إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانصفحات 112-151

الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته

صفحات 112-151

، ولو نال كل حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها، ولم يظفر بمحبة الله والشوق إليه والأنس به، فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين، بل إذا كان القلب خاليا من ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذابا له ولا بد، فيصير معذبا بنفس ما كان منعما به من جهتين: من جهة حسرة فوته، وأنه حيل بينه وبينه، مع شدة تعلق روحه به، ومن جهة فوت ما هو خير له وأنفع وأدوم حيث لم يحصل له، فالمحبوب الحاصل فات، والمحبوب الأعظم لم يظفر به.
وكل من عرف الله أحبه وأخلص العبادة له ولا بد، ولم يؤثر عليه شيئا من المحبوبات فمن آثر عليه شيئا من المحبوبات؛ فقلبه مريض، كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث، وآثرته على الطيب سقطت عنها شهوة الطيب، وتعوضت بمحبة غيره.

وقد يمرض القلب ويشتد مرضه، ولا يعرف به ١ صاحبه؛ لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة؛ فإن القلب إذا كان فيه حياة يألم بورود القبيح عليه، ويألم بجهله بالحق بحسب حياته، و

ما لجرح بميت إيلام ٢

وقد يشعر بمرضه ٣، ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها؛ فيؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء، فإن دواءه في مخالفة الهوى، وذلك أصعب شيء على النفس، وليس لها أنفع منه.

وتارة يوطن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه، ولا يستمر معه؛ لضعف علمه وبصيرته وصبره، كمن دخل في طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر، وقوة يقين بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق، ولم يتحمل مشقتها، ولا سيما إن عدم الرفيق، واستوحش من الوحدة، وجعل يقول: أين ذهب الناس؟ فلي بهم أسوة.

وهذه حال أكثر الخلق، وهي التي أهلكتهم؛ فالبصير الصادق لا يستوحش

من قلة الرفيق ولا من فقده؛ إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل ١ الأول، ﴿الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: ٦٩]؛ فتفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق الطلب.

ولقد سئل إسحاق بن راهويه عن مسألة فأجاب عنها، فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل قولك، فقال: ما ظننت أن أحدا يوافقني عليها، ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافق؛ فإن الحق إذا لاح وتبين لم يحتج إلى شاهد يشهد به.
[٢١ ب]

والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس؛ فإذا رأى الرائي الشمس لم يحتج ــ في علمه بها واعتقاده أنها طالعة ــ إلى من يشهد بذلك ويوافقه عليه.

وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب «الحوادث والبدع» ٢.
«حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة: فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف له كثيرا؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.

قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذا باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها،

فصلوا الصلاة لميقاتها، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت: يا أصحاب محمد! ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي نافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون! قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية؛ تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك ١.

وفي طريق أخرى: فضرب على فخذي وقال: ويحك! إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل.

قال نعيم بن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك؛ فإنك أنت الجماعة حينئذ.
ذكره البيهقي وغيره» ٢.

وقال أبو شامة عن مبارك، عن الحسن البصري، قال: «السنة ــ والذي لا إله إلا هو ــ بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله؛ فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا» ٣.

وكان محمد بن أسلم الطوسي ــ الإمام المتفق على إمامته مع رتبته ــ أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: «ما بلغني سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا، فما مكنت من ذلك» ١.

فسئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: «إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم» ٢: من السواد الأعظم؟ فقال: «محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم» ٣.

وصدق والله؛ فإن العصر إذا كان فيه إمام عارف بالسنة داع إليها، فهو الحجة، وهو الإجماع، وهو السواد الأعظم، وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيرا.

والمقصود أن من علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة الموافقة لها إلى الأغذية الضارة، وعدولها عن دوائها النافع إلى دائها الضار، فهنا أربعة أمور: غذاء نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، وداء ٤ مهلك.

فالقلب الصحيح: يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ذلك.

وأنفع الأغذية: غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية: دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء.

ومن علامات صحته أيضا أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحل فيها، حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، [٢٢ أ] جاء إلى هذه الدار غريبا، يأخذ منها حاجته، ويعود إلى وطنه، كما قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لعبد الله بن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور» ١.

فحي على جنات عدن فإنها... منازلك الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى... نعود إلى أوطاننا ونسلم؟ ٢

وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه: «إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة،

ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل» ١.

وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة، وقرب منها، حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها، حتى يصير من أهلها.

ومن علامات صحة القلب: أنه لا يزال يضرب على صاحبه، حتى ينيب إلى الله ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به.
فبه يطمئن، وإليه يسكن، وإليه يأوي، وبه يفرح، وعليه يتوكل، وبه يثق، وإياه يرجو، وله يخاف.
فذكره: قوته وغذاؤه، ومحبته والشوق إليه: حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه: داؤه، والرجوع إليه: دواؤه.
فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به، وزال ذلك الاضطراب والقلق، وانسدت تلك الفاقة، فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله تعالى أبدا، وفيه شعث ٢ لا يلمه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده، فهو دائما يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذ يباشر روح الحياة، ويذوق طعمها، وتصير له حياة

أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خلق الخلق، ولأجله خلقت الجنة والنار، وله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، ولو لم يكن له جزاء إلا نفس وجوده لكفى به جزاء، وكفى بفوته حسرة وعقوبة، كما قيل:

ومن صد عنا حظه ١ البعد والقلى... ومن فاتنا ٢ يكفيه أني أفوته ٣

قال بعض العارفين: «مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته» ٤.

وقال آخر: «إنه ليمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب» ٥.

وقال آخر: «والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته» ٦.

وقال أبو الحسين ١ الوراق: «حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت، والعيش الهني الحياة مع الله تعالى لا غير» ٢.

ولهذا كان الفوت عند العارفين بالله أشد عليهم من الموت؛ لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق، فكم بين الانقطاعين؟!

وقال آخر: «من قرت عينه بالله تعالى قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطع قلبه على الدنيا حسرات» ٣.

وقال يحيى بن معاذ: «من سر بخدمة الله سرت الأشياء كلها بخدمته، ومن قرت عينه بالله قرت عيون كل أحد بالنظر إليه» ٤.

ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره؛ إلا بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذاكره بهذا الأمر.

ومن علامات صحته: أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألما أعظم من تألم الحريص بفوات ماله [٢٢ ب] وفقده.

ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة، كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب.

ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه، وقرة عينه وسرور قلبه.

ومن علامات صحته: أن يكون همه واحدا، وأن يكون في الله.

ومن علامات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعا من أشد الناس شحا بماله.

ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان، ويشهد مع ذلك منة الله عليه فيه، وتقصيره في حق الله.

فهذه ستة ١ مشاهد، لا يشهدها إلا القلب الحي السليم.

وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همه كله في الله، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخلطة؛ إلا حيث تكون الخلطة ٢ أحب إليه وأرضى له، قرة عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تلا عليها: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة (٢٧) ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨]، فهو يردد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه؛ فينصبغ القلب بين

يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة ١ العبودية، فتصير العبودية صفة ٢ وذوقا لا تكلفا، فيأتي بها توددا وتحببا وتقربا، كما يأتي المحب المتيم في محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله.

فكلما عرض له أمر من ربه أو نهي أحس من قلبه ناطقا ينطق لبيك وسعديك، إني سامع مطيع ممتثل، ولك علي المنة في ذلك، والحمد فيه عائد إليك.

وإذا أصابه قدر وجد من قلبه ناطقا يقول: أنا عبدك ومسكينك وفقيرك، وأنا عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين، وأنت ربي العزيز الرحيم، لا صبر لي إن لم تصبرني، ولا قوة لي إن لم تحملني وتقوني، لا ملجأ لي منك إلا إليك، ولا مستعان لي إلا بك، ولا انصراف لي عن بابك، ولا مذهب لي عنك.

فينطرح بمجموعه بين يديه، ويعتمد بكليته عليه، فإن أصابه بما يكره قال: رحمة أهديت إلي، ودواء نافع من طبيب مشفق، وإن صرف عنه ما يحب قال: شر صرف عني:

وكم رمت أمرا خرت لي في انصرافه... وما زلت بي مني أبر وأرحما ٣

فكل ما مسه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقا إليه، وانفتح له منه باب يدخل منه عليه، كما قيل ٤:

ما مسني قدر بكره أو رضا... إلا اهتديت به إليك طريقا

أمض القضاء على الرضا مني به... إني وجدتك في البلاء رفيقا

فلله هاتيك القلوب وما انطوت عليه من الضمائر، وماذا أودعته من الكنوز والذخائر! ولله طيب أسرارها، ولاسيما يوم تبلى السرائر!

