الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبلكِتَابُ الْقَضَاءِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
فَيَلْزَمُ الإِمَامَ أَنْ يُرَتبَ فِي كُلِّ إِقْلِيِمٍ قاضِيًا.
وَيَخْتارَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُهُ عِلْمًا وَوَرَعًا، وَيَأْمُرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَبأَنْ يَتَحَرَّى الْعَدْلَ، وَيَجْتَهِدَ (1) فِي إِقَامَتِهِ، وَأَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ (2) أَصْلَحَ مَنْ يَجِدُ لَهُمْ.
وَيَلْزَمُ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا دُعِيَ إِلَيْهِ -وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يُوثَقُ بِهِ غَيْرُهُ- أَنْ يُجِيبَ إِلَيْهِ.
فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ.
وَإِنْ دُعِيَ إِلَيْهِ فالأَفْضَلُ أَلَّا يُجِيبَ، وَإِنْ أَمِنَ نَفْسَهُ.

فَصْلٌ

وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إِلَّا بِتَوْليَةِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ الْمُوَلِّي كَوْنَ الْمُوَلَى صَالِحًا لِلْقَضَاءِ، وَتَعْيِينُ ما يُوَليهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الأَعْمالِ والْبُلْدَانِ، وَمُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ مُكاتَبَتُهُ بِهَا فِي الْبُعْدِ، وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَى وِلَايَتِهِ، أَوِ الاِسْتِفاضَةُ فِي بَلَدٍ قَرِيبٍ.
وَإِذَا كَانَ الْمُوَلِّي نَائِبَ الإِمَامِ، لَمْ تُشْتَرَطْ عَدَالتُهُ.12

الجزء: 1 - الصفحة: 527

وَأَلْفَاظُ التَّوْليَةِ الصَّرِيحَةُ: "وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ"، وَ"قَلَّدْتُكَ"، وَ"اسْتَنَبْتُكَ"، وَ"اسْتَخْلَفْتُكَ"، وَ"رَدَدْتُ إِلَيْكَ -وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ إِلَيْكَ- الْحُكْمَ".
فَإِذا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهُا والْقَبُولُ (1) مِنَ الْمُوَلَّى، انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ.
والْكِنَايَةُ نَحْوُ: "اعْتَمَدتُ -أَوْ عَوَّلْتُ- عَلَيْكَ"، وَ"وَكَلْتُ -أوْ أَسْنَدْتُ- إِلَيْكَ".
وَلا يَنْعَقِدُ بِها إِلَّا بِقَرِينَةٍ؛ نَحوِ: "فَاحْكُمْ"، أَوْ: "فتَولَّ (2) مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فِيهِ"، وَنَحْوِهِ.

فَصْلٌ

وَتُفِيدُ وِلَايَةُ الْحُكْمِ الْعَامَّةُ أَحَدَ عَشَرَ شَيْئًا: الْفَصْلَ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَأَخْذَ الْحَقِّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، والنَّظَرَ فِي أَمْوالِ غَيْرِ الْمُرْشِدِينَ، والْحَجْرَ عَلَى مَنْ يَسْتَوْجِبُهُ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، والنَّظَرَ فِي وُقُوفِ عَمَلِهِ لِيَعْمَلَ بِشَرْطِهَا، وَتَنْفِيذَ الْوَصَايَا، وَتَزْوِيجَ مَنْ لا وَفِيَ لَها غَيْرُهُ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَإِمَامَةَ الْجُمُعَةِ والْعِيدِ، والنَّظَرَ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ بِكَفِّ الأَذَى عَنِ الطُّرُقاتِ وَأَفْنِيَتِها، وَتَصَفُّحَ حالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ؛ لِيَسْتَبْقِيَ 5 أَوْ يَسْتَبْدِلَ مَنْ 6 يَصْلُحُ.34

الجزء: 1 - الصفحة: 528

وَيَجْبِي الْخَرَاجَ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَةَ، إِذَا لَمْ يُخَصَّا (1) بِنَاظِرٍ.
وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ المالِ، لِنَفْسِهِ، وَأُمَنَائِهِ، وَخُلَفَائِهِ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا.

فَصْلٌ

وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالإِمَارَةِ بِالشَّرْطِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومٍ الْعَمَلِ، وَأَنْ يُوَليَهُ خاصًّا فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا؛ فَيُوَليْهُ عُمُومَ النَّظَرِ -أوْ خَاصَّهُ- فِي مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ؛ فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي أَهْلِهَا وَمَنْ طَرَأَ عَلَيْهَا.
أَوْ يَجْعَلَ حُكْمَهُ فِي الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةَ، أَوْ فِي قَدْرِ مِنَ الْمَالِ لا يَتَجَاوَزُهُ، أَوْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ عُقُودَ الأَنْكِحَةِ دُونَ غَيْرِها.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَلَدٍ واحِدٍ؛ يَجْعَلُ إِلَى أَحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِلَى الآخَرِ عُقُودَ الأَنْكِحَةِ.
فَإِنْ جَعَلَ إِلَيْهِما عَمَلًا وَاحِدًا، جَازَ.
فَإِنْ ماتَ الْمُوَلِّي، لَمْ يَنْعَزِلِ الْمُوَلَّى.
وَإِنْ عَزَلَهُ مَعَ صَلَاحِيَتِهِ، انْعَزَلَ.
وَيَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ؛ كالْوَكِيلِ.
وَإِذا قَالَ الْمُوَلَّي: "مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ، مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي"، أَوْ: "قَدْ وَلَّيْتُهُ" -لَمْ تَنْعَقِدِ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَنْظُرُ.7

الجزء: 1 - الصفحة: 529

وَإِنْ قَالَ: "وَلَيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمْا فَهُوَ خَلِيفَتِي"، انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ لَهُ.

فَصْلٌ

وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ: كَوْنُهُ بالِغًا، عاقِلًا، ذَكَرًا، حُرًّا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا.
وَما فُقِدَ مِنْهَا فِي الدَّوامِ أَزَالَ الْوِلَايَةَ، إِلَّا فَقْدَ السَّمْعِ والْبَصَرِ فِيما يَثْبُتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يَحكُمْ بِهِ؛ فَإِنَّ وِلَايَةَ حُكْمِهِ باقِيَةٌ فِيهِ 8. والْمُجْتَهِدُ: مَنْ يَعْرِفُ مِنَ الْكِتَابِ والسُّنَةِ: الْحَقِيقَةَ والْمَجازَ، والأَمْرَ والنَّهْيَ، والْمُجْمَلَ والْمُبيَّنَ، والْمُحْكَمَ والْمُتَشَابِهَ، والْعَامَّ والْخَاصَّ، والْمُطْلَقَ والْمُقَيَّدَ، والنَّاسِخَ والْمَنْسُوخَ، والْمُسْتَثْنَى والْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
وَيَعْرِفُ أَخْبارَ السُّنَّةِ: صَحِيحَها وَسَقِيمَهَا، وَتَوَاتُرَهَا وَآحَادَهَا، وَمُرسَلَهَا وَمُتَّصِلَهَا، وَمُسْنَدَهَا وَمُنْقَطِعَهَا؛ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالأَحْكَامِ خاصَّةً.
وَيَعْرِفُ ما اجْتُمِعَ عَلَيْهِ واخْتُلِفَ فِيهِ، والْقِياسَ وَحُدُودَهُ وَشُرُوطَهُ وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْباطِهِ، والْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ والشَّامِ والْعِراقِ وَما يُوالِيهِمْ.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ.
فَمَنْ وَقَفَ عَلَى أَكْثَرِ ذَلِكَ وَفَهِمَهُ، صَلَحَ لِلْقَضَاءِ والْفُتْيَا.

الجزء: 1 - الصفحة: 530

وَإِذا حَكَمَ اثْنَانِ بَيْنَهُمَا، فِي الْمَالِ، والنِّكَاحِ، واللِّعَانِ، والْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ: رَجُلًا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَحَكَمَ -نَفَذَ حُكْمُهُ.


