إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانصفحات 175-214

الباب الثالث عشر في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم

صفحات 175-214

قال تعالى إخبارا عن عدوه إبليس، لما سأله عن امتناعه عن السجود لآدم، واحتجاجه بأنه خير منه، وإخراجه من الجنة، أنه سأله أن ينظره، فأنظره، ثم قال عدو الله: ﴿فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (١٦) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧].

قال جمهور المفسرين والنحاة: حذف «على» فانتصب الفعل؛ والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك.

والظاهر: أن الفعل مضمر؛ فإن القاعد على الشيء ملازم له، فكأنه قال: لألزمنه، ولأرصدنه، ولأحوجنه، ونحو ذلك.

قال ابن عباس: «دينك الواضح» ١.

وقال ابن مسعود: «هو كتاب الله» ٢.

وقال جابر: «هو الإسلام» ١.

وقال مجاهد: «هو الحق» ٢.

والجميع عبارات عن معنى واحد، وهو الطريق الموصل إلى الله.
وقد تقدم حديث سبرة بن أبي الفاكه ٣: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها» الحديث ٤؛ فما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه، يقطعه على السالك.

وقوله: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم﴾ [الأعراف: ١٧].

قال ابن عباس في رواية عطية عنه: «من قبل الدنيا» ٥.

وفي رواية علي عنه: «أشككهم في آخرتهم» ٦.

وكذلك قال الحسن: «من قبل الآخرة؛ تكذيبا بالبعث والجنة والنار» ١.

وقال مجاهد: «من بين أيديهم: من حيث يبصرون» ٢.

﴿ومن خلفهم﴾:

قال ابن عباس: «أرغبهم في دنياهم» ٣.

وقال الحسن: «من قبل دنياهم، أزينها لهم وأشهيها إليهم» ٤.

وعن ابن عباس رواية أخرى: «من قبل الآخرة» ٥.

وقال أبو صالح: «أشككهم في الآخرة، وأباعدها عليهم» ٦.

وقال مجاهد أيضا: «من حيث لا يبصرون» ٧.

﴿وعن أيمانهم﴾:

قال ابن عباس: «أشبه عليهم أمر دينهم» ١.

وقال أبو صالح: «الحق أشككهم فيه» ٢.

وعن ابن عباس أيضا: «من قبل حسناتهم» ٣.

وقال الحسن: «من قبل الحسنات أثبطهم عنها» ٤.

وقال أبو صالح أيضا: «من بين أيديهم، ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم: الباطل أنفقه عليهم وأرغبهم فيه» ٥.

وقال الحسن: ﴿وعن شمائلهم﴾: السيئات يأمرهم بها، ويحثهم عليها، ويزينها في أعينهم ٦.

وصح عن ابن عباس أنه قال: «ولم يقل: من فوقهم؛ لأنه علم أن الله من

فوقهم» ١.

وقال الشعبي: «الله عز وجل أنزل الرحمة عليهم من فوقهم» ٢.

وقال قتادة: «أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك؛ لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله» ٣.

قال الواحدي ٤: وقول من قال: الأيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن السيئات، حسن؛ لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك، تريد: اجعلني من المقدمين عندك، ولا تجعلني من المؤخرين، وأنشد لابن الدمينة:

أبيني أفي يمنى يديك جعلتني... فأفرح أم صيرتني في شمالك؟ ٥

[٣١ ب] وروى أبو عبيد عن الأصمعي: هو عندنا باليمين، أي: بمنزلة حسنة، وبضد ذلك: هو عندنا بالشمال، وأنشد:

رأيت بني العلات لما تظافروا... يحوزون سهمي عندهم في الشمائل ١

أي: ينزلونني بالمنزلة السيئة.

وحكى الأزهري ٢ عن بعضهم في هذه الآية: «لأغوينهم حتى يكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة، ومن خلفهم بأمر البعث، وعن أيمانهم وعن شمائلهم؛ أي: لأضلنهم فيما يعملون؛ لأن الكسب يقال فيه: ذلك بما كسبت يداك، وإن كانت اليدان لم تجنيا ٣ شيئا؛ لأنهما الأصل في التصرف، فجعلتا مثلا لجميع ما يعمل بغيرهما».

وقال آخرون ــ منهم أبو إسحاق، والزمخشري، واللفظ لأبى إسحاق ٤ ــ: «ذكر هذه الوجوه للمبالغة في التوكيد؛ أي: لآتينهم من جميع الجهات، والحقيقة ــ والله أعلم ــ: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم».

وقال الزمخشري ٥: «ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب، وهذا مثل لوسوسته إليهم، وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك﴾ [الإسراء: ٦٤]».

وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: «أتاك من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك».

وهذا القول أعم فائدة، ولا يناقض ما قاله السلف؛ فإن ذلك على جهة التمثيل لا التعيين.

