم المؤمنين! أعذاب لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين، ونكال وعذاب وسخط على الكافرين، قال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنا أشد به فرحا مني بهذا الحديث.
وأما حديث علي: فقال ابن أبي الدنيا ١ أيضا: حدثنا الربيع بن تغلب، حدثنا فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء» قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: «إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وبر صديقه
وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القيان، ولعن آخر هذه الآمة أولها، فليترقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا».
حدثنا ١ عبد الجبار بن عاصم أبو طالب، ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن التميمي، عن عباد بن أبي علي، عن علي رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «تمسخ طائفة من أمتي قردة، وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم؛ بأنهم شربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، وضربوا بالدفوف».
وأما حديث أنس رضي الله عنه، فقال ابن أبي الدنيا ٢: حدثنا أبو عمرو هارون بن عمر القرشي، حدثنا الخصيب بن كثير، عن أبي بكر الهذلي، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ، ذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا [٧٥ أ] القينات، وضربوا بالمعازف».
قال ١: وأخبرنا أبو إسحاق الأزدي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أحد ولد أنس بن مالك، وعن غيره، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف، فيصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة وخنازير».
وأما حديث عبد الرحمن بن سابط، فقال ابن أبي الدنيا ٢: أنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن أبان بن تغلب، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ»، قالوا: فمتى ذاك يا رسول الله؟ قال: «إذا أظهروا المعازف، واستحلوا الخمور».
وأما حديث الغاز بن ربيعة، فقال ابن أبي الدنيا ٣: حدثنا
عبد الجبار بن عاصم، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عبيد، عن أبي العباس الهمداني، عن عمارة ١ بن راشد، عن الغاز بن ربيعة رفع الحديث، قال: «ليمسخن قوم وهم على أريكتهم قردة وخنازير؛ بشربهم الخمر، وضربهم بالبرابط والقيان».
قال ابن أبي الدنيا ٢: وحدثنا عبد الجبار بن عاصم، قال: حدثني المغيرة بن المغيرة، عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، أنه قال: «ليستحلن ناس من أمتي الحرير والخمر والمعازف، وليأتين الله على أهل حاضر منهم عظيم بجبل حتى ينبذه عليهم، ويمسخ آخرون قردة وخنازير».
قال ابن أبي الدنيا ٣: أنا هارون بن عبيد الله، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أشرس أبو شيبان الهذلي، قال: قلت لفرقد السبخي: أخبرني يا أبا يعقوب من تلك الغرائب التي قرأت في التوراة، فقال: يا أبا شيبان، والله ما أكذب على ربي، مرتين أو ثلاثا؛ لقد قرأت في التوراة: «ليكونن مسخ وقذف وخسف في أمة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - في أهل القبلة»، قال: قلت: يا أبا يعقوب ما أعمالهم؟ قال: باتخاذهم القينات، وضربهم بالدفوف، ولباسهم الحرير
والذهب، ولئن بقيت حتى ترى أعمالا ثلاثة، فاستيقن واستعد واحذر، قال: قلت: ما هي؟ قال: إذا تكافأ الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ورغبت العرب في آنية العجم؛ فعند ذلك.
قلت له: العرب خاصة؟ قال: لا؛ بل أهل القبلة، ثم قال: والله ليقذفن رجال من السماء بحجارة، يشدخون بها في طرقهم وقبائلهم، كما فعل بقوم لوط، وليمسخن آخرون قردة وخنازير، كما فعل ببني إسرائيل، وليخسفن بقوم كما خسف بقارون.
وقد تظاهرت الأخبار بوقوع المسخ في هذه الأمة، وهو مقيد في أكثر الأحاديث بأصحاب الغناء، وشراب الخمر، وفي بعضها مطلق ١.
قال سالم بن أبي الجعد ٢: ليأتين على الناس زمان، يجتمعون فيه على باب رجل، ينتظرون أن يخرج إليهم، فيطلبوا إليه حاجة، فيخرج إليهم؛ وقد مسخ قردا أو خنزيرا، وليمرن الرجل على الرجل في حانوته يبيع، فيرجع إليه، وقد مسخ قردا أو خنزيرا.
