يبلغ أحيانا سطرا أو أكثر، بالإضافة إلى الأخطاء والتحريفات التي وقعت فيها، والأوهام والأغلاط في التخريج والتعليق.
-
ونشر أيضا بتحقيق: بشير محمد عيون، من مكتبة المؤيد بالرياض ومكتبة دار البيان بدمشق سنة ١٤١٤/ ١٩٩٣ م، في ٨٥٦ صفحة.
وقد ذكر أنه اعتمد على نسخة خطية، ولكن لا يوجد فرق بين هذه الطبعة وطبعة الفقي إلا نادرا. -
وطبع بتحقيق وضبط وتخريج وتعليق: حسان عبد المنان وعصام فارس الحرستاني، من مؤسسة الرسالة، بيروت سنة ١٤١٤/ ١٩٩٤ م. وعلى هذه الطبعة مؤاخذات من جهة تخريج الأحاديث للشيخ محمد ناصر الدين الألباني نشرها بعنوان "النصيحة بالتحذير من تخريب ابن عبد المنان لكتب الأئمة الرجيحة، وتضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة".
-
وطبع أيضا بتحقيق: السيد الجميلي، من دار ابن زيدون بيروت.
-
ونشر أيضا بتحقيق: خالد عبد اللطيف السبع العلمي، من دار الكتاب العربي، بيروت، في مجلدين.
ولم يرجع إلى أي نسخة خطية، بل اعتمد على طبعات الفقي وعفيفي وبشير عيون والسيد الجميلي، وأثبت الفروق بين الطبعتين الأوليين. -
وطبع بتحقيق: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الأثري، وتخريج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، من دار ابن الجوزي بالدمام سنة ١٤٢١/ ٢٠٠١ م. وقد اعتمد فيها على نسخة جامعة برنستون، وقابلها على طبعة الفقي.
وأغلب هذه الطبعات التي صدرت بعد طبعة الفقي كانت عالة عليها، وإن ادعى أصحابها أنهم رجعوا إلى النسخ الخطية، فلا خلاف يذكر بينها وبين طبعة الفقي، وإنما تتفاوت في التخريج والتعليق.
هذه الطبعة:
اعتمدت في تحقيق الكتاب على أهم النسخ الخطية الموجودة منه، كما سبق وصفها، وأقدمها تلك التي كتبت في حياة المؤلف سنة ٧٣٨، وأثبت النص الصحيح في ضوئها، وذكرت من الفروق بين النسخ ما يحسن ذكره، ولم أشر إلى الأخطاء والتحريفات الواقعة فيها إلا نادرا.
ثم قمت بضبط النص وشكل الضروري منه، ووضعه في فقرات مناسبة.
ثم وثقت النقول من المصادر التي نقل عنها المؤلف ومن غيرها، وقد قام بتخريج الأحاديث والآثار من غير الصحيحين: الشيخ مصطفى بن سعيد إيتيم، فجزاه الله خيرا.
ويوجد في الكتاب شعر ذكره المؤلف في مناسبات مختلفة، فقمت بتخريج ما وجدت منه، وكان فيه تحريف وخلل كثير في النسخ، فقومته في ضوئها وبالرجوع إلى المصادر الأخرى.
ولم أهتم بترجمة الأعلام والتعريف بالفرق والبلدان والكتب وشرح الكلمات والمصطلحات، فإنها تثقل الكتاب بما هو معلوم لدى عامة المثقفين فضلا عن العلماء، ويمكن مراجعة المعاجم والمصادر المشهورة لمعرفة شيء منها.
وبعد الانتهاء من خدمة النص بما يلزم صنعت فهارس لفظية وعلمية تكشف عن محتويات الكتاب وموضوعاته، ليصل القارئ إلى بغيته بسهولة، ولا يضيع وقته وجهده في البحث عما يحتاج إليه.
وفي الختام أرجو أنني وفقت في إخراج هذا الكتاب وتقديمه بحيث يتيسر الاستفادة منه، ويعم النفع بقراءته إن شاء الله، ونحن في زمن كثرت فيه مصايد الشيطان وتنوعت مكايده، واتخذت شتى الوسائل والأساليب للخداع والتضليل، والدعوة إلى نشر الفواحش والموبقات، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كتبه
محمد عزير شمس
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن ١
الحمد لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله، وأنار قلوبهم بمشاهد ٢ صفات كماله، وتعرف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله، فعلموا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به أحد من خلقه في إكثاره وإقلاله، لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه على لسان من أكرمهم بإرساله؛ الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، ولا يحجب المخلوق عنه تستره بسرباله، الحي القيوم، الواحد الأحد، الفرد الصمد، المنفرد بالبقاء، وكل مخلوق منته إلى زواله، السميع الذي يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم من إلحاح الملحين في سؤاله، البصير الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث كانت من سهله أو جباله، وألطف من ذلك رؤيته لتقلب قلب عبده، ومشاهدته لاختلاف أحواله؛ فإن أقبل إليه تلقاه، وإنما إقبال العبد عليه من إقباله، وإن أعرض عنه لم يكله إلى عدوه ولم يدعه في إهماله، بل يكون
أرحم به من الوالدة بولدها الرفيقة به في حمله ورضاعه وفصاله ١، فإن تاب فهو أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدوية المهلكة إذا وجدها، وقد تهيأ لموته وانقطاع أوصاله ٢،
وإن أصر على الإعراض، ولم يتعرض لأسباب الرحمة، بل أصر على العصيان في إدباره وإقباله، وصالح عدوه وقاطع سيده، فقد استحق الهلاك، ولا يهلك على الله تعالى إلا الشقي الهالك لعظم رحمته وسعة إفضاله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا فردا صمدا، جل عن الأشباه والأمثال، وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا راد لحكمه ولا معقب لأمره، ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ [الرعد: ١]
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائم له بحقه، وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه، أرسله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحسرة على الكافرين، وحجة على العباد ٣ أجمعين، بعثه على حين فترة من الرسل، فهدى ٤ به إلى أقوم الطرق ٥ وأوضح السبل ٦؛ وافترض على العباد
طاعته ومحبته، وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق؛ فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره ١، وأقسم بحياته في كتابه المبين ٢ وقرن اسمه باسمه؛ فلا يذكر إلا ذكر معه، كما في التشهد والخطب والتأذين.