قال شقيق ١: «ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم، فأقرأ: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ [طه: ٨٢]، وأما من خلفي فيخوفني الضيعة على من أخلفه، فأقرأ: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦]، ومن قبل يميني، يأتيني من قبل الثناء، فأقرأ: ﴿والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨]، ومن قبل شمالي، فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ: ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ [سبأ: ٥٤]».

قلت: السبل التي يسلكها الإنسان أربعة لا غير: فإنه تارة يأخذ على جهة يمينه، وتارة على شماله، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه، فأي سبيل سلكها من هذه وجد الشيطان عليها رصدا له، فإن سلكها في طاعة وجده عليها يثبطه عنها ويقطعه، أو يعوقه ويبطئه، وإن سلكها لمعصية وجده عليها حاملا له، وحاديا، ومعينا، وممنيا، ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك.

ومما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ [فصلت: ٢٥].

قال الكلبي: «ألزمناهم قرناء من الشياطين» ١.

وقال مقاتل: «هيأنا لهم قرناء من الشياطين» ٢.

وقال ابن عباس: «ما بين أيديهم: من أمر الدنيا، وما خلفهم: من أمر الآخرة» ٣.

والمعنى: زينوا لهم الدنيا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة والإعراض عنها.

وقال الكلبي: «زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث؛ وما خلفهم من أمر الدنيا: ما هم عليه من الضلالة» ٤.

وهذا اختيار الفراء ٥.

وقال ابن زيد: «زينوا لهم ما مضى من خبيث أعمالهم، وما يستقبلون منها» ٦.

والمعنى على هذا: زينوا لهم ما عملوه، فلم يتوبوا منه، وما يعزمون عليه، فلا ينوون تركه.

فقول عدو الله: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم﴾ يتناول الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ [الأعراف: ١٧]، فإن كاتب الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على فعل الخير، فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يثبطه عنه، وكاتب السيئات عن الشمال ينهاه عنها، فيأتيه [٣٢ أ] الشيطان من تلك الجهة يحرضه عليها؛ وهذا تفصيل ما أجمله في قوله: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾ [ص: ٨٢].

وقال تعالى: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (١١٧) لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (١١٨) ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (١١٩) يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢٠].

قال الضحاك: «مفروضا أي: معلوما» ١.

وقال الزجاج: «أي: نصيبا أفترضه على نفسي» ٢.

قال الفراء: «يعني ما جعل له عليه السبيل من الناس فهو كالمفروض» ٣.

قلت: حقيقة الفرض هو التقدير، والمعنى: أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من نصيبه المفروض، وحظه المقسوم، فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه، فالناس قسمان: نصيب الشيطان ومفروضه، وأولياء الله وحزبه وخاصته.

وقوله: ﴿ولأضلنهم﴾، يعني: عن الحق، ﴿ولأمنينهم﴾، قال ابن عباس: «يريد: تسويف التوبة وتأخيرها» ١.

وقال الكلبي: «أمنيهم أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث» ٢.

وقال الزجاج: «أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون مع ذلك حظهم من الآخرة» ٣.

وقيل: لأمنينهم ركوب الأهواء الداعية إلى العصيان والبدع.

وقيل: أمنيهم طول البقاء في نعيم الدنيا، فأطيل لهم الأمل فيها؛ ليؤثروها على الآخرة.

وقوله: ﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾، البتك: القطع؛ وهو في هذا الموضع: قطع آذان البحيرة؛ عند جميع المفسرين ٤.

ومن هاهنا كره جمهور أهل العلم تثقيب أذني الطفل للحلق، ورخص

بعضهم في ذلك للأنثى دون الذكر؛ لحاجتها إلى الحلية، واحتجوا بحديث أم زرع، وفيه: «أناس من حلي أذني»، وقال النبى - صلى الله عليه وآله وسلم -: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع» ١.

ونص أحمد على جواز ذلك في حق البنت؛ وكراهته في حق الصبي.

وقوله: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾:

قال ابن عباس: «يريد: دين الله» ٢.

وهو قول إبراهيم ٣، ومجاهد ٤، والحسن ٥، والضحاك ٦،

وقتادة ١، والسدي ٢، وسعيد بن المسيب ٣، وسعيد بن جبير ٤.

ومعنى ذلك هو أن الله تعالى فطر عباده على الفطرة المستقيمة، وهي ملة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٣٠) منيبين إليه واتقوه﴾ [الروم: ٣٠،٣١].

ولهذا قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟! حتى تكونوا أنتم تجدعونها»، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ الآية [الروم: ٣٠]، متفق عليه ٥.

فجمع النبى - صلى الله عليه وآله وسلم - بين الأمرين:

تغيير الفطرة

بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما؛ فغير فطرة الله بالكفر، وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها، وغير الصورة بالجدع والبتك، فغير الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة.

ثم قال: ﴿يعدهم ويمنيهم﴾، فوعده ما يصل إلى قلب الإنسان، نحو: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعلو على أقرانك، وتظفر بأعدائك، والدنيا دول، ستكون لك كما كانت لغيرك، ويطول أمله، ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه، ويمنيه الأماني الكاذبة على اختلاف وجوهها.

