إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانالباب التاسع في طهارة القلب من أدرانه ونجاساته

الباب التاسع في طهارة القلب من أدرانه ونجاساته

هذا الباب وإن كان داخلا فيما قبله، كما بينا أن الزكاة لا تحصل إلا بالطهارة، فأفردناه بالذكر لبيان معنى طهارته، وشدة الحاجة إليها، ودلالة القرآن والسنة عليها، قال الله تعالى: ﴿ياأيها المدثر (١) قم فأنذر (٢) وربك فكبر (٣) وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ [المائدة: ٤١]، وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأخلاق والأعمال.

قال الواحدي ١: اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء، عن ابن عباس قال: «يعني: من الإثم ومما كانت الجاهلية تجيزه» ٢.

وهذا قول قتادة ٣، ومجاهد ٤، قالا: «نفسك فطهر من الذنب».

ونحوه قال الشعبي ١، وإبراهيم ٢، والضحاك ٣، والزهرى ٤.

وعلى هذا القول الثياب عبارة عن النفس، والعرب تكني بالثياب عن النفس، ومنه قول الشماخ:

رموها بأثواب خفاف فلا ترى... لها شبها إلا النعام المنفرا ٥

رموها ــ يعني الركاب ــ بأبدانهم.

وقال عنترة:

فشككت بالرمح الأصم ثيابه... ليس الكريم على القنا بمحرم ٦

يعني نفسه.

وقال في رواية الكلبي: يعني لا تغدر، فتكون غادرا دنس الثياب ٧.

وقال سعيد بن جبير: كان الرجل إذا كان غادرا قيل: دنس الثياب، وخبيث الثياب ١.

وقال عكرمة: لا تلبس ثوبك على معصية، ولا على فجرة ٢.

وروي ذلك عن ابن عباس ٣، واحتج بقول الشاعر:

[١٦ ب] وإني بحمد الله لا ثوب غادر... لبست ولا من خزية أتقنع ٤

وهذا المعنى أراد من قال في هذه الآية: «وعملك فأصلح»، وهو قول أبى رزين ٥

ورواية منصور عن مجاهد ١ وأبي روق ٢.

وقال السدي: «يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب» ٣.
قال الشاعر:

لا هم إن عامر بن جهم... أوذم حجا في ثياب دسم ٤

يعني أنه متدنس بالخطايا، وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب، وصفوا الصالح بطهارة الثوب، قال امرؤ القيس:

ثياب بني عوف طهارى نقية ٥

يريد أنهم لا يغدرون، بل يفون.

وقال الحسن: «خلقك فحسنه» ١، وهذا قول القرظي.

وعلى هذا: الثياب عبارة عن الخلق؛ لأن خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه.

وروى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: «لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طيب» ٢.
والمعنى: طهرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه لا يحل اتخاذها منه.

وروي عن سعيد بن جبير: «وقلبك ونيتك فطهر» ٣.

وقال أبو العباس ٤: الثياب: اللباس.
ويقال: القلب، وعلى هذا ينشد:

فسلي ثيابي من ثيابك تنسل ٥

وذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة، وهو قول ابن سيرين ٦،

وابن زيد ١.

وذكر أبو إسحاق ٢: «وثيابك فقصر»، قال: لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه.
وهذا قول طاوس ٣.

وقال ابن عرفة: «معناه: نساءك طهرهن» ٤، وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس، قال تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويكنى عنهن بالإزار، ومنه قول الشاعر:

ألا أبلغ أبا حفص رسولا... فدى لك من أخي ثقة إزاري ٥

أي أهلي.

ومنه قول البراء بن معرور للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ليلة العقبة: «لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا» ١، أي نساءنا.

قلت: الآية تعم هذا كله، وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظا؛ فإن المأمور به إن كان طهارة القلب فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن

ترجيح المؤلف

، كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك، ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن ذلك في عدة أحاديث صحاح لا معارض لها ٢، لما يكتسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات، فإن الملابسة الظاهرة تسري إلى الباطن، ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور، لما يكسب القلب من الهيئة

التي تكون لمن ذلك لبسه من النساء، وأهل الفخر والخيلاء.

