وقال أنس رضي الله عنه: «كنا عند عمر، فسمعته يقول: نهينا عن التكلف» ١.
وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: «سن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها، من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيرا» ٢.
وقال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب كان يقول: «سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض؛ وتركتم على الواضحة؛ إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا» ٣.
وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» ١.
فأخبر أن الغالين يحرفون ما جاء به، والمبطلين ينتحلون أن باطلهم هو ما كان عليه، والجاهلون يتأولونه علي غير تأويله.
وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاثة، فلولا أن الله سبحانه يقيم لدينه من ينفي عنه ذلك، لجرى عليه ما جرى على أديان الأنبياء قبله من هؤلاء.
فصل
ومن ذلك: الوسوسة في مخارج الحروف، والتنطع فيها.
ونحن نذكر ما ذكره العلماء بألفاظهم:
قال أبو الفرج بن الجوزي ١: «قد لبس إبليس على بعض المصلين في مخارج الحروف، فتراه يقول: الحمد، الحمد، فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة، وتارة يلبس عليه في تحقيق التشديد في إخراج ضاد ﴿المغضوب﴾.
قال: ولقد رأيت من يخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده، والمراد تحقيق الحرف حسب، وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق، ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التلاوة، وكل هذه الوساوس من إبليس».
وقال أبو محمد بن قتيبة في «مشكل القرآن» ٢: «وقد كان الناس يقرأون القرآن بلغاتهم، ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم، ليس لهم طبع اللغة، ولا علم التكلف، فهفوا في كثير من الحروف، وزلوا وأخلوا، ومنهم رجل ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، [٤٦ ب] وقربه من القلوب بالدين، فلم أر فيمن تتبعت ٣ في وجوه قراءته أكثر تخليطا ولا أشد اضطرابا منه؛ لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره، ثم يؤصل أصلا ويخالفه إلى غيره بغير علة، ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج
له إلا على طلب الحيلة الضعيفة.
هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، بإفراطه في المد والهمز والإشباع، وإفحاشه في الإضجاع والإدغام، وحمله المتعلمين على المذهب الصعب، وتعسيره على الأمة ما يسره الله تعالى، وتضييقه ما فسحه.
ومن العجب أنه يقرئ الناس بهذه المذاهب، ويكره الصلاة بها! ففي أي موضع تستعمل هذه القراءة، إن كانت الصلاة لا تجوز بها؟ وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ في صلاته بحرفه، أو ائتم بإمام يقرأ بقراءته: أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين، منهم بشر بن الحارث، وأحمد بن حنبل.
وقد شغف بقراءته عوام الناس وسوقتهم، وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها، فإذا رأوه قد اختلف في أم الكتاب عشرا، وفي مئة آية شهرا، وفي السبع الطول حولا، ورأوه عند قراءته مائل الشدقين، دار الوريدين، راشح الجبينين: توهموا أن ذلك لفضله في القراءة، وحذقه بها، وليس هكذا كانت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولا خيار السلف ولا التابعين، ولا القراء ١ العالمين، بل كانت سهلة رسلة».
وقال الخلال في «الجامع»: عن أبي عبد الله، أنه قال: «لا أحب قراءة فلان»، يعني هذا الذي أشار إليه ابن قتيبة، وكرهها كراهية شديدة، وجعل يعجب من قراءته، وقال: «لا تعجبني، فإن كان رجل يقبل منك فانهه».
وحكي عن ابن المبارك، عن الربيع بن أنس: أنه نهاه عنها.
وقال الفضل بن زياد: إن رجلا قال لأبى عبد الله: فما أترك من قراءته؟ قال: «الإدغام والكسر، ليس يعرف في لغة من لغات العرب».
وسأله عبد الله ابنه عنها، فقال: «أكره الكسر الشديد والإضجاع».
وقال في موضع آخر: «إن لم يدغم ولم يضجع ذلك الإضجاع فلا بأس».
وسأله الحسن بن محمد بن الحارث: أتكره أن يتعلم الرجل تلك القراءة؟ قال: «أكرهه أشد كراهة، إنما هي قراءة محدثة»؛ وكرهها شديدا حتى غضب.
وروى عنه ابن سندي أنه سئل عنها، فقال: «أكرهها أشد الكراهية»، قيل له: ما تكره منها؟ قال: «هي قراءة محدثة، ما قرأ بها أحد».
وروى جعفر بن محمد عنه، أنه سئل عنها فكرهها، وقال: «كرهها ابن إدريس»، وأراه قال: «وعبد الرحمن بن مهدي»، وقال: «ما أدري، أيش هذه القراءة؟»، ثم قال: «وقراءتهم ليس تشبه كلام العرب».
وقال عبد الرحمن بن مهدي: «لو صليت خلف من يقرأ بها لأعدت الصلاة».
ونص أحمد على أنه يعيد، وعنه رواية أخرى: أنه لا يعيد.
والمقصود: أن الأئمة ١ كرهوا التنطع والغلو في النطق بالحرف.
ومن تأمل هدي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم، تبين له أن التنطع والتشدق والوسوسة في إخراج الحرف ليس من سنته.
فصل
في الجواب عما احتج به أهل الوسواس
أما قولهم: إن ما نفعله احتياط لا وسواس.
قلنا: سموه ما شئتم، فنحن نسألكم: هل هو موافق لفعل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأمره وما كان عليه أصحابه؛ أو مخالف؟
فإن زعمتم أنه موافق فبهت وكذب صريح، فإذن لا بد من الإقرار بعدم موافقته، وأنه مخالف له، فلا ينفعكم تسمية ذلك [٤٧ أ] احتياطا، وهذا نظير من ارتكب محظورا وسماه بغير اسمه، كما تسمى الخمر بغير اسمها، والربا: معاملة، والتحليل الذي لعن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فاعله ١: نكاحا، ونقر الصلاة الذي ٢ أخبر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن فاعله لم يصل ٣، وأنه لا تجزئه صلاته ولا يقبلها الله منه: تخفيفا! فهكذا تسمية الغلو في الدين والتنطع احتياطا.
وينبغي أن يعلم أن الاحتياط الذي ينفع صاحبه ويثيبه الله عليه: الاحتياط في موافقة السنة، وترك مخالفتها، والاحتياط كل الاحتياط في ذلك؛ وإلا فما احتاط لنفسه من خرج عن السنة، بل ترك حقيقة الاحتياط في ذلك.