الجزء: 1 - الصفحة: 531

بَابُ أَدَبِ الْقَاضِي

يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، لَينًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، حَلِيمًا، ذَا أَنَاةٍ وَفِطْنَةٍ، بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ.
وَإِذا وَلِيَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، سَأَلَ عَنْ عُلَمَائِهِ وَعُدُولِهِ، وَيُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ بِيَوْمِ دُخُولهِ لِيَتَلَقَّوْهُ.
وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ أَوِ السَّبْتِ، لَابِسًا أَجْمَلَ مَلْبُوسِهِ، وَيَأْتِي الْجَامِعَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِذا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَمَرَ 9 بِعَهْدِهِ فَيُقْرَأُ عَلَيْهِمْ، وَيَأْمُرُ مَنْ يُنادِي بِيَوْمِ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ، ثُمَّ يَمْضِي إِلَى مَنْزِلهِ.
ثُمَّ يَنْفُذُ فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الْحُكْمِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ يَوْمَ الْوَعْدِ بِأَعْدَلِ أَحْوالِهِ، غَيْرَ غَضْبَانَ، وَلَا جَائِعٍ، وَلَا شَبْعَانَ، وَلَا حَاقِنٍ، وَلَا مَهْمُومٍ بِأَمْرٍ يَشْغَلُهُ عَنِ الْفَهْمِ، وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ مَرَّ بِهِ وَإِنْ كَانَ صَبيًّا، وَعَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ، وَيُصَلَّي فِيهِ إِنْ كَانَ مَسْجِدًا تَحِيَّتَهُ، وَإِلَّا خُيِّرَ.
وَيَجْلِسُ عَلَى بِساطٍ، وَيَسْأَلُ اللَّه تَوْفِيقَهُ لِلْحُكْمِ، وَعِصْمَتَهُ مِنْ زَلَلِ الْقَوْلِ والْعَمَلِ.
وَلْيَكُنْ مَجْلِسُهُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ فَسِيحًا؛ كالْجَامِعِ، والدَّارِ الْوَاسِعَةِ، وَلَا يَتَّخِذْ فِيهِ حاجِبًا وَلَا بَوَّابًا.
وَإِنِ اتَّخَذَ كاتِبًا فَلْيَكُنْ مُسْلِمًا، عَدْلًا، حَافِظًا، مَجْلِسُهُ بِحَيْثُ يُشاهِدُ ما يَكْتُبُهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 532

وَيُوصِي الْوُكَلَاءَ والأَعْوانَ عَلَى بَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالخُصُومِ وَقِلَّةِ الطَّمَعِ، وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا، مِنْ أَهْلِ الدِّينِ والصِّيَانَةِ.
وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ (1) مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَيَعْرِضُ الْقِصصَ، وَيُقَدِّمُ الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، وَلَا يُقَدِمُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ حَضَرُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا، قُدَمَ أَحَدُهُمْ بِالقُرْعَةِ، إِلَّا الْمُسَافِرَ المُرْتَحِلَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ.
وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي لَحْظِهِ، وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَدُخُولهِمَا عَلَيْهِ.
وَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ عَلَى الْكافِرِ فِي الدُّخُولِ، وَيَرْفَعُهُ عَلَيْهِ فِي الْجُلُوسِ.
وَلَا يُسَارِرُ أَحَدَهُمَا، وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ، وَلَا يُضِيفُهُ، وَلَا يُعَلِّمُهُ الدَّعْوَى، وَلَا تَحْرِيرَها.
وَما لَزِمَ ذِكْرُهُ فِيها مِنْ شَرْطِ عَقْدٍ أَوْ سَبَبٍ وَنَحْوه، إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ سَأَلَ عَنْهُ لِيَتَحَرَّزَ (2). وَلَهُ أَنْ يَزِنَ عَنْهُ، وَيَسْأَلَ خَصْمَهُ أَنْ يُنْظِرَهُ، وَأَنْ يَضَعَ عَنْهُ.

فَصْلٌ

وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ فُقَهَاءَ الْمَذاهِبِ، وَيُشَاوِرَهُمْ فِيما يُشْكِلُ عَلَيْهِ، فَإِنِ اتَّضَحَ لَهُ حَكَمَ بِهِ، وَإِلَّا أَخَّرَهُ حَتَّى يَتَّضِحَ.1011

الجزء: 1 - الصفحة: 533

وَلَا يُقَلدُ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ.
وَلَا يَقْضِي مَعَ الْهَمِّ، والْوَجَعِ، وَالنُّعَاسِ، والْبَرْدِ الْمُؤْلِمِ، والْحَرِّ الْمُزْعِجِ، وَشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ (1). وَإِنْ خَالَفَ وَحَكَمَ فَوَافَقَ الْحَقَّ، نَفَذَ حُكْمُهُ.
وَلَا يَحِل لَهُ أَنْ يَرْتَشِيَ.
وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إِلَّا مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلايَتِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ عِنْدَهُ.
وَيُكْرَهُ لَهُ الْبَيْعُ والشِّرَاءُ، إِلَّا بِوَكِيلٍ لَا يُعْرَفُ بِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ عِيادَةُ الْمَرْضَى، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ، مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ الْحُكْمِ.
وَيَحْضُرُ الْوَلَائِمَ، فَإِنْ كَثُرَتْ تَرَكَهَا، وَلَا يُجِيبُ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ.

فَصْلٌ

ويُسْتَحَبُّ أَلَّا يَحْكُمَ إِلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ.
وَلَا يَنْفُذُ 13 حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا لِمَنْ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ لَهُ، وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بَعْضُ خُلَفائِهِ.
ثُمَّ يُنادَى فِي الْبَلَدِ: "إِنَّ الْقاضِيَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمَحبُوسِينَ"، ثُمَّ يُنْفِذُ مَنْ يَكْتُبُ اسْمَ كُل مَحبُوسٍ، وَمَنْ حَبَسَهُ، وَفِيمَ حَبَسَهُ، فِي رُقْعَةِ مُفْرَدَةٍ.
فَإِذَا حَضَرَ قَالَ: "هَذِهِ رُقْعَةُ فُلَانٍ، فَمَنْ خَصْمُهُ؟ "، فَإنْ حَضَرَ نَظَرَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ بَانَ حَبْسُهُ تَعْزِيرًا، أَوْ فِي تُهَمَةٍ، خَلَّاهُ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ12

الجزء: 1 - الصفحة: 534

خَصْمٌ، وَقالَ: "حُبِسْتُ ظُلْمًا، وَلَا خَصْمَ لِي"، نُودِيَ بِذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإنْ ظَهَرَ لَهُ خَصْمٌ، وَإِلَّا حَلَّفَهُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ.
ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْ حالِ الأَيْتَامِ، والْمَجَانِينِ، والْوُقُوفِ، ثُمَّ فِي حَالِ الْقَاضِي قَبْلَهُ: فَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، لَمْ يَنْقُضْ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعًا.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ، نَقَضَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا لمْ يُوافِقِ الْحَقَّ.
وَإِنِ اسْتَعْداهُ أَحَدٌ عَلَى خَصمٍ حاضِرٍ أَحضَرَهُ قَبْلَ تَحرِيرِ الدَّعْوَى.
وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى الْقَاضِي [قَبْلَهُ] 14، اعْتُبِرَ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى فِي حَقِّهِ، ثُمَّ رَاسَلَهُ: فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَقالَ: "يُرِيدُ تَبْذِيلِي"، وَعَرَفَ لِما ادَّعاهُ أَصلًا -أَحْضَرَهُ، وإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ قَالَ: "حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ"، فأَنْكَرَ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَإِنْ قَالَ الْمَعْزُولُ: "كُنْتُ حَكَمْتُ فِي وِلَايَتِي لفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ"، قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَإِنِ ادُّعِيَ عَلَى غَيْرِ بَرْزَةٍ، لَمْ تُحْضَرْ، وَأُمِرَتْ 15 بِالتَّوْكِيلِ، وَإِنْ لَزِمَها يَمِينٌ أَرْسَلَ مَنْ يُحْلِفُهَا، وَكَذَا الْمَرِيضُ.
وَمَنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ بِمَوْضِعٍ لا حَاكِمَ فِيهِ، أَرْسَلَ إِلَى ثِقَاتِ الْمَوْضِعِ لِلصُّلْحِ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تَعَذَّرَ قِيلَ لِلْمُدَّعِي: "حَقِّقْ دَعْوَاكَ"، ثُمَّ يُحْضِرُهُ وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ.
وَلَا يُعْتَبَرُ لإِحْضَارِ الْبَرْزَةِ مَحْرَمُها إِذَا تَعَذَّرَ؛ كَسَفَرِ الْهِجْرَةِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 535

