إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانصفحات 335-374

الباب الثالث عشر في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم

صفحات 335-374

الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك: الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة.

وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة، والذي ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم؛ إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لعن فاعله، والنهي عنه.

ففي «صحيح مسلم» ١ عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد؛ [٥٣ أ] ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك».

وعن عائشة وعبد الله بن عباس، قالا: لما نزل برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ يحذر ما صنعوا.
متفق عليه ٢.

وفى «الصحيحين» ١ أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «قاتل الله اليهود! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

وفى رواية مسلم ٢: «لعن الله اليهود والنصارى! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب؛ ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك.

قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ولولا ذلك لأبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا.
متفق عليه ٣.

وقولها: «خشي» هو بضم الخاء؛ تعليلا لمنع إبراز قبره.

وروى الإمام أحمد في «مسنده» ٤ بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود

رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد».

وعن زيد بن ثابت، أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «لعن الله اليهود! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
رواه الإمام أحمد ١.

وعن ابن عباس، قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج».
رواه الإمام أحمد، وأهل «السنن» ٢.

وفي «صحيح البخاري» ١: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر، فقال: القبر، القبر.

وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضي الله عنهم: ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور، وفعل أنس لا يدل على اعتقاد جوازه؛ فإنه لعله لم يره، أو لم يعلم أنه قبر، أو ذهل عنه، فلما نبهه عمر تنبه.

وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» رواه الإمام أحمد، وأهل «السنن الأربعة»، وصححه أبو حاتم بن حبان ٢.

وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة.

فروى مسلم في «صحيحه» ١ عن أبي مرثد الغنوي، أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها».

وفى هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -، وهو باطل من عدة أوجه:

منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة.

ومنها: أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة؛ فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، ليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريون.

ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها.

ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر ٢ الحشوش والمجازر ونحوها ٣ أولى من ذكر القبور.

ومنها: أن موضع مسجده - صلى الله عليه وآله وسلم - كان مقبرة للمشركين، فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدا، ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه.

كما ثبت في «الصحيحين» ١ عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: لما قدم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - المدينة، فنزل بأعلى المدينة في حي يقال [٥٣ ب] لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدين السيوف، وكأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على راحلته، وأبو بكر دونه ٢، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وإنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار، فقال: «يا بني النجار! ثامنوني بحائطكم هذا»، قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون.
وذكر الحديث.

ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر، فإذا نهى عن ذلك سدا لذريعة التشبه الذي لا يكاد يخطر ببال المصلي؛ فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك، ودعاء الموتى، واستيجابهم، وطلب

الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد، وغير ذلك، مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله؟

فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة مما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قصد منع الأمة من الفتنة بالقبور؛ كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم؟

ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعا.

ومنها: أنه قرن في اللعنة بين متخذي المساجد عليها، وموقدي السرج عليها، فهما في اللعنة قرينان، وفى ارتكاب الكبيرة صنوان؛ فإن كل ما لعن عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها، ولهذا قرن بينهما؛ فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها، وتعريض للفتنة بها، ولهذا حكى الله سبحانه عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: ﴿لنتخذن عليهم مسجدا﴾ [الكهف: ٢١].

ومنها: أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ١، فذكره ذلك عقيب قوله: «اللهم

لا تجعل قبري وثنا يعبد» تنبيه منه على سبب لحوق اللعن بهم، وهو توسلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد.

وبالجملة؛ فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - مقاصده، جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه واللعن والنهي بصيغتيه ــ صيغة «لا تفعلوا»، وصيغة «إني أنهاكم» ــ ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هذا وأمثاله من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه.

فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكابا لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم غلوا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد.

ولعمر الله من هذا [٥٤ أ] الباب بعينه دخل على عباد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقهم، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها، من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم.
وأما المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم.

قال الشافعي ١ رحمة الله عليه: «أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس».

وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرم في كتاب «ناسخ الحديث ومنسوخه»؛ فقال بعد أن ذكر حديث أبي سعيد: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «جعلت لي الأرض مسجدا إلا المقبرة والحمام» ٢، وحديث زيد بن جبيرة ٣، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - نهى عن الصلاة في سبع مواطن ٤، وذكر منها المقبرة؛ قال الأثرم: «إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد».

فصل

ومن ذلك اتخاذها عيدا.

والعيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان:

فأما الزمان فكقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام».
رواه أبو داود وغيره ١.

وأما المكان فكما روى أبو داود في «سننه» ٢ أن رجلا قال: يا رسول

الله! إني نذرت أن أنحر ١ ببوانة؟ فقال: «أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟»، قال: لا، قال: «فأوف بنذرك».

وكقوله: «لا تجعلوا قبري عيدا» ٢.

والعيد: مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيدا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام التعبد فيها عيدا.

وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها: عيد الفطر، وعيد النحر، وأيام منى، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية: بالكعبة البيت الحرام، وعرفة، ومنى، والمشاعر.

فاتخاذ القبور عيدا هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام، وقد نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في سيد القبور، منبها به على غيره.

فقال أبو داود ٣: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع،

أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا إسناد حسن، رواته كلهم ثقات مشاهير.

وقال أبو يعلى الموصلي في «مسنده» ١: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،

حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين، حدثنا [علي بن عمر، عن أبيه، عن] ١ علي بن الحسين: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي، عن جدي، عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا؛ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم».

رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في «مختارته» ٢.

وقال سعيد بن منصور [٥٤ ب] في «السنن»: حدثنا حبان بن علي: حدثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المهري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني» ٣.

وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرنا سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب ٤ عند القبر، فناداني

وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم».
ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء ١.

فهذان المرسلان ــ من هذين الوجهين المختلفين ــ يدلان على ثبوت الحديث؛ لا سيما وقد احتج من أرسله به، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يكن روي من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدم مسندا؟

قال شيخ الإسلام ٢ قدس الله روحه: ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي، كائنا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورا» أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري النافلة في البيوت، ونهى عن تحري العبادة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم، ثم إنه عقب النهي عن اتخاذه عيدا

بقوله: «وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»، يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام؛ يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا.

وقد حرف هذه الأحاديث بعض من أخذ شبها من النصارى بالشرك، وشبها من اليهود بالتحريف، فقال: هذا أمر بملازمة قبره، والعكوف عنده، واعتياد قصده وانتيابه، ونهي أن يجعل كالعيد الذي إنما يكون في العام مرة أو مرتين، فكأنه قال: لا تجعلوه بمنزلة العيد الذي يكون من الحول إلى الحول، واقصدوه كل ساعة وكل وقت!

وهذا مراغمة ومحادة لله، ومناقضة لما قصده الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -، وقلب للحقائق، ونسبة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى التدليس والتلبيس بعد التناقض، فقاتل الله أهل الباطل أنى يؤفكون!

ولا ريب أن من أمر الناس باعتياد أمر وملازمته وكثرة انتيابه بقوله: «لا تجعلوا عيدا»؛ فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان، فإن لم يكن هذا تنقيصا فليس للتنقيص حقيقة فينا، كمن يرمي أنصار الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - وحزبه بدائه ومصابه وينسل كأنه بريء.

ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة بعد الشرك أسهل إثما، وأخف عقوبة من تعاطي مثل ذلك في دينه وسنته، وهكذا غيرت ديانات الرسل عليهم السلام، ولولا أن الله أقام لدينه الأنصار والأعوان الذابين عنه لجرى عليه ما جرى على الأديان قبله.

ولو أراد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ما قاله هؤلاء الضلال لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ويلعن فاعل ذلك؛ فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله

فيها، فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها، وأن يعتاد قصدها وانتيابها، ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول؟ وكيف يسأل ربه سبحانه [٥٥ أ] أن لا يجعل قبره وثنا يعبد؟ وكيف يقول أعلم الخلق بذلك: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدا؟ وكيف يقول: «لا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم»؟ وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضلال، الذين جمعوا بين الشرك والتحريف؟

وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنهما نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره - صلى الله عليه وآله وسلم -، واستدل بالحديث، وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين، عن جده علي رضي الله عنه، وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال.

وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن ١ شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا.

قال شيخنا ٢: فانظر هذه السنة، كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين لهم من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قرب النسب، وقرب الدار! لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، وكانوا له أضبط.

فصل

ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله، وغيرة على التوحيد، وتهجين

وتقبيح للشرك، ولكن... ما لجرح بميت إيلام ١

فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستعانة ٢ بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات، التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم.

فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى يسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدئ ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعا سجدا يبتغون فضلا من الميت ورضوانا، وقد ملأوا أكفهم خيبة وخسرانا، فلغير الله بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما

يفعل به وفد البيت الحرام؟ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن؛ إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا، ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحجة المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: لا، ولو بحجك كل عام.

هذا؛ ولم نتجاوز فيما حكينا عنهم، ولا [٥٥ ب] استقصينا جميع بدعهم وضلالهم؛ إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور: سد الذريعة إلى هذا المحظور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه وما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.

ورأيت لأبي الوفاء بن عقيل في ذلك فصلا حسنا ١، فذكرته بلفظه، قال:

لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم.
قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور

وإكرامها ١ بما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي! افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر أو محمد أو علي، أو لم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر».
انتهى.

ومن جمع بين سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في القبور، وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم: رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا.

فنهى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها.

ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد؛ مضاهاة لبيوت الله.

ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.

ونهى أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.

وأمر بتسويتها، كما روى مسلم في «صحيحه» ٢ عن أبي الهياج

الأسدي، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته.

وفى «صحيحه» ١ أيضا عن ثمامة بن شفي، قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يأمر بتسويتها.

وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها من الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب.

ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم في «صحيحه» ٢ عن جابر قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه.

ونهى عن الكتابة عليها، كما روى أبو داود في «سننه» ٣، عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها.

قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره.

ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما روى أبو داود ١ من حديث جابر أيضا: أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نهى أن يجصص القبر، أو يكتب [٥٦ أ] عليه، أو يزاد عليه.

وهؤلاء يزيدون عليه ــ سوى التراب ــ الآجر والأحجار والجص.

ونهى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن يبنى القبر بآجر، وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره ٢.

وأوصى الأسود بن يزيد أن لا تجعلوا على قبري آجرا ٣.

وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجر على قبورهم ٤.

وأوصى أبو هريرة رضي الله عنه حين حضرته الوفاة: أن لا تضربوا علي فسطاطا ٥.

وكره الإمام أحمد أن يضرب على القبر فسطاط.

والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور، والمتخذينها ١ أعيادا، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب: مناقضون لما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، محادون لما جاء به.

وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر، وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه.

قال أبو محمد المقدسي ٢: ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله، ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة، وإفراطا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام.
قال: ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا متفق عليه ٣.
ولأن تخصيص ٤ القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها، والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام

تعظيم الأموات باتخاذ صورهم، والتمسح بها، والصلاة عندها».
انتهى.

وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم ١ في ذلك كتابا وسماه «مناسك حج المشاهد»؛ مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام.

فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره:

فمنها: تعظيمها الموقع في الافتتان بها.

ومنها: اتخاذها عيدا.

ومنها: السفر إليها.

ومنها: مشابهة عبادة الأصنام بما يفعل عندها من العكوف عليها، والمجاورة عندها، وتعليق الستور عليها وسدانتها، وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيمها ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها.

ومنها: النذر لها ولسدنتها.

ومنها: اعتقاد المشركين أن بها يكشف البلاء، وينصر على الأعداء، ويستنزل غيث السماء، وتفرج الكرب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الخائف، إلى غير ذلك.

ومنها: الدخول في لعنة الله تعالى ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها.

ومنها: الشرك الأكبر الذي يفعل عندها.

ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم؛ فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما يفعل النصارى عند قبورهم ١، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ؛ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم، كما قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (١٧) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا﴾ [الفرقان: ١٧، ١٨]، قال الله للمشركين: ﴿فقد كذبوكم بما تقولون﴾ الآية [الفرقان: ١٩]، وقال تعالى [٥٦ ب]: ﴿وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (٤٠) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١].

ومنها: مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذ المساجد والسرج عليها.

ومنها: محادة الله ورسوله، ومناقضة ما شرعه فيها.

ومنها: التعب العظيم مع الوزر الكثير، والإثم العظيم.

ومنها: إماتة السنن، وإحياء البدع.

ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله؛ فإن عباد القبور يقصدونها من ١ التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة على الموتى ما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره، ولا قريب منه.

ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد وخراب المساجد، ودين الله الذي بعث به رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - بضد ذلك، ولهذا لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين عمروا المشاهد، وأخربوا المساجد.

ومنها: أن الذي شرعه الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت، ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له.

فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان، التي شرعها الله على لسان رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ثم وازن بينها وبين زيارة أهل الإشراك، التي شرعها لهم الشيطان، واختر لنفسك.

قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا كان ليلتي منه؛ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين! وأتاكم ما توعدون؛ غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد».
رواه مسلم ١.

وفى «صحيحه» ٢ عنها أيضا: أن جبريل عليه السلام أتاه، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين! ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم ٣ للاحقون».

وفى «صحيحه» ٤ أيضا عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام على أهل الديار ــ وفي لفظ: السلام عليكم أهل الديار ــ من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية».

وعن بريدة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا» رواه أحمد، والنسائي ٥.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قد نهى الرجال عن زيارة القبور، سدا للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجرا، فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - فإن زيارته غير مأذون فيها.

ومن أعظم الهجر: الشرك عندها قولا وفعلا.

وفى «صحيح مسلم» ١، عن أبى هريرة [٥٧ أ] رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «زوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت».

وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة».
رواه الإمام أحمد ٢.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، ونحن بالأثر».
رواه أحمد، والترمذي وحسنه ١.

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروا القبور؛ فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة».
رواه ابن ماجه ٢.

وروى الإمام أحمد ١، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإن فيها عبرة».

فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لأمته، وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئا مما يعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟

وما أحسن ما قال مالك بن أنس رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها».

ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك.

ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، ثم أراد الدعاء، استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جدار

القبر، ثم دعا.

فقال سلمة بن وردان: رأيت أنس بن مالك رضي الله عنه يسلم على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو ١.

ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء، حتى لا يدعو عند القبر؛ فإن الدعاء عبادة.

وفي «الترمذي» ٢ وغيره مرفوعا: «الدعاء هو العبادة».

فجرد السلف العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من السلام على أصحابها، والاستغفار لهم، والترحم عليهم.

وبالجملة فالميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له، ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء له وجوبا واستحبابا ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي.

قال عوف بن مالك: صلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على جنازة، فحفظت من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ــ أو من عذاب النارـ»؛ حتى تمنيت أن أكون أنا الميت، لدعاء رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على ذلك الميت.
رواه مسلم ١.

وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول في صلاته على الجنازة: «اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء؛ فاغفر له».
رواه الإمام أحمد ٢.

وفي «سنن أبي داود» ١ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء».

وقالت عائشة وأنس عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له؛ إلا شفعوا فيه» رواه مسلم ٢.

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا يشركون [٥٧ ب] بالله شيئا؛ إلا شفعهم الله فيه».
رواه مسلم ٣.

فهذا مقصود الصلاة على الميت، وهو الدعاء له، والاستغفار، والشفاعة فيه.

ومعلوم أنه في قبره أشد حاجة منه على نعشه؛ فإنه حينئذ معرض للسؤال وغيره.

وقد كان - صلى الله عليه وآله وسلم - يقف على القبر بعد الدفن فيقول: «سلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» ١.

فعلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن، فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا ندعو به، ونشفع له، لا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى.