وكذلك المتسرعون إلى وقوع الطلاق في موارد النزاع الذي اختلف فيه الأئمة، كطلاق المكره، وطلاق السكران، والبتة، وجمع الثلاث، والطلاق بمجرد النية، والطلاق المؤجل المعلوم مجيء أجله، واليمين بالطلاق، وغير ذلك مما تنازع فيه العلماء إذا أوقعه المفتي تقليدا بغير برهان، وقال: ذلك احتياط للفروج؛ فقد ترك معنى الاحتياط؛ فإنه يحرم الفرج على هذا، ويبيحه لغيره، فأين الاحتياط هاهنا؟
بل لو أبقاه على حاله حتى تجمع الأمة على تحريمه وإخراجه عمن هو حلال له، أو يأتي برهان من الله ورسوله على ذلك؛ لكان قد عمل بالاحتياط.
ونص على مثل ذلك الإمام أحمد في طلاق السكران.
فقال في رواية أبى طالب: والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة، والذي يأمر بالطلاق قد أتى خصلتين: حرمها عليه، وأحلها لغيره، فهذا خير من هذا.
فلا يمكن الاحتياط في وقوع الطلاق إلا حيث أجمعت الأمة، أو كان هناك نص عن الله ورسوله يجب المصير إليه.
قال شيخنا: والاحتياط حسن ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط.
وبهذا خرج الجواب عن احتجاجهم بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، وقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وقوله: «الإثم ما حاك في الصدر» ١، فهذا كله من أقوى الحجج على بطلان الوسواس.
فإن الشبهات ما يشتبه فيه الحق والباطل، والحلال والحرام، على وجه لا يكون فيه دليل على أحد الجانبين، أو تتعارض الأمارتان عنده، فلا تترجح في ظنه إحداها، فيشتبه عليه هذا بهذا، فأرشده النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى ترك المشتبه، والعدول إلى الواضح الجلي.
ومعلوم أن غاية الوسواس أن يشتبه على صاحبه: هل هو طاعة وقربة، أم معصية وبدعة؟ هذا أحسن أحواله، والواضح الجلي هو اجتماع طريق رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وما سنه للأمة قولا وعملا، فمن أراد ترك الشبهات عدل عن ذلك المشتبه إلى هذا الواضح؛ فكيف ولا شبهة بحمد الله هناك؟ إذ قد بينت ١ بالسنة أنه تنطع وغلو، فالمصير إليه ترك للسنة، وأخذ بالبدعة، ترك لما يحبه الله ويرضاه، وأخذ بما يكرهه ويبغضه، ولا يتقرب به إليه البتة؛ فإنه لا يتقرب إليه إلا بما شرع، لا بما يهواه العبد ويفعله من تلقاء نفسه، فهذا هو الذي يحيك في الصدر، ويتردد في القلب، وهو حواز القلوب.
وأما التمرة التي ترك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أكلها، وقال: «أخشى أن تكون من الصدقة»؛ فذلك من باب اتقاء الشبهات، وترك ما اشتبه فيه الحلال بالحرام؛ فإن التمرة كانت قد وجدها في بيته، وكان يؤتى بتمر الصدقة، يقسمه على من تحل له الصدقة، ويدخل بيته تمر [٤٧ ب] يقتات منه أهله، فكان في بيته النوعان، فلما وجد تلك التمرة لم يدر - صلى الله عليه وآله وسلم - من أي النوعين هي؟ فأمسك عن أكلها، فهذا الحديث أصل في الورع واتقاء الشبهات، فما لأهل الوسواس وما له؟
وأما قولكم: إن مالكا أفتى فيمن طلق ولم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا؟
أنها ثلاث احتياطا، فنعم هذا قول مالك، فكان ماذا؟ أفحجة هو على الشافعي، وأبى حنيفة، وأحمد، وعلى كل من خالفه في هذه المسألة؟ حتى يجب عليهم أن يتركوا قولهم لقوله.
وهذا القول مما يحتج له، لا ١ مما يحتج به.
على أن هذا ليس من باب الوسواس في شيء، وإنما حجة هذا القول أن الطلاق يوجب تحريم الزوجة، والرجعة ترفع ذلك التحريم، فهو يقول: قد تيقن سبب التحريم، وهو الطلاق، وشك في رفعه بالرجعة، فإنه يحتمل أن يكون رجعيا فترفعه الرجعة، ويحتمل أن يكون ثلاثا فلا ترفعه الرجعة، فقد تيقن سبب التحريم، وشك فيما يرفعه.
والجمهور يقولون: النكاح متيقن، والقاطع له المزيل لحل الفرج مشكوك فيه، فإنه يحتمل أن يكون المأتي به رجعيا فلا يزيل النكاح، ويحتمل أن يكون بائنا فيزيله، فقد تيقنا يقين النكاح، وشككنا فيما يزيله، فالأصل بقاء النكاح حتى يتيقن ما يرفعه.
فإن قلتم: فقد تيقن التحريم وشك في التحليل.
قلنا: الرجعية ليست بحرام عندكم، ولهذا تجوزون وطأها، ويكون رجعة إذا نوى به الرجعة.
فإن قلتم: بل هي حرام، والرجعة حصلت بالنية حال الوطء.
قلنا: لا ينفعكم ذلك أيضا؛ فإنه إنما تيقن تحريما يزول بالرجعة، لم يتيقن تحريما لا تؤثر فيه الرجعة.
وليس المقصود تقرير هذه المسألة، والمقصود أنه لا راحة في ذلك لأهل الوسواس.
فصل
وأما من حلف بالطلاق أن في هذه اللوزة حبتين، ونحو ذلك مما لا يتيقنه الحالف، فبان ١ كما حلف عليه: فهذا لا يحنث عند الأكثرين.
وكذلك لو لم يتبين الحال واستمر مجهولا؛ فإن النكاح ثابت بيقين، فلا يزيله بالشك.
ولمالك رحمه الله أصل نازعه فيه غيره، وهو إيقاع الطلاق بالشك في الحنث، وإيقاعه بالشك في عدده كما تقدم، وإيقاعه بالشك في المطلقة، كما لو طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها، ووقف الحال مدة الإيلاء ولم يتبين، طلق عليه الجميع.
وكما لو حلف أن هذا فلان أو حيوان، وهو غير متيقن له، بل هو شاك حال الحلف، فتبين أن الأمر كما حلف عليه؛ فإنه يحنث عنده، وتطلق امرأته.