بَابُ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَصِفَتِهِ

إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ خَصْمَانِ، قَالَ: "أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي؟ "، وَإِنْ سَكَتَ حَتَّى يَبْدَأَ جازَ.
فَمَنْ سَبَقَ الدَّعْوَى، قَدَّمَهُ.
وَإِنِ ادَّعَيا مَعًا، قَدَّمَ أَحَدَهُمَا بِالْقُرعَةِ.
فَإِذا انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ، سَمَعَ دَعْوَى الآخَرِ.
فَإِذَا تَحَرَّرَتْ، سَأَلَ الْخَصْمَ عَنْها، فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ، حَكَمَ لَهُ عَلَيْهِ.
وَلَا يَحْكُمُ بإِقْرَارٍ، وَلَا نُكُولٍ، وَلَا بَيِّنَةٍ، حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي الْحُكْمَ.
وَإِنْ أَنْكَرَ؛ بِأَنْ قَالَ لِمَنِ ادَّعَى قَرضًا، أَوْ ثَمَنًا: "مَا أَقْرَضَنِي"، أَوْ: "مَا بَاعَنِي"، أَوْ: "مَا يَسْتَحِقُّ عَلَي شَيْئًا مِمَّا ادَّعاهُ"، أَوْ: "لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ"، وَنَحْوَهُ -صَحَّ الْجَوَابُ.
وَيَقُولُ لِلْمُدَّعِي -إِنْ لَمْ يَعْرِفْ-: "إِنْ كَانَ لَكَ بَيِّنَةٌ فَأَحْضِرْهَا"، فَإِنْ أَحْضَرَهَا سَمِعَهَا وَحَكَمَ بِهَا.
وَيَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ وَالإِقْرَارِ فِي مَجْلِسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ.
فَأَمَّا حُكْمُهُ بِعِلْمِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، فَلا يَجُوزُ.
وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: "ما لِي بَيِّنَةٌ"، أَعْلَمَهُ الْحاكِمُ أَن لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ عَلَى صِفَةِ جَوَابِهِ.
فَإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَهُ، أَحْلَفَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وَلَا يُعْتَدُّ بِيَمِينهِ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي.
فَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، فَيَقُولُ: "إِنْ حَلَفْتَ وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ".
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَرِّرَهُ ثَلَاثًا.
فَإِنْ لَمْ يَحلِفْ،

الجزء: 1 - الصفحة: 536

قَضَى عَلَيْهِ.
فَإِنْ بَذَلَ الْيَمِينَ بَعْدَ النُّكُولِ، لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ إِلَّا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، بِشَرْطِ عَدَمِ الْحُكْمِ.
وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: "ما لِي بَيِّنَةٌ"، ثُمَّ أتَى بِبَيِّنَةِ، لَمْ تُسْمَعْ.
وَإِنْ قَالَ: "مَا أَعْلَمُ"، ثُمَّ أتَى بِهَا، سُمِعَتْ.
فَإِنْ قَالَ شَاهِدانِ: "نَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ"، فَقالَ: "هَذانِ بَيِّنَتِي"، سُمِعَتْ.
فَإِنْ قَالَ: "ما أُرِيدُ أَنْ يَشْهَدا لِي"، لَمْ يُكَلَّفْ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ.
وَإِنْ قَالَ: "لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ يَمِينَهُ، ثُمَّ إِقَامَ الْبَيِّنَةِ"، مَلَكَهُمَا 16، إِلَّا إِذَا كَانَتْ حاضِرَةَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ؛ فَلا يَمْلِكُ إِلَّا إِقامَتَها مِنْ غيْرِ تَحْلِيفٍ، أَوِ الْعَكْسَ.
فَإِنْ حَلَفَ الْمُنْكرُ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنِ الْيَمِينُ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ.
وَإِنْ سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، قَالَ لَهُ: "إِنْ أَجْبَتَ، وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ".
وَإِنْ قَالَ: "لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعاهُ"، لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا.
وَإِنْ قَالَ: "لِي حِسَابٌ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ"، [لَمْ يَلْزَم الْمُدَّعِيَ إِنْظارُهُ.
وَإِنْ قَالَ: "قَدْ قَضَيْتُهُ -أَوْ أَبْرَأَنِي] 17 - وَ 18 لِي بَيِّنَةٌ بِالقَضَاءِ، أَوِ: الإِبْرَاءِ"- أُنْظِرَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ.
فَإِنْ عَجَزَ، حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْي مَا ادَّعاهُ، واسْتَحَقَّ.

الجزء: 1 - الصفحة: 537

فَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ، فَأَقَرَّ بِهَا لِحاضِرٍ مُكَلَّفٍ، جُعِلَ الْخَصْمَ فِيها، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيُسْأَلُ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا: فَإِنِ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ وَلَا بَيِّنَةَ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ: "لَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ"، سُلِّمَتِ إِلَى الْمُدَّعي.
وَإِنْ قال: "أُقِرُّ بِهَا"؛ لِغائِبٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ -سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى.
وَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعي بَيِّنَةٌ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَلَا يَحْلِفُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُها إِلَيْهِ.
وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّها لِمَنْ سَمَّى لَمْ يَحْلِفْ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِمَجْهُولٍ، قِيلَ لَهُ: "إِمَّا أَنْ تُعَرِّفَهُ، أَوْ نَجْعَلَكَ نَاكِلًا".

فَصْلٌ

وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إِلَّا مُحَرَّرَةً مَعْلُومَةَ الْمدَّعَى، إِلَّا ما نُصَحِّحُهُ مَجْهُولًا كَالْوَصِيَّةِ، وَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ مَهْرًا، وَنَحْوِهِ؛ فَيَجُوزُ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا حَاضِرَةً، عَيَّنَها.
وَإِنْ كَانَ غائِبًا، أَوْ فِي الذِّمَّةِ، وَصَفَهُ بِما يَنْضَبِطُ.
وَذَكَرَ -إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا- قَدرَهُ، والأَوْلَى مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ قِيمَتِهِ.
وَيَتَعَيَّنُ ذِكْرُ الْقِيمَةِ فِيما لا يَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ.
فَإِنِ ادَّعَى عقْدَ نِكَاحٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ غَيْرِهِما -فَلا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِهِ.
وَإِنِ ادَّعَتِ امْرَأَةٌ نِكَاحَ رَجُلٍ لِطَلَبِ نَفَقَةٍ، أَوْ مَهْرٍ، وَنَحْوِهِ -سُمِعَتْ دَعْوَاهَا.
وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ سِوَى النِّكَاحِ، لَمْ تُسْمَعْ.

الجزء: 1 - الصفحة: 538

فَإنِ ادَّعَى الإِرْثَ، ذَكَرَ سَبَبَهُ.
وَإِنِ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثهِ، ذَكَرَ كَوْنَ الْقَاتِلِ مُنْفَرِدًا أَوْ مُشارِكًا، وَعَمْدًا أَوْ خَطًا، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ؛ فَوَصَفَهُ.
وَإِنِ ادَّعَى سَيْفًا مُحَلًّى، قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ، إِلَّا المُحَلَّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مَعًا؛ فَيُقَومُهُ (1) بأَيِّهِمَا شَاءَ لِلْحَاجَةِ.
وَإِنْ كَانَ نَقْدًا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، كَفَى ذِكْرُ قَدْرِهِ.