فلم يزل -صلى الله عليه وآله وسلم- قائما بأمر الله تعالى، لا يرده عنه راد، مشمرا في مرضاة الله تعالى، لا يصده عن ذلك صاد، إلى أن أشرقت الدنيا برسالته ضياء وابتهاجا، ودخل الناس في دين الله أفواجا أفواجا، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار، ثم استأثر الله تعالى به لينجز له ما وعده به في كتابه المبين، بعد أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، وأقام الدين، وترك أمته على البيضاء الواضحة البينة للسالكين، وقال: ﴿هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾ [يوسف: ١٠٨].
أما بعد، فإن الله سبحانه وتبارك وتعالى لم يخلق خلقه سدى مهملا ٣، بل جعلهم موردا للتكليف، ومحلا للأمر والنهي، [٢ أ] وألزمهم فهم ما أرشدهم إليه مجملا ومفصلا، وقسمهم إلى شقي وسعيد، وجعل لكل واحد من الفريقين منزلا، وأعطاهم مواد العلم والعمل: من القلب، والسمع،
والبصر، والجوارح، نعمة منه وتفضلا؛ فمن استعمل ذلك في طاعته، وسلك به طريق معرفته على ما أرشد إليه ولم يبغ عنه عدولا، فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك، وسلك به إلى مرضاة الله سبيلا، ومن استعمله في إرادته وشهواته ولم يرع حق خالقه فيه، تحسر ١ إذا سئل عن ذلك، وحزن حزنا طويلا؛ فإنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء؛ لقوله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٦].
ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود، الذي تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الإقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، قال النبى -صلى الله عليه وآله وسلم-: "ألا إن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله" ٢، فهو ملكها، وهى المنفذة ٣ لما يأمرها به، القابلة لما يأتيها ٤ من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته، وهو المسؤول عنها كلها؛ لأن كل راع مسؤول عن رعيته ٥ = كان ٦ الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون، والنظر في
أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك ١ به الناسكون.
ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه؛ أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزين له من الأحوال ٢ والأعمال ما يصده به عن الطريق، وأمده من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة ٣ بالله تعالى، والتعرض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته، والتحقق بذل العبودية الذي هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول في ضمان ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢]؛ فهذه الإضافة هي القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها بسبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب بإخلاص ٤ العلم ودوام اليقين، فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند الله من المقربين، وشمله استثناء ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر: ٤٠].
ولما من الله الكريم بلطفه بالاطلاع على ما أطلع عليه من أمراض القلوب وأدوائها، وما يعرض لها من وساوس الشياطين أعدائها، وما تثمرها ٥ تلك
الوساوس من الأعمال، وما يكتسب القلب بعدها من الأحوال، فإن العمل السيئ مصدره عن فساد قصد القلب، ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة، فيزداد مرضا على مرضه حتى يموت، ويبقى لا حياة فيه ولا نور له، وكل ذلك من انفعاله ١ لوسوسة الشيطان، وركونه إلى عدوه الذي لا يفلح إلا من جاهره بالعصيان =أردت أن أقيد ذلك في هذا الكتاب؛ لأستذكره معترفا فيه لله بالفضل والنعمة ٢؛ وينتفع به من نظر فيه داعيا لمؤلفه بالمغفرة والرحمة ٣، وسميته "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان"، ورتبته ثلاثة عشر بابا:
الباب الأول: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت.
الباب الثاني: في ذكر حقيقة مرض القلب [٢ ب].
الباب الثالث: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبعية وشرعية.
الباب الرابع: في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه.
الباب الخامس: في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق، مريدا له، مؤثرا له على غيره.
الباب السادس: في أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواه.
الباب السابع: في أن القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه.
الباب الثامن: في زكاء القلب.
الباب التاسع: في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه.
الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته.
الباب الحادي عشر: في علاج مرض ١ القلب من استيلاء النفس عليه.
الباب الثاني عشر: في علاج مرض القلب بالشيطان.
الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم.
وهو الباب الذي لأجله وضع الكتاب، وفيه فصول جمة الفوائد حسنة المقاصد.
والله تعالى يجعله خالصا لوجهه، مؤمنا من الكرة الخاسرة، وينفع به مصنفه وكاتبه، والناظر فيه في الدنيا والآخرة، إنه سميع عليم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.