فمن حلف على رجل أنه زيد، فتبين أنه غيره، أو لم يتبين أهو المحلوف عليه أم لا؟ حنث عنده، وإن تبين أنه المحلوف عليه، وكان حال اليمين لا يعلم حقيقته، ولا يغلب على ظنه، ولا طريق له إلى العلم به في العادة، فإنه يحنث عنده؛ لشكه حال الحلف.
فالحالف يحنث بالمخالفة لما حلف عليه: أما في الطلب فبأن يفعل ما حلف على تركه، وأما في الخبر فبأن يتبين كذبه.
وعند مالك يحنث بأمر آخر، وهو الشك حال اليمين، سواء تبين صدقه أم لا.
وأبلغ من هذا أنه يحنث من حلف بالطلاق على إنسان إلى جانبه أنه إنسان أو حجر أنه حجر، ونحو ذلك مما لا شك فيه.
وعمدته في الموضعين: أن الحالف هازل؛ فإن من قال: أنت طالق إن لم تكوني امرأة، أو إن لم أكن رجلا، لا معنى لكلامه إلا الهزل، فإن هذا مما لا غرض للعقلاء فيه.
قالوا: وإن لم يكن هذا هزلا فإن الهزل لا حقيقة له.
وربما عللوا الحنث بأنه أراد أن يجزم الطلاق، ثم ندم، فوصله بما لا يفيد ليرفعه.
وأما في القسم الأول: فأصله فيه تغليب [٤٨ أ] الحنث بالشك، كمن حلف ثم شك: هل حنث أم لا، فإنهم يأمرونه بفراق زوجته، وهل هو للوجوب أم للاستحباب؟ على قولين: الأول لابن القاسم، والثاني لمالك.
فمالك يراعي بقاء النكاح، وقد شككنا في زواله، والأصل البقاء.
وابن القاسم يقول: قد صار حل الوطء مشكوكا فيه، فيجب عليه مفارقتها.
والأكثرون يقولون: لا يجب عليه مفارقتها، ولا يستحب له؛ فإن قاعدة الشريعة أن الشك لا يقوى على إزالة الأصل المعلوم، ولا يزول اليقين إلا بيقين أقوى منه أو مساو له.
فصل
وأما من طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها، أو طلق واحدة مبهمة ولم يعينها؛ فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على أقوال:
فقال أبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وحماد: يختار أيتهن شاء، فيوقع ١ عليها الطلاق في المبهمة، وأما في المنسية فيمسك عنهن، وينفق عليهن، حتى ينكشف الأمر.
فإن مات الزوج قبل أن يقرع:
فقال أبو حنيفة: يقسم بينهن كلهن ميراث امرأة.
وقال الشافعي: يوقف ميراث امرأة حتى يصطلحن.
وقالت المالكية: إذا طلق واحدة منهن غير معلومة عنده، بأن قال: أنت طالق، ولا يدري من هي؟ طلق الجميع، وإن طلق واحدة معلومة، ثم أنسيها، وقف عنهن حتى يتذكر، فإن طال ذلك ضرب له مدة المولي، فإن تذكر فيها وإلا طلق عليه الجميع، ولو قال: إحداكن طالق، ولم يعينها بالنية؛ طلق الجميع.
وقال أحمد: يقرع بينهن في الصورتين، نص على ذلك في رواية جماعة من أصحابه، وحكاه عن علي، وابن عباس.
وظاهر المذهب الذي عليه جل الأصحاب: أنه لا فرق بين المبهمة والمنسية.
وقال صاحب «المغنى» ٢: يخرج المبهمة بالقرعة؛ وأما المنسية فإنه
يحرم عليه الجميع حتى تتبين المطلقة، ويؤخذ بنفقة الجميع، فإن مات أقرع بينهن للميراث.
قال: وقد روى إسماعيل بن سعيد، عن أحمد ما يدل على أن القرعة لا تستعمل في المنسية لمعرفة الحل، وإنما تستعمل لمعرفة الميراث، فإنه قال: سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه ولا يعلم أيتهن طلق؟ قال: أكره أن أقول في الطلاق بالقرعة.
قلت: أرأيت إن مات هذا؟ قال: أقول بالقرعة؛ وذلك لأنه تصير القرعة على المال.
قال: وجماعة من روى عنه القرعة في المطلقة المنسية؛ إنما هو في التوريث، وأما في الحل فلا ينبغي أن تثبت بالقرعة، قال: وهذا قول أكثر أهل العلم.
واحتج الشيخ لصحة قوله بأنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، فلم تحل له إحداهما بالقرعة؛ كما لو اشتبهت عليه بأجنبية لم يكن له عليها عقد، ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة، فلا ترفع الطلاق عمن وقع عليها ١، ولاحتمال كون المطلقة غير من خرجت عليها القرعة، ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه، ولو ارتفع التحريم أو زال بالطلاق لما عاد بالذكر، فيجب بقاء التحريم بعد القرعة كما كان قبلها.
قال: وقد قال الخرقي فيمن طلق امرأته؛ فلم يدر، أواحدة طلق أم ثلاثا؟ ومن حلف بالطلاق لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فأكل منه واحدة: لا تحل له امرأته، حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها.
فحرمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم يعارضه يقين ١ التحريم، فهاهنا أولى.
قال: وهكذا الحكم في كل موضع وقع الطلاق على امرأة بعينها، ثم اشتبهت بغيرها، مثل أن يرى [٤٨ ب] امرأة في روزنة، أو مولية، فيقول: أنت طالق، ولا يعلم عينها من نسائه.
وكذلك إذا وقع الطلاق على امرأة من نسائه في مسألة الطائر وشبهها؛ فإنه يحرم عليه جميع نسائه حتى تتبين المطلقة، ويؤخذ بنفقة الجميع؛ لأنهن محبوسات عليه، وإن أقرع بينهن لم تفد القرعة شيئا.
ولا يحل لمن وقعت عليها القرعة التزويج؛ لأنها يجوز أن تكون غير المطلقة، ولا يحل للزوج غيرها لاحتمال أن تكون المطلقة.
وقال أصحابنا: إذا أقرع بينهن، فخرجت القرعة على إحداهن، ثبت حكم الطلاق فيها، فحل لها النكاح بعد قضاء عدتها، وحل للزوج من سواها، كما لو كان الطلاق في واحدة غير معينة.
