كِتَابُ الحُدُودِ
لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا عَلَى بَالِغٍ، عَاقِلٍ، مُلْتَزِمٍ، عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ.
وَلَا تَجُوزُ إِقَامَةُ الْحَدُّ إِلَّا لِلإِمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ، إِلَّا السَّيِّدَ -سَوَاءٌ كَانَ فَاسِقًا أَوِ امْرَأَةً- فَإِنَ لَهُ أَنْ يَحُدَّ رَقِيقَهُ لِلزِّنَى، وَالشُّرْبِ، وَالْقَذْفِ، وَأَنْ يَقْتُلَهُ لِلرِّدَّةِ، وَيَقْطَعَهُ لِلسَّرِقَةِ.
وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ، وَلَا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ، وَلَا مُكَاتَبِهِ.
وَيَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحَدَّ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ بِخِلَافِ الإِمَامِ، وَبِالْبَيِّنَةِ إِنْ أَحْسَنَ اسْتِمَاعَهَا.
وَلَا يُقَامُ حَدٌّ فِي مَسْجِدٍ.
فَصْلٌ
وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ قَائِمًا، بِسَوْطٍ لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ، وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجَرَّدُ، بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ قَمِيصَانِ، وَلَا يُبَالَغُ بِضَرْبِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الْجِلْدَ، وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى بَدَنِهِ 1، وَيُتَّقَى الرَّأْسُ، وَالْوَجْهُ، وَالْفَرْجُ، وَالْمَقَاتِلُ.
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً، وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا لِئَلَّا تَنْكَشِفَ.
وَأَشَدُّ الْجَلْدِ جَلْدُ الزِّنَى، ثُمَّ الْقَذْفِ، ثُمَّ
الجزء: 1 - الصفحة: 465
الشُّرْبِ، ثُمَّ التَّعْزِيرِ.
وَلَا يُؤَخَّرُ الْجَلْدُ لِمَرَضٍ، وَلَا ضَعْفٍ.
فَإِنْ خُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، أُقِيمَ بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْعُثْكُولِ (1). وَأَمَّا الْقَطْعُ فَلَا يَجُوزُ تأْخِيرُهُ مَعَ خَشْيَةِ التَّلَفِ بِحَالٍ.
وَمَنْ مَاتَ فِي حَدِّهِ فَالحَقُّ قَتَلَهُ.
وَإِنْ زَادَ الضَّارِبُ سَوْطًا أَوْ أَكْثَرَ، ضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ؛ كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ لَا يَحْتَمِلُهُ.
وَلَا يُحْفَرُ لِلْمَرْجُومِ فِي الزِّنَى وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالرَّجْمِ شُهُودُ الزِّنَى، أَوِ الإِمَامُ إِنْ ثَبَتَ بِالإِقْرَارِ.
وَمَنْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ بِزِنًى أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ شُرْبٍ، قَبْلَ إِقَامَةِ الحَدِّ -سَقَطَ.
وَإِنْ رَجَعَ فِي أَثْنَائِهِ، سَقَطَتْ بَقِيَّتُهُ.
وَإِنْ رُجِمَ بِبَيِّنَةٍ فَهَرَبَ لَمْ يُتْرَكْ, وَإِنْ كَانَ بإِقْرْارٍ تُرِكَ.
وَإِنْ تَمَّمَ عَلَيْهِمَا، الرَّاجِعَ دُونَ الْهَارِبِ.
فَصْلٌ
وَإِذَا اجْتَمَعَت حُدُودٌ للَّهِ تَعَالَى فِيهَا قَتْلٌ، اسْتُوفيَ وَسَقَطَ سَائِرُهَا.
وَإِنْ زَنَى -أَوْ سَرَقَ، أَوْ شَرِبَ- مِرَارًا، أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ.
وَإِنْ سَرَقَ وَشَرِبَ، حُدَّ ثُمَّ قُطِعَتْ يَمِينُهُ.
وَلَا تتَدَاخَلُ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، بَلْ تُسْتَوْفَى2
الجزء: 1 - الصفحة: 466
كلُّهَا، وَيُبْدَأُ بِالأَخَفِّ فَالأَخَفِّ، وَيُبْدَأُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ.
وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَعَ حُدُودِ اللَّهِ، بُدِئَ بِهَا؛ فَلَوْ زَنَى وَشَرِبَ وَقَذَفَ وَقَطَعَ يَدًا -قُطِعَ أَولًا، ثُمَّ حُدَّ لِلْقَذْفِ، ثُمَّ لِلشُّرْبِ، ثُمَّ لِلزِّنَى.
وَلَا يُسْتَوْفَى حَدٌّ حَتَّى يَبْرَأَ مِمَّا قَبْلَهُ.
وَمَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ قَتْلَانِ: بِرِدَّةٍ وَقَوَدٍ، أَوْ قَطْعَانِ: بِسَرِقَةٍ وَقَوَدٍ -قُطِعَ وَقُتِلَ (1) لَهُمَا.
فَصْلٌ
ومَنْ قتَلَ -أَوْ جَرَحَ، أَوْ أَتَى حَدًّا- خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ، لَكِنْ لَا يبَايَعُ وَلَا يُشَارَى حَتَّى يَخْرُجَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ جَنَى فِي الْحَرَمِ، أُخِذَ بِالْوَاجِبِ فِيهِ.
وَمَنْ أَتَى حَدًّا فِي الْغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَإِذَا رَجَعَ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الإِسْلَامِ.
-
- *3
الجزء: 1 - الصفحة: 467
بَابُ حَدِّ الزُّنَاةِ
إِذَا زَنَى الْحُرُّ الْمُحْصَنُ، جُلِدَ أَوَّلًا، [ثُمَّ رُجِمَ] (1) حَتَّى يَمُوتَ.
