عاهدت الله أن أجاهدك بيدي وبلساني وبقلبي، فأما يدي فقد فتها، وأما لساني فهذا تسمع ما
تقول، وأما قلبي فالله أعلم بما فيه» . قال: فوثب حوشب - صاحب شرطه - فساره بشيء.
قال: يقول له حطيط: «لا تسمع منه، فإنه غاش لك» . قال: فقال له الحجاج: ما تقول في أبي بكر وعمر رحمهما الله؟ فقال: «أقول فيهما خيرا» . ⦗٨٩⦘ قال: ما تقول في عثمان رحمه الله؟ قال: «ما ولدت إذ ذاك» . فقال له الحجاج: يا ابن اللخناء، ولدت في زمن أبي بكر وعمر ولم تولد في زمن عثمان؟ فقال له حطيط: «يا ابن اللخناء لا تعجل، إني وجدت الناس اجتمعوا على أبي بكر وعمر فقلت بقولهم، واختلفوا في عثمان فوسعني السكوت» . فوثب معد - صاحب عذاب الحجاج - فقال: إن رأى الأمير أن يدفعه إلي، فوالله لأسمعنك صياحه.
قال: خذه إليك.
قال: فحمله، فمكث يعذبه ليلته جمعاء ولا يكلمه حطيط، فلما كان عند الصبح دعا بدهق، واعتمد على ساقه فكسرها واكتبى عليها.
قال: فقال له حطيط: «يا أفسد الناس وألأمهم، تكتبي على ساقي بعد أن كسرتها؟ والله لا كلمتك»، فلما أصبح دخل على الحجاج.
فقال له الحجاج: ما فعل أسيرك؟ قال: إن رأى الأمير أن يأخذه، فقد أفسد علي أهل سجني، يستحيون أن لا يصبروا.
⦗٩٠⦘ قال: علي به فأتي به، فوضع بين يديه.
قال: وإلى جنب الحجاج شيخ من مشيخة أهل الشام قال: فقال حطيط للحجاج: «كيف رأيت؟» قال إسحاق: يعني قول معد له: والله لأسمعنك صياحه قال: فقال له الحجاج: أتقرأ من القرآن شيئا؟ قال: «نعم» . قال: فاقرأ.
قال به حطيط: «لا، بل اقرأ أنت» . قال: فقال له الحجاج: اقرأ.
قال حطيط: «لا، بل اقرأ أنت» . كل ذلك يرد عليه.
قال: فقرأ الحجاج: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾ [الإنسان: ١] حتى بلغ إلى قوله: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾ [الإنسان: ٨] قال: فقال له حطيط: «قف» . قال: فوقف الحجاج، فقال له حطيط: «هو ذا أنت تعذبهم» . قال: فقال: علي بالعذاب.
قال: فأتي بمسال أو سلاء، فأمر بها فغرزت في أنامله، ⦗٩١⦘ فقال الشيخ الذي إلى جنب الحجاج: تالله ما رأيت كاليوم رجلا أصبر منه.
قال: فقال له حطيط: «إن الله يفرغ الصبر على المؤمنين إفراغا» . قال: فقال الحجاج لمعد: ويحك، أرحني منه.
قال: فحمله من بين يديه.
قال بعض أعوان الحجاج: فرحمته، فدنوت منه فقلت: هل لك من حاجة؟ قال: «لا إلا أن لساني قد يبس فما أستطيع أن أذكر الله» . حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبيه، أن الحجاج قال: أله حميم؟ قالوا: أم وأخ.
قال: فوضع على أمه الدهق، فقال حطيط: يا أمه اصبري.
فقتلها
١٢٥ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبيه، عن أبي ثابت، مولى المغيرة بن عبد الله الثقفي قال: أتي الحجاج بحطيط عند المغرب،