والفرق بين وعده وتمنيته ١: أن الوعد في الخبر، والتمنية في الطلب والإرادة؛ فيعده الباطل الذي لا حقيقة له وهو الغرور ويمنيه المحال الذي لا حاصل له.

ومن تأمل أحوال أكثر الناس وجدهم متعلقين بوعده وتمنيته وهم لا يشعرون؛ يعد الباطل، ويمني المحال، والنفس المهينة التي لا قدر لها تغتذي بوعده وتمنيته، كما قال القائل:

منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا ٢

فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ بالأماني الباطلة والوعود الكاذبة، وتفرح بها كما يفرح بها النساء والصبيان ويتحركون لها، فالأقوال الباطلة مصدرها وعد الشيطان وتمنيته؛ فإنه يمني ٣ أصحابها الظفر بالحق

وإدراكه، ويعدهم الوصول إليه من غير طريقه، فكل مبطل فله نصيب من قوله: ﴿يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ [النساء: ١٢٠].

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا﴾ [البقرة: ٢٦٨].

قيل: ﴿يعدكم الفقر﴾، يخوفكم به، يقول: إن أنفقتم أموالكم افتقرتم.

﴿ويأمركم بالفحشاء﴾، قالوا: هي البخل في هذا الموضع خاصة.

ويذكر عن مقاتل ١ والكلبي ٢: «كل فحشاء في القرآن فهي الزنى إلا في هذا الموضع؛ فإنها البخل».

والصواب أن الفحشاء على بابها، وهي كل فاحشة، فهي صفة لموصوف محذوف، فحذف موصوفها إرادة للعموم؛ أي بالفعلة الفحشاء، والخلة الفحشاء، ومن جملتها البخل.

فذكر سبحانه وعد الشيطان وأمره، يأمر بالشر، ويخوف من فعل الخير، وهذان الأمران هما جماع ما يطلبه الشيطان من الإنسان؛ فإنه إذا خوفه من فعل الخير تركه، وإذا أمره بالفحشاء وزينها له ارتكبها.

وسمى سبحانه تخويفه وعدا؛ لانتظار الذي خوفه إياه كما ينتظر الموعود ما وعد به.

ثم ذكر سبحانه وعده على طاعته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهى المغفرة والفضل، فالمغفرة: وقاية الشر، والفضل: إعطاء الخير.

وفى الحديث المشهور: «إن للملك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة، فلمة الملك: إيعاد بالخير، وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان: إيعاد بالشر، وتكذيب بالوعد»، ثم قرأ: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ الآية ١.

فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه نهارا كله، وآخر بضده.

فصل

ومن كيده للإنسان: أنه يورده الموارد التي يخيل إليه أن فيها منفعته، ثم يصدره المصادر التي فيها عطبه، ويتخلى عنه ويسلمه ويقف يشمت به، ويضحك منه، فيأمره بالسرقة والزنى والقتل، ويدل عليه ويفضحه، قال تعالى: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب﴾ [الأنفال: ٤٨]، فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر في صورة سراقة بن مالك، وقال: إني جار لكم من بني كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما رأى عدو الله جنود الله من الملائكة نزلت لنصر رسوله فر عنهم وأسلمهم، كما قال حسان:

دلاهم بغرور ثم أسلمهم... إن الخبيث لمن والاه غرار ١

وكذلك فعل بالراهب الذي قتل المرأة وولدها، أمره بالزنى بها ثم بقتلها، ثم دل أهلها عليه، وكشف [٣٣ أ] أمره لهم، ثم أمره بالسجود له، فلما فعل فر عنه وتركه، وفيه أنزل الله سبحانه: ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر

قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين﴾ [الحشر: ١٦]، وهذا السياق لا يختص بالذي ذكرت عنه هذه القصة ١، بل هو عام في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر، لينصره ويقضي حاجته؛ فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة في النار، ويقول لهم: ﴿إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فأوردهم شر الموارد، وتبرأ منهم كل البراءة.

وتكلم الناس في قول عدو الله: ﴿إني أخاف الله﴾ ٢:

فقال قتادة ٣، وابن إسحاق ٤: «صدق عدو الله في قوله: ﴿إني أرى ما

لا ترون﴾، وكذب في قوله: ﴿إني أخاف الله﴾، والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم، وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه».

وقالت طائفة: «إنما خاف بطشة الله به في الدنيا، كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه، لا أنه خاف عقابه في الآخرة».

وهذا أصح، وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة.

قال الكلبي ١: «خاف أن يأخذه جبريل، فيعرفهم حاله، فلا يطيعونه».

وهذا فاسد؛ فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه؛ إلا أن يريد أنه إذا عرف المشركون ٢ أن الذي أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك، وتكلف غير المراد.

وقال عطاء ٣: «إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك».

وهذا خوف هلاك الدنيا، فلا ينفعه.