وقال أبو الزاهرية ٣ رضي الله عنه: لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيمسخ أحدهما قردا أو خنزيرا، فلا يمنع الذي نجا منهما
ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته، وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيخسف بأحدهما، فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشي لشأنه ذلك، حتى يقضي شهوته منه.
وقال عبد الرحمن بن غنم ١: سيكون حيان متجاورين، فيشق بينهما نهر، فيستقيان منه، قبسهم واحد، [٧٥ ب] يقبس بعضهم من بعضه، فيصبحان يوما من الأيام قد خسف بأحدهما والآخر حي.
وقال عبد الرحمن بن غنم ٢ أيضا: يوشك أن يقعد اثنان على رحى يطحنان، فيمسخ أحدهما والآخر ينظر.
وقال مالك بن دينار ٣: بلغني أن ريحا تكون في آخر الزمان وظلم، فيفزع الناس إلى علمائهم، فيجدونهم قد مسخوا.
قال بعض أهل العلم: إذا اتصف القلب بالمكر والخديعة والفسق، وانصبغ بذلك صبغة تامة، صار صاحبه على خلق الحيوان الموصوف بذلك من القردة والخنازير وغيرهما، ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه، حتى
يبدو على صفحات وجهه بدوا خفيا، ثم يقوى ويتزايد، حتى يصير ظاهرا على الوجه، ثم يقوى حتى يقلب الصورة الظاهرة كما قلب الهيئة الباطنة، ومن له فراسة تامة يرى على صور الناس مسخا من صور الحيوانات التي تخلقوا بأخلاقها في الباطن، فقل أن ترى مختالا مكارا مخادعا ختارا إلا وعلى وجهه مسخة قرد، وقل أن ترى رافضيا إلا وعلى وجهه مسخة خنزير، وقل أن ترى شرها نهما نفسه نفس كلبية إلا وعلى وجهه مسخة كلب.
فالظاهر مرتبط بالباطن أتم ارتباط، فإذا استحكمت الصفات المذمومة في النفس قويت على قلب الصورة الظاهرة.
ولهذا خوف النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من سابق الإمام في الصلاة بأن يجعل الله صورته صورة حمار ١؛ لمشابهته للحمار في الباطن؛ فإنه لم يستفد بمسابقة الإمام إلا فساد صلاته، وبطلان أجره، فإنه لا يسلم قبله، فهو شبيه الحمار في البلادة وعدم الفطنة.
إذا عرف هذا فأحق الناس بالمسخ هؤلاء الذين ذكروا في هذه الأحاديث، فهم أسرع الناس مسخا قردة وخنازير، لمشابهتهم لهم في الباطن.
وعقوبات الرب تعالى ــ نعوذ بالله منها ــ جارية على وفق حكمته وعدله.
وقد ذكرنا شبه المغنين والمفتونين بالسماع الشيطاني، ونقضناها نقضا وإبطالا في كتابنا الكبير في «السماع» ٢، وذكرنا الفرق بين ما يحركه سماع الأبيات، وما يحركه سماع الآيات، وذكرنا الشبهة التي دخلت على كثير من العباد في حضوره، حتى عدوه من القرب.
فمن أحب الوقوف على ذلك فهو
مستوفى في ذلك الكتاب، وإنما أشرنا هاهنا إلى نبذة يسيرة في كونه من مكايد الشيطان، وبالله التوفيق.
فصل
ومن مكايده التي بلغ فيها مراده: مكيدة التحليل، الذي لعن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فاعله، وشبهه بالتيس المستعار، وعظم بسببه العار والشنار، وعير المسلمين به الكفار، وحصل بسببه من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، واستكريت له التيوس المستعارات، وضاقت به ذرعا النفوس الأبيات، ونفرت منه أشد من نفارها من السفاح، وقالت: لو كان هذا نكاحا صحيحا لم يلعن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من أتى بما شرعه من النكاح، فالنكاح سنته، وفاعل السنة مقرب غير ملعون، والمحلل ــ مع وقوع اللعنة عليه ــ بالتيس المستعار مقرون، وسماه السلف بمسمار النار.
