إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانصفحات 787-791

وكذلك القرض شرع الله سبحانه فيه العدل، وأن لا يزداد على مثل ما أقرض، فإذا احتال المقرض على الزيادة فقد احتال على مقصود محرم بطريق باطلة.

وكذلك بيع الثمر قبل بدو صلاحها باطل؛ لما يفضي إليه من أكل المال بالباطل، فإذا احتال عليه بأن شرط القطع ثم تركه حتى يكمل، كان قد احتال على مقصود محرم بشرط غير مقصود، بل قد علم المتعاقدان وغيرهما أنه لا يقطعه، ولا سيما إن كان مما لا ينتفع به قبل الصلاح بوجه، كالتوت والفرسك، وغيرهما، فاشتراط قطعه خداع محض.

وكذلك سائر الحيل التي تعود على مقصود الشارع وشرعه بالنقض والإبطال؛ غاياتها محرمة، ووسائلها باطلة لا حقيقة لها.

وكذلك الفدية والخلع التي شرعها الله ليخلص كل واحد من الزوجين من الآخر إذا وقع الشقاق بينهما، فجعلوه حيلة للحنث في اليمين، وبقاء النكاح، والله سبحانه إنما شرعه لقطع النكاح، حيث يكون قطعه مصلحة لهما.

وبهذا يتبين لك الفرق بين الحيل التي يتوصل بها إلى تنفيذ أمر الله سبحانه تعالى ورسوله وإقامة دينه [١٠٩ أ]، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونصر المحق، وكسر المبطل؛ والحيل التي يتوصل بها إلى خلاف ذلك.

فتحصيل المقاصد المشروعة بالطرق التي جعلت موصلة إليها شيء، وتحصيل المقاصد الفاسدة بالطرق التي شرعت لغيرها شيء آخر.

فالفرق بين النوعين ثابت من جهة الوسيلة والمقصود اللذين هما: المحتال به والمحتال عليه.

فالطرق الموصلة إلى الحلال المشروع: هي الطرق التي لا خداع في وسائلها، ولا تحريم في مقاصدها، وبالله التوفيق.

فصل

وأما قولكم: إن من حلف بطلاق زوجته: ليشربن هذا الخمر، أو ليقتلن هذا الرجل أو نحو ذلك، كان في الحيلة تخليصه من هذه المفسدة، ومن مفسدة وقوع الطلاق.

فيقال: نعم والله قد شرع الله له ما يتخلص به، ولخلاصه طرق عديدة، فلا تتعين الحيلة التي هي خداع ومكر لتخليصه، بل هاهنا طرق عدة، قد سلك كل طريق منها طائفة من الفقهاء، من سلف الأمة وخلفها:

الطريق الأولى: طريقة من قال: لا تنعقد هذه اليمين بحال ولا يجب فيها شيء ١، سواء كانت بصيغة الحلف، كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلن، أو بصيغة التعليق المقصود، كقوله: إن طلعت الشمس، أو: إن حضت، أو إن جاء رأس الشهر، فأنت طالق، أو التعليق المقصود به من اليمين الحض والمنع، والتصديق والتكذيب، كقوله: إن لم أفعل كذا، أو: إن فعلت كذا فامرأتي طالق.
وهذا اختيار أجل أصحاب الشافعي الذين جالسوه أو من هو من أجلهم: أبي عبد الرحمن، وهو من أجل أصحاب الوجوه المنتسبين إلى الشافعي، وهذا مذهب أكثر أهل الظاهر.

فعندهم: أن الطلاق لا يقبل التعليق، كالنكاح، ولم يرد مخالفو هؤلاء عليهم بحجة تشفي.

الطريق الثانية: طريق من يقول: لا يقع الطلاق المحلوف به، ولا العتق المحلوف به، ويلزمه كفارة اليمين إذا حنث، وهذا مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وزينب بنت أم سلمة، وحفصة، رضي الله عنهم أجمعين، في الحلف بالعتق الذي هو قربة إلى الله تعالى، بل من أحب القرب إلى الله، ويسري في ملك الغير، فما يقول هؤلاء في الحلف بالطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله تعالى، وأحب الأشياء إلى الشيطان؟

والسائل لهؤلاء الصحابة إنما كان امرأة، حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته، فقالوا لها: كفري عن يمينك، وخلي بين الرجل وبين امرأته ١.

وهؤلاء الصحابة أفقه في دين الله، وأعلم من أن يفتوا بالكفارة في الحلف بالعتق ويرونه يمينا، ولا يرون الحلف بالطلاق يمينا، ويلزمون

الحانث بوقوعه؛ فإنه لا يجد فقيه شم رائحة العلم بين البابين والتعليقين فرقا بوجه من الوجوه.