سيبدو لها طيب ونور وبهجة... وحسن ثناء يوم تبلى السرائر ١

تالله لقد رفع لها علم عظيم فشمرت إليه، واستبان لها صراط مستقيم فاستقامت عليه، ودعاها ما دون مطلوبها الأعلى؛ فلم تستجب له، واختارته على ما سواه وآثرت ما لديه.

الباب الحادي عشر [٢٣ أ]

في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه

هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب؛ فإن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء، وأول ما تنال القلب، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول في خطبة الحاجة: «الحمد لله، نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا» ١.

وفي «المسند»، والترمذي من حديث حصين بن عبيد ٢: أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال له: «يا حصين! كم تعبد اليوم إلها؟» ٣ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحدا في السماء، قال: «فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟»، قال: الذي في السماء، قال: «أسلم حتى أعلمك كلمتين ينفعك الله بهما»، فأسلم، فقال له: «قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي» ٤.

وقد استعاذ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من شرها عموما، ومن شر ما يتولد منها من الأعمال، ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال؛ وفيه وجهان:

أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أي: أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال.

والثاني: أن المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها.

فعلى الأول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها.

وعلى الثاني: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها.

ويدخل العمل السيئ في شر النفس، فهل المعنى: ما يسوؤني ١ من جزاء عملي، أو من عملي السيئ؟

وقد يترجح الأول، فإن الاستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه إنما هي استعاذة من جزائه وموجبه؛ وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه.

وقد اتفق السالكون إلى الله ــ على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم ــ

على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد تركها، وإماتتها بمخالفتها، والظفر بها.

فإن الناس على قسمين:

قسم ظفرت به نفسه؛ فملكته وأهلكته، وصار طوعا لها تحت أوامرها.

وقسم ظفروا بنفوسهم؛ فقهروها، فصارت طوعا لهم، منقادة لأوامرهم.

كما قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم، فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك، قال تعالى: ﴿فأما من طغى (٣٧) وآثر الحياة الدنيا (٣٨) فإن الجحيم هي المأوى (٣٩) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (٤٠) فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١].

فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب تعالى يدعو العبد إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعي مرة والى هذا مرة، وهذا موضع المحنة والابتلاء.

وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة.

فاختلف الناس: هل النفس واحدة، وهذه أوصاف لها؟ أم للعبد ثلاثة أنفس: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة؟

والأول: قول الفقهاء والمتكلمين، وجمهور أهل التفسير، وقول محققي الصوفية.

والثاني: قول كثير من أهل التصوف.

والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين؛ فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاثة ١ باعتبار صفاتها، فإذا اعتبرت بنفسها فهي واحدة، وإن [٢٣ ب] اعتبرت مع كل صفة دون الأخرى فهي متعددة، وما أظنهم يقولون: إن لكل أحد ثلاث أنفس؛ كل نفس قائمة بذاتها، مساوية للأخرى في الحد والحقيقة، وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلاثة أنفس، كل واحدة مستقلة بنفسها!

وحيث ذكر سبحانه النفس وأضافها إلى صاحبها؛ فإنما ذكرها بلفظ الإفراد، وهكذا في سائر الأحاديث، ولم يجئ في موضع واحد: «نفوسك» و«نفوسه»، ولا «أنفسك» و«أنفسه»؛ وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم، كقوله تعالى: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ [التكوير: ٧]، أو عند إضافتها إلى الجمع؛ كقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إنما أنفسنا بيد الله» ٢، ولو كانت في الإنسان ثلاثة أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه؛ ولو في موضع واحد.

فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الموافاة ٣: ﴿ياأيتها

النفس المطمئنة

(٢٧) ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨].

قال ابن عباس: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة﴾، يقول: المصدقة ٤.

وقال قتادة: «هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله» ١.

وقال الحسن: «المطمئنة بما قال الله، والمصدقة بما قال» ٢.

وقال مجاهد: «هي المنيبة المخبتة التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته، وأيقنت بلقائه» ٣.

وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضا به ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسبه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها، وإلهها، ومعبودها، ومليكها، ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين.

وإذا كانت بضد ذلك فهي أمارة بالسوء، تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغي واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، إن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه، وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء، ولم يقل: آمرة؛ لكثرة

ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله، وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله، لا منها، فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة إلا من رحمه الله ١، والعلم والعدل طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها، فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة.

فإذا أراد سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح من الإرادات والتصورات، وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التي خلقت عليها من الجهل والظلم.

وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة، وهي في الأصل جاهلة، والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء أمرا لازما ٢ لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله.

وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تشبهها ضرورة تقاس بها؛ فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك.

فصل

وأما اللوامة فاختلف [٢٤ أ] في اشتقاق هذه اللفظة: هل هو من التلوم؛ وهو التلون والتردد؟ أو من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين.

قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: «هي النفس اللؤوم» ١.

وقال مجاهد: «هي التي تندم على ما فات، وتلوم عليه» ٢.

وقال قتادة: «هي الفاجرة» ٣.

وقال عكرمة: «تلوم على الخير والشر» ٤.

وقال عطاء عن ابن عباس: «كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة: يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته» ٥.

وقال الحسن: «إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته، يستقصرها في كل ما يفعل؛ فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قدما، لا يعاتب نفسه» ٦.

فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم.

وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة.

والأول أظهر؛ فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة، كما يقال: المتلونة والمترددة، ولكن هو من لوازم القول الأول؛ فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه، فالتلوم من لوازم اللوم.

والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل فيها ١ هذا وهذا وهذا، والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها، وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها، وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه.

والمقصود ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه، وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها.

وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله» ٢، دان نفسه أي: حاسبها.

وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر؛ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية» ١.

وذكر أيضا عن الحسن، قال: «لا يلفى المؤمن إلا يحاسب نفسه: ما أردت بكلمتي؟ وماذا أردت بأكلتي؟ وماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدما، لا يحاسب نفسه» ٢.

وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وكان أمره فرطا﴾ [الكهف: ٢٨]: «أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه» ٣.

وقال الحسن: «إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته» ٤.

وقال ميمون بن مهران: «لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه» ١، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك.

وقال ميمون بن مهران أيضا: «إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاص، ومن شريك شحيح» ٢.

وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: «مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين [٢٤ أ] يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجماما للقلوب» ٣.

وقد روي هذا مرفوعا من كلام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، رواه أبو حاتم ابن حبان وغيره ١.

وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح، فيضع إصبعه فيه، ثم يقول: حس يا حنيف! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟» ٢.

وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: «حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة؛ فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والحسرة» ٣.

وقال الحسن: «المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات! حيل بيني وبينك.
ويفرط منه الشيء، فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا ما لي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا.
إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه، وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله» ١.

وقال مالك بن دينار: «رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟! ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا» ٢.

وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك في المال، فكما أنه لا يتم مقصود الشركة من الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولا، ثم

بمطالعة ١ ما يعمل، والإشراف عليه ومراقبته ثانيا، ثم بمحاسبته ثالثا، ثم يمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعا، فكذلك النفس؛ يشارطها ٢ أولا على حفظ الجوارح السبعة التي حفظها هو رأس المال؛ والربح بعد ذلك، فمن ليس له رأس مال؛ فكيف يطمع في الربح؟

وهذه الجوارح السبعة ــ وهي العين، والأذن، والفم، واللسان، والفرج، واليد، والرجل ــ هي مركب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها وعدم حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها، فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر؛ قال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ [النور: ٣٠]، وقال: ﴿ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا﴾ [الإسراء: ٣٧]، وقال: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقال: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾ [الأحزاب: ٧٠]، وقال: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ [الحشر: ١٨].

فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها، فلا يهملها، فإنه إن أهملها لحظة وقعت ٣ في الخيانة ولا بد، فإن تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة، حتى يذهب رأس المال

كله، فمتى أحس بالنقصان [٢٥ أ] انتقل إلى المحاسبة؛ فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران، فإذا أحس بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه، من الرجوع عليه بما مضى، والقيام بالحفظ والمراقبة في المستقبل، ولا مطمع له في فسخ عقد الشركة مع هذا الخائن والاستبدال بغيره؛ فإنه لا بد له منه، فليجتهد في مراقبته ومحاسبته، وليحذر من إهماله.

ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا.

ويعينه عليها أيضا معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها دخول النار، والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم.

فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر: أن لا يغفل عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها، وسكناتها، وخطراتها، وخطواتها ١، فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا خطر لها، يمكن أن يشترى به كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم، لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا﴾ [آل عمران: ٣٠].

فصل

ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده.

فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همته وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.

قال الحسن: «رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر» ١.

وشرح هذا بعضهم، فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد ٢ وقف أولا، ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أم غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا وقف وقفة أخري ونظر: هل فعله خير من تركه، أو تركه خير من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة، ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله وثوابه، أم إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم عليه وإن أفضى به إلى مطلوبه؛ لئلا تعتاد النفس الشرك، ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله، حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى، ونظر: هل هو معان عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك؛ أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه

فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوات خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح.

فهذه أربع مقامات، يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل؛ فلا كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورا له، ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من تركه، ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه [٢٥ ب] يفعله لله، ولا كل ما يفعله لله يكون معانا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه، وما يحجم عنه.

فصل

النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع:

أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله؛ فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي.

وحق الله في الطاعة بمراعاة ستة أمور قد تقدمت، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله.
فيحاسب نفسه: هل وفى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟

الثاني: أن يحاسب نفسه على عمل كان تركه خيرا له من فعله.

الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحا فيه، أو أراد به الدنيا وعاجلها؟ فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.

فصل

وأضر ما عليه: الإهمال، وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور، وتمشيتها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمشي الحال، ويتكل على العفو؛ فيهمل ١ محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليه فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد.

قال ابن أبى الدنيا: حدثني رجل من قريش ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله، قال: كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمس مائة يوم، فصرخ، وقال: يا ويلتا! ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفى كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خر مغشيا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: "يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى!» ٢.

وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسبها على المناهي؛ فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله، ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشته يداه، أو سمعته أذناه: ماذا

أردت بهذا؟ ولمن فعلتيه ١؟ وعلى أي وجه فعلتيه؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لمن فعلته؟ وديوان: كيف فعلته؟

فالأول: سؤال عن الإخلاص، والثاني: سؤال عن المتابعة، قال تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين (٩٢) عما كانوا يعملون﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وقال تعالى: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (٦) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾ [الأعراف: ٦، ٧]، وقال تعالى: ﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾ [الأحزاب: ٨].

فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟

قال مقاتل ٢: «يقول تعالى: أخذنا ميثاقهم؛ لكي يسأل الله الصادقين ــ يعني به النبيين ــ عن تبليغ الرسالة».

وقال مجاهد: «يسأل المبلغين المؤدين عن الرسل» ٣، يعني: هل بلغوا عنهم؟ كما يسأل الرسل: هل بلغوا عن الله؟

والتحقيق: [٢٦ أ] أن الآية تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل والمبلغون عنهم، فيسأل الرسل عن تبليغ رسالاته، ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما بلغتهم الرسل، ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة: ماذا أجابوا المرسلين؟ كما قال تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾ [القصص: ٦٥].

قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة ١.

وقال تعالى: ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ [التكاثر: ٨].

قال محمد بن جرير: «يقول تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ ومن أين وصلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟» ٢.

وقال قتادة: «إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه» ٣.

والنعيم المسؤول عنه نوعان:

نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره.

ونوع أخذ بغير حله، وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه.

فإذا كان العبد مسؤولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب.

وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ [الحشر: ١٨]، يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: من الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟

قال قتادة: «ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد» ١.

والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها.

فصل

وفى محاسبة النفس عدة مصالح:

منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله.

وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء، قال: «لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه؛ فيكون لها أشد مقتا» ٢.

وقال مطرف بن عبد الله: «لولا ما أعلم من نفسي لقليت الناس» ١.

وقال مطرف في دعائه بعرفة: «اللهم لا ترد الناس لأجلي» ٢.

وقال بكر بن عبد الله المزني: «لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم، لولا أني كنت فيهم» ٣.

وقال أيوب السختياني: «إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل» ٤.

ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب وحماد بن سلمة، فقال له حماد: يا أبا عبد الله! أليس قد أمنت مما ٥ كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، وهو أرحم الراحمين؟ فقال: يا أبا سلمة! أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي والله، إني لأرجو ذلك ٦.

وذكر ابن زيد ١ عن مسلم بن سعيد الواسطي، قال: أخبرني حماد بن جعفر بن زيد، أن أباه أخبره، قال: خرجنا في غزوة إلى كابل، وفي الجيش صلة بن أشيم، فنزل الناس عند العتمة، فصلوا ثم اضطجع، فقلت: لأرمقن عمله، فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون، وثب فدخل غيضة قريبا منا، فدخلت على إثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت في شجرة، فتراه التفت أو عده جروا! فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم، ثم قال: أيها السبع! اطلب الرزق من مكان آخر، فولى وإن له لزئيرا، أقول: تصدع الجبال منه، قال: فما زال كذلك يصلي؛ حتى [٢٦ ب] كان عند الصبح جلس، فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ومثلي يجترئ أن يسألك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت وبي من الفترة ٢ شيء الله به عالم ٣.

وقال يونس بن عبيد: «إني لأجد مئة خصلة من خصال الخير؛ ما أعلم أن في نفسي منها واحدة ٤.

وقال محمد بن واسع: «لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد أن يجلس إلي» ١.

وذكر ابن أبى الدنيا عن الجلد بن أيوب، قال: «كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة، فأتي في منامه، فقيل له: إن فلانا الإسكاف خير منك ــ ليلة بعد ليلة ــ فأتى الإسكاف، فسأله عن عمله، فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننته أنه في الجنة وأنا في النار، ففضل على الراهب بإزرائه على نفسه» ٢.

وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء، فأثنوا عليه، فقال: «لو يعلم الناس بعض ما نحن عليه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبدا» ٣.

وقال أبو حفص: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في

جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها» ١.

فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.

فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج منها، والتخلص من رقها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها، ومقتا لها.

قال ابن أبى حاتم في «تفسيره» ٢: حدثنا علي بن الحسن ٣، حدثنا المقدمي، حدثنا عامر بن صالح عن أبيه، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري، فقال قائل: يا أمير المؤمنين! هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾.

قال: وحدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار، حدثنا بقية بن صهبان ٤ الهنائي، قال: سألت عائشة عن قول الله عز وجل: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه﴾ الآية [فاطر: ٣٢] فقالت: يا بني! هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى

على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، شهد له رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالجنة والرزق، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم»؛ فجعلت نفسها معنا ١.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبى وائل عن مسروق، قال: دخل عبد الرحمن على أم سلمة، فقالت: سمعت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «إن من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبدا»، فخرج عبد الرحمن من عندها مذعورا، حتى دخل على عمر، فقال له: اسمع ما تقول أمك! فقام عمر حتى أتاها؛ فدخل عليها فسألها، ثم قال: أنشدك بالله، أمنهم أنا؟ قالت: لا، ولن أبرئ بعدك أحدا ٢.

فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح علي هذا الباب، ولم ترد أنك وحدك البريء من ذلك دون سائر الصحابة.

و

مقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين

، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو بالعمل.

ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار، قال: «إن قوما من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله إلى نبيهم أن فلانا صديق» ١.

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أتش، حدثنا منذر، عن وهب: «أن رجلا سائحا عبد الله عز وجل سبعين سنة، ثم خرج يوما، فقلل عمله، وشكا إلى الله منه، واعترف بذنبه، فأتاه آت من الله فقال: إن مجلسك هذا أحب إلي من عملك فيما مضى من عمرك» ٢.

قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة، قال: قال عيسى ابن مريم: «سلوني، فإني لين القلب، صغير عند نفسي» ١.

وذكر أحمد أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري، قال: «كان داود ينظر أغمص حلقة في بني إسرائيل، فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا رب! مسكين بين ظهراني مساكين» ٢.

وذكر عن عمران بن مسلم القصير، قال: قال موسى: «يا رب! أين أبغيك؟ قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم؛ فإني أدنو منهم كل يوم باعا، ولولا ذلك انهدموا» ٣.

وفى كتاب «الزهد» للإمام أحمد: «أن رجلا من بني إسرائيل تعبد ستين سنة في طلب حاجة، فلم يظفر بها، فقال في نفسه: والله لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك، فأتي في منامه، فقيل له: أرأيت إزراءك على نفسك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين» ٤.

ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله عليه.
ومن لم يعرف حق الله عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهى قليلة المنفعة جدا.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا جرير بن حازم، عن وهب، قال: «بلغني أن نبي الله موسى - صلى الله عليه وآله وسلم - مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب! ارحمه فإني قد رحمته، فأوحى الله إليه: لو دعاني حتى ينقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه» ١.

فمن أنفع ما للقلب: النظر في حق الله على العبد؛ فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه، واليأس ٢ من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته؛ فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.

فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.

فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته.

وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم

جارٍ التحميل