وَالْمُحْصَنُ: مَنْ وَطِئَ امْرَأتَهُ الْمُسْلِمَةَ أَوِ الذِّمِّيَّةِ، فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُمَا بَالِغَانِ، عَاقِلَانِ، حُرَّانِ.
فَإِنِ اخْتَل شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَا إِحْصَانَ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا.
وَيَثْبُتُ الإِحْصَانُ لِلذِّمِّيَّيْنِ.
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلِ وَلَدٌ مِنِ امْرَأَتِهِ فَقَالَ: "مَا وَطِئْتُهَا"، لَمْ يَثْبُتْ إِحْصَانُهُ.
وَإِذَا زَنَى الْحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَغُرِّبَ عَامًا؛ الرَّجُلُ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَالْمَرْأَةُ إِلَى مَا دُونَهَا.
وَإِذَا زَنَى الرَّقِيقُ، فَحَدُّهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً، وَلَا يُغَرَّبُ.
وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ يُجْلَدُ خَمْسًا وَسَبْعِينَ، وَيُغَرَّبُ نِصْفَ عَامٍ.
وَحَدُّ اللُّوطِيِّ كَحَدِّ الزَّانِي.
وَمَنْ أتى بَهِيمَةَ، عُزِّرَ، وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ لَحْمِهَا، وَيَضْمَنُ الْوَاطِئُ كَمَالَ قِيمَتِهَا.
فَصْلٌ
ولَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ:
4 الجزء: 1 - الصفحة: 468
أحَدُهَا: أَنْ يُغَيِّبَ حَشَفَتَهُ الأَصْلِيَّةَ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ أَصْلِيَّيْنِ،
حَرَامًا مَحْضًا.
فَإِنْ غَيَّبَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ، أَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ جَامَعَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ بِذَكَرِه، أَوْ جُومِعَ فِي قُبُلِهِ، أَوْ أتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ -لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ.
فَصْلٌ
الثَّانِي: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ؛
فَمَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي حَيْضِهَا، أَوْ دُبرِهَا، أَوْ أَمَتَهُ الْمَجُوسِيَّةَ، أَوِ الْمُرْتَدَّةَ، أَوْ أَمَةً فِيهَا شِرْكٌ لَهُ أَوْ لِوَلده أَوْ مُكَاتَبِهِ، أَوْ أَمَةً لِبَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ، أَوِ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ ظَنَهَا زَوْجَتَهُ أَوْ سُرِّيَّتَهُ، أَوْ دَعَا الضَّرِيرُ إِحْدَاهُمَا فَأَجَابَهُ غَيْرُهَا فَوَطِئَهَا، أَوْ فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، أَوْ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، أَوْ لمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الزِّنَى لِقُرْب عَهْدِهِ بِالإِسْلَامِ أَوْ لِنَشْأةٍ ببَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، أَوْ أُكْرِهَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَى، أَوِ الْمَفْعُولُ بِهِ لِوَاطًا قَهْرًا، أوْ بِضَرْبٍ، أَوْ بِالْمَنْعِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ اضْطُرَّ إِلَيْهِ-: فَلَا حَدَّ، بَلْ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا أكْرِهَ فَزَنَى.
وَإِنْ وَطِئَ مَيْتَةً، أَوْ مَلَكَ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعِ فَوَطِئَهَا، أَوْ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ -عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ.
فَصْلٌ
وَيُحَدُّ فِي نِكَاحِ الْخَامِسَةِ، وَالْمُعْتَدَّةِ، وَكُلِّ نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطْلَانِهِ مَعَ الْعِلْمِ، وَفِي الزِّنَى بِامْرَأَةٍ قَدِ اسْتَأْجَرَهَا لِلزِّنَى، أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ
الجزء: 1 - الصفحة: 469
[بامْرَأَةٍ لَهُ قِبَلَهَا قَوَدٌ] (1)، أَوْ أَرْشُ جِنَايَةٍ، أَوْ بِصَغِيرَةٍ تُوطَأُ مِثْلُهَا، أَوْ بِمَجْنُونَةٍ، أَوْ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تزَوَّجَهَا، أَوْ بِوَطْءِ أَمَةِ وَالِدِه، عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ.
وَتُحَدُّ الْمُكَلَّفَةُ إِذَا مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا حَرْبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ مُمَيِّزًا لَهُ عَشْرُ سِنِينَ، أَوْ مَحْرَمًا تزَوَّجَتْ بِهِ عَالِمَةً بِحَالِهِ دُونَهُ.
فَصْلٌ
الثَّالِثُ: ثُبوتُ الزِّنَى؛
وَلَا يَثْبُتُ الزِّنَى إِلَّا بِأحَدِ أَمْرَيْنِ:
أحَدُهُمَا: أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، لَا يَنْزِعُ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ الْحَدُّ.
الأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِزِنًى وَاحِدٍ -يَصِفُونَهُ- أَرْبَعَةٌ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ، سَوَاءٌ أَتَوُا الْحَاكِمَ جُمْلَةً أَوْ مُتَفَرِّقِينَ.
فَإِنْ شَهِدَ دُونَ أَرْبَعَةٍ، أَوْ شَهِدَ الأَرْبَعَةُ فِي مَجْلِسَيْنِ فَأَكْثَرَ، أَوْ كَانُوا فَسَقَةً، أَوْ عُمْيَانًا، أَوْ بَعْضُهُمْ، أَوْ بَانَ فِيهِمْ صَبِي مُمَيزٌ، أَوِ امْرَأَةٌ -حُدَّ الْمُكَلَّفُونَ لِلْقَذْفِ.5
الجزء: 1 - الصفحة: 470
وَإِنْ كَانَ أَحَدَ الأَرْبَعَةِ الزَّوْجُ، لَاعَنَ إِنْ شَاءَ، وَحُدَّ الثَّلَاثَةُ.