وقال الزجاج ٤، وابن الأنباري: «ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر.
زاد ابن الأنباري، قال: أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر؛ فيقع بي العذاب، فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى، فقال ما قال إشفاقا على نفسه».

فصل

ومن كيد عدو الله: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم، ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر؛ وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان، وقد أخبرنا الله سبحانه عنه بهذا؛ فقال: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٥].

المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه.

قال قتادة: «يعظمهم في صدوركم» ١.

ولهذا قال: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾، فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان قوي خوفه منهم.

ومن مكايده: أنه يسحر العقل دائما حتى يكيده، ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله، فيزين له الفعل الذي يضره، حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء له، وينفره من الفعل الذي هو أنفع الأشياء له، حتى يخيل له أنه يضره.

فلا إله إلا الله! كم فتن بهذا السحر من إنسان! وكم حال به بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان! وكم جمل ٢ الباطل وأبرزه في صورة

مستحسنة، وبشع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة! وكم بهرج من الزيوف على الناقدين، وكم روج من الزغل على العارفين! فهو الذي سحر العقول حتى ألقى أربابها في الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة؛ وسلك بهم من سبل الضلال كل مسلك، وألقاهم من المهالك في مهلك بعد مهلك، وزين لهم من عبادة الأصنام، وقطيعة الأرحام، ووأد البنات، ونكاح الأمهات، ووعدهم الفوز بالجنان مع الكفر والفسوق والعصيان، وأبرز لهم الشرك في صورة التعظيم، والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه على عرشه وتكلمه بكتبه في قالب التنزيه، [٣٣ ب] وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس، وحسن الخلق معهم، والعمل بقوله: ﴿عليكم أنفسكم﴾ [المائدة: ١٠٥]، والإعراض عما جاء به الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - في قالب التقليد، والاكتفاء بقول من هو أعلم منهم، والنفاق والإدهان في دين الله في قالب العقل المعيشي الذي يندرج به العبد بين الناس.

فهو صاحب الأبوين حين ١ أخرجهما من الجنة، وصاحب قابيل حين قتل أخاه، وصاحب قوم نوح حين أغرقوا، وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم، وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة، وصاحب الأمة اللوطية حين خسف بهم وأتبعوا بالرجم بالحجارة، وصاحب فرعون وقومه حين أخذوا الأخذة الرابية، وصاحب عباد العجل حين جرى عليهم ما جرى، وصاحب قريش حين دعوا يوم بدر، وصاحب كل هالك ومفتون.

فصل

وأول كيده ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة أنه ناصح لهما، وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة، قال تعالى: ﴿فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (٢٠) وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (٢١) فدلاهما بغرور﴾ [الأعراف: ٢٠ ــ ٢٢].

فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي، وبه سمي صوت الحلي وسواسا، ورجل موسوس بكسر الواو، ولا يفتح فإنه لحن، وإنما قيل له: موسوس؛ لأن نفسه توسوس إليه، قال تعالى: ﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ [ق: ١٦].

وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما؛ فإنها معصية، والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد، فلما عصيا انهتك ذلك الستر، فبدت لهما سوآتهما ١، فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في رؤياه الزناة والزواني عراة بادية سوآتهم ٢.
وهكذا إذا رئي الرجل أو المرأة في منامه مكشوف السوأة، فإنه يدل على فساد دينه، قال الشاعر:

إني كأني أرى من لا حياء له... ولا أمانة وسط الناس عريانا ٣

فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها، ولباسا باطنا من التقوى، يجمل العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها.

ثم قال: ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين﴾؛ أي: إلا كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا في الجنة، ومن هاهنا دخل عليهما؛ لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها.
وهذا باب كيده الأعظم الذي يدخل منه على ابن آدم؛ فإنه يجري منه مجرى الدم ١، حتى يصادق نفسه ويخالطها، ويسألها عما تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من هذا الباب.

وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا؛ أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه، فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود، وهو عن طريق مقصده مصدود.

فشام عدو الله الأبوين، فأحس منهما إيناسا وركونا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم، فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾.

وكان [٣٤ أ] عبد الله بن عباس يقرؤها «ملكين» بكسر اللام ١، ويقول: «لم يطمعا أن يكونا من الملائكة، ولكن استشرفا أن يكونا ملكين، فأتاهما من جهة الملك» ٢.

ويدل على هذه القراءة قوله في الآية الأخرى: ﴿قال ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾.

وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب، وكان آدم أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، ولاسيما مما نهاه الله عنه؟

فالجواب: أن آدم وحواء لم يطمعا في ذلك أصلا، وإنما كذبهما عدو الله، وغرهما، وخدعهما؛ بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد، ومنه ورث أتباعه

كيف أطمع عدو الله إبليس آدم أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة

، فسموا الخمر أم الأفراح، وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر ــ وهو جحد صفات الرب ــ تنزيها، وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة! فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في

الجنة ولا تموتا؛ فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون.
ولم يكن آدم قد علم أنه يموت بعد، واشتهى الخلود في الجنة، وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه أنه ناصح لهما، فاجتمعت الشبهة والشهوة، وساعد القدر لما قد فرغ الله سبحانه من تقديره، فأخذتهما سنة الغفلة، واستيقظ لهما العدو، كما قيل:

واستيقظوا وأراد الله غفلتهم... لينفذ القدر المحتوم في الأزل ١

إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله: ﴿أو تكونا من الخالدين﴾.

