إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانصفحات 255-294

الباب الثالث عشر في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم

صفحات 255-294

قال: ولو كان هذا سنة؛ لكان أولى الناس به رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه؛ وقد قال اليهودي لسلمان: «لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، فقال: أجل» ١.

فأين علمنا نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - ذلك أو شيئا منه؟

بلى؛ علم المستحاضة أن تتلجم ٢، وعلى قياسها من به سلس [٤٣ أ] البول؛ أن يتحفظ، ويشد عليه خرقة.

فصل ٣

ومن ذلك: أشياء سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة؛ فشدد فيها هؤلاء.

فمن ذلك: المشي حافيا في الطرقات، ثم يصلي ولا يغسل رجليه، فقد روى أبو داود في «سننه» ٤: عن امرأة من بني عبد الأشهل، قالت: قلت: يا

رسول الله! إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا تطهرنا؟ قال: «أليس بعدها طريق أطيب منها؟»، قالت: قلت: بلى، قال: «فهذه بهذه».

وقال عبد الله بن مسعود: «كنا لا نتوضأ من موطئ» ١.

وعن علي رضي الله عنه: أنه خاض في طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يغسل رجليه ٢.

وسئل ابن عباس عن الرجل يطأ العذرة، قال: «إن كانت يابسة فليس بشيء، وإن كانت رطبة غسل ما أصابه» ٣.

وقال حفص: «أقبلت مع عبد الله بن عمر عامدين إلي المسجد، فلما انتهينا عدلت إلي المطهرة لأغسل قدمي من شيء أصابها، فقال عبد الله: لا تفعل؛ فإنك تطأ الموطأ الرديء، ثم تطأ بعده الموطئ الطيب ــ أو قال: النظيف ــ فيكون ذلك طهورا، فدخلنا المسجد جميعا فصلينا» ١.

وقال أبو الشعثاء: «كان ابن عمر يمشي بمنى في الفروث ٢ والدماء اليابسة حافيا، ثم يدخل المسجد فيصلي فيه، ولا يغسل قدميه» ٣.

وقال عمران بن حدير: «كنت أمشي مع أبي مجلز إلي الجمعة، وفي الطريق عذرات يابسة، فجعل يتخطاهن ويقول: ما هذه إلا سودات، ثم جاء حافيا إلي المسجد؛ فصلى ولم يغسل قدميه» ٤.

وقال عاصم الأحول: «أتينا أبا العالية، فدعونا بوضوء فقال: ما لكم؟ ألستم متوضئين؟ قلنا: بلى، ولكن هذه الأقذار التي مررنا بها، قال: هل وطئتم على شيء رطب تعلق بأرجلكم؟ قلنا: لا.
فقال: فكيف بأشد من هذه الأقذار؛ تجف فينسفها الريح في رؤوسكم ولحاكم؟» ٥.

فصل

ومن ذلك: أن الخف والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفله أجزأ دلكه بالأرض مطلقا، وجازت الصلاة فيه بالسنة الثابتة.

نص عليه أحمد، واختاره المحققون من أصحابه.

قال أبو البركات: ورواية إجزاء الدلك مطلقا هي الصحيحة عندي؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور» ١، وفي لفظ: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب» رواهما أبو داود ٢.

وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: «لم خلعتم؟»، قالوا: يا رسول الله! رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا، فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه، ثم لينظر؛ فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما».
رواه الإمام أحمد ١.

وتأويل ذلك على ما يستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات؛ لا يصح لوجوه:

أحدها: أن ذلك لا يسمي خبثا.

الثاني: أن ذلك لا يؤمر بمسحه عند الصلاة؛ فإنه لا يبطلها.

الثالث: أنه لا يخلع النعل لذلك في الصلاة؛ فإنه عمل لغير حاجة، فأقل أحواله الكراهة.

الرابع: أن الدارقطني روى في «سننه» ١ في حديث الخلع من رواية ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما دم حلمة».
والحلم: كبار القراد.