فَصْلٌ

وَتُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا وَباطِنًا، وَمَنْ جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ سَأَلَ عَنْهُ: فَإِنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُ عَمِلَ بِهَا، وَإِنِ ارْتَابَ بِشُهُودٍ لَمْ يَخْبُرْ قُوَّةَ ضَبْطِهِمْ وَدِينِهِمُ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ، وَيَسْأَلَ كُلَّ واحِدٍ عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّحَمُّلِ، وَأَيْنَ، وَمَتَى، وَأَيَّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَهَلْ تَحَمَّلَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ: فَإِنِ اخْتَلَفُوا لَمْ يَقْبَلْهَا، وَإِنِ اتَّفَقُوا وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ، ثُمَّ حَكَمَ إِنْ ثَبُتُوا.
وَإِنْ جَرَحَ الْخَصْمُ الشُّهُودَ، كُلِّفَ الْبيِّنَةَ بِهِ، وَأُنْظِرَ لَهُ ثَلَاثًا، وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ.
فَإنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ حُكِمَ عَلَيْهِ.
وَلَا يُسْمَعُ الجَرْحُ إِلَّا مُبَيَّنَ السَّبَبِ؛ بأَنْ يَذْكُرَ ما يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ عَنْ رُؤْيَةٍ أَوِ اسْتِفاضَةٍ.
وَمَنْ جَرَحَهُ اثْنانِ وَعَدَّلَهُ اثْنانِ، فالْجَرحُ أَوْلَى.
وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً، لَمْ يَلْزَمِ الْبَحْثُ عَنْهَا، إِلَّا مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ.19

الجزء: 1 - الصفحة: 539

وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ يَعْرِفُ حالَهُ، قَالَ لِلْمُدَّعي: "زِدْنِي شُهُودًا".
وَإِنْ جَهِلَ حَالَهُ طَلَبَ مِنَ المُدَّعِي تَزْكِيَتَهُ، وَيَكْفِي فِيها عَدْلَانِ يَشْهَدانِ أنَّهُ عَدلٌ رِضًا.
وَإِنْ سَأَلَ المُدَّعِي قَبْلَ التَّزْكِيَةِ حَبْسَ خَصْمِهِ، أَوْ كَفِيلًا بِهِ -فِي غَيْرِ الْحَدِّ- أَوْ تَعْدِيلَ الْعَيْنِ المُدَّعَاةِ؛ لِئَلَّا يَغِيبَ؛ حَتَّى يُزَكيَ الشُّهُودَ، أَوْ أَقامَ شَاهِدًا حَتَّى يُقِيمَ آخَرَ-: أُجِيبَ لِمُدَّةِ ثَلَاثٍ.
وَإِذَا حَاكَمَ مَنْ لا يَعْرِفُ لِسَانَهُ، تَرْجَمَ لَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ.
وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ، والتَّزْكِيَةِ، والْجَرْحِ، والتَّعْرِيفِ، والرِّسالَةِ -إِلَّا قَوْلُ عَدْلَيْنِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا ادَّعَى عَلَى غائِبٍ، أَوْ مُسْتَتِرٍ فِي الْبَلَدِ، أَوْ مَيِّتٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونِ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ -سُمِعَتْ وَحُكِمَ لَهُ بِهَا، وَيَسْتَحْلِفُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَقَاءِ حَقِّهِ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ الرُّشْدِ والْحُضُورِ عَلَى حُجَّتِهِمْ.
وَإِنِ ادَّعَى عَلَى حَاضِرٍ فِي الْبَلَدِ غائِبٍ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَأَتَى بِبَيِّنَةٍ -لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى وَلَا الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَحْضُرَ.
وَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ، أُلْجِئَ إِلَيْهِ بِالشُّرَطِ والتَّنْفِيذِ إِلَى مَنْزِلهِ مِرَارًا، وَإِقْعَادِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِي دُخُولهِ وَخُرُوجِهِ، وَمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى التَّغْيِيبِ، سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وَحُكِمَ بِهَا عَلَيْهِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 540

فَصْلٌ

وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ، وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ، وَلَهُ عَيْنٌ أَوْ دَيْنٌ عِنْدَ فُلَانٍ، وَأَقَرَّ فُلَانٌ بِذَلِكَ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ -سُلِّمَ إِلَى الْمُدَّعِي نَصِيبُهُ (1)، وَيُسَلَّمُ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ.
وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِي الْبَاطِنِ.
وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ فَصَدَّقَهُ، قُبِلَ قَوْلُ الْحَاكِمِ وَحْدَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَاكِمُ، فَشَهِدَ عَدْلَانِ بِحُكْمِهِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا (2) وَأَمْضَاهُ.
وَكَذَا إِنْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَكَ بِكَذَا، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا.
وَلَوْ وَجَدَ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ مُتَيَقِّنًا لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ، أَنْفَذَهُ.
وَكَذَا شَهَادَةُ الشَّاهِدِ بنَاءً عَلَى خَطِّهِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ.

فَصْلٌ

وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَتَعَذَّرَ 22 أَخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ لَهُ عَلَى مَالٍ -لَمْ يَجُزْ لَهُ فِي الْبَاطِنِ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهُ.2021

الجزء: 1 - الصفحة: 541

بَابُ حُكْمِ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي

يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي كُلِّ حَقٍّ، حَتَّى الْقَذْفِ، إِلَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ؛ كَحَدِّ الزِّنَى، وَنَحْوِهِ.
وَيُقْبَلُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنْفِذَهُ، وَإِنْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ.
وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ 23 بِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ كِتَابُهُ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إِلَّا أَنْ يُشْهِدَ بِهِ الْقَاضِي الْكَاتِبُ شَاهِدَيْنِ يُحْضِرُهُمَا، فَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَقُولُ: "اشْهَدَا 24 أَنَّ هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ"، وَيَدْفَعُهُ إِلَيْهِمَا.
فَإِذَا وَصَلَا دَفَعَاهُ إِلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَقَالَا: "نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إِلَيْكَ كَتَبَهُ بِعَمَلِهِ، وَأَشْهَدَنَا عَلَيْهِ".
وَلَوْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: "هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ، اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ"، لَمْ يَصِحَّ.
فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ، وَأَحْضَرَ الْخَصْمَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَحِلْيَتِهِ، فَقَالَ: "مَا أَنَا فُلَانٌ الْمَذْكُورُ! " -فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ.
وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، فَقَالَ: "الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرِي، وَهُوَ مِثْلِي نَسَبًا

الجزء: 1 - الصفحة: 542

وَصِفَةً! " -لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا بِبَيَّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ فِي الْبَلَدِ آخَرَ كَذَلِكَ؛ فَيُوقَفُ الأَمْرُ حَتَّى يُعْلَمَ الْخَصْمُ مِنْهُمَا.
وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ؛ بِعَزْلٍ أَوْ مَوْتٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِي كِتَابِهِ.
وَإِنْ تَغَيَّرَتْ بِفِسْقٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا قَدْ حَكَمَ بِهِ، وَبَطَلَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ.
وَإِنْ وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى غَيْرِ مَنْ كُتِبَ إِلَيْهِ، أَوْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، فَلِمَنْ (1) قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ وَالْعَمَلُ بِهِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "أَشْهِدْ لِي عَلَيْكَ بِمَا جَرَى حَتَّى لَا يَحْكُمَ عَلَيَّ الْقَاضِي ثَانِيًا"، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
وَكَذَا كُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ الحَاكِمِ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ -مِثْلَ: أَنْ أَنْكَرَ وَحَلَّفَهُ الْحَاكِمُ- فَسَأَلَهُ أَنْ يُشْهِدَ لَهُ بمَا جَرَى مِنْ بَرَاءَةٍ، أَوْ ثُبُوتٍ مُجَرَّدٍ، أَوْ مُتَّصِلٍ بِحُكْمٍ أَوْ تَنْفِيذٍ، أَوْ سَأَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ -لَزِمَهُ إِجَابَتُهُ.
وَإِنْ سَأَلَ كِتَابَتَهُ، فَأَتَاهُ بِكَاغَدٍ 26، أَوْ كَانَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَاغَدٌ لِذَلِكَ -لَزِمَتْهُ الْكِتَابَةُ.
وَيُسَمَّى مَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ "سِجِلًّا"، وَالأَوَّلُ "مَحْضَرًا"، وَيَجْعَلُ السِّجِلَّ نُسْخَتَيْنِ نُسْخَةٌ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَنُسْخَةٌ يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ.25

الجزء: 1 - الصفحة: 543

فَصْلٌ

وَصِفَةُ "الْمَحْضرِ": "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَضَرَ الْقَاضِيَ -فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِىَّ، قَاضِيَ عَبْدِ اللَّهِ الإِمَامِ، عَلَى كَذَا (وَإِنْ كَانَ نَائِبًا كَتَبَ: خَلِيفَةَ الْقَاضِي فُلَانٍ، [قَاضِي] (1) عَبْدِ اللَّهِ الإِمَامِ)، فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، بِمَوْضِعِ كَذَا-: مُدَّعٍ، ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَادَّعَى عَلَيْهِ بِكَذَا، فَأَقَرَّ لَهُ.
(أَوْ: أَنْكَرَ، فَقَالَ لِلْمُدَّعِي: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ "، قَالَ: "نَعَمْ"، فَأَحْضَرَهَا، وَسَأَلَهُ فِي سَمَاعِهَا، فَفَعَلَ.
أَوْ: فَأَنْكَرَ، وَلَمْ تَقُمْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، وَسَأَلَ إِحْلَافَهُ، فَأَحْلَفَهُ).
(وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ ذَكَرَهُ، وَأَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ).
وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، فِي يَوْمِ كَذَا، مِنْ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا".
وَيُعْلِم فِي الإِحْلَافِ، وَالإِقْرَارِ: "جَرَى الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ".
وَفِي الْبَيِّنَةِ: "شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ".

