أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثالث في انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبعية وشرعية

مرض القلب نوعان:

نوع لا يتألم به صاحبه في الحال وهو النوع المتقدم؛ كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات؛ وهذا النوع هو أعظم النوعين ألما، ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم، ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم؛ وإلا فألمه حاضر فيه، حاصل له، وهو متوار عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين (^١) وأصعبهما، وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطباء هذا المرض.

والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال، كالهم والغم والحزن والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبعية، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب؛ ويدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن، ويشقى بما يشقى به البدن؛ فكذلك البدن يتألم كثيرا بما يتألم به القلب، ويشقيه ما يشقيه.

فأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبعية من جنس أمراض البدن، وهذه لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت.

وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية؛ فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء، ولهذا يقال: شفى غيظه، فإذا استولى عليه عدوه آلمه

(^١) ش: «الموضعين».

الجزء: 1 - الصفحة: 26

ذلك، فإذا انتصف منه اشتفى قلبه، قال تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (١٤) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]، فأمرهم بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ست فوائد.

فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه (^١) في شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه، ويوجب له أمراضا أخر أصعب من مرض العشق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها بأضدادها من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر ولم يزل، وأعقبه أمراضا هي أصعب وأخطر.

وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب، فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهى في الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه؛ لكن اشتغل القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة التي هي شرط في صحته وبرئه، قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتي بفتواهم: «قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؟! فإنما شفاء العي السؤال» (^٢)؛ فجعل الجهل مرضا وشفاءه سؤال

(^١) ش: «شفاؤه».
(^٢) رواه أبو داود (٣٣٦)، والدارقطني (١/ ١٨٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (١١٦٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٧)، من طريق الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر رضي الله عنه، واختلف في إسناده ومتنه، فروي من طرق عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه، وصححه ابن السكن كما في البدر المنير (٢/ ٦١٥)، وأعله الدارقطني والبيهقي، وضعفه الذهبي في المهذب (١/ ٢٣٦)، وابن حجر في البلوغ (١١٥)، وقواه الشوكاني في النيل (١/ ٣٢٣)، وهو مخرج في الإرواء (١٠٥). وفي الباب عن زيد بن أنيس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 27

أهل العلم.

وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه [٦ أ] يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره، وحصل له برد اليقين وكذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده، وينشرح بالهدى والعلم، قال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وسيأتي ذكر مرض ضيق الصدر وسببه وعلاجه إن شاء الله.

والمقصود أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبعية، ومنها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن.

الجزء: 1 - الصفحة: 28

فصول الكتاب · 55 فصل
فصول إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقالباب الأول في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميتالباب الثاني في ذكر حقيقة مرض القلبالباب الثالث في انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبعية وشرعيةالباب الرابع في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر فيهالباب الخامس في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له، مؤثرا له على غيرهالباب السادس أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواهالباب السابع في أن القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضهالباب الثامن في زكاة القلبالباب التاسع في طهارة القلب من أدرانه ونجاساتهالباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحتهالباب الثاني عشر في علاج مرض القلب بالشيطانالباب الثالث عشر في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدمالمقدمةمذهب أشهب المالكي: أنه لا يقع عليه الطلاق بفعلها ويقع عليه بفعل غيرهاالتزام التطليق لا يوجب وقوع الطلاقبطلان الاحتجاج بحديث بلال على جواز بيع العينة ومثله إذا قال: بع هذا القطن واشتر بثمنه ثياب قطن ونحو ذلكفصل وأما استدلالكم بالمعاريض على جواز الحيل«ليس بكاذب من أصلح بين الناس ، فكذب فيه» (^٢)؟الملائكة إنما تنفذ أمر الله الواحد القهارالله المدبر أمرا وإذنا ومشيئة. والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالافصل: أصل المحبة المحمودة: هي محبة الله وحده المتضمنة لعبادته دون ما سواهدعوة ذي النون لم يدع بها مسلم في شيء إلا استجيب لهقد قيل: إن فساد القصد من فساد العلمالمحبة مع الله: أصل الشركتبديل الدين من اتباع الأقوال الخاطئة والظنون الكاذبة، والأهواء الغالبةإذا شغف القلب بمحبة غير الله كان فيه من التعبد له بقدر ذلكسلطان الشيطان على الذين يتولونه من الغاوين أتباع الهوى والشهواتأصل الغي من الحب لغير اللهالعشق أعظم مما بالمجانينقول قوم نوح: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾قرن الله الفتنة بالصبر في سورة الفرقان وفي سورة النملفصل: الفتنة نوعان: فتنة الشبهات وفتنة الشهواتأصل كل فتنة تقديم الرأي على الشرع وتقديم الهوى على العقلالبصائر: جمع بصيرة، وهى فعيلة بمعنى مفعلةقوله: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة﴾ ومعناهااتصال الهدى بالرحمة في حق المؤمنينوسع ربنا كل شيء رحمة وعلماقوله في سورة الأحزاب: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله﴾قول الله تعالى: ﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل. . .﴾محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمحب ووبالفصل فى بيان كيد الشيطان لنفسه، قبل كيده للأبوينكانت قريش وجميع العرب تعظم اللات ويسمون تيم اللاتالمشبه الله بغيره إن قصد التعظيم لم يكن تعظيما(من) لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونهمن الصابئة من يوافق المسلمين في صوم رمضان واستقبال الكعبة والحج وغير ذلكالحكمة التي جاءت بها الرسلأرسطو معطل مشرك جاحد للنبواتالنصير الطوسي وزير هولاكو نصير الشرك والكفرثم كان لهم مجمع عاشر:وأما تلاعبه بهم في صلاتهم فمن وجوه:هم أبدا يعتقدون الصواب والحق مع من يشدد ويضيقأعز ما صادفه الإسلام من هذه الأمة: يهود خيبر، والمدينة
إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: الباب الثالث في انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبعية وشرعية — 6 من 55
جارٍ التحميل