فلو شاهدت الحرائر المصونات، على حوانيت المحللين متبذلات، تنظر المرأة إلى التيس نظر الشاة إلى شفرة الجازر، وتقول: يا ليتني قبل هذا كنت من أهل المقابر، حتى إذا تشارطا على ما يجلب اللعنة والمقت، نهض واستتبعها خلفه للوقت، بلا زفاف ولا إعلان، بل بالتخفي والكتمان، فلا جهاز ينقل، [٧٦ أ] ولا فراش إلى بيت الزوج يحول، ولا صواحب يهدينها إليه، ولا مصلحات يجلينها عليه، ولا مهر مقبوض ولا مؤخر، ولا نفقة ولا كسوة تقدر، ولا وليمة ولا نثار، ولا دف ولا إعلان ولا شعار، والزوج يبذل المهر، وهذا التيس يطأ بالأجر، حتى إذا خلا بها وأرخى الحجاب، والمطلق والولي واقفان على الباب؛ دنا ليطهرها بمائه النجس الحرام، ويطيبها بلعنة الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام.
حتى إذا قضيا عرس التحليل، ولم يحصل بينهما المودة والرحمة التي ذكرها الله تعالى في التنزيل؛ فإنها لا ١ تحصل باللعن الصريح، ولا يوجبها إلا النكاح الجائز الصحيح؛ فإن كان قد قبض أجرة ضرابه سلفا وتعجيلا، وإلا حبسها حتى يعطيه أجره طويلا، فهل سمعتم بزوج لا يأخذ بالساق؛ حتى يأخذ أجرته بعد الشرط والاتفاق؟ حتى إذا طهرها وطيبها، وخلصها بزعمه من الحرام وجنبها؛ قال لها: اعترفي بما جرى بيننا ليقع عليك الطلاق، فيحصل بعد ذلك بينكما الالتئام والاتفاق، فتأتي المضمخة ٢ إلى حضرة الشهود، فيسألونها: هل كان ذاك؟ فلا يمكنها الجحود، فيأخذون منها أو من المطلق أجرا، وقد أرهقوهما من أمرهما عسرا، هذا وكثير من هؤلاء المستأجرين للضراب يحلل الأم وابنتها في عقدين، ويجمع ماءه في أكثر من أربع وفي رحم أختين.
وإذا كان هذا من شأنه وصفته، فهو حقيق بما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - المحلل والمحلل له،
رواه الحاكم في «الصحيح» ٣، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»،
قال: «والعمل عليه عند أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، وهو قول الفقهاء من التابعين.
ورواه الإمام أحمد في «مسنده»، والنسائي في «سننه» ١ بإسناد صحيح، ولفظهما: لعن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الواشمة والموتشمة، والواصلة والموصولة، والمحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله.
وفي «مسند الإمام أحمد»، و«سنن النسائي» ٢ أيضا، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: آكل الربا، وموكله، وشاهداه، وكاتبه ــ إذا علموا به ــ،
والواصلة، والمستوصلة، ولاوي الصدقة، والمعتدي فيها، والمرتد على عقبيه أعرابيا بعد هجرته، والمحلل، والمحلل له: ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - يوم القيامة.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: أنه لعن المحلل والمحلل له، رواه الإمام أحمد وأهل «السنن» كلهم غير النسائي ١.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لعن الله المحلل والمحلل له».
رواه الإمام أحمد ٢ بإسناد رجاله كلهم ثقات، وثقهم ابن
معين وغيره.
وقال الترمذي في كتاب «العلل» ١: «سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر المخزومي: صدوق ثقة، وعثمان بن محمد الأخنسي: ثقة».
وقال أبو عبد الله ابن ماجه في «سننه» ٢: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - المحلل والمحلل له.