فَصْلٌ

وَأَمَّا "السِّجِلُّ" فَهُوَ لإِنْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمِ بِهِ.27

الجزء: 1 - الصفحة: 544

وَصِفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ: "هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانٌ (كَمَا قَدَّمْنَا) مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ؛ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا رَأَى مَعَهُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا، بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ، (وَيَذْكُرُهُمَا إِنْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ، وَإِلَّا قَالَ: مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ)، جَازَ حُضُورُهُمَا، وَسَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ-: مَعْرِفَةُ 28 فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، (وَيَذْكُرُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَإِقْرَارَهُ طَوْعًا -فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمْرٍ- بِجَمِيعِ مَا سُمِّيَ وَوُصِفَ بِهِ)، فِي كِتَابٍ نُسْخَتُهُ كَذَا.
(وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ الْمُثْبَتَ أَوِ الْمَحْضَرَ جَمِيعَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ.
فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ: ) وَأَنَّ الْقَاضِيَ فُلَانًا 29 أَمْضَاهُ وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي مِثْلِهِ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ -وَالإِشْهَادَ بِهِ- الْخَصْمُ الْمُدَّعِي (وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ)، وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْخَصْمُ الحَاضِرُ مَعَهُ بِحُجَّةٍ، وَجَعَلَ كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ، وَأَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ -عَلَى إِنْفَاذِهِ، وَحُكْمِهِ، وَإِمْضَائِهِ- مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، فِي الْيَوْم الْمُؤَرَّخِ فِي أَعْلَاهُ، وَأَمَرَ بِكَتْبِ هَذَا السِّجِلِّ نُسْخَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ، تُخَلَّدُ نُسْخَةٌ مِنْهُمَا دِيوَانَ الْحُكْمِ، وَيَدْفَعُ الأُخْرَى إِلَى مَنْ كَتَبَهَا لَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ بِمَا أُنْفِذَ فِيهِمَا".

الجزء: 1 - الصفحة: 545

وَلَوْ كَتَبَ كَمَا قَدَّمْنَا لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ"، سَاغَ ذَلِكَ؛ لِجَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.

فَصْلٌ

وَمَهْمَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ، عَلَى حَسَبِهَا قِلَّةً أَوْ كَثْرَةً -ضَمَّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَكَتَبَ: "مَحَاضِرُ وَسِجِلَّاتُ كَذَا مِنْ وَقْتِ كَذَا".
وَإِذَا أَخْبَرَ قَاضٍ قَاضِيًا فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، أَوْ فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا، بِحُكْمٍ أَوْ ثُبُوتٍ -لَمْ يَعْمَلْ بِهِ بِحَالٍ.


الجزء: 1 - الصفحة: 546

بَابُ الْقِسْمَةِ

لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الأَمْلَاكِ الَّتِي لَا تَنْقَسِمُ إِلَّا بضَرَرٍ أَوْ رَدِّ عِوَضٍ، إِلَّا بِتَرَاضِي الشُّرَكَاءِ كَالدُّورِ الصِّغَارِ، وَالْعَضَائِدِ 30 الْمُتَلَاصِقَةِ اللَّاتِي لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ عَيْنٍ مُنْفَرِدَةً، وَالْحَمَّامٍ وَالطَّاحُونِ الصَّغِيرَيْنِ، وَالأَرْضِ الَّتِي لَا تَتَعَدَّلُ بِأَجْزَاءٍ، وَلَا قِيمَةٍ؛ لِبِنَاءٍ أوْ بِئْرٍ فِي بَعْضِهَا.
فَهَذِهِ الْقِسْمَةُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ؛ لَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ؛ إِذَا رَضُوا بِقِسْمَتِهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ جَازَ، وَلَا يُجْبَرُ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ قِسْمَتِهَا.
وَالضَّرَرُ الْمَانِعُ مِنْ قِسْمَةِ الإِجْبَارِ: نَقْصُ قِيمَةِ الْمَقْسُومِ بِهَا.
وَإِنْ تَضَرَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَحْدَهُ؛ كَرَبِّ الثُّلُثِ مَعَ رَبِّ الثُّلُثَيْنِ، فَطَلَبَ 31 الْمُتَضَرِّرُ الْقِسْمَةَ -أُجْبِرَ الآخَرُ، وَلَا عَكْسَ.
وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبِيدٌ، أَوْ بَهَائِمُ، أَوْ ثِيَابٌ، وَنَحْوُهَا 32، مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ -أُجْبِرَ الآخَرُ.
وَلَا يُجْبَرُ فِي مُخْتَلِفَي الْجِنْسِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ أَوْ عَرْصَةٌ، فَلَا إِجْبَارَ فِيهِمَا بِحَالٍ، إِلَّا أَنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 547

يَطْلُبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ طُولِهِمَا فِي كَمَالِ الْعَرْضِ، أَوْ قِسْمَةَ الْعَرْصَةِ عَرْضًا، وَهِيَ تَسَعُ حَائِطَيْنِ؛ فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ ذَاتُ سُفْلٍ وَعُلْوٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا جَعْلَ السُّفْلِ لِوَاحِدٍ، وَالْعُلْوِ لآخَرَ -لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَنَافِعُ، وَاقْتَسَمَاهَا بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، جَازَ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ إِذَا قَدَّرَا مُدَّةً مَعْلُومَةً.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ فِيهَا زَرْعٌ لَهُمَا، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا دُونَ الزَّرْعِ، قُسِمَتْ كَالْخَالِيَةِ.
وَإِنْ طَلَبَ قِسْمَةَ الزَّرْعِ دُونَهَا، أَوْ قِسْمَتَهُمَا (1)، لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ.
وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَالزَّرْعُ قَصِيلٌ (2) أَوْ قُطْنٌ، جَازَ.
وَإِنْ كَانَ بَذْرًا أَوْ سُنْبُلًا مُشْتَدَّ الْحَبِّ، لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ قَنَاةٌ، أَوْ عَيْنٌ يَنْبُعُ مَاؤُهَا -فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ.
وَإِنْ رَضِيَا بِقِسْمَتِهِ مُهَايَأَةً بِالزَّمَانِ، أَوْ بِأَنْ يُنْصَبَ حَجَرٌ مُسْتَوٍ، أَوْ خَشَبَةٌ، فِي مَصْدَمِ الْمَاءِ، فِيهِ ثُقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا-: جَازَ.
فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِنَصِيبِهِ أَرْضًا لَا شِرْبَ لَهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ، لَمْ يُمْنَعْ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا مَا لَا ضَرَرَ وَلَا رَدَّ عِوَضٍ، فِي قِسْمَتِهِ؛ كَالْقَرْيَةِ، وَالْبُسْتَانِ،3334

الجزء: 1 - الصفحة: 548

وَالدَّارِ الْكَبِيرَةِ، وَالأَرْضِ وَالدَّكَاكِينِ الْوَاسِعَةِ، وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ: كَالأَدْهَانِ، وَالأَلْبَانِ، وَخَلِّ التَّمْرِ، وَالْعِنَبِ، وَنَحْوِهِمَا-: إِذَا طَلَبَ الشَّرِيكُ قِسْمَتَهَا، أُجْبِرَ الآخَرُ عَلَيْهَا.
وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ إِفْرَازٌ لَا بَيْعٌ؛ فَيَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ مِنْ ذَلِكَ بِلَا رَدٍّ، وَمَا بَعْضُهُ وَقْفٌ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ مِنْ أَرْبَابِ الطِّلْقِ 35. وَيَجُوزُ قِسْمَةُ مَا يُخْرَصُ خَرْصًا، وَمَا يُكَالُ وَزْنًا، وَمَا يُوزَنُ كَيْلًا.
وَالتَّفَرُّقُ فِي قِسْمَةِ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَلَا يَحْنَثُ بِهَا مِنْ حَلَفَ "لَا يَبِيعُ".
وَيَفْسَخُ بِالْعَيْبِ، وَلَا شُفْعَةَ.
وَمَنْ رَهَنَ سَهْمَهُ مُشَاعًا، ثُمَّ قَاسَمَ شَرِيكَهُ، صَحَّ، وَاخْتَصَّ قَسْمُهُ بِالرَّهْنِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ يَشْرَبُ بَعْضُهَا سَيْحًا 36، وَالْبَعْضُ بَعْلًا 37، ، أَوْ فِي بَعْضِهَا شَجَرٌ، وَفِي الْبَعْضِ نَخْلٌ؛ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ، وَطَلَبَ 38 الآخَرُ قِسْمَتَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ -قُسِمَتْ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ إِذَا أَمْكَنَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 549