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنًى وَاحِدٍ، لَكِنْ قَالَ اثْنَانِ: "كَانَ الزِّنَى فِي بَيْتِ كَذَا، أَوْ 6 بَلَدِ كَذَا، أَوْ يَوْمَ كَذَا"، وَقَالَ اثْنَانِ: "بَلْ فِي بَيْتٍ -أَوْ بَلَدٍ، أَوْ يَوْمٍ- آخَرَ": فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ.
وإن شَهِدَ اثْنَانِ أَن الزِّنَى كَانَ فِي زَاوِيَةِ مُعَينَةِ مِنْ بَيْتِ مُعَيَّنٍ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ كَانَ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى مِنْهُ، أَوْ قَالَ اثْنَانِ: "كَانَ الزِّنَى فِي قَمِيصٍ أَبْيَضَ"، وَقَالَ اثْنَانِ: "فِي قَمِيصٍ أَحْمَرَ" -كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
وَإِنْ شَهِدَ الأَرْبَعَةُ عَلَى تَعَدُّدِ الْمَكَانِ أَوِ الزَّمَانِ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ، وَحُدُّوا لِلْقَذْفِ.
وَلَوْ قَالَ اثْنَانِ: "زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةَ"، وَاثْنَانِ: "زَنَى بِهَا مُكْرَهَةَ" -لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَدُّ شَاهِدَا 7 الْمُطَاوَعَةِ لِقَذْفِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُحَدُّ الأَرْبَعَةُ لِقَذْفِ الرَّجُلِ.
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاجِعِ، وَحُدَّ الثَّلَاثَةُ.
وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْحَدِّ، فَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَيَغْرَمُ الرَّاجِعُ رُبُعَ مَا أَتْلَفُوهُ.
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى بِبِكْرٍ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ بِعُذْرَتهَا، لَمْ تُحَدَّ الشُّهُودُ، وَلَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهَا 8.
الجزء: 1 - الصفحة: 471
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمُ الزُّنَاةُ -لَمْ يُحَدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَيُحَدَّ الأَوَّلُونَ حَدَّ الْقَذْفِ.
وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهُا وَلَا سَيِّدَ، لَمْ تُحَدَّ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 472
بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
إِذَا قَذَفَ الْمُكَلَّفُ بِالزِّنَى مُحْصَنًا، جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ حُرًّا.
فَإِنْ كَانَ عَبْدًا: أَرْبَعِينَ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ: بِحِسَابِهِ.
وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ.
وَهُوَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ.
وَالْمُحْصَنُ: الْحُرُّ، الْمُسْلِمُ، الْعَاقِلُ، الْعَفِيفُ، الْمُلْتَزِمُ، الَّذِي يُجَامعُ مِثْلُه، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ.
وَإِنْ قَالَ لِمُحْصَنَةٍ: "زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَة"، وَفَسَّرَهُ لِدُونِ التِّسْعِ (1) سِنِينَ، لَمْ يُحَدَّ، وَإِلَّا حُدَّ.
وَإِنْ قَالَ: "زَنَيْتِ وَأَنْتِ مُكْرَهَة" لَمْ يُحَدَّ.
وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: "زَنَيْتِ وَأَنْتِ كَافِرَةٌ أَوْ أَمَةٌ" وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا فِي الظَّاهِرِ، فَلَمْ يُحَدَّ حَتَّى زَالَ إِحْصَاُنهُ، حُدَّ قَاذِفُهُ.
وَإِنْ تَقَدَّمَ الْمُزِيلُ عَلَى الْقَذْفِ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، لَمْ يُحَدَّ.
فَصْلٌ
وَالْقَذْفُ مُحَرَّم إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ:
أحَدُهُمَا: أَنْ يَرَى امْرَأتَهُ تَزْنِي وَلَا تَلِدُ،
أَوْ يَسْتَفِيضَ زِنَاهَا فِي النَّاسِ، أَوْ يُخْبِرَه بِهِ ثِقَةٌ لَا يَتَّهِمُهُ، أَوْ يَرَى رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ عِنْدَهَا9
الجزء: 1 - الصفحة: 473
فَيُبَاحُ قَذْفُهَا، وَلَا يَجِبُ.
الثَّانِي: أَنْ يَرَاهَا تَزْني فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ،
فَيَعْتَزِلَهَا، ثُمَّ تأْتِيَ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنَّهُ مِنَ الزَّانِي؛ فَيَلْزَمُهُ قَذْفُهَا وَنَفْيُ وَلَدِهَا.
وَإِنْ أتتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ وَهُمَا أَبْيَضَانِ، أَوْ بِعَكْسِهِ، لَمْ يُبَحْ نَفْيُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ الْقَرَائِنِ.
فَصْلٌ
وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ: صَرِيحَةٌ، وَكِنَايَةٌ:
فَالصَّرِيحُ: نَحْوُ: "يَا زَانِي"، "يَا عَاهِرُ"، "يَا لُوطِيُّ"، "يَا مَعْفُوجُ" (1)، "قَدْ زَنَيْتَ"، "زَنَى فَرْجُكِ"، أَوْ: "أَنْتِ أَزْنَى النَّاسِ"، أَوْ "أَزْنَى مِنْ فُلَانَةَ".