فيقال: الماكر المخادع لابد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله، والاعتذار عنه، وإنما نعتذر عن الأب في كون ذلك راج عليه وولج سمعه، فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين، وإنما ردد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع، والآخر ممكن، وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر، ولهذا لما أطمعه في الأمر الممكن جزم له به ولم يردده، فقال: ﴿ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾، فلم يدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها في قوله: ﴿إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾، فتأمله.

ثم قال تعالى: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾، فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد:

أحدهما: تأكيده بالقسم.

الثاني: تأكيده بـ (إن).

الثالث: تقديم المعمول على العامل إيذانا بالاختصاص، أي: نصيحتي مختصة بكما، وفائدتها إليكما لا إلي.

الرابع: إتيانه ١ باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال على التجدد، أي: النصح صفتي وسجيتي، ليس أمرا عارضا لي.

الخامس: إتيانه ٢ بلام التأكيد في جواب القسم.

السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين، وكأنه قال لهما: الناصحون لكما في ذلك كثير، وأنا واحد منهم، كما تقول لمن تأمره بشيء: كل أحد معي على هذا، وأنا من جملة من يشير عليك به.

سعى نحوها حتى تجاوز حده... وكثر فارتابت ولو شاء قللا ٣

وورث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين، كما كان المنافقون [٣٤ ب] يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا جاءوه: ﴿نشهد إنك لرسول الله﴾ [المنافقون: ١]، فأكدوا خبرهم بالشهادة وبـ (إن) وبلام التأكيد، وكذلك قوله سبحانه: ﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم﴾ [التوبة: ٥٦].

ثم قال تعالى: ﴿فدلاهما بغرور﴾ [الأعراف: ٢٢].

قال أبو عبيدة ١: خذلهما وخلاهما، من تدلية الدلو، وهو إرسالها في البئر.

وذكر الأزهري ٢ لهذه اللفظة أصلين: أحدهما؛ قال: أصله الرجل العطشان يتدلى في البئر ليروى من الماء، فلا يجد فيها ماء، فيكون قد تدلى فيها بالغرور، فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه، إذا أطمعه، ومنه قول أبى جندب الهذلي:

أحص فلا أجير ومن أجره... فليس كمن تدلى بالغرور ٣

أحص أي: أقطع.

الثاني: فدلاهما بغرور؛ أي: جرأهما على أكل الشجرة، وأصله: دللهما من الدلال والدالة، وهى الجراءة.

قال شمر: يقال: ما دلك علي، أي: ما جرأك علي، وأنشد لقيس بن زهير:

أظن الحلم دل علي قومي وقد يستجهل الرجل الحليم ٤

قلت: أصل التدلية في اللغة: الإرسال والتعليق، يقال: دلى الشيء في مهواة؛ إذا أرسله بتعليق، وتدلى الشيء بنفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه﴾ [يوسف: ١٩].

قال عامة أهل اللغة: يقال: أدلى دلوه؛ إذا أرسلها في البئر، ودلاها بالتخفيف: إذا نزعها من البئر، فأدلى دلوه يدليه إدلاء: إذا أرسلها، ودلاها يدلوها دلوا: إذا نزعها وأخرجها، ومنه الإدلاء، وهو التوصل إلى الرجل برحم منه.

ويشاركه في الاشتقاق الأكبر: الدلالة، وهي التوصل إلى الشيء بإبانته وكشفه، ومنه الدل، وهو ما يدل على العبد من أفعاله، وكان عبد الله بن مسعود يشبه بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في هديه ودله وسمته ١، فالهدي: الطريقة التي عليها العبد من أخلاقه وأقواله وأعماله، والدل: ما يدل من ظاهره على باطنه، والسمت: هيأته ووقاره ورزانته.

والمقصود ذكر كيد عدو الله ومكره بالأبوين.

قال مطرف بن عبد الله ٢: قال لهما: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما، وحلف لهما، وإنما يخدع المؤمن بالله.

قال قتادة ٣: «وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا»،

فالمؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم.

وفى «الصحيح» ١: «أن عيسى ابن مريم رأى رجلا يسرق، فقال: سرقت؟ فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو! فقال المسيح: آمنت بالله وكذبت بصري».

وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ ماله، فظنه المسيح سرقه.

وهذا تكلف، وإنما كان الله سبحانه في قلب المسيح أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبا، فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له في اليمين بالله، كما ظن آدم صدق إبليس لما حلف له بالله، وقال: ما ظننت أحدا يحلف بالله كاذبا.