والمقصود أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها؛ فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها، فالمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورا به، وإن كان المأمور به طهارة القلب وتزكية النفس فلا يتم إلا بذلك، فتبين ١ دلالة القرآن على هذا وهذا.

وقوله تعالى: ﴿أولئك الذين لم يرد الله [١٧ أ] أن يطهر قلوبهم﴾، عقيب قوله: ﴿سماعون للكذب﴾ إلى قوله ﴿يحرفون الكلم من بعد مواضعه﴾ [المائدة: ٤١]، مما يدل على أن

العبد إذا اعتاد سماع الباطل وقبوله أكسبه ذلك تحريفا للحق عن مواضعه

، فإنه إذا قبل الباطل أحبه ورضيه، فإذا جاء الحق بخلافه رده وكذبه إن قدر على ذلك، وإلا حرفه، كما تصنع الجهمية بآيات الصفات وأحاديثها، يردون هذه بالتأويل الذي هو تكذيب لحقائقها، وهذه بكونها أخبار آحاد لا يجوز الاعتماد عليها في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته.
فهؤلاء وإخوانهم من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم؛ فإنها لو طهرت لما تعوضت بالباطل عن كلام الله تعالى ورسوله.
كما أن المنحرفين من أهل الإرادة لما لم تطهر قلوبهم تعوضوا بالسماع الشيطاني عن السماع القرآني الإيماني.

قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله» ٢.

فالقلب الطاهر ــ لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث ــ لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته، بخلاف القلب الذي لم يطهره الله، فإنه يتغذى من الأغذية التي تناسبه، بحسب ما فيه من النجاسة، فإن القلب النجس كالبدن العلىل المريض، لا تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح.

ودلت الآية على أن طهارة القلب موقوفة على إرادة الله، وأنه سبحانه لما لم يرد أن يطهر قلوب القائلين بالباطل المحرفين للحق لم يحصل لها الطهارة.

ولا يصح أن تفسر الإرادة هاهنا بالإرادة الدينية، وهي الأمر والمحبة، فإنه سبحانه قد أراد ذلك لهم أمرا ومحبة، ولم يرده منهم كونا؛ فأراد الطهارة لهم، ولم يرد وقوعها منهم؛ لما له في ذلك من الحكمة التي فواتها أكره إليه من فوات الطهارة منهم.

وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير في القدر ١.

ودلت الآية على أن من لم يطهر الله قلبه فلا بد أن يناله الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، بحسب نجاسة قلبه وخبثه، ولهذا حرم الله سبحانه

الجنة على من في قلبه نجاسة وخبث، ولا يدخلها إلا بعد طيبه وطهره ١، فإنها دار الطيبين، ولهذا يقال لهم: ﴿طبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣]، أي ادخلوها بسبب طيبكم.
والبشارة عند الموت لهؤلاء دون غيرهم، كما قال تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢]، فالجنة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شيء من الخبث.

فمن تطهر في الدنيا ولقي الله طاهرا من نجاساته دخلها بغير معوق، ومن لم يتطهر في الدنيا؛ فإن كانت نجاسته عينية كالكافر لم يدخلها بحال، وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعدما يتطهر من تلك النجاسة، ثم يخرج منها، حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيهذبون وينقون من بقايا بقيت عليهم، قصرت ٢ بهم عن الجنة، ولم توجب لهم دخول النار، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ٣.

والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة، فلا يدخل المصلي عليه حتى يتطهر، وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب والطهارة، [١٧ ب] فلا يدخلها إلا طيب طاهر، فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب، ولهذا شرع للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من

التوابين، واجعلني من المتطهرين» ١، فطهارة القلب بالتوبة، وطهارة البدن بالماء.
فلما اجتمع له طهوران صلح للدخول على الله، والوقوف بين يديه ومناجاته.