أَوْ لِرَجُلٍ: "يَا زَانِيَةُ"، أَوْ لاِمْرَأَةٍ: "يَا زَانِي"، أَوْ: "زَنَتْ يَدَاكَ"، أَوْ "رِجْلَاكَ"، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمَا يُحِيلهُ.
وَإِنْ قَالَ: "زَنَأْتَ فِي الْجَبَلِ" -مَهْمُوزًا- فَهُوَ صَرِيحٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ: "فِي الْجَبَلِ".
فَصْلٌ
وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: "قَدْ فَضَحْتِهِ"، أَوْ "غَطَّيْتِ -أَوْ نَكَّسْتِ- رَأْسَهُ"،10
الجزء: 1 - الصفحة: 474
أَوْ "جَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا"، أَوْ "عَلَّقْتِ عَلَيْهِ أَولَادًا مِنْ غَيْرِهِ"، أَوْ "أَفْسَدْتِ فِرَاشَه"، "يَا فَاجِرَةُ"، "يَا قَحْبَةُ"، "يَا خَبِيثَةُ"، أَوْ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: "يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ، مَا يَعْرِفُكَ النَّاسُ بِالزِّنَى"، أَوْ يَقُولُ لِعَرَبِيٍّ: "يَا نَبَطِيُّ"، "يَا فَارِسِيُّ"، "يَا رُوميُّ"، وَنَحْوَهُ، ، أَوْ يَسْمَعُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا فَيَقُولُ: "صَدَقْتَ"، أَوْ "أَخْبَرَني فُلَانٌ أَنَّكَ زَنَيْتَ، وَكَذَّبَهُ فُلَانٌ"-: فَهَذَا كُلُّهُ كِنَايَةٌ إنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ الْقَذْفِ، قُبِلَ.
وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ، أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْهُمْ عَادَةً، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: "قْذِفْنِي" فَقَذَفَهُ -عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ.
وَمَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: "يَا زَانِيَةُ"، فَقَالَتْ: "بِكَ زَنَيْتُ"، لَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً، وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا.
وَإِذَا قُذِفَتِ الْمَرْأَةُ، لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ إِذَا كَانَتِ الأُمُّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ.
وَإِنْ قُذِفَتْ وَهِيَ مَيْتَةٌ، مُسْلِمَةٌ حُرَّةٌ أَوْ ضِدُّهُمَا، حُدَّ الْقَاذِفُ إِذَا طَلَبَهُ الاِبْنُ وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا.
وَمَنْ قَذَفَ أُمُّ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، إِذَا طَالَبُوا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
وَإِنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ، حُدَّ بِكُل وَاحِدٍ حَدًّا.
وَمَنْ حُدَّ لِلْقَذْفِ بِزِنًى، أَوْ لَاعَنَ إِنْ كَانَ زَوْجًا، ثُمَّ أَعَادَهُ -عُزِّرَ
الجزء: 1 - الصفحة: 475
ولَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ.
وَيَسْقُطُ 11 حَدَّ الْقَذْفِ بِالْعَفْوِ.
وَلَا يُسْتَوْفَى بدُونِ الطَّلَبِ.
وَمَنْ تَابَ مِنْ قَذْفِ إِنْسَانٍ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، صَحَّتْ تَوْبَتُهُ.
وَاللَّه أَعْلَمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 476
بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ
كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ.
وَهُوَ خَمْرٌ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ.
وَلَا يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ، وَلَا لِتَدَاوٍ، وَلَا عَطَشٍ، وَلَا غَيْرِهِ، إِلَّا لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا، وَلَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ.
وَإِذَا شَرِبَهُ الْمُسْلِمُ مُخْتَارًا عَالِمًا أَنَّ كَثيرَهُ يُسْكِرُ، فعَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً مَعَ الْحُرِّيَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مَعَ الرِّقِّ.
وَلَا يُحَدُّ الذِّمِّيُّ لِشُرْبِهِ وَإِنْ سَكِرَ.
وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ.
فَصْلٌ
وَالْعَصِيرُ إِذَا أتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ، حَرُمَ، إِلَّا أَنْ يَغْلِيَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمُ.
وَإِنْ طُبِخَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فذَهَبَ ثُلثاهُ وَبَقِيَ ثُلَثهُ، فَهُوَ حَلَال بِالإِجْمَاعِ.
وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَنْبِذَ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ فِي مَاءٍ لِيَأْخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ أَوْ تأْتِ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ.
وَلَا يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ، والْحَنْتَمِ، والنَّقِير، والْمُزَفَّتِ 12.
الجزء: 1 - الصفحة: 477
وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ؛ وَهُوَ أَنْ يَنْبِذَ شَيْئَيْنِ؛ كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ، أَوْ بُسْرٍ.
وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ 13.
الجزء: 1 - الصفحة: 478
بَابُ التَّعْزِيرِ
وَهُوَ التَّأْدِيبُ.
وَهُوَ وَاجِبٌ فِي كُل مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ؛ كَاسْتِمْتَاعِ لَا حَدَّ فِيهِ، وَسَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا، وَجِنَايَةٍ لَا قَوَدَ فِيهَا، وَإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَى، وَنَحْوِهِ.
وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ زَوْجَتِهِ، وَقَدْ أَحَلتْهَا لَهُ، عُزِّرَ بِمِائَةِ جَلْدَةِ، وَلَمْ يُغَرَّبْ، وَلَمْ يُرْجَمْ، وَلَحِقَهُ نَسَبُ وَلَدِهَا.
وَإِنْ لَمْ تُحِلهَا لَهُ، حُدَّ الْحَدَّ
التَّامَّ.