وقال شيخنا: الصحيح استعمال القرعة في الصورتين.
قلت: وهو منصوص أحمد في رواية الجماعة.
وأما رواية الشالنجي فإنه توقف، وكره أن يقول في الطلاق بالقرعة، ولم يعين المنسية ولا المبهمة، وأكثر نصوصه على القرعة في الصورتين.
قال في رواية الميموني فيمن له أربع نسوة؛ طلق واحدة منهن، ولم يدر: يقرع بينهن، وكذلك في الأعبد، فإن أقرع بينهن، فوقعت القرعة على
واحدة، ثم ذكر التي طلق؛ رجعت هذه التي وقعت عليها القرعة، ويقع الطلاق على التي ذكر، فإن تزوجت فذاك شيء قد مر.
وكذلك نقل أبو الحارث عنه في رجل له أربع نسوة؛ طلق إحداهن، ولم يكن له نية في واحدة بعينها: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة فهي المطلقة، وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ونسيها.
فنص على القرعة في الصورتين، مسويا بينهما.
والذي أفتى به علي هو في المنسية، وبه احتج أحمد.
قال وكيع: سمعت عبد الله ١، قال: سألت أبا جعفر عن رجل كان له أربع نسوة وطلق إحداهن، لا يدرى أيتهن طلق؟ قال علي: «يقرع بينهن» ٢.
والأدلة الدالة على القرعة تتناول الصورتين، والمنسية قد صارت كالمجهولة شرعا، فلا فرق بينها وبين المبهمة المجهولة، ولأن في الإيقاف والإمساك حتى يتذكر، وتحريم الجميع عليه، وإيجاب النفقة على الجميع: عدة مفاسد له وللزوجات، مندفعة شرعا، ولأن القرعة أقرب إلى مقاصد الشرع ومصلحة الزوج والزوجات، من تركهن معلقات، لا ذوات أزواج ولا أيامى، وتركه هو معلقا، لا ذا زوج ولا عزبا.
وليس في الشريعة نظير ذلك، بل ليس فيها وقف الأحكام، بل الفصل وقطع الخصومات بأقرب الطرق، فإذا ضاقت الطرق، ولم يبق إلا القرعة، تعينت طريقا، كما عينها الشارع في عدة قضايا، حيث لم يكن هناك غيرها، ولم يوقف الأمر إلى وقت الانكشاف؛ فإنه إذا علم أنه لا سبيل له إلا انكشاف الحال، كان إيقاف الأمر إلى آخر العمر من أعظم المفاسد التي لا تأتي بها الشريعة.
وغاية ما يقدر أن القرعة تصيب التي لم يقع عليها الطلاق وتخطئ المطلقة، وهذا لا يضرها هاهنا؛ فإنه لما جهل كونها هي التي وقع عليها الطلاق صار المجهول كالمعدوم، وكل ما يقدر من المفسدة في ذلك فمثلها في العتق سواء، وقد دلت سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الصحيحة الصريحة على إخراج المعتق من غيره بالقرعة ١.
وقد نص أحمد على حل البضع بالقرعة.
فقال في رواية ابن منصور وحنبل: «إذا زوجها الوليان من رجلين، ولم يعلم السابق منهما؛ أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حكم أنه الأول».
فإذا قويت القرعة [٤٩ أ] على تعيين الزوج في حل البضع له، فلأن تقوى على تعيين المطلقة في تحريم بضعها عنه أولى؛ فإن الطلاق مبني على التغليب والسراية، وهو أسرع نفوذا وثبوتا من النكاح من وجوه كثيرة.
وقول الشيخ أبي محمد قدس الله روحه: إنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، فلم تحل له إحداهما بالقرعة، كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن عليها عقد.
جوابه بالفرق بين حالتي الدوام والابتداء؛ فإنه هناك شك في هذه الأجنبية، هل حصل عليها عقد أم لا؟ والأصل فيها التحريم، فإذا اشتبهت بها الزوجة لم يقدم على واحدة منهما، وهاهنا ثبت الحل والنكاح، وحصل الشك بعده، هل نزل التحريم في هذه أو في هذه؟ فإما أن يحرما جميعا، أو يحلا جميعا، أو يقال له: اختر من ينزل عليه التحريم، أو يوقف الأمر أبدا، أو تستعمل القرعة؟
والأقسام الأربعة الأول باطلة، لا أصل لها في السنة، ولم يعتبرها الشارع؛ بخلاف القرعة.
وبالجملة فلا يصح إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى؛ إذ هناك تحريم متيقن، ونحن نشك في حله، وهنا حل متيقن، نشك في تحريمه بالنسبة إلى كل واحدة.
قوله: ولأن القرعة لا تزيل التحريم في المطلقة، ولا ترفع ١ الطلاق على من وقع عليه.
فيقال: إذا جهلت المطلقة، ولم يكن له سبيل إلى تعيينها، قامت القرعة مقام الشاهد والمخبر بأنها المطلقة للضرورة، حيث تعينت طريقا، فالمطلقة المجهولة قد صار طلاقها بعينها كالمعدوم، ولو كانت مطلقة في نفس الأمر؛ فإن الشارع لم يكلفنا بما في نفس الأمر، بل بما ظهر وبدا.
ولهذا لو نسي الطلاق بالكلية، وأقام على وطئها حتى توفي، كانت أحكامه أحكام الزوج، والنسب لاحق به، والميراث ثابت، وهى مطلقة في
نفس الأمر، ولكن ليست مطلقة في حكم الله، كما لو طلع الهلال في نفس الأمر، ولم يره أحد من الناس، أو كان تحت الغيم؛ فإنه لا يترتب عليه حكم الشهر، ولا يكون طالعا في حكم الله، وإن كان طالعا في نفس الأمر.
ونظائر هذا كثيرة جدا.
فغاية الأمر أن هذه مطلقة في نفس الأمر، ولا علم له بطلاقها، فلا تكون مطلقة في الحكم، كما لو نسي طلاقها.
قوله: ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه، ولو ارتفع التحريم أو زال الطلاق لما عاد بالذكر.
جوابه: أن القرعة إنما عملت في ١ استمرار النسيان، فإذا زال النسيان بطل عمل القرعة، كما أن المتيمم إذا قدر على استعمال الماء بطل حكم تيممه؛ فإن التراب إنما يعمل عند العجز عن الماء، فإذا قدر عليه بطل حكمه، ونظائر ذلك كثيرة.