ولأنه محل يتكرر ملاقاته النجاسة غالبا، فأجزأ مسحه بالجامد، كمحل الاستجمار، [٤٣ ب] بل أولى؛ فإن محل الاستجمار يلاقي النجاسة في اليوم مرتين أو ثلاثا.

فصل

وكذلك ذيل المرأة على الصحيح، وقالت امرأة لأم سلمة: إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يطهره ما بعده».
رواه أحمد، وأبو داود ١.

وقد رخص النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - للمرأة أن ترخي ذيلها ذراعا ٢، ومعلوم أنه

يصيب القذر ولم يأمرها بغسل ذلك، بل أفتاهن بأنه تطهره الأرض.

فصل

ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة في النعال، وهي سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه، فعلا منه وأمرا.

فروى أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يصلي في نعليه.
متفق عليه ١.

وعن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم».
رواه أبو داود ٢.

وقيل للإمام أحمد: أيصلي الرجل في نعليه؟ فقال: «إي والله».

وترى أهل الوسواس إذا بلي أحدهم بصلاة الجنازة في نعليه، قام على عقبيهما كأنه واقف على الجمر، حتى لا يصلي فيهما.

وفي حديث أبي سعيد الخدرى: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر؛ فإن رأى على نعليه قذرا فليمسحه، وليصل فيهما» ١.

فصل

ومن ذلك: أن سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الصلاة حيث كان، وفي أي مكان اتفق، سوى ما نهى عنه من المقبرة والحمام وأعطان الإبل، فصح عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا؛ فحيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فليصل» ٢.
وكان يصلي في مرابض الغنم؛ وأمر بذلك، ولم يشترط حائلا.

قال ابن المنذر ٣: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم؛ إلا الشافعي، فإنه قال: أكره ذلك؛ إلا إذا كان سليما من أبعارها.

وقال أبو هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل».
رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» ٤.

وروى الإمام أحمد ١ من حديث عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل أو مبارك الإبل».

وفي «المسند» ٢ أيضا، من حديث عبد الله بن المغفل، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين».

وفي الباب عن جابر بن سمرة ١، والبراء بن عازب ٢، وأسيد بن حضير ٣، وذي الغرة ٤، كلهم رووا عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «صلوا في مرابض الغنم»، وفي بعض ألفاظ ٥ الحديث: «صلوا في مرابض الغنم؛ فإن فيها بركة».

وقال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام».
رواه أهل «السنن»

كلهم إلا النسائي ١.

فأين هذا الهدي من فعل من لا يصلي إلا على سجادة، تفرش فوق البساط فوق الحصير، ويوضع عليها المنديل، ولا يمشي على الحصير، ولا على البساط، بل يمشي عليها قفزا ٢ كالعصفور؟

فما أحق هؤلاء بقول ابن مسعود: «لأنتم أهدى من أصحاب محمد، أو أنتم على شعبة ضلالة» ١.

وقد صلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على حصير قد اسود من طول ما لبس، فنضح له بالماء وصلى عليه ١، ولم يفرش له فوقه سجادة ولا منديل.

وكان يسجد على التراب تارة، وعلى الحصى تارة، وفي الطين [٤٤ أ] تارة، حتى يرى أثره على جبهته وأنفه.

وقال ابن عمر: «كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك».
رواه البخاري، ولم يقل: «وتبول»، وهو عند أبي داود بإسناد صحيح بهذه الزيادة ٢.

فصل

ومن ذلك: أن الناس في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يأتون المساجد حفاة في الطين وغيره.

قال يحيى بن وثاب: قلت لابن عباس: الرجل يتوضأ، يخرج إلى المسجد حافيا؟ قال: لا بأس به ٣.

وقال كميل بن زياد: «رأيت عليا يخوض طين المطر، ثم دخل المسجد، فصلى ولم يغسل رجليه» ١.

وقال إبراهيم النخعي: «كانوا يخوضون الماء والطين إلى المسجد، فيصلون» ٢.