وسألت شيخ الإسلام عن

معنى دعاء النبي - ﷺ -: «اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد»

٢، كيف تطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله في لفظ آخر: «والماء البارد»، والحار أبلغ في الإنقاء؟

فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا، فترخي القلب، وتضرم ٣ فيه نار الشهوة، وتنجسه، فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها، ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه، والماء يغسل الخبث ويطفئ النار، فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته، فكان أذهب لأثر الخطايا.

هذا معنى كلامه، وهو محتاج إلى مزيد بيان وشرح، فاعلم أن هاهنا أربعة أمور: أمران حسيان، وأمران معنويان:

فالنجاسة التي تزول بالماء هي ومزيلها حسيان، وأثر الخطايا التي تزول بالتوبة والاستغفار؛ هي ومزيلها معنويان، وصلاح القلب وحياته ونعيمه لا يتم إلا بهذا وهذا، فذكر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من كل شطر قسما، نبه به على القسم الآخر، فتضمنت كلماته الأقسام الأربعة في غاية الاختصار، وحسن البيان.
كما في حديث الدعاء بعد الوضوء: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»؛ فإنه يتضمن ذكر الأقسام الأربعة.

ومن كمال بيانه - صلى الله عليه وآله وسلم -، وتحقيقه لما يخبر به ويأمر به: تمثيل ١ الأمر المطلوب المعنوي بالأمر المحسوس، وهذا كثير في كلامه، كقوله في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «سل الله الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم» ٢؛ وهذا من أبلغ التعليم والنصح، حيث أمره أن يذكر ــ إذا سأل الله الهدى إلى طريق رضاه وجنته ــ كونه مسافرا، وقد ضل عن الطريق، فلا يدري أين يتوجه، فطلع له رجل خبير بالطريق عالم بها، فسأله أن يدله على الطريق، فهكذا شأن طريق الآخرة تمثيلا لها بالطريق المحسوس للمسافر، وحاجة المسافر ــ إلى الله ــ سبحانه إلى من ٣ يهديه تلك الطريق، أعظم من حاجة المسافر إلى بلد إلى من يدله على الطريق الموصل إليها.

وكذلك السداد، هو إصابة القصد قولا وعملا؛ فمثله مثل رامي السهم، إذا وقع سهمه في نفس الشيء الذي رماه؛ فقد سدد سهمه وأصاب، ولم يقع باطلا، فهكذا المصيب للحق في قوله وعمله بمنزلة المصيب في رميه، وكثيرا ما يقرن في القرآن هذا وهذا.

فمنه قوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ أمر الحاج بأن يتزودوا لسفرهم، ولا يسافروا بغير زاد، ثم نبههم على زاد سفر الآخرة، وهو التقوى، فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزاد يبلغه إياه، فكذلك المسافر إلى الله والدار الآخرة لا يصل إلا بزاد من التقوى، [١٨ أ] فجمع بين الزادين.

ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ فجمع بين الزينتين: زينة البدن باللباس، وزينة القلب بالتقوى؛ زينة الظاهر والباطن، وجمال الظاهر والباطن.

ومنه قوله تعالى: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ [طه: ١٢٣]؛ فنفى عنه الضلال الذي هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذي هو عذاب البدن والروح أيضا، فهو منعم القلب والبدن بالهدى والفلاح.

ومنه قول امرأة العزيز عن يوسف لما أرته النسوة اللائمات لها في حبه: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾، فأرتهن جماله الظاهر، ثم قالت: ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ [يوسف: ٣٢]، فأخبرت عن جماله الباطن بعفته، فأخبرتهن بجمال باطنه، وأرتهن جمال ظاهره.

فنبه - صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله: «اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» على شدة حاجة البدن والقلب إلى ما يطهرهما ويبردهما ويقويهما، وتضمن دعاؤه سؤال هذا وهذا، والله أعلم.

وقريب من هذا أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» ١.