فصل

ومن كيده العجيب: أنه يشام النفس، حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها: قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة؟

فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام؛ أخذ في تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به، وثقله عليه، وهون عليه تركه، حتى يتركه جملة، أو يقصر فيه ويتهاون يه.

وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة؛ أخذ يقلل [٣٥ أ] عنده المأمور به، ويوهمه أنه لا يكفيه، وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة.

فيقصر بالأول ويتجاوز بالثاني، كما قال بعض السلف: «ما أمر الله سبحانه بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر» ١.

وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين: وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي، والقليل منهم جدا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه.

فقوم قصر بهم عن الإتيان بواجبات الطهارة، وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد بالوسواس.

وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال، وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ما في أيديهم، وقعدوا كلا على الناس، مستشرفين إلى ما بأيديهم.

وقوم قصر بهم عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس، حتى أضروا بأبدانهم وقلوبهم، وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة، فأضروا بقلوبهم وأبدانهم.

وكذلك قصر بقوم في حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم.

وقصر بقوم في خلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات، كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم، وتجاوز بقوم حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام.

وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكله، وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على الدماء المعصومة.

وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذي ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم، دون العمل به.

وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بني آدم، وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص.

وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من النكاح، فرغبوا عنه بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام.

وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ من أهل الدين والصلاح، وأعرضوا عنهم، ولم يقوموا بحقهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله.

وكذلك قصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم والالتفات إليها بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه، وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الصحيحة الصريحة.

وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يقدر على أفعال عباده ولا شاءها منهم، ولكنهم يعملونها بدون مشيئته وقدرته، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: إنهم لا يفعلون شيئا البتة، وإنما الله سبحانه هو فاعل تلك الأفعال حقيقة، فهي نفس فعله لا أفعالهم، والعبيد ليس لهم قدرة ولا فعل البتة.

وقصر بقوم حتى قالوا: إن رب العالمين ليس داخلا في خلقه ولا بائنا عنهم، ولا هو فوقهم ولا تحتهم، ولا خلفهم ولا أمامهم، ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: هو في كل مكان بذاته، كالهواء الذي هو داخل في كل مكان.

وقصر بقوم حتى قالوا: لم يتكلم الرب سبحانه بكلمة واحدة البتة، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: لم يزل أزلا وأبدا يقول: ﴿ياإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]، ويقول لموسى: ﴿اذهب إلى فرعون﴾ [النازعات: ١٧]؛ فلا يزال هذا الخطاب قائما به ومسموعا منه، كقيام صفة الحياة به.

وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يشفع أحدا في أحد البتة، ولا يرحم أحدا بشفاعة أحد، وتجاوز بآخرين حتى زعموا أن المخلوق يشفع عنده [٣٥ ب] بغير إذنه، كما يشفع ذو الجاه عند الملوك ونحوهم.

وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل، فضلا عن أبى بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة.

وقصر بقوم حتى نفوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوه منها، وتجاوز بآخرين حتى شبهوه بخلقه ومثلوه بهم.

وقصر بقوم حتى عادوا أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وقاتلوهم، واستحلوا من حرمتهم، وتجاوز بقوم حتى ادعوا فيهم خصائص النبوة من العصمة وغيرها، وربما ادعوا فيهم الإلهية.

كذا قصر باليهود في المسيح حتى كذبوه، ورموه وأمه بما برأهما الله منه، وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله، وجعلوه إلها يعبد مع الله.

وقصر بقوم حتى نفوا الأسباب والقوى والطبائع والغرائز، وتجاوز بآخرين حتى جعلوها أمرا لازما لا يمكن تغييره ولا تبديله، وربما جعلها بعضهم مستقلة بالتأثير.

وقصر بقوم حتى تعبدوا بالنجاسات، وهم النصارى وأشباههم، وتجاوز بقوم حتى أفضى بهم الوسواس إلى الآصار والأغلال، وهم أشباه اليهود.

وقصر بقوم حتى تزينوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما يحمدونهم عليه، وتجاوز بقوم حتى أظهروا لهم من القبائح ومن الأعمال السيئة ما يسقطون به جاههم عندهم، وسموا أنفسهم الملامتية.

وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها، وعدوها فضلا أو فضولا، وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم ١ عليها، ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح، وقالوا: العارف لا يسقط وارده لورده.

وهذا باب واسع جدا، لو تتبعناه لبلغ مبلغا كثيرا، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة.

فصل

ومن جملة مكايده: الكلام الباطل، والآراء المتهافتة، والخيالات المتناقضة، التي هي زبالة الأذهان، ونحاتة الأفكار، والزبد الذي تقذف به القلوب المظلمة المتحيرة، التي تعدل الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، قد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانت عليها غيوم الخيالات، فمركبها القيل والقال، والشك والتشكيك وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه، ولا معتقد مطابق للحق يرجع إليه؛ ﴿يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾ [الأنعام: ١١٢]، فقد اتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا، وقالوا من عند أنفسهم فقالوا منكرا من القول وزورا.