وإنما لم يأخذ به أحمد؛ لأنه لم يصح عنده إلا من طريق سليمان التيمي، واعتقد أنه تفرد به، وقد تابعه عليه محمد بن عبد الله الأنصاري، وأشعث الحمراني، ولهذا لما ثبت عند أبي ثور قال به، وظن الإجماع في الحلف بالطلاق على لزومه، فلم يقل به.

الطريق الثالثة: طريق من يقول: ليس الحلف بالطلاق شيئا، وهذا صحيح عن طاوس، وعكرمة.

أما طاوس ١ فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا.

وقد رد بعض المتعصبين لتقليدهم ومذاهبهم هذا النقل، بأن عبد الرزاق ذكره في (باب يمين المكره)، فحمله على الحلف بالطلاق مكرها.

وهذا فاسد، فإن الحجة ليست في الترجمة، [١٠٩ ب] وإنما الاعتبار بما يروى في أثناء الترجمة، ولا سيما المتقدمين كابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، ووكيع وغيرهم؛ فإنهم يذكرون في أثناء التراجم آثارا لا تطابق الترجمة، وإن كان لها بها نوع تعلق، وهذا في كتبهم لمن تأمله أكثر وأشهر من أن يخفى، وهو في «صحيح البخاري» وغيره، وفى كتب الفقهاء، وسائر المصنفين.

ثم لو فهم عبد الرزاق هذا، وأنه في يمين المكره، لم تكن الحجة في فهمه، بل الأخذ بروايته، وأي فائدة في تخصيص الحلف بالطلاق بذلك؟ بل كل مكره حلف بأي يمين كانت فيمينه ليست بشيء.

أما عكرمة ١ فقال سنيد بن داود في «تفسيره»: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، في رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مئة سوط فامرأتي طالق؟ قال: لا يجلد غلامه، ولا يطلق امرأته، هذا من خطوات الشيطان.

فإذا ضممت هذا الأثر إلى أثر ابن طاوس عن أبيه، إلى أثر ابن عباس فيمن قالت لمملوكها: إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فكل مملوك لي حر، إلى الآثار المستفيضة عن ابن عباس في الحلف بتحريم الزوجة أنها يمين يكفرها: تبين لك ما كان عليه ابن عباس وأصحابه في هذا الباب.

فإذا ضممت ذلك إلى آثار الصحابة في الحلف بالتعليقات كالحج، والصوم، والصدقة، والهدي، والمشي إلى مكة حافيا، ونحو ذلك أنها أيمان مكفرة، تبين لك حقيقة ما كان عليه الصحابة في ذلك.

فإذا ضممت ذلك إلى القياس الصحيح الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع، تبين لك توافق القياس وهذه الآثار.

فإذا ارتفعت درجة أخرى، ووزنت ذلك بالنصوص من القرآن والسنة، تبين لك الراجح من المرجوح.

ومع هذا كله، فلا يدا لك بمقاومة السلطان، ومن يقول: حكمت وثبت عندي.
فالله المستعان!

الطريق الرابعة: طريق من يفرق بين أن يحلف على فعل امرأته أو فعل نفسه، أو على غير الزوجة، فيقول: إن قال لامرأته: إن خرجت من الدار، أو كلمت رجلا، أو فعلت كذا، فأنت طالق؛ فلا يقع عليه الطلاق بفعلها ذلك، وإن حلف على فعل نفسه، أو غير امرأته، وحنث، لزمه الطلاق.

وهذا قول أفقه أصحاب مالك على الإطلاق، وهو أشهب بن عبد العزيز، ومحله من الفقه والعلم غير خاف.

ومأخذ هذا: أن المرأة إذا فعلت هذا لتطلق نفسها لم يقع به الطلاق، معاقبة لها بنقيض قصدها، وهذا جار على أصول مالك، وأحمد، ومن وافقهما في معاقبة الفار من التوريث والزكاة وقاتل مورثه، والموصي له، ومن دبره، بنقيض قصده.

وهذا هو الفقه، لاسيما وهو لم يرد طلاقها، إنما أراد حضها أو منعها، وأن لا تتعرض لما يؤذيه، فكيف يكون فعلها سببا لأعظم أذاه؟ وهو لم يملكها ذلك بالتوكيل والخيار، ولا ملكها الله إياه بالفسخ، فكيف تكون الفرقة إليها، إن شاءت أقامت معه، وإن شاءت فارقته بمجرد حضها ومنعها؟ وأي شيء أحسن من هذا الفقه، وأطرد على قواعد الشريعة؟

جارٍ التحميل