فَصْلٌ

وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَبِقَاسِمٍ يَنْصِبُونَهُ، أَوْ يَسْأَلُوا الحَاكِمَ نَصْبَهُ، وَأُجْرَتُهُ عَلَى قَدْرِ الأَمْلَاكِ.
وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، عَارِفًا بِالْقِسْمَةِ.
وَيُعَدِّلُ السِّهَامَ بِالأَجْزَاءِ إِنْ تَسَاوَتْ، وَبِالْقِيمَةِ إِنِ اخْتَلَفَتْ، وَبِالرَّدِّ إِنِ اقْتَضَتْهُ، فَإِذَا تَمَّتِ الْقُرْعَةُ لَزِمَتِ الْقِسْمَةُ.
فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ، لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ، وَإِلَّا أَجْزَأَ وَاحِدٌ.
وَإِذَا سَأَلُوا الْحَاكِمَ قِسْمَةَ عَقَارٍ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ، ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّهُ قَسَمَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ بِمِلْكِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى طَلَبِ الْقِسْمَةِ، لَمْ يَقْسِمْهُ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ مِلْكُهُمْ.

فَصْلٌ

وَكَيْفَمَا اقْتَرَعُوا جَازَ، وَالأَحْوَطُ أَنْ يَكْتُبَ كُلَّ اسْمِ شَرِيكٍ فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ تُدْرَجُ فِي بَنَادِقِ شَمْعِ أَوْ طِينٍ، مُتَسَاوِيَةٍ قَدْرًا وَوَزْنًا، وَتُطْرَحُ فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ، وَيُقَالُ لَهُ: "أَخْرِج بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ"، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ 39 كَانَ لَهُ، ثُمَّ لِلثَّانِي كَذَلِكَ، وَالسَّهْمُ الْبَاقِي لِلثَّالِثِ، إِنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 550

كَانُوا ثَلَاثَةً وَاسْتَوَتْ سِهَامُهُمْ.
وَلَوْ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ سَهْمٍ فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْرِجْ بُنْدُقَةً لِفُلَانٍ، وَبُنْدُقَةً لِفُلَانٍ، وَبُنْدُقَةً لِفُلَانٍ" -جَازَ.
وَلَوْ كَانَتْ سِهَامُ الثَّلَاثَةِ مُخْتَلِفَةً- كَنِصْفٍ، وَثُلُثٍ، وَسُدُسٍ -جُزِّئَ الْمَقْسُومُ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ، وَأَخْرَجَ الأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ لَا غَيْرُ؛ فَيَكْتُبُ اسْمَ صَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةَ رِقَاعٍ، وَلِرَبِّ الثُّلُثِ رُقْعَتَيْنِ، وَلِرَبِّ السُّدُسِ رُقْعَةً، وَتُخْرَجُ بُنْدُقَةٌ عَلَى أَوَّلِ سَهْمٍ: فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ اسْمُ رَبِّ النِّصْفِ، أَخَذَهُ مَعَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ.
وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ، أَخَذَهُ وَالثَّانِي.
ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الآخَرَيْنِ، وَالْبَاقِي لِلثَّالِثِ.

فَصْلٌ

وَمَنِ ادَّعَى غَلَطًا فِيمَا تَقَاسَمُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَشْهَدوا عَلَى رِضَاهُمْ بِهِ -لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمُ الْحَاكِمِ، قُبِلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ.
وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمٌ نَصَبُوهُ، وَوُجِدَ فِيهِ الرِّضَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَإِلَّا فَهُوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ.
وَإِذَا تَقَاسَمَا، ثُمَّ اسْتُحِقَّ مِنَ الْحِصَّتَيْنِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، فَالْقِسْمَةُ بِحَالِهَا فِي الْبَاقِي.
وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ فِيهِمَا شَائِعًا، بَطَلَتْ.
وَإِذَا قَسَمَ الْوَرَثَةُ الْعَقَارَ، ثُمَّ ظَهَرَ دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ، لَمْ تَبْطُلِ القِسْمَةُ.
وَإِنِ اقْتَسَمَا دَارًا، فَحَصَلَ الطَّرِيقُ فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا، وَلَا مَنْفَذَ لِلآخَرِ -لَمْ

الجزء: 1 - الصفحة: 551

تَصِحَّ الْقِسْمَةُ.
وَإِنْ كَانَ لَهَا ظُلَّةٌ، فَوَقَعَتْ فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ.
وَوَلِيُّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِي قِسْمَةِ الإِجْبَارِ بِمَنْزِلَتِهِ، وَكَذَا فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي إِذَا رَآهَا مَصْلَحَةً.
وَيَقْسِمُ الْحَاكِمُ عَلَى الْغَائِبِ فِي قِسْمَةِ الإِجْبَارِ 40.


الجزء: 1 - الصفحة: 552

بَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَتَعَارُضِهِمَا فِي الْبَيِّنَتيْن (1) فِيهَا

الْمُدَّعِي: مَنْ إِذَا سَكَتَ تُرِكَ.
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ.
وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى والإِنْكَارُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا.

فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا يَحْلِفُ.
فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، قُضِيَ لِلْخارِجِ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَغَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
وَلَوْ تَدَاعَيَا حَيَوَانًا: أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِزِمَامِهِ، وَالآخَرُ رَاكِبُهُ أَوْ عَلَيْهِ حِمْلُهُ، ، أَوْ قَمِيصًا: أَحَدُهُمَا اخِذٌ بِكُمِّهِ، وَالآخَرُ لَابِسُهُ -فَهُوَ لِلثَّانِي.
وَإِنْ نَازعَ صَاحِبُ الدَّارِ خَيَّاطًا فِيهَا؛ فِي إِبْرَةٍ أَوْ مِقَصٍّ، أَوْ قَرَّابًا فِي قِرْبَةٍ -فَهِيَ لِلْخَيَّاطِ، وَالْقَرَّابِ.
وَإِنْ تَنَازَعَا عَرْصَةَ فِيهَا بِنَاءٌ أَوْ شَجَرٌ لأَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ.
وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، أَوْ مُتَّصِلًا بِهِ اتِّصَالًا لَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ أَزَجٌ 42 -فَهُوَ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ41

الجزء: 1 - الصفحة: 553

مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا، أَوْ مَعْقُودًا بِهِمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَلَا تُرَجَّحُ الدَّعْوى بِوَضْعِ خَشَبِ 43 أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَا بِوُجُوهِ الآجُرِّ، وَالتَّزْوِيقِ، وَالتَّجْصِيصِ، وَمَعَاقِدِ الْقِمْطِ فِي الْخُصِّ 44. وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ سُلَّمًا مَنْصُوبًا، أَوْ دَرَجَةً، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ؛ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تَنَازَعَا فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تَنَازَعَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي رَفٍّ مَقْلُوعٍ، أَوْ مِصْرَاعٍ، وَلَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فِي الدَّارِ -فَهُوَ لِرَبِّهَا، وَإِلَّا فَهُوَ لَهُمَا.
وَإِنْ تَنَازَعَا دَارًا فِي يَدَيْهِمَا، فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الآخَرُ نِصْفَهَا -جُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ.
وَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ -أَوْ وَرَثَتُهُمَا- فِي قُمَاشِ الْبَيْتِ: فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ؛ كَالْعِمَامَةِ وَالسَّيْفِ، فَلِلرَّجُلِ.
وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ؛ كَحَلْيِهِنَّ وَثِيَابِهِنَّ، فَلِلْمَرْأَةِ.
وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا بَيْنَهُمَا، حُرَّيْنِ كَانَا أَوْ رَقِيقَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا.
وَكَذَا إِنِ اخْتَلَفَ صَانِعَانِ فِي آلَةِ دُكَّانٍ 45 لَهُمَا، حُكِمَ بِآلَةِ كُلِّ

الجزء: 1 - الصفحة: 554

صَنْعَةٍ لِصَانِعِهَا.
وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا: "لَهُ"، فَهُوَ مَعَ يَمِينِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.
وَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي، فَإِنْ أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْخَارِجِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.

