ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال.
ومنها: ما اعتمد عليه الشافعي في قصة الملاعنة: أن عويمرا العجلاني أتى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا، فيقتله فتقتلونه، أو كيف يفعل؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «قد أنزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها»، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -. قال الزهري: وكانت تلك سنة المتلاعنين.
متفق على صحته ١.
قال الشافعي: فقد أقره رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على الطلاق ثلاثا، ولو كان حراما لما أقره عليه.
ومنها: ما رواه النسائي ٢ عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان، ثم قال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟»، حتى قام رجل فقال: يا رسول الله! ألا أقتله؟
ولم يقل: إنه لم يقع عليه إلا واحدة، بل الظاهر أنه أجازها عليه؛ إذ لو كانت زوجته ولم يقع عليه إلا واحدة لبين له ذلك؛ لأنه طلقها ثلاثا يعتقد لزومها، فلو لم يلزمه لقال له: هي زوجتك بعد، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ومنها: ما رواه أبو داود وابن ماجه عن ركانة: أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: «ما أردت؟»، قال: واحدة، قال: «آلله ما أردت بها إلا واحدة؟» قال: آلله ما أردت بها إلا واحدة.
ورواه الترمذي، وفيه: فقال: يا رسول الله! إني طلقت امرأتي البتة، فقال: «ما أردت بها؟»، فقلت: واحدة، قال: «والله؟» قلت: والله، قال: «فهو ما أردت» ١.
قال أبو داود: «هذا أصح من حديث ابن جريج: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا».
قال ابن ماجه: «سمعت أبا الحسن علي بن محمد الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث!».
قال أبو عبد الله ابن ماجه: «أبو عبيد تركه ناحية، وأحمد جبن عنه».
ووجه الدلالة: أنه حلفه ما أراد بها إلا واحدة؟ وهذا يدل على أنه لو أراد بها أكثر من واحدة لألزمه ذلك، ولو كانت واحدة مطلقا لم يفترق الحال بين أن يريد واحدة أو أكثر.
وإذا كان هذا في الكناية فكيف في الطلاق الصريح؛ إذا صرح فيه بالثلاث؟
ومنها: ما رواه الدارقطني ١ من حديث حماد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «يا معاذ! من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته».
ومنها: ما رواه الدارقطني ٢ من حديث إبراهيم بن عبيد الله بن
عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده، قال: طلق بعض آبائي امرأته ألفا، فانطلق بنوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقالوا: يا رسول الله! إن أبانا طلق امرأته ألفا، هل له من مخرج؟ فقال: «إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا! بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسع مئة وسبعة وتسعون إثم في عنقه».
ومنها: ما رواه الدارقطني ١ أيضا من حديث زاذان عن علي رضي الله عنه، قال: سمع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - رجلا طلق البتة، فغضب، وقال: «أتتخذون آيات الله هزوا ٢ ولعبا؟ من طلق البتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره».
ومنها: ما رواه الدارقطني ١ من حديث الحسن البصري، قال: حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهى حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرائن، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال: «يا ابن عمر! ما هكذا أمرك الله تعالى، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر، فتطلق عند ذلك أو أمسك».
فقلت: يا رسول الله! أرأيت لو طلقتها ثلاثا، أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: «لا، كانت تبين منك، وتكون معصية».
ومنها: ما رواه أبو داود، والنسائي ٢ عن حماد بن زيد، قال: قلت
لأيوب: هل علمت أحدا قال في «أمرك بيدك»: إنها ثلاث غير الحسن؟ قال: لا.
ثم قال: اللهم غفرا، إلا ما حدثني قتادة عن كثير مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «ثلاث».
فلقيت كثيرا فسألته، فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي.
ورواه الترمذي ١، وقال: «لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد».
وحسبك بسليمان بن حرب وحماد بن زيد، ثقتين ثبتين.
ومنها: ما رواه البيهقي ٢ من حديث سويد بن غفلة، عن الحسن: أنه طلق عائشة الخثعمية ثلاثا، ثم قال: لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي أنه سمع جدي، يقول: «أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء أو ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره» لراجعتها.
رواه من حديث ابن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن عمرو ٣ بن أبى قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد.
وهذا مرفوع.
قالوا: فهذه الأحاديث أكثر وأشهر، وعامتها أصح من حديث أبى الصهباء، وحديث ابن جريج، عن عكرمة عن ابن عباس؛ فيجب تقديمها عليه، ولا سيما على قاعدة الإمام أحمد، فإنه يقدم الأحاديث المتعددة على الحديث الفرد عند التعارض، وإن كان الحديث الفرد متأخرا، كما قدم في إحدى الروايتين أحاديث تحريم الأوعية على حديث بريدة لكونها متعددة؛ وحديث بريدة في إباحتها فرد، وهو متأخر، فإنه قال: «كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية، فاشربوا فيما بدا لكم، غير أن لا تشربوا مسكرا».
مع أنه حديث صحيح، رواه مسلم ١، ولا نعرف له علة.
فصل
قال الآخرون: هذه الأحاديث التي ذكرتموها، ولم تدعوا بعدها شيئا، هي بين أحاديث صحيحة لا مطعن فيها ولا حجة فيها، وبين أحاديث صريحة الدلالة، لكنها باطلة أو ضعيفة لا يصح شيء منها.
ونحن نذكر ما فيها ليتبين الصواب، ويزول الإشكال:
أما حديث فاطمة بنت قيس: فمن أصح الأحاديث، مع أن أكثر المنازعين لنا في هذه المسألة قد خالفوه، ولم يأخذوا به، فأوجبوا للمبتوتة النفقة والسكنى، ولم يلتفتوا إلى هذا الحديث ولا عملوا به، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه.