فهم في شكهم يعمهون، وفى حيرتهم يترددون، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تلته ١ الشياطين على ألسنة أسلافهم من أهل الضلال، فهم إليه يتحاكمون، وبه يتخاصمون، فارقوا الدليل، واتبعوا ﴿أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل﴾ [المائدة: ٧٧].

فصل

ومن كيده بهم وتحيله على إخراجهم من العلم والدين: أن ألقى على ألسنتهم أن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، وأوحى إليهم أن القواطع العقلية والبراهين اليقينية في المناهج الفلسفية والطرق الكلامية، فحال بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مشكاة القرآن، وأحالهم على منطق اليونان، وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العرية عن البرهان، وقال لهم: تلك علوم قديمة صقلتها العقول والأذهان، ومرت عليها القرون والأزمان.
فانظر كيف تلطف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان والدين، كإخراج الشعرة من العجين!

[٣٦ أ] فصل

ومن كيده: ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم أن وراء العلم طريقا إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن.

فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق، والتجافي عما عليه أهل الدنيا، وأهل الرياسة والفقهاء، وأرباب العلوم، والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم.
فلما خلا من صورة العلم الذي جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له من أنواع الباطل، وخيله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفا وعيانا، فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل قالوا: لكم العلم الظاهر ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة وعندنا باطن الحقيقة، ولكم القشور ولنا اللباب.

فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسنة والآثار، كما يسلخ الليل من النهار، ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات، وأوهمهم أنها من الآيات البينات، وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات وتعريفات، فلا تعرض على السنة والقرآن، ولا تعامل إلا بالقبول والإذعان.
فلغير الله ــ لا له ــ سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان: من الخيالات والشطحات وأنواع الهذيان!

وكلما ازدادوا بعدا وإعراضا عن القرآن وما جاء به الرسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم.

فصل

ومن أنواع مكايده ومكره: أنه يدعو العبد ــ بحسن خلقه وطلاقته وبشره ــ إلى أنواع من الآثام والفجور، فيلقاه من لا يخلصه من شره إلا تجهمه والتعبيس في وجهه والإعراض عنه، فيحسن له العدو أن يلقاه ببشره، وطلاقة وجهه، وحسن كلامه، فيتعلق به، فيروم التخلص منه فيعجز، فلا يزال العدو يسعى بينهما حتى يصيب حاجته، فيدخل على العبد بكيده من

باب حسن الخلق وطلاقة الوجه.

ومن هاهنا وصى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع، وأن لا يسلم عليهم، ولا يريهم طلاقة وجهه، ولا يلقاهم إلا بالعبوس والإعراض.

وكذلك أوصوا عند لقاء من يخاف الفتنة بلقائه من النساء والمردان، وقالوا: متى كشفت للمرأة أو الصبي بياض أسنانك كشفا لك عما هنالك، ومتى لقيتهما بوجه عابس وقيت شرهما.

ومن مكايده: أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوي الحاجات بوجه عبوس، ولا تريهم بشرا ولا طلاقة، فيطمعوا فيك، ويتجرأوا عليك، وتسقط هيبتك من قلوبهم، فيحرمك صالح أدعيتهم، وميل قلوبهم إليك، ومحبتهم لك؛ فيأمرك بسوء الخلق، ومنع البشر والطلاقة مع هؤلاء، وبحسن الخلق والبشر مع أولئك، ليفتح لك باب الشر، ويغلق عنك باب الخير.

فصل

ومن مكايده: أنه يأمرك بإعزاز نفسك وصونها حيث يكون رضا الرب تعالى في إذلالها وابتذالها، كجهاد الكفار والمنافقين، وأمر الفجار والظلمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فيخيل إليك أن ذلك تعريض لنفسك إلى مواطن الذل، وتسليط الأعداء، وطعنهم فيك، فيزول جاهك؛ فلا يقبل منك بعد ذلك ولا يسمع منك.

ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث يكون الخير في إعزازها وصيانتها، كما يأمرك بالتبذل لذوي [٣٦ ب] الرياسات، وإهانة نفسك لهم، ويخيل إليك أنك تعزها بهم، وترفع قدرها بالذل لهم، ويذكرك قول الشاعر:

أهين لهم نفسي لأرفعها بهم... ولن تكرم النفس التي لا تهينها ١

وغلط هذا القائل؛ فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده؛ فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزه، بخلاف المخلوق، فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله وعند أوليائه، وهنت عليه.

فصل

ومن كيده وخداعه: أنه يأمر الرجل بانقطاعه في مسجد، أو رباط، أو زاوية، أو تربة، ويحبسه هناك، وينهاه عن الخروج، ويقول له: متى خرجت تبذلت للناس، وسقطت من أعينهم، وذهبت هيبتك من قلوبهم، وربما ترى في طريقك منكرا.