فَصْلٌ

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ فِي يَدَيْهِمَا،

أَوْ فِي غَيْرِ يَدِ أَحَدٍ، فَيَتَحَالَفَانِ، وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا.
إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا نِصْفَهَا فَمَا دُونَ، وَالآخَرُ أَكْثَرَ مِنْ بَقِيَّتِهَا، أَوْ كُلَّهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الأَقَلِّ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ تَنَازَعَا مُسَنَّاةً (1) بَيْنَ نَهْرِ أَحَدِهِمَا وَأَرْضِ الآخَرِ، تَحَالَفَا، وَهِيَ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَا صَبِيًّا فِي يَدَيْهِمَا.
وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا، فَقَالَ: "إِنِّي حُرٌّ"، مُنِعَا مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرِقِّهِ.

فَصْلٌ

وَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِالْعَيْنِ حُكِمَ لَهُ بِهَا.

وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَأْرِيخًا.
فَإِنْ وُقِّتَتْ إِحْدَاهُمَا، وأُطْلِقَتْ الأُخْرَى، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالْمِلْكِ46

الجزء: 1 - الصفحة: 555

وَسَبَبِهِ، وَبَيِّنَةٌ بِالْمِلْكِ وَحْدَهُ، أَوْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا بِالْمِلْكِ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَبَيِّنَةُ الآخَرِ بِالْمِلْكِ لَهُ مُنْذُ شَهْرٍ -فَهُمَا سَوَاءٌ 47. وَلَا يُرَجَّحُ أَكْثَرُهُمَا عَدَدًا، وَلَا الرَّجُلَانِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، بَلْ يُرَجَّحُ أَعْدَلُهُمَا، وَالشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَاليَمِينِ.
وَإِذَا تَسَاوَتَا 48 تَعَارَضَتَا، وَقُسِّمَتِ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ يَمِينٍ.
فَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ "اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، وَهِيَ مِلْكُهُ"، وَشَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ -سُمِعَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
فَإِنِ ادَّعَى الآخَرُ أَنَّهُ "اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو، وَهِيَ مِلْكُهُ"، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً -تَعَارَضَتَا.
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَقَامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، أَوْ أَعْتَقَهُ -قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ.
فَإِنْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ "هَذِهِ الدَّارَ لأَبِي، خَلَّفَهَا تَرِكَةً"، وَأَقَامَتِ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا -فَهِيَ للْمَرْأَةِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 556

فَإِنْ تَدَاعَيَا عَيْنًا بِيَدِ ثَالِثٍ (1)، فَأَقَرَّ بِهَا لأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ لِلآخَرِ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ عِوَضُهَا.
وَإِنْ قَالَ: "هِيَ لأَحَدِهِمَا لَا أَعْلَمُ عَيْنَهُ"، فَصَدَّقَاهُ، لَمْ يَحْلِفْ.
وَإِنْ كَذَّبَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةَ بِذَلِكَ، وَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنِ ادَّعَاهَا الثَّالِثُ لِنَفْسِهِ، أَوْ جَحَدَهَا، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا، وَهِيَ لَهُ.
وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ لَهُمَا الْعَيْنُ، أَوْ عِوَضُهَا، يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهَا.

فَصْلٌ

فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ -قُبِلَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ وَعَتَقَ.
فَإِنْ كَانَ بِيَدِ زَيْدٍ، فَحُكْمُهُ كَالْفَصْلِ قَبْلَهُ.
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ 50 عَبْدٌ، فَادَّعَى اثْنَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ، فَصَدَّقَهُمَا -لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ.
وَإِنْ أَنْكَرَ، حَلَفَ لَهُمَا وَبَرِئَ.
وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا، أَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةَ، لَزِمَهُ الثَّمَنُ وَحَلَفَ لِلآخَرِ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً: مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ مُخْتَلِفَتَيِ التَّأْرِيخِ، أَوْ49

الجزء: 1 - الصفحة: 557

إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةٌ وَالأُخْرَى مُؤَرَّخَةٌ -عُمِلَ بِهِمَا.
وَإِنِ اتَّفَقَ تَأْرِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا.
وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ بَاعَنِي إِبَّاهُ بِأَلْفٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَأْرِيخًا.
وَإِنِ اسْتَوَتَا (1) تَعَارَضَتَا.
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: "غَصَبَنِي"، وَقَالَ الآخَرُ: "مَلَّكَنِيهِ"، أَوْ: "أَقَرَّ لِي بِهِ"، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ -فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا شَيْءَ لِلآخَرِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا مَاتَ مُسْلِمٌ وَلَهُ ابْنَانِ: مُسْلِمٌ، وَكَافِرٌ، فَأَسْلَمَ وَقَالَ: "أَسْلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي"، أَوْ: "قَبْلَ قِسْمَةِ تَرِكَتِهِ"، وَقَالَ أَخُوهُ: "بَلْ بَعْدَ ذَلِكَ" -فَلَا إِرْثَ لَهُ؛ عَمَلًا بِقَوْلِ أَخِيهِ.
وَإِنْ قَالَ: "أَسْلَمْتُ فِي الْمُحَرَّمِ، وَمَاتَ أَبِي فِي صَفَرٍ"، وَقَالَ أَخُوهُ: "بَلْ مَاتَ أَبِي قَبْلَ الْمُحَرَّمِ" -فَالإِرْثُ بَيْنَهُمَا.
وَمَنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ، وَقَالَ: "بَلْ أَنَا حُرٌّ"، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ -تَعَارَضَتَا.
وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: "إِنْ قُتِلْتُ 52 فَأَنْتَ حُرٌّ"، وَمَاتَ، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ 53، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وأَقَامَ الْوَرَثَةُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ -51

الجزء: 1 - الصفحة: 558

قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ.
وَإِنْ قَالَ: "إِنْ مُتُّ فِي الْمُحَرَّمِ فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مُتُّ فِي صَفَرٍ فَغَانِمٌ حُرٌّ"، ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ مَاتَ فِيهِمَا أَوْ فِي غَيْرِهِمَا -فَهُمَا عَلَى الرِّقِّ.
وَإِنْ قَالَ: "إِنْ مُتُّ فِي مَرَضِي هَذَا فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ بَرِئْتُ فَغَانِمٌ حُرٌّ"، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ -تَعَارَضَتَا، وَبَقِيَا (1) عَلَى الرِّقِّ.

فَصْلٌ

وَمَنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَتْلَفَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ، وَبَيِّنَةٌ بِإِتْلَافِهِ وَأَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثُونَ -ثَبَتَ عَلَيْهِ أَقَلُّهُمَا.
وَلَوْ كَانَ بِكُلِّ قِيمَةٍ شَاهِدٌ، ثَبَتَ الأَقَلُّ بِهِمَا.
وَلَوْ مَاتَتِ امْرَأَةٌ وَابْنُهَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: "مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْتُهُ"، وَقَالَ أَخُوهَا: "مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا"، وَلَا بَيِّنَةَ -حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَيَرِثُ الأَبُ ابْنَهُ وَنِصْفَ مِيرَاثِ الزَّوْجَةِ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا.