وقال يحيى بن وثاب: «كانوا يمشون في ماء المطر، وينتضح عليهم» ٣.

رواها سعيد بن منصور في «سننه».

وقال ابن المنذر ٤: «وطئ ابن عمر بمنى وهو حاف في ماء وطين، ثم صلى ولم يتوضأ».

قال: «وممن رأى ذلك: علقمة، والأسود، وعبد الله بن معقل ٥، وسعيد ابن المسيب، والشعبي، والإمام أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وأحد الوجهين للشافعية».

قال: «وهو قول عامة أهل العلم، ولأن تنجيسها فيه مشقة عظيمة منتفية بالشرع، كما في أطعمة الكفار وثيابهم، وثياب الفساق شربة الخمر ١ وغيرهم».

قال أبو البركات ابن تيمية: «وهذا كله يقوي طهارة الأرض بالجفاف؛ لأن الإنسان في العادة لا يزال يشاهد النجاسات في بقعة بقعة من طرقاته، التي يكثر فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما، فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاف أثرها، للزمه تجنب ما شاهده من بقاع النجاسة بعد ذهاب أثرها، ولما جاز له التحفي بعد ذلك، وقد علم أن السلف الصالح لم يحترزوا من ذلك، ويعضده أمره - صلى الله عليه وآله وسلم - بمسح النعلين بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خبثا.
ولو نجست الأرض بذلك نجاسة لا تطهر بالجفاف لأمر بصيانة طريق المسجد عن ذلك؛ لأنه يسلكه الحافي وغيره».

قلت: وهذا اختيار شيخنا رحمه الله.

وقال أبو قلابة: «جفاف الأرض طهورها» ٢.

فصل

ومن ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - سئل عن المذي، فأمر بالوضوء منه، فقال: كيف ترى بما أصاب ثوبي منه؟ قال: «تأخذ كفا من ماء، فتنضح به حيث ترى أنه أصابه».
رواه أحمد، والترمذي، والنسائي ١.

فجوز نضح ما أصابه المذي، كما أمر بنضح بول الغلام ٢.

قال شيخنا: وهذا هو الصواب؛ لأن هذه نجاسة يشق الاحتراز منها؛ لكثرة ما تصيب ثياب العزب، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام، ومن أسفل الخف والحذاء.

ومن ذلك: إجماع المسلمين على ما سنه لهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من جواز الاستجمار بالأحجار في زمن الشتاء والصيف، مع أن المحل يعرق، فينضح إلى الثوب، ولم يأمر بغسله.

ومن ذلك: أنه يعفى عن يسير أرواث البغال والحمير والسباع، في إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها شيخنا لمشقة الاحتراز.

قال الوليد بن مسلم: قلت للأوزاعي: فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه، كالبغل والحمار والفرس؟ فقال: قد كانوا يبتلون بذلك في مغازيهم، فلا يغسلونه من جسد ولا ثوب ١.

ومن ذلك: نص أحمد على أن الودي يعفى عن يسيره كالمذي، وكذلك يعفى عن يسير القيء، نص عليه أحمد.

وقال شيخنا: لا يجب غسل الثوب ولا الجسد من المدة والقيح والصديد، قال: ولم يقم دليل على نجاسته.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طاهر، حكاها أبو البركات.

وكان ابن عمر لا ينصرف منه في الصلاة ٢، وينصرف من الدم ٣.

[٤٤ ب] وعن الحسن نحوه ١.

وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب؟ فقال: «ليس بشيء، إنما ذكر الله الدم؛ ولم يذكر القيح» ٢.

وقال إسحاق بن راهويه: «كل ما كان سوى الدم فهو عندي مثل العرق المنتن وشبهه، ولا يوجب وضوءا» ٣.

وسئل أحمد: الدم والقيح عندك سواء؟ فقال: «لا، الدم لم يختلف الناس فيه، والقيح قد اختلف الناس فيه».

وقال مرة: «القيح والصديد والمدة عندي أسهل من الدم».

