إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانصفحات 152-154

الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته

صفحات 152-154

على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم، ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحجبت قلوبهم عن معرفته ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.

فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيا؟ وأفضل الفكر الفكر في ذلك؛ فإنه يسير القلب إلى الله، ويطرحه بين يديه ذليلا خاضعا، منكسرا كسرا فيه جبره، ومفتقرا فقرا فيه غناه، وذليلا ذلا فيه عزه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل، فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم: حدثنا صالح المري، عن أبي عمران ١ الجوني، عن أبي الجلد: أن الله تعالى أوحى إلى موسى: «إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم [٢٧ ب] نفسك فهي أولى بالذم، وناجني حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق» ٢.

ومن

فوائد نظر العبد في حق الله عليه:

أنه لا يتركه ذلك يدل بعمل أصلا، كائنا ما كان، ومن أدل بعمله لم يصعد إلى الله، كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله، أنه قال له رجل: إني لأقوم في صلاتي؛ فأبكي حتى يكاد ينبت البقل من دموعي، فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك، خير من أن تبكي وأنت تدل بعملك؛ فإن صلاة المدل لا تصعد فوقه، فقال له: أوصني، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلها، وأن تكون كالنحلة، إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله؛ فإنهم يجيعونه ويطردونه؛ ويأبى إلا أن يحوطهم وينصحهم» ١.

ومن هاهنا أخذ الشاطبي قوله:

وقد قيل كن كالكلب يقصيه أهله... ولا يأتلي في نصحهم متبذلا ٢

وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا الجريرى، قال: «بلغني أن رجلا من بني إسرائيل كانت له إلى الله تعالى حاجة، فتعبد

واجتهد، ثم طلب إلى الله حاجته، فلم ير نجاحا، فبات ليلة مزريا على نفسه، وقال: يا نفس! مالك لا تقضى حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه، وألزم الملامة نفسه، فقال: أما والله ما من قبل ربي أتيت، ولكن من قبل نفسي أتيت، فبات ليلة مزريا على نفسها، وألزم الملامة نفسه، فقضيت حاجته» ١.

جارٍ التحميل