فَصْلٌ

وَإِذَا شَهِدَتْ عَلَى مَيِّتٍ بَيِّنَةٌ لَا تَرِثُهُ بِعِتْقِ سَالِمٍ فِي مَرَضِهِ، وَقِيمَتُهُ ثُلُثُ مَالِهِ، وَبَيِّنَة وَارِثَةٌ بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَقِيمَتُهُ كَذَلِكَ، وَلَمْ تُجِزْ إِلَّا الثُّلُثَ -54

الجزء: 1 - الصفحة: 559

فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانَتَا أَجْنَبِيَّتَيْنِ؛ يَعْتِقُ أَسْبَقُهُمَا عِتْقًا.
فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ السَّبْقِ الأَجْنَبِيَّةُ، وَكَذَّبَتْهَا الْوَارِثَةُ، أَوْ ذَاتَ السَّبْقِ الْوَارِثَةُ، وَهِيَ فَاسِقَةٌ - عَتَقَ الْعَبْدَانِ.
وَإِنْ جُهِلَ أَسْبَقُهُمَا، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ عَبْدٍ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِ، وَعُلِمَ تَأْرِيخُ الْوَصِيَّةِ، أَوْ جُهِلَ -أَعْتَقْنَا أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
وَإِنْ كَذَّبَتِ الْوَارِثَةُ الأَجْنَبِيَّةَ، لَغَا تَكْذِيبُهَا دُونَ شَهَادَتِهَا؛ فَعَتَقَ (1) غَانِمٌ، وَوُقِفَ عِتْقُ سَالِمٍ عَلَى الْقُرْعَةِ.
وَإِنْ لَمْ تُكَذِّبْ، بَلْ كَانَتْ فَاسِقَةً، فَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ.
وَإِنْ جَمَعَتِ الْوَارِثَةُ الْفِسْقَ وَالتَّكْذِيبَ، أَوِ الْفِسْقَ وَالشَّهَادَةَ بِالرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ -عَتَقَا مَعًا.
وَإِنْ شَهِدَ الْوَارِثَةُ بِالرُّجُوعِ، وَلَيْسَتْ فَاسِقَةً وَلَا مُكَذِّبَةً، قُبِلَتْ شَهَادَتُهَا (2) وَعَتَقَ غَانِمٌ وَحْدَهُ؛ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً.
وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ سُدُسَ الْمَالِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهَا، وَعَتَقَا مَعًا.
وَالْوَارِثَةُ الْعَادِلَةُ فِيمَا تَقُولُهُ خَبَرًا لَا شَهَادَةً، كَالْفَاسِقَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
وَالتَّدْبِيرُ مَعَ التَّنْجِيزِ، كَآخِرِ التَّنْجِيزَيْنِ (3) مَعَ أَوَّلِهِمَا؛ فِي كُلِّ مَا قَدَّمْنَا.

فَصْلٌ

وَمَنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَا فُلَانًا، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى555657

الجزء: 1 - الصفحة: 560

الشَّاهِدَيْنِ بِقَتْلِهِ: فَإِنْ صَدَّقَ الْوَلِيُّ الأَوَّلَيْنِ، ثَبَتَ لَهُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ صَدَّقَ الآخَرَيْنِ أَوِ الْكُلَّ، لَمْ يَثْبُتِ الْقَتْلُ بِحَالٍ.
وَإِنْ شَهِدَا بِنِكَاحٍ مُتَّحِدٍ بِاتِّفَاقِهِمَا، أَوْ بِفِعْلٍ مُتَّحِدٍ بِاتِّفَاقِهِمَا؛ كَغَصْبٍ وَسَرِقَةٍ، أَوْ فِي نَفْسِهِ؛ كَقَتْلِ نَفْسٍ وَإِحْرَاقِ ثَوْبٍ، وَاخْتَلَفَا فِي زَمَانِهِ أَوْ مَكَانِهِ، أَوْ صِفَةٍ تتَعَلَّقُ بِهِ؛ كَآلَةِ الْقَتْلِ وَلَوْنِ الْمُحَرَّقِ وَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ-: لَمْ تُجْمَعْ شَهَادَتُهُمَا لِلتَّنَافِي.
وَلَوْ كَانَ مِمَّا يَتَعَدَّدُ وَلَمْ يَشْهَدَا بِاتِّحَادِهِ؛ كَالشَّهَادَةِ بِأَمْرَيْنِ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ بِكُلِّ أَمْرٍ شَاهِدٌ -عُمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ.
وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِالْفِعْلِ، وَآخَرُ عَلَى الإِقْرَارِ 58 بهِ، جُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِعَقدِ النِّكَاحِ، أَوْ 59 قَتْلِ الْخَطَأِ، وَالآخَرُ عَلَى الإِقْرَارِ بِهِ -لَمْ تُجْمَعْ.
وَيَحْلِفُ مُدَّعِي الْقَتْلِ مَعَ شَاهِدِ الْفِعْلِ؛ وَيَسْتَحِقُّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، أَوْ مَعَ شَاهِدِ الإِقْرَارِ؛ وَيَسْتَحِقُّ الدِّيَةَ عَلَى الْقَاتِلِ.
وَإِنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ صَبِيٍّ أَلْفًا، وَشَهِدَ آخَرَانِ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الصَّبِيِّ أَلْفًا -لَزِمَ الْوَليَّ أَنْ يَطلُبَهُمَا بِأَلْفَيْنِ؛ إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى أَلْفٍ بِعَيْنِهَا؛ فَيَطْلُبُ أَلْفًا مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 561

فَصْلٌ

وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَ زَيْدًا كَذَا أَمْسِ، وَآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهُ الْيَوْمَ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَ كَذَا -أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ طَلَّقَ- وَالآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ، وَاخْتَلَفَا وَقْتًا أَوْ مَكَانًا-: كَمَلَتِ الْبَيِّنَةُ بِهِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ شَهَادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ سِوَى النِّكَاحِ وَالْقَذْفِ.
وَلَوْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الإِقْرَارِ بِشَيْءٍ جُمِعَتْ، وَلَوْ كَانَ نِكَاحًا، أَوْ قَذْفًا، أَوْ فِعْلًا.
وَإِنْ شَهِد 60 شَاهِدٌ بِأَلْفٍ، وَآخَرُ بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ، جُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ، وَالآخَرُ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَبيعٍ، لَمْ تُجْمَعْ.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ، أَوْ بِأَلْفَيْنِ -ثَبَتَ الأَقَلُّ بشَهَادَتِهِمَا مُطْلَقًا، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي إِنْ شَاءَ لِتَمَامِ الأَكْثَرِ.
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: "قَضَاهُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ"، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ.
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: "قَضَاهُ خَمْسَمِائَةٍ"، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا بِالأَلْفِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 562

وَإِذَا جَمَعْنَا (1) بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَي الْوَقْتِ فِي قَتْلٍ، أَوْ طَلَاقٍ -فَالْعِدَّةُ وَالتَّوْرِيثُ عَقِيبَ آخِرِ الْمُدَّتَيْنِ.
وَإِذَا قَالَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَلْفٍ: "أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَا لِي بِخَمْسِمِائَةٍ"، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ لَمْ يُوَلَّ الْحُكْمَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَإِلَّا جَازَ.

فَصْلٌ

إِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ وَلَدَانِ، مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، فَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أنَّهُ مَاتَ عَلَى دِيِنهِ -فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي أَصْلَ دِيِنهِ إِنْ عُرِفَ.
وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ إِنِ اعْتَرَفَ بِأُخُوَّتِهِ الْمُسْلِمُ، أَوْ قامَتِ بِهَا بَيِّنَةٌ.
وَإِنْ عُدِمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مَاتَ نَاطِقًا بِكَلِمَةِ الإِسْلَامِ، وَبَيِّنَةٌ أَنَّهُ مَاتَ نَاطِقًا بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ -تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا، سَوَاءٌ عُرِفَ أَصْلُ دِيِنهِ أَوْ لَا.
وَإِنْ قَالَتْ بَيِّنَةٌ: "نَعْرِفُهُ 62 مُسْلِمًا"، وَبَيِّنَةٌ: "نَعْرِفُهُ كَافِرًا"، أَوْ قَالَتْ بَيِّنَةٌ: "مَاتَ مُسْلِمًا"، وَبَيِّنَةٌ: "مَاتَ كَافِرًا"، وَلَمْ تُؤَرِّخَا مَعْرِفَتَهُمَا -قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الإِسْلَامِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِيِنهِ -61

الجزء: 1 - الصفحة: 563

فَالْقَوْلُ قَوْلُ الأَبَوَيْنِ.
وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا كَافِرًا، وَأَخًا 63 وَامْرَأَةً مُسْلِمَيْنِ -فَالْقَوْلُ قَوْلُ الاِبْنِ.


الجزء: 1 - الصفحة: 564

فصول الكتاب · 31 فصل
فصول الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
المقدمةكِتَابُ "الْوَجِيزِ" وَنِسْبَتُة إِلَى مُؤَلِّفِهِكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ الصَّلاةِكِتَابُ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الْمَنَاسِكِكِتَابُ الْجِهَادِكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الْعَارِيَّةِكِتَابُ الْغَصْبِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكِتَابُ الْفَرَائِضِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْعِدَدِكِتَابُ الرَّضَاعِكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الْجِنَايَاتِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ الحُدُودِكِتَابُ الأَطْعِمَةِكِتَابُ الصَّيْدِكِتَابُ الأَيْمَانِكِتَابُ الْقَضَاءِكِتَابُ الشَّهَادَاتِكِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل