إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانقرن الله الفتنة بالصبر في سورة الفرقان وفي سورة النمل

قرن الله الفتنة بالصبر في سورة الفرقان وفي سورة النمل

، كما قال تعالى: ﴿يوم هم على النار

يفتنون (١٣) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ [الذاريات: ١٣، ١٤]، فالنار فتنة من لم يصبر على فتنة الدنيا، قال تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إنا جعلناها فتنة للظالمين﴾ [الصافات: ٦٣].

قال قتادة ١: لما ذكر الله تعالى هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا: يكون في النار شجرة والنار تأكل الشجر؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم﴾ [الصافات: ٦٤]، فأخبرهم أن غذاءها من النار، أي: غذيت بالنار.

قال ابن قتيبة ٢: قد تكون شجرة الزقوم نبتا من النار، ومن جوهر لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها، وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما نعلم لم تبق على النار، وإنما دلنا الله على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة للدلالة، والمعاني مختلفة، وما في الجنة من ثمرها وفرشها وشجرها وجميع آلاتها على مثل ذلك.

والمقصود أن هذه الشجرة فتنة لهم في الدنيا بتكذيبهم بها، وفتنة لهم في الآخرة بأكلهم منها.

وكذلك إخباره سبحانه بأن عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر كان فتنة للكفار، حيث قال عدو الله أبو جهل ٣ عليه لعنة الله: أيخوفكم

محمد بتسعة عشر، وأنتم الدهم؟ أفيعجز كل مئة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فقال أبو الأشدين ١ لعنه الله: يا معشر قريش! إذا كان يوم القيامة فأنا أمشي بين أيديكم على الصراط، فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر في النار، ونمضي فندخل الجنة.

فكان ذكر هذا العدد فتنة لهم في الدنيا، وفتنة لهم يوم القيامة.

والكافر مفتون بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سأل المؤمنون ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، كما قال الحنفاء: ﴿ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (٤) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا﴾ [الممتحنة: ٤، ٥]، وقال أصحاب موسى: ﴿فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ [يونس: ٨٥].

قال مجاهد ٢: المعنى: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.

وقال الزجاج ١: معناه: لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق، فيفتتنوا بذلك.

وقال الفراء ٢: لا تظهر علينا الكفار، فيروا أنهم على حق وأنا على باطل.

[١٢٨ ب] وقال مقاتل ٣: لا تقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم.

وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر، فقال: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا﴾، وقال تعالى: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ [الأنعام: ٥٣].

والمقصود أنه سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجميلة، وفتن أولئك بهم، فكل من النوعين فتنة للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنة سقط فيما هو شر منها، فإن تدارك ذلك بالتوبة النصوح، وإلا فبسبيل من هلك، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ما تركت بعدي فتنة أضر من النساء على الرجال» ٤ أو كما قال.

فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته، ونفسه الأمارة، وشيطانه المغوي المزين، وقرنائه، وما يراه ويشاهده مما يعجز صبره عنه، ويتفق مع ذلك

ضعف الإيمان واليقين، وضعف القلب، ومرارة الصبر، وذوق حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العوض مؤجلا في دار أخرى غير هذه الدار التي منها خلق، وفيها نشأ، فهو مكلف بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به:

فو الله لولا الله يسعد عبده... بتوفيقه والله بالعبد أرحم

لما ثبت الإيمان يوما بقلبه... على هذه العلات والأمر أعظم

ولا طاوعته النفس في ترك شهوة... مخافة نار جمرها يتضرم

ولا خاف يوما من مقام إلاهه... عليه بحكم القسط إذ ليس يظلم

فصل

والفتنة نوعان: فتنة الشبهات وهى أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات.

وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما:

ففتنة الشبهات: من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولاسيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: ٢٣].

وقد أخبر الله سبحانه أن

جارٍ التحميل