وأما الشافعي ومالك فأوجبوا لها السكنى.
والحديث قد صرح فيه بأنه لا نفقة لها ولا سكنى، فخالفوه ولم يعملوا به، فإن كان الحديث صحيحا وهو حجة فهو حجة عليكم، وإن لم يكن محفوظا، بل هو غلط كما قاله بعض المتقدمين، فليس حجة علينا في جمع الثلاث.
فأما أن
يكون حجة لكم على منازعيكم، وليس حجة لهم عليكم، فبعيد من العدل والإنصاف.
هذا مع أنا نتنزل على هذا المقام، ونقول: الاحتجاج بهذا الحديث فيه نوع سهو من المحتج به، ولو تأمل طرق الحديث وكيف وقعت القصة لم يحتج به؛ فإن الثلاث المذكورة فيه لم تكن مجموعة، وإنما كان قد طلقها تطليقتين قبل ذلك، ثم طلقها آخر الثلاث، كذا جاء مصرحا به في «الصحيح».
فروى مسلم في «صحيحه» ١ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبى طالب رضي الله عنه إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبى ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا، فأتت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فذكرت له قولهما، فقال: «لا نفقة لك» وساق الحديث بطوله.
فهذا المفسر يبين ذلك المجمل، وهو قوله: طلقها ثلاثا.
وقال الليث ٢: عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس، أنها أخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات، وساق الحديث.
ذكره أبو داود ١، ثم قال: «وكذلك رواه صالح بن كيسان ٢، وابن جريج ٣، وشعيب بن أبي حمزة ٤؛ كلهم عن الزهري».
ثم ساق ٥ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، قال: أرسل مروان إلى فاطمة فسألها؟ فأخبرته: أنها كانت عند أبي حفص، وكان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بعض اليمن، فخرج معه زوجها، فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وذكر الحديث بتمامه.
والواسطة بين مروان وبينها هو قبيصة بن ذؤيب، كذلك ذكره أبو داود من طريق أخرى ٦.
فهذا بيان حديث فاطمة.
قالوا: ونحن أخذنا به جميعه، ولم نخالف شيئا منه؛ إذ كان صحيحا صريحا، لا مطعن فيه، ولا معارض له، فمن خالفه فهو محتاج إلى الاعتذار.
وقد جاء هذا الحديث بخمسة ألفاظ: طلقها ثلاثا، وطلقها البتة، وطلقها آخر ثلاث تطليقات، وأرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وطلقها ثلاثا جميعا.
هذه جملة ألفاظ الحديث، وبالله التوفيق.
فأما اللفظ الخامس وهو قوله: «طلقها ثلاثا»، فهذا أولا من حديث مجالد عن الشعبي، ولم يقل ذلك عن الشعبي غيره، مع كثرة من روى هذه القصة عن الشعبي، فتفرد مجالد ١ على ضعفه من بينهم بقوله: ثلاثا جميعا.
وعلى تقدير صحته: فالمراد به أنه اجتمع لها التطليقات الثلاث، لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فإذا طلقها آخر ثلاث صح أن يقال: طلقها ثلاثا جميعا؛ فإن هذه اللفظة يراد بها تأكيد العدد، وهو الأغلب عليها، لا الاجتماع في الآن الواحد، كقوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾ [يونس: ٩٩]، فالمراد حصول الإيمان من الجميع، لا إيمانهم كلهم في آن واحد سابقهم ولاحقهم.
فصل
وكذلك ما ذكروه من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فسئل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: هل تحل للأول؟ فقال: «لا» الحديث، هو حق يجب المصير إليه، لكن ليس فيه أنه طلقها ثلاثا بفم واحد، فلا تدخلوا فيه ما ليس فيه.
وقولكم: «لم يستفصل»، جوابه: أن الحال قد كان عندهم معلوما، وأن الثلاث إنما تكون ثلاثا واحدة بعد واحدة، وهذا مقتضى اللغة، والقرآن، والشرع، والعرف كما بينا؛ فخرج الكلام على المفهوم المتعارف من لغة القوم.
فصل
وأما ما اعتمد عليه الشافعي من طلاق الملاعن ثلاثا بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولم ينكره، فلا دليل فيه؛ لأن الملاعنة يحرم عليه إمساكها، وقد حرمت عليه تحريما مؤبدا، فما زاد الطلاق الثلاث هذا التحريم الذي هو مقصود اللعان إلا تأكيدا وقوة.
هذا جواب شيخنا رحمه الله.
وقال ابن المنذر، وقد ذكر الأدلة على تحريم جمع الطلاق الثلاث وأنه بدعة، ثم قال: «وأما ما اعتل به من رأى أن مطلق الثلاث في مرة واحدة مطلق للسنة بحديث العجلاني؛ فإنما أوقع الطلاق عنده على أجنبية، علم الزوج الذي طلق ذلك أو لم يعلم؛ لأن قائله يوقع الفرقة بالتعان الرجل قبل أن تلتعن المرأة، فغير جائز أن يحتج بمثل هذه الحجة من يرى أن الفرقة تقع بالتعان الزوج وحده».
انتهى.
وحينئذ فنقول: إما أن تقع الفرقة بالتعان الزوج وحده، كما يقوله الشافعي، أو بالتعانهما كما يقوله أحمد، أو يقف على تفريق الحاكم:
فإن وقعت بالتعانه أو التعانهما فالطلاق الذي وقع منه لغو، لم يفد شيئا البتة، بل هو في طلاق أجنبية.