وعن ابن عباس أيضا قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن المحلل، فقال: «لا إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق العسيلة».
رواه أبو إسحاق الجوزجاني في كتاب «المترجم» ٣، قال: أخبرنا
إبراهيم بن إسماعيل [٧٦ ب] بن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة عنه.
وهؤلاء كلهم ثقات إلا إبراهيم، فإن كثيرا من الحفاظ يضعفه، والشافعي حسن الرأي فيه، ويحتج بحديثه.
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟»، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «هو المحلل؛ لعن الله المحلل والمحلل له» رواه ابن ماجه ١ بإسناد رجاله كلهم موثقون، لم يجرح واحد منهم.
وعن عمرو بن دينار وهو من أعيان التابعين: أنه سئل عن رجل طلق امرأته، فجاء رجل من أهل القرية بغير علمه ولا علمها، فأخرج شيئا من ماله، فتزوجها ليحلها له.
فقال: لا، ثم ذكر أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - سئل عن مثل ذلك، فقال: «لا، حتى ينكح مرتغبا لنفسه، فإذا فعل ذلك لم يحل له حتى يذوق العسيلة»، رواه أبو بكر بن أبي شيبة في «المصنف» ١ بإسناد جيد.
وهذا المرسل قد احتج به من أرسله، فدل على ثبوته عنده، وقد عمل به أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كما سيأتي، وهو موافق لبقية الأحاديث الموصولة.
ومثل هذا حجة باتفاق الأئمة، وهو والذي قبله نص في التحليل المنوي.
وكذلك حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رجلا قال له: امرأة تزوجتها، أحلها لزوجها، لم يأمرني ولم يعلم.
قال: لا، إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها، وإن كنا نعد هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - سفاحا» ٢.
ذكره شيخ الإسلام في «إبطال التحليل» ٣.
فصل
وأما الآثار عن الصحابة:
ففي كتاب «المصنف» لابن أبي شيبة و«سنن الأثرم» و«الأوسط» لابن المنذر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما.
ولفظ عبد الرزاق وابن المنذر: لا أوتى بمحلل ولا محللة إلا رجمتهما ١.
وهو صحيح عن عمر.
وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن الزهري ٢، عن عبد الملك بن المغيرة، قال: سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن تحليل المرأة لزوجها، فقال: ذاك السفاح.
ورواه ابن أبي شيبة ٣.
وقال عبد الرزاق ١: أخبرنا الثوري، عن عبد الله بن شريك العامري، قال: سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما سئل عن رجل طلق ابنة عم له، ثم رغب فيها وندم، فأراد أن يتزوجها رجل يحللها له.
فقال ابن عمر رضي الله عنهما: كلاهما زان، وإن مكث عشرين سنة أو نحو ذلك، إذ كان الله يعلم أنه يريد أن يحلها له.
قال ٢: وأخبرنا معمر، والثوري ٣، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس رضي الله عنهما وسأله رجل، فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، قال: كيف ترى في رجل يحللها؟ قال: من يخادع الله يخدعه.
وعن سليمان بن يسار ٤، قال: رفع إلى عثمان رضي الله عنه رجل
تزوج امرأة ليحلها لزوجها، ففرق بينهما، وقال: لا ترجع إلا بنكاح رغبة غير دلسة.
رواه أبو إسحاق الجوزجاني في كتاب «المترجم»، وذكره ابن المنذر عنه في كتاب «الأوسط».
وفي «المهذب» ١ لأبي إسحاق الشيرازي: عن أبي مرزوق التجيبي أن رجلا أتى عثمان رضي الله عنه، فقال: إن جاري طلق امرأته في غضبه، ولقي شدة، فأردت أن أحتسب نفسي ومالي، فأتزوجها، ثم أبني بها، ثم أطلقها، فترجع إلى زوجها الأول.
فقال له عثمان رضي الله عنه: لا تنكحها إلا نكاح رغبة.