وَلَا يَسْقُطُ 14 بِالإِبَاحَةِ فِي غَيْرِهَا.
وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِه لِغَيْرِ حَاجَةٍ عُزِّرَ.
وَإِنْ فَعَلَهُ خَوْفًا مِنَ الزِّنَى، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ، وَلَا ثَمَنَ أَمَةٍ -فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 479
بَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ
وَهِيَ أَخْذُ الْمُلْتَزِمِ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ مِنْ مَالِ مَعْصُومٍ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، عَلَى وَجْهِ الاِسْتِخْفَاءِ؛ فَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا غَاصِبٍ، وَلَا خَائِنٍ فِي وَدِيعَةٍ، أَوْ عَارِيةٍ، أَوْ غَيْرِهَا.
وَيُقْطَعُ جَاحِدُ الْعَارِيَّةِ، وَالطَّرَّارُ؛ وَهُوَ الَّذِي يَبُطُّ الْجَيْبَ أَوْ غَيْرَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ.
فَصْلٌ
وَيُشْتَرَطُ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الثَّمِينُ 15 وَغَيْرُهُ؛ كَالْمَتَاعِ، وَالنَّقْدَيْنِ، وَالْخَشَبِ، وَالْقَصَبِ، وَمَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ؛ كَالْفَاكِهَةِ، وَنَحْوِهَا.
وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالنَّائِمِ، مِنَ الرَّقِيقِ دُونَ الْحُرِّ.
وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ حَلْيٍ أَوْ ثِيَابٍ، أَوْ بِسَرِقَةِ مُصْحَفٍ، وَسَائِرِ كُتُبِ الْعِلْمِ، غَيْرَ كُتُبِ الزَّنْدَقَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ، وَلَا مُحَرَّمٍ؛ كَالْخَمْرِ.
وَإِنْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا الْخَمْرُ، أَوْ صَلِيبًا، أَوْ صَنَمَ ذَهَبٍ -لَمْ يُقْطَعْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 480
فَصْلٌ
وَأَنْ يَكُونَ نِصَابًا.
وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبُعُ دِينَارٍ، أَوْ عَرْضٌ قِيمَتُهُ كَأَحَدِهِمَا.
وَإِذَا نَقَصَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ، أَوْ مَلَكَهَا السَّارِقُ، لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ.
وَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا وَقْتَ إِخْرَاجِهَا مِنَ الْحِرْزِ.
فَلَوْ ذَبَحَ فِيهِ كَبْشًا، أَوْ شَقَّ فِيهِ ثَوْبًا، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ نِصَابٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، أَوْ تَلِفَ فِيهِ الْمَالُ -لَمْ يُقْطَعْ.
وَإِنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً أَوْ ذَهَبَةً، ثُمَّ خَرَجَ، قُطِعَ.
وَمَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ نِصَابًا لِجَمَاعَةٍ، قُطِعَ.
وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ، قُطِعُوا، سَوَاءٌ أَخْرَجُوهُ جُمْلَةً، أَوْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ جُزْءًا.
وَإِنْ هَتَكَ اثْنَانِ حِرْزًا وَدَخَلَاهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَحْدَهُ, أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا فَقَرَّبَهُ مِنَ النَّقْبِ، ثُمَّ أَدْخَلَ الآخَرُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ -قُطِعَا.
وَإِنْ رَمَاهُ الدَّاخِلُ إِلَى خَارِجِ الْحِرْزِ وَأَخَذَهُ الآخَرُ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ، أَوْ أَعَادَ فِيهِ أَحَدُهُمَا -قُطِعَ الدَّاخِلُ خَاصَّةَ.
وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَدَخَلَ الآخَرُ فَأَخْرَجَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا، إِلَّا أَنْ يَتَوَاطَأَا عَلَى السَّرِقَةِ.
فَصْلٌ
وَأَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْحِرْزِ.
فَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزِ، فَلَا قَطْع عَلَيْهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 481
فَإِنْ نَقَبَ وَدَخَلَ، فتَرَكَ الْمَتَاعَ عَلَى بَهِيمَةٍ أَوْ مَاءٍ جَارٍ، فَأَخْرَجَاهُ، أَوْ أَمَرَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا بِإِخْرَاجِهِ، فَفَعَلَا -فعَلَيْهِ الْقَطْعُ.
وَحِرْزُ الْمَالِ: مَا الْعَادَةُ حِفْظُهُ فِيهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَمْوَالِ، وَالْبُلْدَانِ، وَعَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ:
فَحِرْزُ الأَمْوَالِ، وَالْجَوَاهِرِ، وَالْقُمَاشِ؛ فِي الدُّورِ، وَالدَّكَاكِينِ، وَالْعُمْرَانِ: وَرَاءَ الأَبْوَابِ وَالأَغْلَاقِ الْوَثِيقَةِ.
وَحِرْزُ الْبَقْلِ وَقُدُورِ الْبَاقِلَّاءِ وَنَحْوِهَا: وَرَاءَ الشَّرَائِجِ 16، إِذَا كَانَ فِي السُّوقِ حَارِسٌ.
وَحِرْزُ الْحَطَبِ وَالْخَشَبِ: الْحَظَائِرُ.
وَحِرْزُ الْمَوَاشِي: الصِّيَرُ 17، وَحِرْزُهَا فِي الْمَرْعَى: الرَّاعِي وَنَظَرُهُ إِلَيْهَا غَالِبًا.
وَحِرْزُ حَمُولَةِ الإِبِلِ: بِتَقْطِيرِهَا، وَقَائِدِهَا، وَسَائِقِهَا، إِذَا كَانَ يَرَاهَا وَيَلْتَفِتُ إِلَيْهَا كَثِيرًا.
وَحِرْزُ الثِّيَابِ فِي الْحَمَّامِ وَالأَعْدَالِ فِي السُّوقِ: الْحَافِظُ.
وَحِرْزُ الْكَفَنِ فِي الْقَبْرِ: بِالْمَيِّتِ بَعْدَ تَسْوِيَةِ الْقَبْرِ.
فَلَوْ نَبَشَ قَبْرًا وَأَخَذَ الْكَفَنَ، قُطِعَ.
وَحِرْزُ الْبَابِ: تَرْكِيبُهُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَلَوْ سَرَقَ رِتَاجَ 18 الْكَعْبَةِ، أَوْ بَابَ مَسْجِدٍ، أَوْ تَأْزِيرَهُ -قُطِعَ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَتِهَا.
وَإِنْ سَرَقَ قَنَادِيلَ مَسْجِدٍ أَوْ حُصُرَهُ، لَمْ يُقْطَعْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 482
وَإِنْ نَامَ إِنْسَانٌ عَلَى رِدَائِهِ فِي مَسْجِدٍ، فَسَرَقَهُ سَارِقٌ، قُطِعَ.
وَإِنْ زَالَ بَدَنُهُ عَنْهُ، لَمْ يُقْطَعْ.
وَإِنْ سَرَقَ مِنَ السُّوقِ غَزْلًا، وَثَمَّ حَافِظٌ، قُطِعَ إِذَا خَرَجَ بِهِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ
وأَنْ تَنْتَفِيَ الشُّبْهَةُ.
فَلَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا، وَالأَبُ وَالأُمُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ.
وَيُقْطَعُ الأَخُ وَكُلُّ قَرِيبٍ بِسَرِقَةِ مَالِ قَرِيبِهِ، وَلَا يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الآخَرِ، وَلَوْ كَانَ مُحْرَزًا عَنْهُ.
وَإِذَا سَرَقَ عَبْدٌ مِنْ سَيِّدِهِ، أَوْ سَيِّدٌ مِنْ مُكَاتَبهِ، أَوْ حُرٌّ مُسْلِمٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ غَنِيمَةٍ لَمْ تُخَمَّسْ، أَوْ فَقِيرٌ مِنْ غَلَّةَ وَقْفٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ شَخْصٌ مِنْ مَالٍ فِيهِ شَرِكَةٌ لَهُ، أَوْ لأِحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ -لَمْ يُقْطَعْ.
وَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ، وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِهِمَا.
وَإِذَا سَرَقَ الْمَسْرُوقَ أَوِ الْمَغْصُوبَ أَجْنَبِيٌّ، مِنْ حِرْزِ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ، لَمْ يُقْطَعْ.
وَإِنْ سَرَقَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَالَ السَّارِقِ، أَوِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ، مِنَ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ أَوِ الْمَغْصُوبَةُ -لَمْ يُقْطَعْ.
وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْحِرْزِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ -قُطِعَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 483
وَمَنْ آجَرَ دَارَهُ أَوْ أَعَارَهَا، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا (1) مَالَ الْمُسْتَأْجِرِ أَوِ الْمُسْتَعِيرِ -قُطِعَ.
وَمَنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ (2)، ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهَا، قُطِعَ.
فَصْلٌ
وَأَنْ تَثْبُتَ (3) السَّرِقَةُ.
فَلَا يُقْطَعُ إِلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ، وَلَا يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ.
وَأَنْ يُطَالِبَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِمَالِهِ.
فَصْلٌ
وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَحُسِمَتْ؛ بِأَنْ تُغْمَسَ فِي زَيْتٍ مَغْلِيٍّ، وَهُوَ مِنْ مَالِ السَّارِقِ.
فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ، وَحُسِمَتْ.
فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ وَلَمْ يُقْطَعْ.
وَيُمْنَعْ مِنْ تَعْطِيلِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ 22، وَمِنْ ذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شِقٍّ.
فَمَنْ سَرَقَ وَهُوَ أَقْطَعُ الْيَدِ الْيُمْنَى فَقَطْ، أَوْ أَقْطَعُ الرِّجْلِ الْيُسْرَى فَقَطْ، أَوْ192021
الجزء: 1 - الصفحة: 484
كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى، أَوْ سَرَقَ وَلَهُ يَدٌ يُمْنَى فَذَهَبَتْ -لَمْ يُقْطَعْ فِي الْكُلِّ.
وَإِنْ وَجَبَ قَطْعُ يَمِيِنهِ، فَقَطَعَ الْقَاطِعُ يَسَارَهُ بِلَا إِذْنِهِ، لَزِمَهُ الْقَوَدُ إِنْ تَعَمَّدَ قَطْعَهَا، وَإِلَّا فَدِيَتُهَا، وَتُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ.
وَيَجْتَمعُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ؛ بِرَدِّ الْعَيْنِ إِلَى مَالِكِهَا، أَوْ قِيمَتِهَا مَعَ التَّلَفِ.
وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ -ثَمَرًا كَانَ أَوْ كَثَرًا 23 أَوْ غَيْرَهُمَا- أُضْعِفَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ، وَلَا قَطْعَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 485
بَابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ
وَهُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلَاحِ فِي الصَّحْرَاءِ، لَا فِي الْبُنْيَانِ، فَيَغْصِبُونَهُمُ الْمَالَ مُجَاهَرَةً، لَا سَرِقَةً.
فَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ: فَإِنْ كَانَ قَدْ قتلُوا مُكَافِئًا أَوْ غَيْرَهُ؛ كَالْوَلَدِ، وَالْعَبْدِ، وَالذِّمِّيِّ وَأَخَذُوا الْمَالَ -قُتِلُوا حَتْمًا، ثُمَّ صُلِّبُوا حَتَّى يُشْهَدُوا 24. وَإِنْ قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ، قُتِلُوا حَتْمًا، وَلَمْ يُصَلَّبُوا.
وَإِنْ جَنَوْا بِمَا يُوجِبُ قَوَدًا فِي الطَّرَفِ، تَحَتَّمَ اسْتِيفَاؤُهُ.
وَإِنْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِ قَدْرَ مَا يُقْطَعُ بِأَخْذِهِ السَّارِقُ، وَلَمْ يَقْتُلُوا -قُطِعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا، ثُمَّ خُلِّيَ.
وَالرِّدْءُ كَالْمُبَاشِرِ فِيمَا ذَكَرْنَا، إِلَّا فِي ضَمَانِ الْمَالِ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِآخِذِه خَاصَّةً.
فَإِنْ عَدِمَ يَدَهُ الْيُسْرَى، أَوْ بَطْشَهَا بِشَلَلٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ يَدَهُ الْيُمْنَى بِذَلِكَ، أَوِ اسْتُحِقَّتْ فِي قِصَاصٍ -قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى.
فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا نَفْسًا، وَلَا مَالًا يَبْلُغُ نِصَابَ السَّرِقَةِ، نُفُوا؛ بِأَنْ
الجزء: 1 - الصفحة: 486
يُشَرَّدُوا فَلَا يُتْرَكُوا (1) يَأْوُونَ إِلَى بَلَدٍ.
وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، سَقَطَ عَنْهُ مَا كَانَ للَّهِ؛ مِنْ نَفْيٍ، وَقَطْعٍ، وَصَلْبٍ، وَتَحَتُّمِ قَتْلِ، وَأُخِذَ [بِمَا لِلآدَمِيِّينَ] (2)؛ مِنْ نَفْسٍ، وَطَرَفٍ، وَمَالٍ، إِلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا.
وَإِذَا تَابَ مَنْ زَنَى، أَوْ شَرِبَ، أَوْ سَرَقَ، قَبْلَ ثُبُوتِ حَدِّهِ عِنْدَ الإِمَامِ -سَقَطَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ تَوْبَتِهِ قَبْلَ إِصْلَاحِ الْعَمَلِ.
وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا، لَمْ يَسْقُطْ بإِسْلَامِهِ.
وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ، سَقَطَ.
فَصْلٌ
وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ -أَوْ حُرْمَتِهِ، أَوْ مَالِهِ- آدَمِيٌّ أَوْ بَهِيمَةٌ، فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْ ذَلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ.
وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ 27، وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ [عَنْ حُرْمَتِهِ دُونَ مَالِهِ] 28.2526
الجزء: 1 - الصفحة: 487
وَمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَجُلٍ مُتَلَصِّصًا، فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ.
وَمَنْ عَضَّ يَدَ إِنْسَانٍ، فَانْتَزَعَهَا مِنْ فِيهِ، فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ -ذَهَبَتْ هَدَرًا.
وَإِنْ نَظَرَ فِي بَيْتِهِ مِنْ خَصَاصِ الْبَابِ 29 وَنَحْوِهِ، فَخَذَفَ 30 عَيْنَهُ فَفَقَأَهَا -فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 488
بَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْي
إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ، عَلَى الإِمَامِ، يِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ -فَهُمْ بُغَاةٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ فَيَسْألهُمْ: مَا يَنْقِمُونَ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَزَالَهَا، وَإِنِ ادَّعَوْا شُبْهَةً كَشَفَهَا، فَإِنْ فَاؤُوا وَإِلَّا قَاتَلَهُمْ.
وَعَلَى رَعِيَّتِهِ مُعَاوَنَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ.
فَإِنِ اسْتَنْظَرُوهُ مُدَّةً وَرَجَا رُجُوعَهُمْ فِيهَا، أَنْظَرَهُمْ، وَإِنْ ظَنَّهَا مَكِيدَةً لَمْ يُنْظِرْهُمْ، وَقَاتَلَهُمْ.
وَلَا يُقَاتِلُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إِتْلَافُهُ؛ كَالنَّارِ وَالْمِنْجَنِيقِ وَكُفَّارٍ يَسْتَعِينُ بِهِمْ، إِلَّا لِضَرُورَةٍ.
وَيُبَاحُ اسْتِعَانَتُهُ بِسِلَاحِ الْبُغَاةِ وَكُرَاعِهِمْ 31.
وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يُغْنَمُ مَالُهُمْ، وَلَا تُسْبَى ذُرِّيَّتُهُمْ.
وَإِنْ أُسِرَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوِ امْرَأَةٌ، حُبِسَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ، ثُمَّ أُرْسِلَ.
وَإِذَا انْقَضَى الْحَرْبُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مَالَهُ بِيَدِ إِنْسَانٍ أَخَذَهُ.
وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوا عَلَيْهِمْ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ.
وَيُضْمَنُ الْمُتْلَفُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ فِي 32 غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ.
وَمَا أَخَذُوهُ فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ، مِنْ زكَاةٍ وَخَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ، اعْتُدَّ بِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 489
وَمَنِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهِ إِلَيْهِمْ، قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَإِنِ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ أَوْ خَرَاجٌ دَفْعَهُ إِلَيْهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَهُمْ فِي شَهَادَاتِهِمْ وَإِمْضَاءِ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ.