ومن ذلك: ما قاله أبو حنيفة: أنه لو وقع بعر الفأر في حنطة فطحنت، أو في دهن مائع؛ جاز أكله ما لم يتغير؛ لأنه لا يمكن صونه عنه، قال: فلو وقع في الماء نجسه.

وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جواز أكل الحنطة التي أصابها بول الحمير عند الدياس من غير غسل، قال: لأن السلف لم يحترزوا من ذلك.

وقالت عائشة: «كنا نأكل اللحم، والدم خطوط على القدر» ١.

وقد أباح الله سبحانه صيد الكلب وأطلق، ولم يأمر بغسل موضع فيه من الصيد ومعضه ٢ ولا تقويره، ولا أمر به رسوله، ولا أفتى به أحد من الصحابة.

ومن ذلك: ما أفتى به عبد الله بن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وسالم، ومجاهد، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والحكم، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والإمام أحمد في أصح الروايتين، وغيرهم: أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصلاة، لم يكن عالما بها، أو كان يعلمها لكنه نسيها، أو لم ينسها لكنه عجز عن إزالتها: أن صلاته صحيحة، ولا إعادة عليه.

ومن ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يصلي وهو حامل أمامة بنت ابنته زينب، فإذا ركع وضعها، وإذا قام حملها.
متفق عليه ٣.

ولأبي داود ٤: أن ذلك كان في إحدى صلاتي العشي.

وهو دليل على جواز الصلاة في ثياب المربية والمرضع والحائض والصبي، ما لم يتحقق نجاستها.

وقال أبو هريرة: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في صلاة العشاء؛ فلما سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فلما رفع رأسه أخذهما بيديه من خلفه أخذا رفيقا، ووضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى قضى صلاته».
رواه الإمام أحمد ١.

وقال شداد بن الهاد، عن أبيه: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو حامل الحسن أو الحسين، فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، فلما قضى الصلاة قال: «إن ابني ارتحلني؛ فكرهت أن أعجله».
رواه أحمد، والنسائي ١.

وقالت عائشة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يصلي بالليل؛ وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، وعلي مرط وعليه بعضه».
رواه أبو داود ٢.

وقالت: «كنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نبيت في الشعار الواحد، وأنا طامث حائض؛ فإن أصابه مني شيء غسل مكانه، ولم يعده، وصلى فيه».
رواه أبو داود ٣.

ومن ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يلبس الثياب التي نسجها المشركون ويصلي فيها ١.

وتقدم قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهمه أن ينهى عن ثياب بلغه أنها تصبغ بالبول، وقول أبي له: «ما لك أن تنهى عنها؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لبسها، ولبست في زمانه، ولو علم الله أنها حرام لبينه لرسوله».
قال: صدقت ٢.

قلت: وعلى قياس ذلك: الجوخ، بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثياب، فتجنبه من باب الوسواس.

ولما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية استعار ثوبا من نصراني فلبسه، حتى خاطوا له قميصه وغسلوه ٣، وتوضأ من جرة

نصرانية ١.

وصلى سلمان وأبو الدرداء رضي الله عنهما في بيت نصرانية، فقال [٤٥ أ] لها أبو الدرداء: هل في بيتك مكان طاهر نصلي فيه؟ فقالت: طهرا قلوبكما، ثم صليا أين أحببتما.
فقال له سلمان: خذها من غير فقيه ٢.

ومن ذلك: أن الصحابة والتابعين كانوا يتوضأون من الحياض والأواني المكشوفة، ولا يسألون: هل أصابتها نجاسة، أو وردها كلب أو سبع؟

ففي «الموطأ» ٣ عن يحيي بن سعيد: «أن عمر رضي الله عنه خرج في

ركب فيهم عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضا، فقال عمرو: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع، وترد علينا».

وفي «سنن ابن ماجه» ١: أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - سئل: أنتوضأ بما أفضلت

الحمر؟ قال: «نعم، وبما أفضلت السباع».