وذكر أبو بكر الطرطوشي في «خلافه» ٢ عن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المحلل: لا ترجع [٧٧ أ] إليه إلا بنكاح رغبة؛ غير دلسة ولا استهزاء بكتاب الله.
وعلي رضي الله عنه هو ممن روى عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه لعن المحلل ٣، فقد جعل هذا من التحليل.
وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
لعن الله ١ المحلل والمحلل له.
وهو ممن روى عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لعن المحلل ٢، وقد فسره بما قصد به التحليل، وإن لم تعلم به المرأة، فكيف بما اتفقا عليه، وتراضيا وتعاقدا على أنه نكاح لعنة لا نكاح رغبة؟
وذكر ابن أبي شيبة ٣ عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: لعن الله المحلل والمحلل له.
وروى الجوزجاني ٤ بإسناد جيد، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، فقال: لعن الله الحال والمحلل له.
قال شيخ الإسلام ٥:وهذه الآثار عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم، مع أنها نصوص فيما إذا قصد التحليل ولم يظهره، ولم يتواطآ عليه، فهي مبينة أن هذا هو التحليل، وهو المحلل الملعون على لسان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أعلم بمراده
ومقصوده، لاسيما إذا رووا حديثا وفسروه بما يوافق الظاهر، هذا مع أنه لم يعلم أن أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فرق بين تحليل وتحليل، ولا رخص في شيء من أنواعه، مع أن المطلقة ثلاثا مثل امرأة رفاعة القرظي قد كانت تختلف إليه المدة الطويلة وإلى خلفائه؛ لتعود إلى زوجها، فيمنعونها من ذلك، ولو كان التحليل جائزا لدلها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على ذلك؛ فإنها لم تكن تعدم من يحللها، لو كان التحليل جائزا.
قال: والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية قصد بها التحليل وإن لم يشترط في العقد: كثيرة جدا، ليس هذا موضع ذكرها انتهى.
ذكر الآثار عن التابعين
قال عبد الرزاق ١: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: إذا نوى الناكح أو المنكح أو المرأة أو أحد منهم التحليل فلا يصلح.
أخبرنا ٢ ابن جريج، قال: قلت لعطاء: المحلل عامدا، هل عليه عقوبة؟ قال: ما علمت، وإني لأرى أن يعاقب، قال: وكلهم إن تمالأوا على ذلك مسيؤون، وإن أعطوا ٣ الصداق.
أخبرنا ٤ معمر، عن قتادة، قال: إن طلقها المحلل فلا يحل لزوجها الأول أن يقربها؛ إذا كان نكاحه على وجه التحليل.
أخبرنا ١ ابن جريج، قال: قلت لعطاء: يطلق المحلل؛ يراجعها زوجها؟ قال: يفرق بينهما.
أخبرنا ٢ معمر، عمن سمع الحسن يقول في رجل تزوج امرأة يحللها ولا يعلمها، فقال الحسن: اتق الله، ولا تكن مسمار نار في حدود الله.
قال ابن المنذر: قال إبراهيم النخعي ٣: إذا كان نية أحد الثلاثة ــ الزوج الأول، أو الزوج الآخر، أو المرأة ــ أنه محلل، فنكاح الآخر باطل، ولا تحل للأول.
قال: وقال الحسن البصري ٤: إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فقد أفسد.
قال: وقال بكر بن عبد الله المزني ٥ في الحال والمحلل له: أولئك كانوا يسمون في الجاهلية التيس المستعار.
قال: وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٣٠]، قال: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة.
ورواه ابن أبي حاتم في «التفسير» عنه ٦.
وقال هشيم: أخبرنا سيار، عن الشعبي: أنه سئل عن رجل تزوج امرأة كان زوجها طلقها ثلاثا قبل ذلك، أيطلقها لترجع إلى زوجها الأول؟ فقال: لا، حتى يحدث نفسه أنه يعمر معها وتعمر معه؛ أي: تقيم معه.
رواه الجوزجاني ١.