وللعدو في ذلك مقاصد خفية يريدها منه، منها: الكبر، واحتقار الناس، وحفظ الناموس، وقيام الرياسة.
ومخالطة الناس تذهب ذلك، وهو يريد أن يزار ولا يزور، ويقصده الناس ولا يقصدهم، ويفرح بمجيء الأمراء إليه، واجتماع الناس عنده، وتقبيل يده، فيترك من الواجبات والمستحبات والقربات ما يقربه إلى الله، ويتعوض عنه بما يقرب الناس إليه.

وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يخرج إلى السوق ٢.

قال بعض الحفاظ: «وكان يشتري حاجته ويحملها بنفسه»، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي وغيره.

وكان أبو بكر يخرج إلى السوق يحمل الثياب، فيبيع ويشتري ١.

ومر عبد الله بن سلام وعلى رأسه حزمة حطب، فقيل له: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله؟ فقال: أردت أن أدفع به الكبر، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من كبر» ٢.

وكان أبو هريرة يحمل الحطب وغيره من حوائجه بنفسه وهو أمير على المدينة، ويقول: «افسحوا لأميركم، افسحوا لأميركم» ٣.

وخرج عمر بن الخطاب يوما وهو خليفة في حاجة له ماشيا، فأعيا، فرأى غلاما على حمار له، فقال: يا غلام! احملني فقد أعييت، فنزل الغلام عن الدابة، وقال: اركب يا أمير المؤمنين! فقال: لا، اركب أنت وأنا خلفك،

فركب خلف الغلام، حتى دخل المدينة والناس يرونه ١.

فصل

ومن كيده: أنه يغري الناس بتقبيل يده، والتمسح به، والثناء عليه، وسؤاله الدعاء، ونحو ذلك، حتى يرى نفسه، ويعجبه شأنها، فلو قيل له: إنك من أوتاد الأرض، وبك يدفع البلاء عن ٢ الخلق ظن ذلك حقا، وربما قيل له: إنه يتوسل به إلى الله، ويسأل الله به وبحرمته، فيقضي حاجتهم، فيقع ذلك في قلبه، ويفرح به، ويظنه حقا.

وذلك كل الهلاك، فإذا رأى من أحد من الناس تجافيا عنه، أو قلة خضوع له، تذمر لذلك ووجد في باطنه، وهذا شر من أرباب الكبائر المصرين عليها، وهم أقرب إلى السلامة منه.

فصل

ومن كيده: أنه يحسن إلى أرباب التخلي والزهد والرياضة العمل بهاجسهم وواقعهم، دون تحكيم أمر الشارع، ويقولون: القلب إذا كان محفوظا مع الله كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطأ!

وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم، فإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية، وشيطانية، ونفسانية، كالرؤيا، فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما

بلغ فمعه شيطانه ونفسه، لا يفارقانه إلى الموت، والشيطان يجري منه مجرى الدم، والعصمة [٣٧ أ] إنما هي للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، الذين هم وسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، ومن عداهم يصيب ويخطئ، وليس بحجة على الخلق.

وقد كان سيد المحدثين الملهمين عمر بن الخطاب، يقول الشيء، فيرده عليه من هو دونه، فيتبين له الخطأ، فيرجع إليه.
وكان يعرض هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليها، ولا يحكم بها، ولا يعمل بها.

وهؤلاء الجهال يرى أحدهم أدنى شيء، فيحكم هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليهما، ويقول: حدثني قلبي عن ربي، ونحن أخذنا عن الحي الذي لا يموت، وأنتم أخذتم عن الوسائط، ونحن أخذنا بالحقائق، وأنتم أخذتم ١ الرسوم، وأمثال ذلك من الكلام الذي هو كفر وإلحاد، وغاية صاحبه أن يكون جاهلا يعذر بجهله، حتى قيل لبعض هؤلاء: ألا تذهب فتسمع الحديث من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الملك الخلاق؟!

وهذا غاية الجهل؛ فإن الذي سمع من الملك الخلاق موسى بن عمران كليم الرحمن، وأما هذا وأمثاله فلم يحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول، وهو يدعي أنه يسمع الخطاب من مرسله، فيستغني به عن ظاهر العلم، ولعل الذي يخاطبه هو الشيطان، أو نفسه الجاهلة، أو هما مجتمعين ومنفردين.

ومن ظن أنه يستغنى عما جاء به الرسول، بما يلقى في قلبه من الخواطر والهواجس؛ فهو من أعظم الناس كفرا، وكذلك إن ظن أنه يكتفي بهذا تارة وبهذا تارة.

فما يلقى في القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه؛ إن لم يعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة؛ وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان.

وقد سئل عبد الله بن مسعود عن مسألة المفوضة شهرا، فقال بعد الشهر: «أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطا فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله» ١.

وكتب كاتب لعمر بين يديه: «هذا ما أرى الله عمر»، فقال: «لا، امحه واكتب: هذا ما رأى عمر» ٢.

وقال عمر أيضا: «أيها الناس! اتهموا الرأي على الدين؛ فلقد رأيتني يوم

جارٍ التحميل