منها: أن ٢ الاجتهاد إنما يعمل عند عدم النص فإذا تبين النص؛ فلا اجتهاد إلا في إبطال ما خالفه.
قوله: وقد قال الخرقي فيمن طلق امرأته ولم يدر واحدة طلق أم ثلاثا: يلزمه الثلاث، ومن حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فأكل منه واحدة: لا تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها، فحرمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم يعارضه يقين التحريم، فهاهنا أولى.
فيقال: الخرقي نص على المسألتين مفرقا بينهما في «مختصره»، فقال: وإذا طلق واحدة من نسائه وأنسيها أخرجت بالقرعة، وقال ما حكاه الشيخ عنه في الموضعين.
فأما من شك هل طلق واحدة أم ثلاثا؟ فأكثر النصوص أنه إنما يلزمه واحدة، وهو ظاهر المذهب.
والخرقي اختار الرواية الأخرى، وهي مذهب مالك، وقد تقدم مأخذ القولين، وبيان الراجح منهما.
وعلى القول بلزوم الثلاث؛ فالفرق بين ذلك وبين [٤٩ ب] إخراج المنسية بالقرعة: أن المجهول في الشرع كالمعدوم، فقد جهلنا وقوع الطلاق بأي الزوجتين، فلم يتحقق تحريم إحداهما، ولم يكن لنا سبيل إلى تحريمهما ولا إباحتهما، والوقف مفسدة ظاهرة؛ فتعينت القرعة، بخلاف من أوقع على زوجته طلاقا وشك في عدده، فإنه قد شك: هل يرتفع ذلك الطلاق بالرجعة أولا يرتفع بها؟ فألزمه بالثلاث، فظهر الفرق بينهما على هذا القول، وأما على المشهور من المذهب فلا إشكال.
وأما من حلف بالطلاق: لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فأكل منه واحدة؛ فقد قال الخرقي: إنه يمنع من وطء زوجته حتى يتيقن، وهذا يحتمل الكراهة والتحريم.
ومذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه لا يحنث، ولا يحرم عليه وطء زوجته، واختيار أبى الخطاب، وهو الصحيح.
وإن أراد به التحريم؛ فهو يشبه ما قاله هو ومالك فيمن طلق وشك هل طلق واحدة أو ثلاثا؟
فصل
وأما من حلف على يمين ثم نسيها، وقوله: يلزمه جميع ١ ما يحلف به، فقول شاذ جدا، وليس عن مالك؛ إنما ٢ قاله بعض أصحابه، وسائر أهل العلم على خلافه، وأنه لا يلزمه شيء حتى يتيقن، كما لو شك: هل حلف أو لا؟
فإن قيل: ينبغي أن يلزمه كفارة يمين؛ لأنها الأقل.
قيل: موجب الأيمان مختلف، فما من يمين إلا وهي مشكوك فيها، هل حلف بها أم لا؟
وعلى قول شيخنا: يلزمه كفارة يمين حسب؛ لأن ذلك موجب الأيمان كلها عنده.
فصل
وأما من حلف: ليفعلن كذا، ولم يعين وقتا، فعند الجمهور هو على التراخي إلى آخر عمره؛ إلا أن يعين بنيته وقتا، فيتقيد به، فإن عزم على الترك بالكلية حنث حالة عزمه.
نص عليه أحمد.
وقال مالك: هو على حنث حتى يفعل، فيحال بينه وبين امرأته إلى أن يأتي بالمحلوف عليه.
وهذا صحيح على أصله في سد الذرائع؛ فإنه إذا كان على التراخي إلى وقت الموت لم يكن لليمين فائدة، وصار لا فرق بين الحلف وعدمه، والحمل في ذلك على القرينة والعرف إن لم تكن نية، ولا يكاد اليمين يتجرد عن هذه الثلاثة.
وأما تعليق الطلاق بوقت يجيء لا محالة، كرأس الشهر والسنة، وآخر النهار ونحوه؛ فللفقهاء في ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أنها لا تطلق بحال، وهذا مذهب ابن حزم، واختيار أبى عبد الرحمن الشافعي، وهو من أجل ١ أصحاب الوجوه.
وحجتهم: أن الطلاق لا يقبل التعليق بالشرط، كما لا يقبله النكاح، والبيع، والإجارة، والإبراء.
قالوا: والطلاق لا يقع في الحال، ولا عند مجيء الوقت.
أما في الحال فلأنه لم يوقعه منجزا، وأما عند مجيء الوقت فلأنه لم يصدر منه طلاق حينئذ، ولم يتجدد سوى مجيء الزمان، ومجيء الزمان لا يكون طلاقا.
وقابل هذا القول آخرون، وقالوا: يقع الطلاق في الحال، وهذا مذهب مالك، وجماعة من التابعين.
وحجتهم: أن قالوا: لو لم يقع في الحال لحصل منه استباحة وطء موقت، وذلك غير جائز في الشرع؛ لأن استباحة الوطء فيه لا تكون إلا مطلقا غير موقت، ولهذا حرم نكاح المتعة؛ لدخول الأجل فيه، وكذلك وطء المكاتبة.
ألا ترى أنه لو عري من الأجل، بأن يقول: إن جئتني بألف درهم فأنت حرة، لم يمنع ذلك الوطء.
قال الموقعون عند الأجل: لا يجوز أن يؤخذ حكم الدوام من حكم الابتداء؛ فإن الشريعة فرقت بينهما في مواضع كثيرة؛ فإن ابتداء عقد النكاح في الإحرام فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على المعتدة فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على الأمة مع الطول وعدم خوف العنت فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على الزانية فاسد ــ عند أحمد ومن وافقه ــ دون دوامه.
ونظائر ذلك [٥٠ أ] كثيرة جدا.
قالوا: والمعنى الذي حرم لأجله نكاح المتعة: كون العقد موقتا من أصله، وهذا العقد مطلق، وإنما عرض له ما يبطله ويقطعه، فلا يبطل، كما لو علق الطلاق بشرط، وهو يعلم أنها تفعله أو يفعله هو ولا بد؛ ولكن يجوز تخلفه.
والقول الثالث: أنه إن كان الطلاق المعلق بمجيء الوقت المعلوم ثلاثا وقع في الحال، وإن كان رجعيا لم يقع قبل مجيئه.
وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، نص عليها ١ في رواية مهنا: إذا قال: أنت طالق ثلاثا قبل موتي بشهر: هي طالق الساعة، كان سعيد بن المسيب والزهري لا يوقتون في الطلاق، قال مهنا: فقلت له: أفتتزوج هذه التي قال لها: أنت طالق قبل موتي بشهر؟ قال: لا؛ ولكن يمسك عن الوطء أبدا حتى يموت، هذا لفظه.
وهو في غاية الإشكال، فإنه قد أوقع عليها الطلاق منجزا، فكيف يمنعها من التزويج؟
وقوله: «يمسك عن الوطء أبدا» يدل على أنها زوجة؛ إلا أنه لا يطؤها، وهذا لا يكون مع وقوع الطلاق؛ فإن الطلاق إذا وقع زالت أحكام الزوجية كلها.
فقد يقال: أخذ بالاحتياط فأوقع ١ الطلاق، ومنعها من التزويج للخلاف في ذلك، فحرم وطأها وهو أثر الطلاق، ومنعها من التزويج؛ لأن النكاح لم ينقطع بإجماع ولا نص.
ووجه هذا: أنه إذا كان الطلاق ثلاثا لم يحل وطؤها بعد الأجل، فيصير حل الوطء موقتا، وإن كان رجعيا جاز له وطؤها بعد الأجل، فلا يصير الحل موقتا، وهذا أفقه من القول الأول.
والقول الرابع: أنها لا تطلق إلا عند مجيء الأجل، وهو قول الجمهور، وإنما تنازعوا: هل هو مطلق في الحال، ومجيء الوقت شرط لنفوذ الطلاق، كما لو وكله في الحال، وقال: لا تتصرف إلى رأس الشهر، فمجيء رأس الشهر شرط لنفوذ تصرفه، لا لحصول الوكالة، بخلاف ما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك، ولهذا يفرق الشافعي بينهما، فيصحح الأولى، ويبطل الثانية.
أو يقال: ليس مطلقا في الحال، وإنما هو مطلق عند مجيء الأجل، فيقدر حينئذ أنه قال: أنت طالق، فيكون حصول الشرط وتقدير حصول «أنت طالق» معا.
فعلى التقدير الأول: السبب تقدم، وتأخر شرط تأثيره، وعلى التقدير
الثانى: نفس السبب تأخر تقديرا إلى مجيء الوقت، وكأنه قال: إذا جاء رأس الشهر فحينئذ أنا قائل لك: أنت طالق، فإذا جاء رأس الشهر قدر قائلا لذلك اللفظ المتقدم.
فمذهب الحنفية: أن الشرط يمتنع به وجود العلة، فإذا وجد الشرط وجدت العلة، فيصير وجودها مضافا إلى الشرط، وقبل تحققه لم يكن المعلق عليه علة، بخلاف الوجوب؛ فإنه ثابت قبل مجيء الشرط، فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فالعلة للوقوع: التلفظ بالطلاق، والشرط الدخول، وتأثيره في امتناع وجود العلة قبله، فإذا وجد وجدت.
وأصحاب الشافعي يقولون: أثر الشرط في تراخي الحكم، والعلة قد وجدت، وإنما تراخى تأثيرها إلى وقت مجيء الشرط، فالمتقدم علة قد تأخر تأثيرها إلى مجيء الشرط.
فصل
وأما ما أفتى به الحسن وإبراهيم ومالك ــ في إحدى الروايتين عنه ــ: أن من شك هل انتقض وضوؤه أم لا؟ وجب عليه أن يتوضأ احتياطا، ولا يدخل في الصلاة بطهارة مشكوك فيها.
فهذه مسألة ١ نزاع بين الفقهاء.
وقد قال الجمهور ــ منهم الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ومالك في الرواية الأخرى عنه ــ: إنه لا يجب عليه الوضوء، وله أن يصلي بذلك الوضوء الذي تيقنه، وشك في انتقاضه.
واحتجوا بما رواه مسلم في «صحيحه» ١ عن أبى هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه: أخرج [٥٠ ب] منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد، حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا».
وهذا يعم المصلي وغيره.
وأصحاب القول الأول يقولون: الصلاة ثابتة في ذمته بيقين، وهو يشك في براءة الذمة منها بهذا الوضوء، فإنه على تقدير بقائه هي صحيحة، وعلى تقدير انتقاضه باطلة، فلم يتيقن براءة ذمته، ولأنه شك في شرط الصلاة: هل هو ثابت أم لا؟ فلا يدخل فيها بالشك.
والآخرون يجيبون عن هذا؛ بأنها صلاة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك في بطلانها، فلا يلتفت إلى الشك، ولا يزيل اليقين به، كما لو شك: هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة؟ فإنه لا يجب عليه غسله، وقد دخل في الصلاة بالشك.
ففرقوا بينهما بفرقين:
أحدهما: أن اجتناب النجاسة ليس بشرط، ولهذا لا يجب نيته، وإنما هو مانع، والأصل عدمه، بخلاف الوضوء، فإنه شرط، وقد شك في ثبوته، فأين هذا من هذا؟
الثاني: أنه قد كان قبل الوضوء محدثا، وهو الأصل فيه، فإذا شك في بقائه كان ذلك رجوعا إلى الأصل، وليس الأصل فيه النجاسة، حتى نقول: إذا شك في حصولها رجعنا إلى أصل النجاسة، فهنا يرجع إلى أصل الطهارة، وهناك يرجع إلى أصل الحدث.
قال الآخرون: أصل الحدث قد زال بيقين الطهارة، فصارت هي الأصل، فإذا شككنا في الحدث رجعنا إليه، فأين هذا من الوسواس المذموم شرعا وعقلا وعرفا؟
فصل
وأما قولكم: إن من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله!
فليس هذا من باب الوسواس، وإنما ذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به؛ فإنه قد وجب عليه غسل جزء من ثوبه، ولا يعلمه بعينه، ولا سبيل إلى العلم بأداء هذا الواجب إلا بغسل جميعه.
فصل
وأما مسألة الثياب التي اشتبه الطاهر منها بالنجس؛ فهذه مسألة نزاع:
فذهب مالك في رواية عنه وأحمد إلى أنه يصلي في ثوب بعد ثوب، حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر.
وقال الجمهور ــ ومنهم أبو حنيفة، والشافعي، ومالك في الرواية الأخرى ــ: يتحرى فيصلي في واحد منها صلاة واحدة، كما يتحرى في القبلة.