[٧٧ ب] وروي عن النفيلي ٢: حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، حدثنا عبد الملك، عن عطاء: في الرجل يطلق امرأته، فينطلق الرجل الذي يتحزن له، فيتزوجها من غير مؤامرة منه، فقال: إن كان تزوجها ليحللها له لم تحل له، وإن كان تزوجها يريد إمساكها فقد حلت له.
وقال سعيد بن المسيب في رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول، ولم يشعر بذلك زوجها الأول ولا المرأة، قال: إن كان إنما نكحها ليحلها فلا يصلح ذلك لهما؛ فلا تحل.
رواه حرب في «مسائله» ٣.
وعنه أيضا، قال: الناس يقولون: حتى يجامعها، وأنا أقول: إذا تزوجها تزويجا صحيحا، لا يريد بذلك إحلالها؛ فلا بأس أن يتزوجها الأول.
رواه سعيد بن منصور عنه ٤.
فهؤلاء الأئمة الأربعة أركان التابعين، وهم الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي.
وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد ١ في رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول وهو لا يعلم، قال: لا يصلح ذلك؛ إذا كان تزوجها ليحلها.
ذكر الآثار عن تابعي التابعين ومن بعدهم
قال ابن المنذر: وممن قال: إن ذلك لا يصلح إلا نكاح رغبة: مالك بن أنس، والليث بن سعد.
وقال مالك رحمه الله: يفرق بينهما على كل حال، وتكون الفرقة فسخا بغير طلاق.
وقال سفيان الثوري: إذا تزوجها وهو يريد أن يحلها لزوجها، ثم بدا له أن يمسكها؛ لا يعجبني إلا أن يفارق، ويستقبل نكاحا جديدا.
قال أحمد بن حنبل: جيد.
وقال إسحاق: لا يحل له أن يمسكها؛ لأن المحلل لم تتم له عقدة النكاح.
وكان أبو عبيد يقول بقول الحسن والنخعي.
وقال الجوزجاني: حدثنا إسماعيل بن سعيد، قال: سألت أحمد بن
حنبل عن الرجل تزوج المرأة، وفي نفسه أن يحلها لزوجها الأول، ولم تعلم المرأة بذلك؟ فقال: هو محلل، وإذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون.
قال الجوزجاني: وبه قال أبو أيوب.
وقال ابن أبي شيبة: لست أرى أن ترجع بهذا النكاح إلى زوجها الأول.
قال الجوزجاني: وأقول: إن الإسلام دين الله الذي اختاره واصطفاه وطهره، حقيق بالتوقير والصيانة مما لعله يشينه، وينزه عما أصبح أبناء الملل من أهل الذمة يعيرون به المسلمين ١، على ما تقدم فيه من النهي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولعنه عليه.
ثم ساق الأحاديث المرفوعة في ذلك والآثار.
فصل
ومن العجائب معارضة هذه الأحاديث والآثار عن الصحابة بقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]،
والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي لعن المحلل والمحلل له، وأصحابه أعلم الناس بكتاب الله، فلم يجعلوه زوجا وأبطلوا نكاحه، ولعنوه.
وأعجب من هذا قول بعضهم: نحن نحتج بكونه سماه محللا، فلولا أنه أثبت الحل لم يكن محللا!
فيقال: هذه من العظائم؛ فإن هذا يتضمن أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لعن من فعل السنة التي جاء بها، وفعل ما هو جائز صحيح في شريعته!
وإنما سماه محللا لأنه أحل ما حرم الله، فاستحق اللعنة، فإن الله سبحانه
حرمها على المطلق حتى تنكح زوجا غيره، والنكاح اسم في كتاب الله وسنة رسوله للنكاح الذي يتعارفه الناس بينهم نكاحا، وهو الذي شرع إعلانه، والضرب عليه بالدف، والوليمة فيه، وجعل للإيواء والسكن، وجعله الله مودة ورحمة، وجرت العادة فيه بضد ما جرت به في نكاح المحلل؛ فإن المحلل لم يدخل على نفقة، ولا كسوة، ولا سكنى، ولا إعطاء مهر، ولا تحصيل نسب ولا صهر، ولا قصد المقام مع الزوجة، وإنما دخل عارية كالتيس المستعار للضراب، ولهذا شبهه به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، [٧٨ أ] ثم لعنه.