وإن وقعت الفرقة على تفريق الحاكم فهو يفرق بينهما تفريقا يحرمها عليه تحريما مؤبدا، فالطلاق الثلاث أكد هذا التحريم الذي هو موجب اللعان، ومقصود الشارع، فكيف يلحق به طلاق غير الملاعنة، وبينهما أعظم فرق؟
فصل
وأما حديث محمود بن لبيد في قصة المطلق ثلاثا، فالاحتجاج به على الجواز من باب قلب الحقائق، والاحتجاج بأعظم ما يدل على التحريم، لا على الإباحة.
والاستدلال به على الوقوع من باب التكهن والخرص، والزيادة في الحديث ما ليس فيه، ولا يدل عليه بشيء من وجوه الدلالات البتة.
ولكن المقلد لا يبالي بنصرة تقليده بما اتفق له، وكيف يظن برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه أجاز عمل من استهزأ بكتاب الله، وصححه، واعتبره في شرعه وحكمه، ونفذه؟ وقد جعله مستهزئا بكتاب الله تعالى.
وهذا صريح في أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع جمع الثلاث، ولا جعله من أحكامه.
فصل
وأما حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة، وأن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - استحلفه: ما أراد بها إلا واحدة؟ فحديث لا يصح.
قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب «العلل» ١ له: «قال أحمد: حديث ركانة ليس بشيء».
وقال الخلال في كتاب «العلل» عن الأثرم: «قلت لأبى عبد الله: حديث ركانة في البتة؟ فضعفه، وقال: ذاك جعله بنيته».
وقال شيخنا رحمه الله ٢: «الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث كالإمام أحمد، والبخاري، وأبى عبيد، وغيرهم، ضعفوا حديث ركانة البتة؛ وكذلك أبو محمد بن حزم، وقالوا: إن رواته قوم مجاهيل، لا تعرف عدالتهم وضبطهم».
قال: «وقال الإمام أحمد: حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا يثبت، وقال أيضا: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛ وأهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا طلق البتة».
فإن قيل: فقد قال أبو داود: «حديث البتة أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛ لأنهم أهل بيته وهم أعلم به»؛ يعني: وهم الذين رووا حديث البتة.
فقال شيخنا في الجواب: «أبو داود إنما رجح حديث البتة على حديث ابن جريج، لأنه روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول، فقال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني بعض ولد أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلق عبد يزيد ــ أبو ركانة وإخوته ــ أم ركانة ثلاثا... الحديث ١.
ولم يرو الحديث الذي رواه أحمد في «مسنده» ٢ عن إبراهيم بن سعد: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثنا داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد.
فلهذا رجح أبو داود حديث البتة على حديث ابن جريج، ولم يتعرض لهذا الحديث، ولا رواه في «سننه».
ولا ريب أنه أصح من الحديثين، وحديث ابن جريج شاهد له وعاضد، فإذا انضم حديث أبي الصهباء إلى حديث ابن إسحاق إلى حديث ابن جريج مع اختلاف مخارجها، وتعدد طرقها= أفادت العلم بأنها أقوى من حديث البتة بلا شك.
ولا يمكن من شم روائح الحديث ولو على بعد أن يرتاب في ذلك، فكيف يقدم الحديث الضعيف الذي ضعفه الأئمة ورواته مجاهيل، على هذه الأحاديث؟».
فصل
وأما حديث معاذ بن جبل: فلقد وهت مسألة يحتج فيها بمثل هذا الحديث الباطل.
والدارقطني إنما رواه للمعرفة، وهو أجل من أن يحتج به.
وفى إسناده إسماعيل بن أمية الذارع، يرويه عن حماد، قال الدارقطني بعد روايته: «وإسماعيل بن أمية: متروك الحديث» ١.
فصل
وأما حديث عبادة بن الصامت الذي رواه الدارقطني: فقد قال عقيب إخراجه: «رواته مجهولون وضعفاء إلا شيخنا وابن عبد الباقي» ٢.
فصل
وأما حديث زاذان عن علي رضي الله عنه: فيرويه إسماعيل بن أمية القرشي، قال الدارقطني: «إسماعيل بن أمية هذا كوفي ضعيف الحديث» ٣.
قلت: وفى إسناده مجاهيل وضعفاء.
فصل
وأما حديث الحسن عن ابن عمر: فهو أمثل هذه الأحاديث الضعاف.
قال الدارقطني ٤: حدثنا على بن محمد بن عبيد الحافظ، حدثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدثنا معلى بن منصور، حدثنا شعيب بن رزيق، أن عطاء الخرسانى حدثهم، عن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، فذكره.
وشعيب، وثقه الدارقطني.
وقال أبو الفتح الأزدي: «فيه لين».
وقال البيهقي ١ وقد روى هذا الحديث: «هذه الزيادات انفرد بها شعيب، وقد تكلموا فيه».
انتهى.
ولا ريب أن الثقات الأثبات الأئمة رووا حديث ابن عمر هذا، فلم يأت أحد منهم بما أتى به شعيب البتة، ولهذا لم يرو حديثه هذا أحد من أصحاب «الصحيح» ولا «السنن».
فصل
وأما حديث كثير مولى سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: فقد أنكره كثير لما سئل عنه، ومثل هذا بعيد أن ينسى، وقد أعل البيهقي هذا الحديث، وقال ٢: «كثير لم يثبت من معرفته ما يوجب الاحتجاج به»، قال: «وقول العامة بخلاف روايته».
وقد ضعفه عبد الحق في «أحكامه» ٣، وابن حزم في كتابه ٤.