ومن ذلك: أنه لو سقط عليه شيء من ميزاب، لا يدري: هل هو ماء أو بول؟ لم يجب عليه أن يسأل عنه، فلو سأل لم يجب على المسؤول أن يجيبه ــ ولو علم أنه نجس ــ، ولا يجب عليه غسل ذلك.

ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما، فسقط عليه شيء من ميزاب، ومعه صاحب له، فقال: يا صاحب الميزاب! ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر: يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا، ومضى.
ذكره أحمد ١.

قال شيخنا: وكذلك إذا أصاب رجله أو ذيله بالليل شيء رطب لا يعلم ما هو، لم يجب عليه أن يشمه ويتعرف ما هو، واحتج بقصة عمر رضي الله عنه في الميزاب.

وهذا هو الفقه؛ فإن الأحكام إنما تترتب علي المكلف بعد علمه بأسبابها، وقبل ذلك هي على العفو، فما عفا الله عنه فلا ينبغي البحث عنه.

ومن ذلك: الصلاة مع يسير الدم، ولا يعيد.

قال البخاري ١: قال الحسن رحمه الله: «مازال المسلمون يصلون في جراحاتهم».

قال: «وعصر ابن عمر رضي الله عنهما بثرة، فخرج منها دم؛ فلم يتوضأ ٢، وبصق ابن أبي أوفى دما، ومضى في صلاته ٣، وصلى عمر بن

الخطاب رضي الله عنه وجرحه يثعب دما» ١.

ومن ذلك: أن المراضع مازلن من عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وإلى الآن يصلين في ثيابهن، والرضعاء يتقيأون، ويسيل لعابهم على ثياب المرضعة وبدنها، فلا يغسلن شيئا من ذلك؛ لأن ريق الرضيع مطهر لفمه، لأجل الحاجة، كما أن ريق الهر مطهر لفمها؛ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات» ٢، وكان يصغي لها الإناء

حتى تشرب ١، وكذلك فعل أبو قتادة ٢؛ مع العلم اليقيني أنها تأكل الفأر

والحشرات، والعلم القطعي أنه لم يكن بالمدينة حياض فوق القلتين تردها السنانير؛ وكلاهما معلوم قطعا.

ومن ذلك: أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يصلون وهم حاملو سيوفهم، وقد أصابها الدم، وكانوا يمسحونها، ويجتزئون ١ بذلك.

وعلى قياس هذا: مسح المرآة الصقيلة إذا أصابتها النجاسة؛ فإنه يطهرها.

وقد نص أحمد على طهارة سكين الجزار بمسحها.

ومن ذلك: أنه نص على حبل الغسال أنه ينشر عليه الثوب النجس، ثم تجففه الشمس، فينشر عليه الثوب الطاهر، فقال: لا بأس به.

وهذا كقول أبي حنيفة: إن الأرض النجسة تطهرها الريح والشمس، وهو وجه لأصحاب أحمد، حتى إنه يجوز التيمم بها.

وحديث ابن عمر رضي الله عنهما كالنص في ذلك، وهو قوله: كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك ٢.

وهذا لا يتوجه إلا على القول بطهارة الأرض بالريح والشمس.

ومن ذلك: أن الذي دلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وآثار أصحابه: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان يسيرا.

وهذا قول أهل المدينة وجمهور السلف، وأكثر أهل الحديث، وبه أفتى عطاء بن أبي رباح، [٤٥ ب] وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن مهدي، واختاره ابن المنذر، وبه قال أهل الظاهر، ونص عليه أحمد في إحدى رواياته ١، واختاره جماعة من أصحابنا، منهم ابن عقيل في «مفرداته»، وشيخنا أبو العباس، وشيخه ابن أبي عمر.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «الماء لا ينجسه شيء».
رواه الإمام أحمد ٢.

وفي «المسند» و«السنن» ١ عن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله! أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ٢ ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال: «الماء طهور، لا ينجسه شيء».

قال الترمذي: «هذا حديث حسن».

وقال الإمام أحمد: «حديث بئر بضاعة صحيح» ٣.

وفي لفظ للإمام أحمد ٤: إنه يستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر يطرح

فيها محايض النساء، ولحم الكلاب، وعذر الناس؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إن الماء طهور، لا ينجسه شيء».

وفي «سنن ابن ماجه» ١ من حديث أبي أمامة مرفوعا: «الماء لا ينجسه شيء؛ إلا ما غلب على ريحه، وطعمه، ولونه».

وفيها ٢ من حديث أبي سعيد: أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - سئل عن الحياض

التي بين مكة والمدينة، تردها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة بها، فقال: «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور».

وإن كان في إسناد هذين الحديثين مقال، فإنا ذكرناهما للاستشهاد لا للاعتماد.

وقال البخاري ١: قال الزهري: «لا بأس بالماء؛ ما لم يتغير منه طعم أو ريح أو لون».

وقال الزهري أيضا: «إذا ولغ الكلب في الإناء، ليس له وضوء غيره؛ يتوضأ به ثم يتيمم» ٢.

قال سفيان: «هذا الفقه بعينه»، يقول الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦]، وهذا ماء، وفي النفس منه شيء؛ يتوضأ به ويتيمم» ١.

ونص الإمام أحمد في حب زيت ولغ فيه كلب، فقال: «يؤكل».

فصل ٢

ومن ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يجيب من دعاه، فيأكل من طعامه؛ وأضافه يهودي بخبز شعير وإهالة سنخة ٣.
وكان المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب.

وشرط عمر عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين ٤، وقال:

«أطعموهم مما تأكلون» ١، وقد أحل الله ذلك في كتابه.

ولما قدم عمر رضي الله عنه الشام صنع له أهل الكتاب طعاما، فدعوه، فقال: أين هو؟ قالوا: في الكنيسة، فكره دخولها، وقال لعلي رضي الله عنه: اذهب بالناس، فذهب علي بالمسلمين، فدخلوا وأكلوا، وجعل علي ينظر إلى الصور، وقال: «ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل؟» ٢.

وكان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقبل ابني ابنته في أفواههما ١، ويشرب من موضع في عائشة، ويتعرق العرق، فيضع فاه على موضع فيها، وهي حائض ٢.

وحمل أبو بكر رضي الله عنه الحسن على عاتقه؛ ولعابه يسيل عليه ٣.

وأتي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بصبي، فوضعه في حجره، فبال عليه؛ فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله ١.

وكان يؤتى بالصبيان، فيضعهم في حجره يبرك عليهم، ويدعو لهم ٢.

وهذا الذي ذكرناه قليل من كثير من السنة، ومن له اطلاع على ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه لا تخفي عليه حقيقة الحال.

وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» ٣ عنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: «بعثت بالحنيفية

السمحة».

فجمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل.

وضد الأمرين: الشرك وتحريم الحلال، وهما اللذان ذكرهما النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «إني خلقت عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم [٤٦ أ] أنزل به سلطانا» ١.

ف

الشرك وتحريم الحلال قرينان

. وهما اللذان عابهما الله في كتابه على المشركين في سورة الأنعام ٢ والأعراف ٣.

وقد ذم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - المتنطعين في الدين، وأخبر بهلكتهم حيث يقول: «ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون» ٤.

وقال ابن أبي شيبة ٥: حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، قال: أخرج إلي

معن بن عبد الرحمن كتابا، وحلف بالله أنه خط أبيه، فإذا فيه: قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره، ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولا رأيت بعده أشد خوفا عليهم من أبي بكر، وإني لأظن عمر كان أشد أهل الأرض خوفا عليهم.

وكان - صلى الله عليه وآله وسلم - يبغض المتعمقين، حتى إنه لما واصل بهم ورأى الهلال قال: «لو تأخر الهلال لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم»؛ كالمنكل بهم ١.

وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا، اقتداء بنبيهم - صلى الله عليه وآله وسلم -، قال الله تعالى: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ [ص: ٨٦].

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «من كان منكم مستنا؛ فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم؛ فإنهم كانوا على الهدي المستقيم» ٢.

جارٍ التحميل