فعلم قطعا لا شك فيه أنه ليس هو الزوج المذكور في القرآن، ولا نكاحه هو النكاح ١ المذكور في القرآن، وقد فطر الله سبحانه قلوب الناس على أن هذا ليس بنكاح، ولا المحلل زوج، وأن هذا منكر قبيح، يعير به المرأة والزوج والمحلل والولي، فكيف يدخل هذا في النكاح الذي شرعه الله ورسوله، وأحبه وأخبر أنه سنته، ومن رغب عنه فليس منه؟
وتأمل قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ أي: فإن طلقها هذا الثاني فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا، أي: ترجع إليه بعقد جديد، فأتى بحرف «إن» الدالة على أنه يمكنه أن يطلق وأن يقيم.
والتحليل الذي يفعله هؤلاء لا يتمكن الزوج فيه من الأمرين، بل يشترطون عليه أنه متى وطئها فهي طالق، ثم لما علموا أنه قد لا يخبر بوطئها، ولا يقبل قولها في وقوع الطلاق، انتقلوا إلى أن جعلوا الشرط إخبار المرأة بأنه دخل بها، فبمجرد إخبارها بذلك تطلق عليه.
والله سبحانه شرع النكاح للوصلة الدائمة والاستمتاع، وهذا النكاح جعله أصحابه سببا لانقطاعه، ولوقوع الطلاق فيه، فإنه متى وطئ كان وطؤه سببا لانقطاع النكاح، وهذا ضد شرع الله.
وأيضا فإن الله سبحانه جعل نكاح الثاني وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه واسمه، فهذا زوج وهذا زوج، وهذا نكاح وذلك نكاح، وكذلك الطلاق.
ومعلوم أن نكاح المحلل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه ولا اسمه، ذاك زوج راغب، قاصد للنكاح، باذل للمهر، ملتزم للنفقة والسكنى والكسوة، وغير ذلك من خصائص النكاح؛ والمحلل بريء من ذلك كله، غير ملتزم لشيء منه.
وإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرم نكاح المتعة، مع أن قصد الزوج الاستمتاع بالمرأة، وأن يقيم معها زمانا، وهو ملتزم لحقوق النكاح فالمحلل الذي ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قدر ما ينزو عليها كالتيس المستعار لذلك، ثم يفارقها: أولى بالتحريم.
وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من أكثر من عشرة أوجه ١:
أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعا في أول الإسلام، ونكاح التحليل لم يشرع في زمن من الأزمان.
الثاني: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولم يكن في الصحابة محلل قط.
الثالث: أن نكاح المتعة مختلف فيه بين الصحابة، فأباحه ابن عباس ــ وإن قيل: إنه رجع عنه ١ ـ، وأباحه عبد الله بن مسعود، ففي «الصحيحين» ٢ عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧].
وفتوى ابن عباس بها مشهورة، قال عروة ٣: قام عبد الله بن الزبير بمكة، فقال: إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم، يفتون بالمتعة! يعرض بعبد الله بن عباس، فناداه، فقال: إنك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين، يريد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال له ابن الزبير: فجرب نفسك، فو الله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك!
فهذا قول ابن مسعود وابن عباس في المتعة، وذاك قولهما وروايتهما في نكاح التحليل.
الرابع: أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يجئ عنه في لعن المستمتع والمستمتع بها حرف واحد، وجاء عنه في لعن المحلل والمحلل له وعن الصحابة ما قد تقدم.
الخامس: أن المستمتع له غرض صحيح في المرأة، ولها غرض أن تقيم معه مدة النكاح، فغرضه المقصود بالنكاح مدة، والمحلل [٧٨ ب] لا
غرض له سوى أنه مستعار للضراب كالتيس، فنكاحه غير مقصود له ولا للمرأة ولا للولي، وإنما هو كما قال الحسن: مسمار نار في حدود الله ١! وهذه التسمية مطابقة للمعنى.