وَإِنِ اسْتَعَانُوا بأَهْلِ عَهْدٍ 33 أَوْ ذِمَّةٍ فَأَعَانُوهُمُ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، إِلَّا أَنْ يَدَّعُوا شُبْهَةً؛ بِأَنْ ظَنُّوا وُجُوبَ إِجَابَتِهِمْ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا يَنْتَقِضُ، لَكِنْ يَغْرَمُونَ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ.
وَإِنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَآمَنُوهُمْ، لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَأُبِيحَ قَتْلُهُمْ.
وَإِذَا أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَلَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ، تُرِكُوا، فَإِنْ سَبُّوا الإِمَامَ عَزَّرَهُمْ، وَإِنْ أتَوْا حَدًّا أَوْ جِنَايَةً، لَزِمَهُمْ مُوجَبُهَا.
وَإِنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفتانِ لِعَصَبِيَّةٍ 34 أَوْ رِيَاسَةٍ، فَهُمَا ظَالِمَتَانِ، [وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أَتْلَفَتْ] 35 عَلَى الأُخْرَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 490
بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ
وَهُوَ الْكَافِرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ.
فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ، أَوْ وَحْدَانِيَّتَهُ، أَوْ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، أَوِ اتَّخَذَ للَّهِ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا، أَوْ جَحَدَ بَعْضَ كُتُبِهِ، أَوْ رُسُلِهِ، أَوْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ -فَقَدْ كَفَرَ.
وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ عِبَادَةٍ مِنَ الخَمْسِ، أَوْ تَحْرِيمَ الزِّنَى أَوِ الْخَمْرَ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِا لِجَهْلٍ -عُرِّفَ ذَلِكَ.
وَإِنْ (1) كَانَ مِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهُ، كَفَرَ.
وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا بِأَنْ عَزَمَ أَلَّا يَفْعَلَهُ أَبَدًا، اسْتُتِيبَ وُجُوبًا كَالْمُرْتَدِّ.
وَإِنْ أَصَرَّ، قُتِلَ حَدًّا، وَلَمْ يَكْفُرْ.
فَصْلٌ
وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ -وَهُوَ بَالِغٌ، عَاقِلٌ، مُخْتَارٌ، رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ- دُعِيَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَضُيِّقَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ قَتَلَهُ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَإِنْ قتَلَهُ غَيْرُهُ بِلَا إِذْنِهِ عُزِّرَ، وَلَمْ يَضْمَنْ.
وَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ إِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ، صَحَّ إِسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ، وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ، فَإِنْ مَاتَ فِي سُكْرِهِ مَاتَ كَافِرًا، وَيُحَالُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَهْلِ36
الجزء: 1 - الصفحة: 491
الْكُفْرِ، وَلَا يُقْتَلَانِ (1) حَتَّى يُسْتَتَابَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالصَّحْوِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ وَهُوَ مِنْ يُظْهِرُ الإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ، وَلَا مَنْ يكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، وَلَا السَّاحِرِ الْمُكَفَّرِ بِسِحْرِهِ، وَلَا مَنْ سَبَّ اللَّه وَرَسُولَهُ، بَلْ يُقْتَلُونَ بِكُلِّ حَالٍ.
فَصْلٌ
وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ وَكُلِّ كَافِرٍ: إِسْلَامُهُ؛ بِأَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إِلَّا مَنْ كَانَ كُفْرُهُ بِجَحْدِ فَرْضِ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ تَحْلِيلٍ، أَوْ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى غَيْرِ الْعَرَبِ -فَتَوْبَتُهُ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ: إِقْرَارُهُ بِالْمَجْحُودِ بِهِ، أَوْ قَوْلُهُ: "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الإِسْلَامِ".
وَلَا يُغْنِي قَوْلُهُ: "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ" عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.
وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ، فَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
وَلَا تُبْطِلُ الرِّدَّةُ إِحْصَانَ الرَّجْمِ، وَلَا إِحْصَانَ الْقَذْفِ، وَلَا عِبَادَاتِهِ الَّتِي فَعَلَهَا فِي إِسْلَامِهِ إِنْ عَادَ إِلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنْهَا.37
الجزء: 1 - الصفحة: 492
فَصْلٌ
وَالْمُرْتَدُّ فِي مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِيهِ كَالْمُسْلِمِ؛ يُقَرُّ بِيَدِهِ، وَيَنْفُذُ فِيهِ مُعَاوَضَتُهُ، وَتُوقَفُ تَبَرُّعَاتُهُ.
فَإِنْ أَسْلَمَ، ثَبَتَ مِلْكُهُ وَتَبَرُّعَاتُهُ الْمُنْجَزَةُ وَالْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ، عَلَى مَا ذُكِرَ.
وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا رُدَّتْ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغِ الثُّلُثَ.
وَتُقْضَى دُيُوُنهُ وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَيُنْفَقُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ: مِنْ مَالِهِ.
وَإِنْ أَتْلَفَ شَيْئًا أَوْ أَتَى حَدًّا، أُخِذَ بِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَ.
وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ فَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقَّا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِمَا.
وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُم، قُتِلَ.
إِلَّا مَنْ عَلِقَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي الرِّدَّةِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَيُقَرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ.
فَصْلٌ
وَالسَّاحِرُ الَّذِي يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، وَيَدَّعِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُخَاطِبُهُ -يَكْفُرُ وَيُقْتَلُ.
وَالَّذِي يَسْحَرُ بِالأَدْوِيَةِ وَالتَّدْخِينِ، وَسَقْيِ شَيْءٍ يَضُرُّ، وَيَعْزِمُ عَلَى الْجِنِّ، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا تُطِيعُهُ -فَلَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ، لَكِنْ يُعَزَرُ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ إِنْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ قَوَدًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 493