فصل
وأما حديث سويد بن غفلة عن الحسن: فمن رواية محمد بن حميد الرازي، قال أبو زرعة الرازى: «كذاب».
وقال صالح جزرة: «ما رأيت أحذق بالكذب منه ومن الشاذكوني».
وسلمة بن الفضل، قال أبو حاتم: «منكر الحديث».
وإن كان الأبرش فقد ضعفه إسحاق بن راهويه وغيره.
فصل
فلما رأى آخرون ضعف هذه المسالك استروحوا إلى مسلك آخر، وظنوا أنهم قد استراحوا به من كلفة التأويل ومشقته، فقالوا: الإجماع قد انعقد على لزوم الثلاث، وهو أكبر من خبر الواحد، كما قال الشافعي رحمه الله: «الإجماع أكبر من الخبر المنفرد»، وذلك أن الخبر يجوز الخطأ والوهم على راويه، بخلاف الإجماع؛ فإنه معصوم.
قالوا: ونحن نسوق عن الصحابة والتابعين ما يبين ذلك:
فثبت في «صحيح مسلم» ١: أن عمر رضي الله عنه أمضى عليهم الثلاث، ووافقه الصحابة.
قال سعيد بن منصور ٢: حدثنا سفيان، عن شقيق، سمع أنسا يقول: قال عمر في الرجل يطلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها؛ قال: هي ثلاث، لا
تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وكان إذا أتي به أوجعه.
وروى البيهقي ١ من حديث ابن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه فيمن طلق ثلاثا قبل الدخول، قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
وروى حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ٢.
وروى أبو نعيم، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن بعض أصحابه: جاء رجل إلى علي رضي الله عنه، فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: ثلاث تحرمها عليك، واقسم سائرها بين نسائك ٣.
وقال علقمة بن قيس ٤: أتى رجل ابن مسعود رضي الله عنه، فقال: إن
رجلا طلق امرأته البارحة مئة، قال: قلتها مرة واحدة؟ قال: نعم.
قال: تريد أن تبين منك امرأتك؟ قال: نعم، قال: هو كما قلت.
وأتاه رجل، فقال: إنه طلق امرأته البارحة عدد النجوم، فقال له مثل ذلك، ثم قال: قد بين الله سبحانه أمر الطلاق، فمن طلق كما أمره الله تعالى فقد بين له، ومن لبس جعلنا به لبسه، والله لا تلبسون إلا على أنفسكم، ونتحمله عنكم! هو كما تقولون.
وروى مالك في «الموطأ» ١ عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن البكير، قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي، فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك، فقالا له: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك، قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك قد أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.
وفى «الموطأ» ٢ أيضا في هذه القصة: أن ابن البكير سأل عنها ابن
الزبير، فقال: إن هذا أمر مالنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبى هريرة؛ فإني تركتهما عند عائشة، فاسألهما ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبى هريرة: أفته يا أبا هريرة! فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها، حتى تنكح زوجا غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك.
فهذه عائشة رضي الله عنها لم تنكر عليهما، ولا ابن الزبير.
وفى «الموطأ» ١ أيضا: عن النعمان بن أبي عياش عن عطاء بن يسار، قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، قال عطاء: فقلت: إنما طلاق البكر واحدة، فقال لي عبد الله: إنما أنت قاص! الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها، حتى تنكح زوجا غيره.
وروى عبيد الله ١ عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
وروى البيهقي ٢ من حديث معاذ بن معاذ: حدثنا شعبة، عن طارق بن عبد الرحمن: سمعت قيس بن أبي حازم، قال: سأل رجل المغيرة وأنا شاهد عن رجل طلق امرأته مئة، فقال: ثلاثة تحرم، وسبع وتسعون فضل.
وروى البيهقي ٣ عن سويد بن غفلة، قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن، فلما قتل علي رضي الله عنه قالت: لتهنك الخلافة! قال: بقتل علي تظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق، يعني ثلاثا، فتلفعت بثيابها، وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها، وعشرة آلاف صدقة، فقالت لما جاءها الرسول: متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكى، وقال: لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي أنه سمع جدي، يقول: «أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء، أو ثلاثة مبهمة، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره» لراجعتها.
وقال الإمام أحمد ٤: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن
عطاء بن السائب، عن علي رضي الله عنه أنه قال في الحرام، والبتة، والبائن، والخلية، والبرية: ثلاثا، ثلاثا.
قال شعبة: فلقيت عطاء، فقلت: من حدثك عن علي؟ قال: أبو البختري.
قال أحمد: وأنا أهابها، لا أجيب فيها؛ لأنه يروى عن عامة الناس أنها ثلاث: علي، وزيد ١، وابن عمر، وعامة التابعين.
وأما ابن عباس: فروى عنه مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عياش، وغيرهم، أنه ألزم الثلاث من أوقعها جملة ٢.
قال الإمام أحمد وقد سأله الأثرم: بأي شيء ترد حديث ابن عباس: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأبى بكر وعمر رضي عنهما: طلاق الثلاث واحدة، بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث، وإلى هذا نذهب.
وذكر البيهقي ١: أن رجلا أتى عمران بن حصين وهو في المسجد، فقال: رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس، فقال: أثم بربه، وحرمت عليه امرأته، فانطلق الرجل، فذكر ذلك لأبي موسى، يريد بذلك عيبه، فقال: ألا ترى أن عمران قال كذا وكذا؟ فقال أبو موسى: أكثر الله فينا مثل أبي نجيد.
قالوا: فهذا عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، والحسن بن علي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
وأما التابعون فأكثر من أن يذكروا، والإجماع يثبت بدون هذا، ولهذا حكاه غير واحد منهم أبو بكر بن العربي ٢ وأبو بكر الرازي ٣، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، فإنه قال في رواية الأثرم، وذكر قول من قال: إذا خالف السنة يرد إلى السنة، وليس بشيء، وقال: هذا مذهب الرافضة.
وظاهر هذا: أن القول بالوقوع إجماع أهل السنة.
وقال الآخرون: قد عرفتم ما في دعوى الإجماع الذي لم يعلم له مخالف، أنه راجع إلى عدم العلم، لا إلى العلم بانتفاء المخالف، وعدم
العلم ليس بعلم حتى يحتج به ويقدم على النصوص الثابتة! هذا إذا لم يعلم مخالف، فكيف إذا علم المخالف؟
وحينئذ فتكون المسألة مسألة نزاع يجب ردها إلى الله تعالى ورسوله، ومن أبى ذلك فهو إما جاهل مقلد، وإما متعصب صاحب هوى، عاص لله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -، متعرض للحوق الوعيد به؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ [النساء: ٥٩].
فإذا ثبت أن المسألة مسألة نزاع وجب قطعا ردها إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه المسألة مسألة نزاع بلا نزاع بين أهل العلم الذين هم أهله، والنزاع فيها من عهد الصحابة إلى وقتنا هذا.
وبيان هذا من وجوه:
أحدها: ما رواه أبو داود ١ وغيره من حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة.
وهذا الإسناد على شرط البخاري.
وقال عبد الرزاق ٢: أخبرنا معمر، عن أيوب، قال: دخل الحكم بن عتيبة ٣ على الزهري بمكة، وأنا معهم، فسألوه عن البكر تطلق ثلاثا، فقال: سئل عن ذلك ابن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، فكلهم قالوا: لا
تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قال: فخرج الحكم وأنا معه، فأتى طاوسا وهو في المسجد، فأكب عليه فسأله عن قول ابن عباس فيها، وأخبره بقول الزهري، قال: فرأيت طاوسا رفع يديه تعجبا من ذلك، وقال: والله ما كان ابن عباس يجعلها إلا واحدة.
أخبرنا ابن جريج ١، قال: وأخبرني حسن بن مسلم، عن ابن شهاب، أن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا، ولم يجمع كن ثلاثا، قال: فأخبرت طاوسا، فقال: أشهد ما كان ابن عباس يراهن إلا واحدة.
فقوله: إذا طلق ثلاثا ولم يجمع كن ثلاثا، أي: إذا كن متفرقات، فدل على أنه إذا جمعهن كانت واحدة، وهذا هو الذي حلف عليه طاوس أن ابن عباس كان يجعله واحدة.
ونحن لا نشك أن ابن عباس صح عنه خلاف ذلك، وأنها ثلاث، فهما روايتان ثابتتان عن ابن عباس بلا شك.
الوجه الثاني: أن هذا مذهب طاوس.
قال عبد الرزاق ٢: أخبرنا ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق، ووجه العدة، وأنه كان يقول: يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة ٣: حدثنا إسماعيل بن علية، عن ليث، عن
طاوس وعطاء، أنهما قالا: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فهي واحدة.
الوجه الثالث: أنه قول عطاء بن أبي رباح.
قال ابن أبي شيبة ١: حدثنا محمد بن بشر ٢، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن طاوس وعطاء وجابر بن زيد، أنهم قالوا: إذا طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها فهي واحدة.
الوجه الرابع: أنه قول جابر بن زيد كما تقدم.
الوجه الخامس: أن هذا مذهب محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، حكاه عنه الإمام أحمد في رواية الأثرم.
ولفظه: حدثنا سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، فجعلها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - واحدة ٣.
قال أبو عبد الله: «وكان هذا مذهب ابن إسحاق، يقول: خالف السنة، فيرد إلى السنة».
الوجه السادس: أنه مذهب إسحاق بن راهويه في البكر.
قال محمد بن نصر المروزي في كتاب «اختلاف العلماء» ١ له: وكان إسحاق يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة، وتأول حديث طاووس عن ابن عباس ــ كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأبى بكر وعمر يجعل واحدة ــ على هذا.
قال: فإن قال لها ولم يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ فإن سفيان، وأصحاب الرأي، والشافعي، وأحمد، وأبا عبيد ٢ قالوا: بانت منه بالأولى، وليست الثنتان بشيء؛ لأن غير المدخول بها تبين بواحدة، ولا عدة عليها.
وقال مالك، وربيعة، وأهل المدينة، والأوزاعي، وابن أبي ليلى: إذا قال لها ثلاث مرات: أنت طالق، نسقا متتابعة، حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، فإن هو سكت بين التطليقتين بانت بالأولى، ولم تلحقها الثانية.
فصار في وقوع الثلاث بغير المدخول بها ثلاثة مذاهب للصحابة والتابعين ومن بعدهم:
أحدها: أنها واحدة، سواء قالها بلفظ واحد أو بثلاثة ألفاظ.
والثاني: أنها ثلاث، سواء أوقع الثلاث بلفظ واحد أو بثلاثة ألفاظ.
والثالث: أنه إن أوقعها بلفظ واحد فهي ثلاث، وإن أوقعها بثلاثة ألفاظ فهي واحدة.
الوجه السابع: أن هذا مذهب عمرو بن دينار في الطلاق قبل الدخول.
قال ابن المنذر في كتابه «الأوسط»: «وكان سعيد بن جبير، وطاوس، وأبو الشعثاء، وعطاء، وعمرو بن دينار يقولون: من طلق البكر ثلاثا فهي واحدة» ١.
الوجه الثامن: أنه مذهب سعيد بن جبير، كما حكاه ابن المنذر وغيره عنه، وحكاه الثعلبي عن سعيد بن المسيب.
وهو غلط عليه، إنما هو مذهب سعيد بن جبير.
الوجه التاسع: أنه مذهب الحسن البصري الذي استقر عليه.
قال ابن المنذر: «واختلف في هذا الباب عن الحسن: فروي عنه كما رويناه عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وذكر قتادة، وحميد، ويونس عنه أنه رجع عن قوله بعد ذلك، فقال: واحدة بائنة».
وهذا الذي ذكره ابن المنذر رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢، فقال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: سألت الحسن عن الرجل يطلق البكر ثلاثا، فقالت أم الحسن: وما بعد الثلاث؟ فقال: صدقت، وما بعد الثلاث؟ فأفتى الحسن بذلك زمنا، ثم رجع، وقال: واحدة تبينها، ويخطبها.
فقاله حياته.
الوجه العاشر: أنه مذهب عطاء بن يسار.
قال عبد الرزاق ٣: وأخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد، عن بكير، عن
نعمان بن أبي عياش، قال: سأل رجل عطاء بن يسار عن الرجل يطلق البكر ثلاثا، فقال: إنما طلاق البكر واحدة، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: أنت قاص، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها، حتى تنكح زوجا غيره».
فذكر عطاء مذهبه، وعبد الله بن عمرو مذهبه.
الوجه الحادي عشر: أنه مذهب خلاس بن عمرو، حكاه بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عنه.
الوجه الثاني عشر: أنه مذهب محمد بن مقاتل الرازي، حكاه عنه المازري في كتابه «المعلم بفوائد مسلم» ١.
قال الخطيب ٢: حدث عن عبد الله بن المبارك، وعباد بن العوام، ووكيع بن الجراح، وأبي عاصم النبيل، روى عنه الإمام أحمد، والبخاري في «صحيحه».
وكان ثقة.
الوجه الثالث عشر: أنه إحدى الروايتين عن مالك، حكاها عنه جماعة من المالكية، منهم التلمساني صاحب «شرح الجلاب»، وعزاها إلى ابن أبي زيد، أنه حكاها رواية عن مالك، وحكاها غيره قولا في مذهب مالك، وجعله شاذا.
الوجه الرابع عشر: أن ابن مغيث المالكي حكاه في كتاب «الوثائق» ٣
له، وهو مشهور عند المالكية عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المفتين على مذهب مالك، هكذا قال، واحتج لهم بأن قوله: أنت طالق ثلاثا كذب؛ لأنه لم يطلق ثلاثا، ولم يطلق إلا واحدة، كما لو قال: أحلف ثلاثا كانت يمينا واحدة، ثم ذكر حججهم من الحديث.
الوجه الخامس عشر: أن أبا الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم اللخمي المتيطي، صاحب كتاب «الوثائق الكبير»، الذي لم يصنف في الوثائق مثله، حكى الخلاف فيها عن السلف والخلف، حتى عن المالكية أنفسهم، فقال: «وأما من قال: أنت طالق ثلاثا، فقد بانت منه، قال البتة أو لم يقل».
قال: «وقال بعض الموثقين ــ يريد المصنفين في الوثائق ــ: اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق؟ فالجمهور من العلماء: على أنه يلزمه الثلاث، وبه القضاء، وعليه الفتوى، وهو الحق الذي لا شك فيه».
قال: «وقال بعض السلف: يلزمه من ذلك طلقة واحدة، وتابعهم على ذلك قوم من الخلف من المفتين بالأندلس».
قال: «واحتجوا على ذلك بحجج كثيرة، وأحاديث مسطورة، أضربنا عنها، واقتصرنا على الصحيح منها؛ فمنها: ما رواه داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ركانة طلق زوجته عند رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ثلاثا، في مجلس واحد، فقال له النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إنما هي واحدة، فإن شئت فدعها، وإن شئت فارتجعها» ١.
ثم ذكر حديث أبي الصهباء، وذكر بعض تأويلاته التي
ذكرناها.
الوجه السادس عشر: أن أبا جعفر الطحاوي حكى القولين في كتابه «تهذيب الآثار» ١، فقال: «باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا».
ثم ذكر حديث أبي الصهباء، ثم قال: «فذهب قوم إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا معا فقد وقعت عليها واحدة، إذا كانت في وقت سنة، وذلك أن تكون طاهرا في غير جماع، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: لما كان الله عز وجل إنما أمر عباده أن يطلقوا لوقت على صفة، فطلقوا على غير ما أمرهم به، لم يقع طلاقهم، ألا ترى لو أن رجلا أمر رجلا أن يطلق امرأته في وقت، فطلقها في غيره، أو أمره أن يطلقها على شريطة، فطلقها على غير تلك الشريطة: أن طلاقه لا يقع؛ إذ كان قد خالف ما أمر به».
ثم ذكر حجج الآخرين، والجواب عن حجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدين في إنصاف مخالفيهم، والبحث معهم، ولم يسلك طريق جاهل ظالم معتد، يبرك على ركبتيه، ويفجر عينيه، ويصول بمنصبه لا بعلمه، وبسوء قصده لا بحسن فهمه، ويقول: القول بهذه المسألة كفر، يوجب ضرب العنق، ليبهت خصمه، ويمنعه عن بسط لسانه، والجري معه في ميدانه، والله سبحانه عند لسان كل قائل، وهو له يوم الوقوف بين يديه عما قاله سائل.
الوجه السابع عشر: أن شيخنا رحمه الله حكى عن جده أبي البركات: أنه كان يفتي بذلك أحيانا سرا، وقال في بعض مصنفاته ٢: هذا قول بعض
أصحاب مالك، وأبى حنيفة، وأحمد.
قلت: أما المالكية فقد حكينا الخلاف عنهم.
وأما بعض أصحاب أبي حنيفة فإنه محمد بن مقاتل، من الطبقة الثانية من أصحاب أبي حنيفة.
وأما بعض أصحاب أحمد، فإن كان أراد إفتاء جده بذلك أحيانا وإلا فلم أقف على نقل عن أحد منهم.
الوجه الثامن عشر: قال أبو الحسن المتيطي ١ في «وثائقه» ــ وقد ذكر الخلاف في المسألة ــ ثم قال: «ومن بعض حججهم أيضا في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى أمر بتفريق الطلاق، بقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾، وإذا جمع الإنسان ذلك في كلمة كان واحدة، وكان ما زاد عليها لغوا، كما جعل مالك رحمه الله الذي رمي السبع الجمرات في مرة واحدة جمرة واحدة»، وبنى عليها أن الطلاق عندهم مثله، قال: «وممن نصر هذا القول من أهل الفتيا بالأندلس: أصبغ بن الحباب، ومحمد بن بقي، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وابن زنباع، مع غيرهم من نظرائهم».
هذا لفظه.
الوجه التاسع عشر: أن أبا الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدي القرطبي صاحب كتاب «مفيد الحكام فيما يعرض لهم من النوازل والأحكام» ذكر الخلاف بين السلف والخلف في هذه المسألة، حتى ذكر الخلاف فيها في مذهب مالك نفسه، وذكر من كان يفتي بها من المالكية، والكتاب مشهور معروف عند أصحاب مالك، كثير الفوائد جدا، ونحن نذكر
نصه فيه بلفظه، فنذكر ما ذكره عن ابن ١ مغيث، ثم نتبعه كلامه؛ ليعلم أن النقل بذلك معلوم متداول بين أهل العلم، وأن من قصر في العلم باعه، وطال في الجهل والظلم ذراعه، يبادر إلى التكفير والعقوبة جهلا منه وظلما، ويحق له، وهو الدعي في العلم ٢ ليس منه أقرب رحما.
قال ابن هشام: «قال ابن مغيث: الطلاق ينقسم على ضربين: طلاق السنة، وطلاق البدعة.
فطلاق السنة: هو الواقع على الوجه الذي ندب الشرع إليه، وطلاق البدعة: نقيضه، وهو أن يطلقها في حيض أو نفاس أو ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق.
ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق؟
فقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود: يلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس، وقال: قوله «ثلاثا» لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات، وإنما يجوز قوله في ثلاث إذا كان مخبرا عما مضى، فيقول طلقت ثلاثا، يخبر عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات، كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات، فذلك يصح، ولو قرأها مرة واحدة، فقال: قرأتها ثلاث مرات، كان كاذبا.
وكذلك لو حلف بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان، ولو قال: أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة، والطلاق مثله.
ومثله قال الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، روينا ذلك كله عن ابن وضاح.
وبه قال من شيوخ قرطبة: ابن زنباع شيخ هدى، ومحمد بن بقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني فقيه عصره، وأصبغ بن الحباب، وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة.
وكان من حجة ابن عباس: أن الله تعالى فرق في كتابه لفظ الطلاق، فقال: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، يريد أكثر الطلاق الذي يمكن بعده الإمساك بالمعروف، وهو الرجعة في العدة، ومعنى قوله: ﴿أو تسريح بإحسان﴾، يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضي عدتها، وفى ذلك إحسان إليه وإليها إن وقع ندم منهما، قال الله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ [الطلاق: ١]، يريد الندم على الفرقة، والرغبة في المراجعة.
وموقع الثلاث غير محسن؛ لأنه ترك المندوحة التي وسع الله تعالى بها ونبه عليها، فذكر الله سبحانه وتعالى لفظ الطلاق مفرقا، فدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد.
فتدبره.
وقد يخرج من غير ما مسألة من الرواية ١ ما يدل على ذلك، من ذلك قول الرجل: مالي صدقة في المساكين، أن الثلث من ذلك يجزئه.
هذا كله لفظ صاحب الكتاب بحروفه.
أفترى الجاهل الظالم المعتدي يجعل هؤلاء كلهم كفارا مباحة دماؤهم؟ ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾! بل هؤلاء من أكابر أهل العلم والدين، وذنبهم عند أهل العمى أهل التقليد: كونهم لم يرضوا لأنفسهم بما رضي به المقلدون، وردوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله.
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ١
الوجه العشرون: أن هذا مذهب أهل الظاهر داود وأصحابه، وذنبهم عند كثير من الناس أخذهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم، ونبذهم القياس وراء ظهورهم، فلم يعبأوا به شيئا.
وخالفهم أبو محمد بن حزم في ذلك، فأباح جمع الثلاث وأوقعها ٢.
فهذه عشرون وجها في إثبات النزاع في هذه المسألة، بحسب بضاعتنا المزجاة من الكتب، وإلا فالذي لم نقف عليه من ذلك كثير.
وقد حكى ابن وضاح وابن مغيث ذلك عن علي، وابن مسعود، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، ولعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلا شك عن ابن مسعود، وعلي، وابن عباس: الإلزام بالثلاث لمن أوقعها جملة، وصح عن ابن عباس أنه جعلها واحدة، ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم من الصحابة بذلك، فلذلك لم نعد ما حكي عنهم في الوجوه المبينة للنزاع، وإنما نعد ما وقفنا عليه في مواضعه، ونعزوه إليها، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فقد ذكرتم أعذار الأئمة الملزمين بالثلاث عن تلك الأحاديث المخالفة لقولهم، فما عذركم أنتم عن أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين المحدث الملهم، الذي أمرنا باتباع سنته والاقتداء به؟ أفتطعنون به
أنه كان يرى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وخليفته من بعده والصحابة في عهده يجعلون الثلاث واحدة، مع أنه أيسر على الأمة وأسهل، وأبعد من الحرج، ثم يعمد إلى مخالفة ذلك برأيه، ويلزم الأمة بالثلاث من قبل نفسه، فيضيق عليهم ما وسعه الله تعالى، ويعسر ما سهله، ويسد ما فتحه، ويحرج ما فسحه، ثم يتابعه على ذلك أكابر الصحابة، ويوافقونه، ولا يخالفونه؟
ثم هب أنهم خافوا منه في حياته، وكلا فإنه كان أتقى لله سبحانه وتعالى من ذلك، وكان إذا بينت له المرأة ما خفي عليه من الحق رجع إليه، وكان الصحابة أتقى لله تعالى وأعلم به أن يأخذهم لومة لائم في الحق، وأن يمسكوا عنه خوفا من عمر رضي الله عنه.
فقد دار الأمر بين القدح في عمر رضي الله عنه والصحابة معه، وبين رد تلك الأحاديث: إما لضعفها، وإما لنسخها، وخفي علينا الناسخ، وإما بتأويلها وحملها على محمل يصح، ولا ريب أن هذا أولى لتوفية حق الصحابة رضي الله عنهم، الذين هم أعلم بالله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - من جميع من بعدهم.
قيل: لعمر الله، وإن هذا لسؤال يورد أمثاله أهل العلم، وإنه ليحتاج إلى جواب شاف كاف، فنقول:
الناس هنا طائفتان: طائفة اعتذرت عن هذه الأحاديث لأجل عمر ومن وافقه، وطائفة اعتذرت عن عمر رضي الله عنه، ولم ترد الأحاديث.
فقالوا: الأحكام نوعان:
نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك.
فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا
اجتهاد يخالف ما وضع عليه.
والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، كمقادير التعزيرات، وأجناسها، وصفاتها؛ فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة:
فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة ١.
وعزم على التعزير بتحريق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة ٢، لولا ما منعه من تعدي العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية.
وعزر بحرمان النصيب المستحق من السلب ٣.
وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله ٤.
وعزر بالعقوبات المالية في عدة مواضع.
وعزر من مثل بعبده بإخراجه عنه وإعتاقه عليه ٥.
وعزر بتضعيف الغرم على سارق ما لا قطع فيه، وكاتم الضالة ١.
وعزر بالهجر ومنع قربان النساء ٢.
ولم يعرف أنه عزر بدرة، ولا حبس، ولا سوط، وإنما حبس في تهمة ليتبين حال المتهم ٣.
وكذلك أصحابه، تنوعوا في التعزيرات بعده:
فكان عمر رضي الله عنه يحلق الرأس، وينفي، ويضرب، ويحرق حوانيت الخمارين، والقرية التي تباع فيها الخمر، وحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية ٤.
وكان له رضي الله تعالى عنه في التعزير اجتهاد وافقه عليه الصحابة
لكمال نصحه، ووفور علمه، وحسن اختياره للأمة، وحدوث أسباب اقتضت تعزيره لهم بما يردعهم، لم يكن مثلها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذ كانت، ولكن زاد الناس عليها وتتايعوا فيها.
فمن ذلك: أنهم لما زادوا في شرب الخمر، وتتايعوا فيه، وكان قليلا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، جعله عمر رضي الله عنه ثمانين، ونفى فيه ١.
ومن ذلك: اتخاذه درة يضرب بها من يستحق الضرب ٢.
ومن ذلك: اتخاذه دارا للسجن ٣.
ومن ذلك: ضربه للنوائح حتى بدا شعرها ٤.
وهذا باب واسع، اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة
التي لا تتغير، بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا وعدما.
ومن ذلك: أنه رضي الله عنه لما رأى الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث، ورأى أنهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة، فرأى إلزامهم بها عقوبة لهم، ليكفوا عنها.
وذلك إما من التعزير العارض الذي يفعل عند الحاجة، كما كان يضرب في الخمر ثمانين، ويحلق فيها الرأس، وينفى عن الوطن، وكما منع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الثلاثة الذين خلفوا عنه عن الاجتماع بنسائهم.
فهذا له وجه.
وإما ظنا أن جعل الثلاث واحدة كان مشروطا بشرط، وقد زال، كما ذهب إلى ذلك في متعة الحج، إما مطلقا، وإما متعة الفسخ.
فهذا وجه آخر.
وإما لقيام مانع قام في زمنه، منع ١ من جعل الثلاث واحدة، كما قام عنده مانع من بيع أمهات الأولاد ٢، ومانع من أخذ الجزية من نصارى بني تغلب ٣، وغير ذلك.
فهذا وجه ثالث.
فإن الحكم ينتفي لانتفاء شروطه، أو لوجود مانعه، والإلزام بالفرقة فسخا أو طلاقا لمن لم يقم بالواجب: مما يسوغ فيه الاجتهاد.
لكن تارة يكون حقا للمرأة، كما في العنة، والإيلاء، والعجز عن النفقة، والغيبة الطويلة عند من يرى ذلك، وتارة يكون حقا للزوج، كالعيوب المانعة له من استيفاء المعقود عليه، أو كماله، وتارة يكون حقا لله تعالى، كما في