فبدل أهل البدع والشرك قولا غير الذي قيل لهم، بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة ــ التي شرعها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إحسانا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر، وتذكيرا بالآخرة ــ سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد، وأوقات الأسحار.

ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعا وعملا صالحا، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.

فهذه سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في أهل القبور بضعا وعشرين سنة، حتى توفاه الله، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل

صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منقطع: أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا أن يصلوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم؟ فليوقفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في ذلك.

بلى؛ يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بلى؛ فيها من خلاف ذلك كثير، كما قدمناه من الأحاديث المرفوعة.

وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يحاط بها، وقد ذكرنا إنكار عمر على أنس صلاته عند القبر، وقوله له: «القبر القبر» ١.

وقد ذكر محمد بن إسحاق في «مغازيه» ٢ من زيادات يونس بن

بكير ١، عن أبي خلدة خالد بن دينار، قال: حدثنا أبو العالية، قال: لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدعا له كعبا، فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون ٢

كلامكم، وما هو كائن بعد، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس لا ينبشونه، فقلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون، فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال، فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاث مئة سنة، قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا؛ إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع.

ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره؛ لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون [٥٨ أ] لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يداني هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد.

فلو كان الدعاء عند القبور، والصلاة عندها، والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا، لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك، ودعوا عنده،

وسنوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم.

وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استسقى به، ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه.

وحينئذ فلا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه في غير تلك البقعة، أولا يكون:

فإن كان أفضل فكيف خفي علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، وتظفر به الخلوف علما وعملا؟ ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء؛ فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه كراهة ما، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه؟ هذا محال طبعا وشرعا.

فتعين القسم الآخر، وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ولا مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد، ومثل هذا مما لا يشرعه الله ورسوله البتة، بل استحباب الدعاء عندها شرع عبادة لم يشرعها الله، ولم ينزل بها سلطانا.

وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير.

فروى غير واحد عن المعرور بن سويد، قال: صليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١]، و﴿لإيلاف قريش﴾ [قريش: ١]، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعا.
فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها ١.

وكذلك أرسل عمر رضي الله تعالى عنه أيضا؛ فقطع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ٢.

بل قد أنكر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على الصحابة لما سألوه أن يجعل لهم شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ومتاعهم بخصوصها.

فروى البخاري في «صحيحه» ٣ عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع

رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة، يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون﴾ [الأعراف: ١٣٨]! لتركبن سنن من كان قبلكم».

فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها؛ فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به [٥٨ ب] ودعائه، والدعاء عنده؟ فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون!

قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك ١: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق؛ فهي ذات أنواط، فاقطعوها.

ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره، علم أن بين السلف وبين هؤلاء الخلوف من البعد أبعد ما بين المشرق والمغرب، وأنهم على شيء والسلف على شيء، كما قيل:

سارت مشرقة وسرت مغربا... شتان بين مشرق ومغرب ١

والأمر والله أعظم مما ذكرنا.

وقد ذكر البخاري في «الصحيح» ٢ عن أم الدرداء رضي الله عنها، قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - إلا أنهم يصلون جميعا!

وروى مالك في «الموطأ» ٣ عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة؛ يعني الصحابة رضي الله عنهم.

وقال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت، ذكره البخاري ٤.

وفي لفظ آخر: ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلا قد أنكرته اليوم ٥.

وقال الحسن البصري: سأل رجل أبا الدرداء رضي الله عنه فقال: رحمك الله! لو أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بين أظهرنا هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه؟ فغضب، واشتد غضبه، وقال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه؟ ١.

وقال المبارك بن فضالة: صلى الحسن الجمعة وجلس، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ فقال: تلومونني على البكاء، ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئا مما كان عليه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنتم اليوم عليه؛ إلا قبلتكم هذه! ٢.

وهذه هي الفتنة العظمى التي قال فيها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة، يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس، يتخذونها سنة؛ إذا غيرت قيل: غيرت السنة، أو هذا منكر» ٣.

جارٍ التحميل