قال شيخ الإسلام: يريد الحسن أن المسمار هو الذي يثبت الشيء المسمور، فكذلك هذا يثبت تلك المرأة لزوجها وقد حرمها الله عليه.
السادس: أن المستمتع لم يحتل على تحليل ما حرم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهرا وباطنا، والمحلل ماكر مخادع، متخذ آيات الله هزوا، ولذلك جاء في وعيده ولعنه ما لم يجئ في وعيد المستمتع مثله ولا قريب منه.
السابع: أن المستمتع يريد المرأة لنفسه، وهذا هو سر النكاح ومقصوده، فيريد بنكاحه حلها له ولا يطؤها حراما ٢، والمحلل لا يريد حلها لنفسه، وإنما يريد حلها لغيره، ولهذا سمي محللا.
فأين من يريد أن يحل وطء امرأة يخاف أن يطأها حراما إلى من لا يريد ذلك؛ وإنما يريد بنكاحها أن يحل وطأها لغيره؟ فهذا ضد شرع الله ودينه، وضد ما وضع له النكاح.
الثامن: أن الفطر السليمة والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد تنفر من التحليل أشد نفار، وتعير به أعظم تعيير، حتى إن كثيرا من النساء تعير المرأة به أكثر مما تعير بالزنى، ونكاح المتعة لا تنفر منه الفطر والعقول، ولو نفرت منه لم يبح في أول الإسلام.
التاسع: أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابة مدة للركوب، وإجارة الدار مدة للانتفاع بالسكنى، وإجارة العبد للخدمة مدة، ونحو ذلك مما للباذل فيه غرض صحيح، ولكن لما دخله التوقيت أخرجه عن مقصود النكاح الذي شرع بوصف الدوام والاستمرار، وهذا بخلاف نكاح المحلل؛ فإنه لا يشبه شيئا من ذلك، ولهذا شبهه الصحابة رضي الله عنهم بالسفاح، وشبهوه باستعارة التيس للضراب.
العاشر: أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب ــ كالبيع والإجارة والهبة والنكاح ــ مفضية إلى أحكام جعلها مسببات لها ومقتضيات، فجعل البيع سببا لملك الرقبة، والإجارة سببا لملك المنفعة أو الانتفاع، والنكاح سببا لملك البضع وحل الوطء.
والمحلل مناقض معاكس لشرع الله ودينه؛ فإنه جعل نكاحه سببا لتمليك المطلق البضع وإحلاله له، ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو للبضع، وحله له، ولا له غرض في ذلك، ولا دخل عليه، وإنما قصد به أمرا آخر، لم يشرع له ذلك السبب، ولم يجعل طريقا له.
الحادي عشر: أن المحلل من جنس المنافق؛ فإن المنافق يظهر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهرا وباطنا، وهو في الباطن غير ملتزم له.
وكذلك المحلل يظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويسمي المهر، ويشهد على رضا المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك، لا يريد أن يكون زوجا، ولا أن تكون المرأة زوجة له، ولا يريد بذل الصداق، ولا القيام بحقوق النكاح، وقد أظهر خلاف ما أبطن وأنه مريد لذلك، والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو والمطلق أن الأمر ليس كذلك، وأنه غير زوج على الحقيقة، ولا هي امرأته على الحقيقة.
الثاني عشر: أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح أهل الجاهلية، ولا نكاح أهل الإسلام، فكان أهل الجاهلية يتعاطون في أنكحتهم أمورا منكرة، ولم يكونوا يرضون نكاح التحليل ولا يفعلونه.
ففي «صحيح البخاري» ١ عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته: «أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:
فنكاح منها: نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها.
والنكاح الآخر: كان الرجل يقول [٧٩ أ] لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.
ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر ليالي بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان! تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع.
ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمنع من جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن فوضعت حملها، جمعوا لها،