وفي هذا من السر ــ والله أعلم ــ أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وخفة البدن وراحته، وسأله أن يخلصه من المؤذي الآخر ويريح قلبه منه ويخففه.

وأسرار كلماته وأدعيته - صلى الله عليه وآله وسلم - فوق ما يخطر بالبال.

فصل

وقد وسم الله سبحانه الشرك والزنى واللواط بالنجاسة والخبث في كتابه دون سائر الذنوب، وإن كانت مشتملة على ذلك، لكن الذي وقع في القرآن قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله في حق اللوطية: ﴿ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي

كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين﴾ [الأنبياء: ٧٤]، وقالت اللوطية: ﴿أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾ [النمل: ٥٦]، فأقروا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الأخابث الأنجاس، وأن لوطا وآله مطهرون من ذلك باجتنابهم له، وقال تعالى في حق الزناة: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات﴾ [النور: ٢٦].

فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة، فالمغلظة: الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، والمخففة: الشرك الأصغر؛ كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، والحلف به، وخوفه، ورجائه.

ونجاسة الشرك عينية، ولهذا جعل سبحانه المشرك نجسا بفتح الجيم، ولم يقل: إنما المشركون نجس بالكسر؛ فإن النجس عين النجاسة، والنجس بالكسر هو المتنجس، فالثوب إذا أصابه بول أو خمر نجس، والبول والخمر نجس، فأنجس النجاسة الشرك، كما أنه أظلم الظلم؛ فإن النجس في اللغة والشرع هو المستقذر الذي تطلب مباعدته والبعد منه، بحيث لا يلمس ولا يشم ولا يرى، فضلا أن يخالط ويلابس؛ لقذارته ونفرة الطباع السليمة منه، وكلما كان الحي أكمل حياة وأصح حياء كان إبعاده لذلك [١٨ ب] أعظم، ونفرته منه أقوى.

فالأعيان النجسة إما أن تؤذي البدن، أو القلب، أو تؤذيهما معا.
والنجس قد يؤذي برائحته ١، وقد يؤذي بملابسته، وإن لم تكن له رائحة كريهة.

والمقصود أن النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوية باطنة، فيغلب على الروح والقلب الخبث والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحي ليشم من تلك الروح والقلب رائحة خبيثة يتأذى بها، كما يتأذى من يشم رائحة النتن، ويظهر ذلك كثيرا في عرقه، حتى يجد لرائحة عرقه نتنا، فإن نتن القلب والروح يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره، والعرق يفيض من الباطن، ولهذا كان الرجل الصالح طيب العرق، وكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أطيب الناس عرقا، قالت أم سليم ــ وقد سألها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عنه وهي تلتقطه ــ: هو من أطيب الطيب ١.

فالنفس النجسة الخبيثة يقوى خبثها ونجاستها حتى يبدو على الجسد، والنفس الطيبة بضدها، فإذا تجردت وخرجت من البدن وجد لهذه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، ولتلك كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض.

والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدا.
وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، كما قال تعالى: ﴿ويعذب المنافقين

والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا﴾ [الفتح: ٦].

فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك؛ فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده، ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة ١ مواضع من كتابه ٢؛ وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته؟

قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١]؛ أي يجعلون له عدلا في العبادة والمحبة والتعظيم.

وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا في النار أنها كانت ضلالا وباطلا، فيقولوا لآلهتهم وهم في النار معهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين (٩٧) نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، ومعلوم أنهم ما سووهم ٣ به في الذات والصفات والأفعال، ولا

قالوا: إن آلهتهم خلقت السماوات والأرض، وإنها تحيي وتميت، [١٩ أ] وإنما سووها ١ به في محبتهم لها، وتعظيمهم لها، وعبادتهم إياها، كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب ٢ إلى الإسلام.