وقال المزني، وأبو ثور: بل يصلي عريانا ولا يصلي في شيء منها؛ لأن الثوب النجس في الشرع كالمعدوم، والصلاة فيه حرام، وقد عجز عن السترة بثوب طاهر، فيسقط فرض السترة.
وهذا أضعف الأقوال.
والقول بالتحري هو الراجح، سواء كثر عدد الثياب الطاهرة أو قل، وهو اختيار شيخنا.
وابن عقيل يفصل، فيقول: إن كثر عدد الثياب تحرى دفعا للمشقة، وإن قل عمل باليقين.
قال شيخنا: اجتناب النجاسة من باب المحظور، فإذا تحرى وغلب على ظنه طهارة ثوب منها، فصلى فيه، لم يحكم ببطلان صلاته بالشك؛ فإن الأصل عدم النجاسة، وقد شك فيها في هذا الثوب، فيصلي فيه، كما لو استعار ثوبا أو اشتراه ولا يعلم حاله.
وقول أبي ثور في غاية الفساد؛ فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه خيرا وأحب إلى الله من صلاته متجردا، بادي السوءة للناظرين.
وبكل حال فليس هذا من الوسواس المذموم.
فصل
وأما مسألة اشتباه الأواني؛ فكذلك ليست من باب الوسواس.
وقد اختلف فيها الفقهاء اختلافا متباينا.
فقال أحمد: يتيمم ويتركها، وقال مرة: يريقها ويتيمم؛ ليكون عادما للماء الطهور بيقين.
وقال أبو حنيفة: إن كان عدد الأواني الطاهرة أكثر تحرى، وإن تساوت أو كثرت النجسة لم يتحر.
وهذا اختيار أبي بكر، وابن شاقلا، والنجاد من أصحاب أحمد.
وقال الشافعي، وبعض المالكية: يتحرى بكل حال.
وقال عبد الملك بن الماجشون: يتوضأ بكل واحد منها وضوءا ويصلي.
وقال محمد بن مسلمة من المالكية: يتوضأ من أحدها ويصلي، ثم يغسل ما [٥١ أ] أصابه منه، ثم يتوضأ من الآخر ويصلي.
وقالت طائفة ــ منهم شيخنا ــ: يتوضأ من أيها شاء، بناء على أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فتستحيل المسألة.
وليس هذا موضع ذكر حجج هذه الأقوال وترجيح راجحها.
فصل
وأما إذا اشتبهت عليه القبلة؛ فالذي عليه أهل العلم كلهم: أنه يجتهد ويصلي صلاة واحدة.
وشذ بعض الناس، فقال: يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات، وهذا قول شاذ مخالف للسنة، وإنما التزمه قائله في مسألة اشتباه الثياب، وهذا ونحوه من وجوه الالتزامات ١ عند المضايق طردا لدليل المستدل: مما لا يلتفت إليها، ولا يعول عليها.
ونظيره التزام من التزم اشتراط النية لإزالة النجاسة، لما ألزمهم أصحاب أبى حنيفة بذلك، قال بعضهم: نقول به.
ونظيره إدراك الجمعة والجماعة بإدراك تكبيرة مع الإمام، لما ألزمت الحنفية من نازعها في ذلك بالتسوية بين الجمعة والجماعة التزمه بعضهم، وقال: نقول به.
فصل
وأما من ترك صلاة من يوم لا يعلم عينها؛ فاختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال:
أحدها: أنه يلزمه خمس صلوات، نص عليه أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وإسحاق ـ؛ لأنه لا سبيل له إلى العلم ببراءة ذمته يقينا إلا بذلك.
القول الثاني: أنه يصلي رباعية، ينوي بها ما عليه، ويجلس عقيب الثانية والثالثة والرابعة، وهذا قول الأوزاعي، وزفر بن الهذيل، ومحمد بن مقاتل من الحنفية؛ بناء على أنه يخرج من الصلاة بدون الصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وبدون السلام، وأن نية الفرضية تكفي من غير تعيين، كما في الزكاة ١، ولا يضر جلوسه عقيب الثالثة إن كانت المنسية رباعية؛ لأنه زيادة من جنس الصلاة، لا على وجه العمد.
القول الثالث: أنه يجزئه أن يصلي فجرا ومغربا، ورباعية ينوي ما عليه؛ وهذا قول سفيان الثوري، ومحمد بن الحسن.
ويخرج على المذهب إذا قلنا بأن نية المكتوبة تكفي من غير تعيين.
وقد قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يسأل: ما تقول في رجل ذكر أن عليه صلاة لم يعينها، فصلى ركعتين وجلس فتشهد، ونوى بها الغداة ولم يسلم، ثم قام فأتى بركعة وجلس وتشهد ونوى بها المغرب، وقام ولم يسلم، وأتى برابعة ثم جلس، فتشهد ونوى بها ظهرا أو عصرا أو عشاء الآخرة، ثم
سلم؟ فقال له أبي: «هذا يجزئه، ويقضي عنه على مذهب العراقيين؛ لأنهم اعتمدوا في التشهد على خبر ابن مسعود: «إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك» ١،
وأما على مذهب صاحبنا أبي عبد الله الشافعي ومذهبنا؛ لا يجزئ عنه؛ لأنا نذهب إلى قوله: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» ٢،
ونذهب إلى الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيها.
هذا لفظه.
قال أبو البركات: فهذا من أحمد يبين ١ أن قضاء الواحدة لا يجزئه؛ لتعذر التحليل المعتبر، لا لفوت نية التعيين، فإذا قضى ثلاثا ــ كما قال الثوري ــ اندفع المفسد.
وبكل حال؛ فليس في هذا راحة للموسوسين.
فصل
وأما من شك في صلاته فإنه يبني على اليقين؛ لأنه لا تبرأ ذمته منه بالشك.
وأما تحريم أكل الصيد إذا شك صاحبه: هل مات بالجرح أو بالماء؟ وتحريم أكله إذا خالط كلابه كلبا من غيره؛ فهو الذي أمر به رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ لأنه قد شك في سبب الحل، والأصل في الحيوان التحريم، فلا يستباح بالشك في شرط حله، بخلاف ما إذا كان الأصل فيه الحل؛ فإنه لا يحرم بالشك في سبب تحريمه، كما لو اشترى ماء أو طعاما أو ثوبا لا يعلم حاله جاز شربه وأكله ولبسه، وإن شك هل ينجس أم لا؟ فإن الشرط متى شق اعتباره، أو كان الأصل عدم المانع، لم يلتفت إلى ذلك.