ومن العجب أنهم ينسبون أهل التوحيد إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء والصالحين، وما ذنبهم إلا أن قالوا: إنهم عبيد، لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وإنهم لا يشفعون لعابديهم أبدا، بل قد حرم الله شفاعتهم لهم، ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم في الشفاعة، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، والشفاعة كلها له سبحانه، والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع.

فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله، ولهذا قال إمام الحنفاء عليه السلام لخصمائه من المشركين: ﴿أئفكا آلهة دون الله تريدون (٨٦) فما ظنكم برب العالمين﴾ [الصافات: ٨٦، ٨٧]، وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له ندا؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره؟

فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير أو عون، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لا

يرحم حتى تجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي وحده، أو لا يفعل ما يريد بالعبد ١ حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به، وتكثره به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده، حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى ترفع الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقا؛ فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته.

وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك؛ بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء؛ بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه.

فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره، وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه يعظمه ٢ بذلك، كما أنك لا تجد مبتدعا إلا وهو متنقص للرسول، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة؛ فإنه

يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، ويزعم أنها هي السنة إن كان جاهلا مقلدا، وإن كان مستبصرا في بدعته فهو مشاق لله ورسوله.

فالمتنقصون المنقوصون عند الله ورسوله وأوليائه: هم أهل الشرك والبدعة، ولا سيما من بنى دينه على أن كلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تفيد الىقين، ولا تغني من الىقين والعلم شيئا.
فيا لله [١٩ ب] للمسلمين! أي شيء فات هذا من التنقص؟

وكذلك من نفى صفات الكمال عن الرب تعالى، خشية ما يتوهمه من التشبيه والتجسيم لله؛ فقد جاء من التنقص بضد ما وصف الله سبحانه به نفسه من الكمال.

والمقصود أن هاتين الطائفتين هم أهل التنقص في الحقيقة، بل هم أعظم الناس تنقصا، لبس عليهم الشيطان، حتى ظنوا أن تنقصهم هو الكمال، ولهذا كانت البدعة قرينة الشرك في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].

فالإثم والبغي قرينان، والشرك والبدعة قرينان.

فصل

وأما نجاسة الذنوب والمعاصي فإنها بوجه آخر؛ فإنها لا تستلزم تنقيص الربوبية، ولا سوء الظن بالله عز وجل، ولهذا لم يرتب الله سبحانه عليها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك، وهكذا ١ استقرت الشريعة على

أنه يعفى عن النجاسات المخففة ــ كالنجاسة في محل الاستجمار، وأسفل الخف والحذاء، وبول الصبي الرضيع وغير ذلك ــ مالا يعفى عن المغلظة، وكذلك يعفى عن الصغائر ما لا يعفى عن الكبائر، ويعفى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك.

فلو لقي الموحد ــ الذي لم يشرك بالله شيئا البتة ــ ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابه بالشرك؛ فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب، فإنه يتضمن من محبة الله وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده، ما يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضة، والدافع لها قوي، فلا تثبت معه.

ولكن نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا، ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركا؛ فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: ٢٤].

فإن

عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها

، بل هو من أعلى أنواع التعبد، ولا سيما إذا استولى على القلب وتمكن منه صار تتيما، والتتيم: التعبد، فيصير العاشق عابدا لمعشوقه، وكثيرا ما يغلب حبه وذكره والشوق إليه، والسعي في مرضاته، وإيثار محابه، على حب الله وذكره والسعي في مرضاته، بل كثيرا ما يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية، ويصير متعلقا

بمعشوقه من الصور كما هو مشاهد، فيصير المعشوق هو إلهه من دون الله، يقدم رضاه وحبه على رضا الله وحبه، ويتقرب إليه ما لا يتقرب إلى الله، وينفق في مرضاته ما لا ينفقه في مرضاة الله، ويتجنب من ١ سخطه ما لا يتجنب من سخط الله، فيصير آثر عنده من ربه: حبا، وخضوعا، وذلا، وسمعا، وطاعة.

ولهذا كان العشق والشرك متلازمين، وإنما حكى الله سبحانه العشق عن المشركين من قوم لوط، وعن امرأة العزيز، وكانت إذ [٢٠ أ] ذاك مشركة، فكلما قوي شرك العبد بلي بعشق الصور، وكلما قوي توحيده صرف ذلك عنه، والزنى واللواط كمال لذته إنما يكون مع العشق، ولا يخلو صاحبهما منه، وإنما ــ لتنقله من محل إلى محل ــ لا يبقى عشقه مقصورا على محل واحد، بل ينقسم على سهام ٢ كثيرة، لكل محبوب نصيب من تألهه وتعبده.

فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصية في تبعيد القلب من الله؛ فإنهما من أعظم الخبائث، فإذا انصبغ القلب بهما بعد ممن هو طيب لا يصعد إليه إلا طيب ٣، وكلما ازداد خبثا ازداد من الله بعدا، ولهذا قال المسيح فيما رواه الإمام أحمد في كتاب «الزهد» ٤: «لا

يكون البطالون من الحكماء، ولا يلج الزناة ملكوت السماء».

ولما كانت هذا حال الزنى كان قرينا للشرك في كتاب الله، قال تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٣].

والصواب القول بأن هذه الآية محكمة يعمل بها، لم ينسخها شيء، وهي مشتملة على خبر وتحريم، ولم يأت من ادعى نسخها بحجة البتة، والذي أشكل منها على كثير من الناس واضح بحمد الله، فإنهم أشكل علهم قوله: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾؛ هل هو خبر أو نهي أو إباحة؟

فإن كان خبرا فقد رأينا كثيرا من الزناة ينكح عفيفة.
وإن كان نهيا فيكون قد نهى الزاني أن يتزوج إلا بزانية أو مشركة، فيكون نهيا له عن نكاح المؤمنات العفائف، وإباحة له نكاح المشركات والزواني، والله سبحانه لم يرد ذلك قطعا، فلما أشكل عليهم ذلك طلبوا للآية وجها يصح حملها عليه.

فقال بعضهم: المراد من النكاح الوطء والزنى، فكأنه قال: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة.

وهذا فاسد، فإنه لا فائدة فيه، ويصان كلام الله عن حمله على مثل ذلك، فإنه من المعلوم أن الزاني لا يزني إلا بزانية، فأي فائدة في الإخبار بذلك؟ ولما رأى الجمهور فساد هذا التأويل أعرضوا عنه.

ثم قالت طائفة: هذا عام اللفظ خاص المعنى، والمراد به رجل واحد وامرأة واحدة، وهي عناق البغي وصاحبها؛ فإنه أسلم واستأذن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في نكاحها، فنزلت هذه الآية ١.

وهذا أيضا فاسد، فإن هذه الصورة المعينة ــ وإن كانت سبب النزول ــ فالقرآن لا يقتصر به على محال أسبابه، ولو كان كذلك لبطل الاستدلال به على غيرها.

وقالت طائفة: بل الآية منسوخة بقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢].
وهذا أفسد من الكل، فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين، ولا تناقض إحداهما الأخرى، بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامى، وحرم نكاح الزانية، كما حرم نكاح المعتدة والمحرمة وذوات المحارم، فأين الناسخ والمنسوخ في هذا؟

فإن قيل: فما وجه الآية؟

قيل: وجهها ــ والله أعلم ــ: أن المتزوج أمر أن يتزوج المحصنة العفيفة، وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط، كما ذكر ذلك سبحانه في سورتي النساء ١ والمائدة ٢؛ والحكم المعلق على الشرط ينتفي عند انتفائه، والإباحة قد علقت على شرط الإحصان، فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به، فالمتزوج إما أن يلتزم حكم الله وشرعه الذي شرعه على لسان رسوله، أو لا يلتزمه، [٢٠ ب] فإن لم يلتزم فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم عليه لم يصح النكاح، فيكون زانيا، فظهر معنى قوله: ﴿لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾، وتبين غاية البيان وكذلك حكم المرأة.

وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصريحه، فهو موجب الفطرة ومقتضى العقل، فإن الله سبحانه حرم على عبده أن يكون قرنانا ديوثا زوج بغي، فإن الله فطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه، ولهذا إذا بالغوا في سب الرجل قالوا: زوج قحبة، فحرم الله تعالى على المسلم أن يكون كذلك.

فظهرت حكمة التحريم، وبان معنى الآية، والله الموفق.

ومما يوضح التحريم، وأنه هو الذي يليق بهذه الشريعة الكاملة: أن هذه الخيانة من المرأة تعود بفساد فراش الزوج، وفساد النسب الذي جعله الله بين الناس لتمام مصالحهم، وعدوه من جملة نعمه عليهم، فالزنى يفضي إلى ١ اختلاط المياه واشتباه الأنساب، فمن محاسن الشريعة تحريم نكاح الزانية حتى تتوب وتستبرأ.

وأيضا فإن الزانية خبيثة، كما تقدم بيانه، والله سبحانه جعل النكاح سببا للمودة والرحمة، والمودة: خالص الحب، فكيف تكون الخبيثة مودودة للطيب، زوجا له؟ والزوج سمي زوجا من الازدواج، وهو الاشتباه؛ فالزوجان: الاثنان المتشابهان ٢، والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعا وقدرا، فلا يصح معها الازدواج والتراحم والتواد، ولقد أحسن كل الإحسان من ذهب إلى هذا المذهب، ومنع الرجل أن يكون زوج قحبة.

فأين هذا من قول من جوز أن يتزوجها ويطأها الليلة، وقد وطئها الزاني البارحة؟ وقال: ماء الزاني لا حرمة له.
فهب أن الأمر كذلك؛ فماء الزوج له حرمة، فكيف يجوز اجتماعه مع ماء الزاني في رحم واحد؟

والمقصود أن الله سبحانه سمى الزواني والزناة خبيثين وخبيثات، وجنس هذا الفعل قد شرعت فيه الطهارة وإن كان حلالا، وسمي فاعله جنبا، لبعده عن قراءة القرآن وعن الصلاة وعن المساجد، فمنع من ذلك كله حتى يتطهر بالماء، فكذلك إذا كان حراما يبعد القلب عن الله وعن الدار الآخرة، بل يحول بينه وبين الإيمان، حتى يحدث طهرا كاملا بالتوبة، وطهرا لبدنه بالماء.

وقول اللوطية: ﴿أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢] من جنس قوله سبحانه في أصحاب الأخدود: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾ [البروج: ٨]، وقوله تعالى: ﴿قل ياأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل﴾ [المائدة: ٥٩].

وهكذا المشرك، إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد، وأنه لا يشوبه بالإشراك.

وهكذا المبتدع، إنما ينقم على السني تجريده متابعة الرسول، وأنه لم يشبها بآراء الرجال، ولا بشيء مما خالفها.

فصبر الموحد المتبع للرسول على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة خير له وأنفع، وأسهل عليه من صبره على ما ينقمه الله ورسوله عليه من موافقة أهل الشرك والبدعة.

إذا لم يكن بد من الصبر فاصطبر... على الحق، ذاك الصبر تحمد عقباه ١

الباب العاشر [٢١ أ]

في علامات مرض القلب وصحته

كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به، كماله في حصول ذلك الفعل منه، ومرضه أن يتعذر عليه الفعل الذي خلق له، حتى لا يصدر منه، أو يصدر مع نوع من الاضطراب.
فمرض اليد: أن يتعذر عليها البطش، ومرض العين: أن يتعذر عليها النظر والرؤية، ومرض اللسان: أن يتعذر عليه النطق، ومرض البدن: أن يتعذر عليه حركته الطبيعية أو يضعف، ومرض القلب: أن يتعذر عليه ما خلق له من المعرفة بالله، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والإنابة إليه، وإيثار ذلك على كل شهوة.

ف

جارٍ التحميل