فالأول: كما إذا أتي بلحم لا يعلم هل سمى عليه ذابحه أم لا؟ وهل ذكاه في الحلق واللبة، واستوفى شروط الذكاة أم لا؟ لم يحرم أكله؛ لمشقة
التفتيش عن ذلك.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله! إن ناسا من الأعراب يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سموا أنتم وكلوا» ١، مع أنه قد نهي عن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله.
والثاني: كما ذكرنا من الماء والطعام واللباس؛ فإن الأصل فيها الطهارة، وقد شك في وجود المنجس، فلا يلتفت إليه.
فصل
وأما ما ذكرتموه عن ابن عمر وأبى هريرة رضي الله عنهما: فشيء تفردا به، دون الصحابة، ولم يوافق ابن عمر على ذلك أحد منهم، وكان ابن عمر يقول: «إن بي وسواسا فلا تقتدوا بي» ٢.
وظاهر مذهب الشافعي وأحمد: أن غسل داخل العينين في الوضوء لا يستحب، وإن أمن الضرر؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه فعله قط، ولا أمر به، وقد نقل وضوءه جماعة كعثمان ٣، وعلي ٤، وعبد الله بن زيد ٥،
والربيع بنت معوذ ١، وغيرهم، فلم يقل أحد منهم: إنه غسل داخل عينيه.
وفى وجوبه في الجنابة روايتان عن أحمد، أصحهما أنه لا يجب، وهو قول الجمهور.
وعلى هذا فلا يجب غسلهما من النجاسة وأولى؛ لأن المضرة به أغلب؛ لزيادة التكرار والمعالجة.
وقالت الشافعية والحنفية: يجب؛ لأن إصابة النجاسة لهما تندر، فلا يشق غسلهما منها.
وغلا بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، فأوجب غسلهما في الوضوء، وهو قول لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه.
والصحيح أنه لا يجب غسلهما في وضوء، ولا جنابة، ولا نجاسة.
وأما فعل أبى هريرة رضي الله عنه: فهو شيء تأوله، وخالفه فيه غيره، وكانوا ينكرونه عليه، وهذه المسألة تلقب بمسألة «إطالة الغرة»، وإن كانت الغرة في الوجه خاصة.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وفيها روايتان عن الإمام أحمد:
إحداهما: تستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة، والشافعي، واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره.
والثانية: لا تستحب، وهي مذهب مالك، وهى اختيار شيخنا أبي العباس.
والمستحبون يحتجون بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أثر الوضوء؛ فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله».
متفق عليه ١، ولأن الحلية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ٢.
قال النافون للاستحباب: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إن الله حد حدودا فلا تعتدوها» ٣، والله سبحانه قد حد المرفقين والكعبين، فلا ينبغي تعديهما، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لم ينقل من نقل عنه وضوءه أنه تعداهما، ولأن ذلك أصل الوسواس ومادته، ولأن فاعله إنما يفعله قربة وعبادة، والعبادات مبناها
على الاتباع، ولأن ذلك ذريعة إلى الغسل إلى الفخذ، وإلى الكتف، وهذا مما يعلم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه لم يفعلوه ولا مرة واحدة، ولأن هذا من الغلو، وقد قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إياكم والغلو في الدين» ١، ولأنه تعمق، وهو منهي عنه، ولأنه عضو من أعضاء الطهارة، فكره مجاوزته كالوجه.
وأما الحديث فراويه عن أبي هريرة عنه نعيم المجمر، وقد قال: «لا أدري؛ قوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» من قول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، أو من قول أبي هريرة؟».
روى ذلك عنه الإمام أحمد في «المسند» ٢.
وأما حديث الحلية، فالحلية ٣ المزينة ما كان في محله، فإذا جاوز محله لم يكن زينة.
فصل
وأما قولكم: إن الوسواس خير مما عليه أهل التفريط والاسترسال، وتمشية الأمر كيف اتفق، إلى آخره.
فلعمر الله إنهما لطرفا إفراط وتفريط، وغلو وتقصير، وزيادة [٥٢ أ] ونقصان، وقد نهى الله سبحانه عن الأمرين في غير موضع؛ كقوله: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقوله: ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقوله:
﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقوله: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١].
فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا، وهى الخيار العدل، لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها.
قال الشاعر:
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا ١
فصل
ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله.
وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (٢١) ومكروا مكرا كبارا (٢٢) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا
يغوث ويعوق ونسرا (٢٣) وقد أضلوا كثيرا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٤].
قال ابن جرير ١: «وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا: ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم».
قال سفيان، عن أبيه، عن عكرمة قال: «كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون، كلهم على الإسلام» ٢.
حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا عبد الرزاق ٣، عن معمر، عن قتادة؛ في هذه الآية، قال: «كانت آلهة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان ود لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل، وكان يغوث لبني غطيف من مراد، وكان يعوق لهمدان، وكان نسر لذي الكلاع من حمير» ٤.
وقال الوالبي، عن ابن عباس: «هذه أصنام كانت تعبد في زمان نوح» ١.
وقال البخاري ٢: حدثنا إبراهيم بن موسى: حدثنا هشام، عن ابن جريج قال: قال عطاء، عن ابن عباس: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع؛ أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد ٣، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت».
وقال غير واحد من السلف ٤: «كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح عليه السلام، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم».
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل، [٥٢ ب] وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الحديث المتفق على صحته ١ عن عائشة رضي الله عنها: أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح؛ بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله».
وفى لفظ آخر في «الصحيحين» ٢: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها.
فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور.
وهذا كان سبب عبادة اللات.
فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ [النجم: ١٩]، قال: «كان يلت لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره» ٣.
وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: «كان يلت السويق للحاج» ٤.
فقد رأيت أن سبب عبادة يغوث ويعوق ونسر واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.
قال شيخنا ١: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور؛ هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك؛ فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه طلاسم للكواكب ونحو ذلك؛ فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر.
ولهذا تجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد.
فلأجل هذه المفسدة حسم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها؛ لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون، سدا للذريعة.
قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور، متبركا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله؛ فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول