فصل خوارق السحرة والكهان مناقضة للنبوة ولا تخرج عن مقدور الجن والإنس
كانت مقدورة ومفعولة للعبد، وإن كان ذلك بإقدار الله تعالى، ولا نفس القدرة على ذلك الفعل؛ فإن المقصود من القدرة هو الفعل. آيات الأنبياء لا يتوصل إليها بسبب بل الآيات خارجة عن مقدور جميع العباد؛ الملائكة، والجنّ، والإنس، وهي أيضاً لا تُنال بالاكتساب؛ فإن الإنس والجنّ قد يقدرون بأسباب مباينة لهم على أمور، كما يقدرون على قتل من يقتلونه وإمراضه، ونحو ذلك. وآيات الأنبياء لا يقدر أحدٌ أن يتوصّل إليها بسبب. والسحر والكهانة ممّا يمكن التوصّل إليه بسبب؛ كالذي يأتي بأقوال وأفعال تُحدّثه بها الجنّ.1
فالنبوّة لا تُنال بكسب العبيد، ولا آياتها تحصل بكسب العباد2، وهذا
من الفروق بين آيات الأنبياء، وبين السحر والكهانة. من الفروق بين آيات الأنبياء وبين خوارق السحرة والكهان وبينهما فروق كثيرةٌ، أكثر من عشرة.1
أحدها: أنّ ما تخبر به الأنبياء، لا يكون إلاصدقاً.
وأمّا ما يُخبر به من خالفهم؛ من السحرة، [والكهان] 2، وعُبّاد المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع والفجور من المسلمين؛ فإ نه لابُدّ فيه من الكذب.
[الثاني: أنّ الأنبياء لا تأمر إلا بالعدل، ولا تفعل إلا العدل] 3.
وهؤلاء المخالفون لهم لا بُدّ لهم من الظلم؛ فإن ما خالف العدل لا يكون إلا ظلماً؛ فيدخلون في العدوان على الخلق، وفعل الفواحش، والشرك، والقول [على] 1 الله بلا علم؛ وهي المحرمات التي حرّمها الله مطلقاً؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّم رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيرِ الحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكوا باللهِ مَا لَم يُنَزِّل بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاتَعْلَمُون﴾ 2.
الثالث: أنّ ما يأتي به من يخالفهم: معتادٌ لغير الأنبياء؛ كما هو معتاد للسحرة، والكهان، وعباد المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع والفجور.
وآيات الأنبياء هي معتادة أنها تدلّ: علىخبر الله وأمره، على علمه وحكمه؛ فتدلّ على أنهم أنبياء، وعلى صدق من أخبر بنبوتهم؛ سواء كانوا هم المخبرين، أوغيرهم.
وكرامات الأولياء هي من هذا؛ فإنهم يخبرون بنبوة الأنبياء.
وكذلك أشراط الساعة: هي أيضاً تدلّ على صدق الأنبياء؛ إذ كانوا قد أخبروا بها.
فالذي جعله أولئك3من كرامات الأولياء، وأشراط الساعة ناقضاً لآيات الأنبياء، إذ هو من جنسها، ولا يدلّ عليها.
فأولئك4كذّبوا بالموجود، وهؤلاء5سوّوا بين الآيات وغيرها، فلم [يكن] 6 في الحقيقة عندهم آية، وكانت الآيات عند أولئك منتقضة.
وأولئك1نصروا جهلهم بالتكذيب بالحق، وهؤلاء2نصروا جهلهم أيضاً بقول الباطل، فقالوا: إنّ الآية هي المقرونة بالدعوى التي لا تعارض3، وزعموا أنه لا يمكن معارضة السحر والكهانة إذا جعل آية، وأنه إذا لم يعارض، كان آيةً4، وهو تكذيب بالحق أيضاً؛ فإنّه قد ادّعاه غير نبيّ، ولم يعارض.5
فالطائفتان6أدخلت في الآيات ما ليس منها، وأخرجت منها ما هو منها؛ فكرامات الأولياء، وأشراط الساعة من آيات الأنبياء، وأخرجوها.
والسحر والكهانة ليس من آياتهم، وأدخلوها، أو سوّوا بينها وبين الآيات، بل [ونوابها] 7.
الرابع: إنّ آيات الأنبياء والنبوة، لو قُدّر أنها تُنال بالاكتساب، فهي إنما تُنال بعبادة الله وطاعته؛ فإنه لا يقول عاقل: إنّ أحداً يصير نبياً بالكذب
والظلم، بل بالصدق والعدل؛ سواءٌ قال: إنّ النبوة جزاء على العمل1، أو قال: إنه إذا زكى نفسه، [فاض] 2 عليه ما يفيض على الأنبياء.3
فعلى القولين: هي مستلزمة لالتزام الصدق والعدل.
وحينئذ: فيمتنع أن صاحبها يكذب على الله؛ فإن ذلك يفسدها بخلاف من خالف الأنبياء؛ من السحرة، والكهان، وعباد المشركين، وأهل البدع والفجور؛ من أهل الملل؛ أهل الكتاب، والمسلمين؛ فإن هؤلاء [تحصل] 4 لهم الخوارق، مع الكذب والإثم.
بل خوارقهم مع ذلك أشدّ؛ لأنهم يخالفون الأنبياء.
وما ناقض الصدق والعدل، لم يكن إلا كذباً وظلماً.
فكلّ من خالف طريق الأنبياء، لا بُدّ له من الكذب والظلم؛ إما عمداً، وإما جهلاً.
وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ على كُلِّ أفَّاكٍ أثيم﴾ 1: ليس من شرطه أن يتعمد الكذب، بل من كان جاهلاً يتكلم بلا علم، فيكذب؛ فإن الشياطين تنزل عليه أيضاً؛ إذ من أخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه، من غير اجتهاد يُعذر به، فهو كذّاب.
ولهذا يصف الله المشركين بالكذب، وكثيرٌ منهم لا يتعمّد ذلك.
وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أفتى أبو السنابل2: بأنّ المتوفى عنها الحامل، لا [تحلّ] 3 بوضع الحمل، بل تعتد أبعد الأجلين.
فقال: كذب أبو السنابل4؛ [أي في قوله] 5: بأنّ المتوفى عنها الحامل لا [تحلّ] 6 بوضع الحمل، بل تعتد أبعد الأجلين.
وكذلك لمّا قال بعضهم: ابن الأكوع حبط عمله.
قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: كذب من قالها، إنه لجاهد مجاهد7ونظائره كثيرة.
فالأنبياء لا يقع في إخبارهم عن الله كذب؛ لا عمداً، ولا خطأ.
وكلّ من خالفهم لابد أن يقع في خبره عن الله كذب ضرورةً؛ فإن خبره إذا لم يكن مطابقاً لخبرهم، كان مخالفاً له، فيكون كذباً.
فالذي تَنَزَّل عليه الشياطين إذا ظن واعتقد أنهم جاؤوا من عند الله، وأخبر بذلك، كان كاذباً.
وكذلك إذا قال عما أوحوه إليه: إن الله أوحاه إليه، كان كاذباً؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ 1.
ولمّا شاع خبر المختار بن أبي عبيد2، وهو أول من ظهر في الإسلام بالكذب في هذا، وثبت في الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يكون في ثقيف كذّاب ومبير" 3، فكان الكذّاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان
يتشيع لعلي.
[ولهذا يوجد الكذب في الشيعة أكثر ممّا يوجد فى جميع الطوئف، والمبير: هو الحجاج بن يوسف1، وكان ظالماً معتدياً، وكان يتشيع] 2 لعثمان، والمختار يتشيع لعلي، فذُكر لابن عمر، وابن عباس أمر المختار، وقيل لأحدهما: إنه يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق،
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ 1، وقيل للآخر: إنه يزعم أنه ينزل عليه، فقال: صدق، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ 2.
الخامس: أنّ ما تأتي به السحرة، والكهان، والمشركون، وأهل البدع؛ من أهل الملل، لا يخرج عن كونه مقدوراً للإنس والجن.
وآيات الأنبياء لا يقدر على مثلها؛ لا الإنس ولا الجن؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِن اجْتَمَعَت الإنسُ والجنُّ عَلَى أَنْ يَأتوا بِمِثلِ هَذا القُرآنِ لا يَأتونَ بِمثلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ 3.
السادس: أنّ ما يأتي به السحرة، والكهان، وكلّ مخالف للرسل تُمكن
معارضته بمثله، وأقوى منه؛ كما هو الواقع لمن عرف هذا الباب.1
وآيات الأنبياء لا يُمكن أحداً أن يعارضها؛ لا بمثلها، ولا بأقوى منها.
وكذلك كرامات الصالحين، لا تعارض؛ لا بمثلها، ولا بأقوى منها.
بل قد يكون بعضها آيات [أكبر] 2 من بعض.
وكذلك آيات الصالحين.
لكنها متصادقة، متعاونة على مطلوب واحد؛ وهو عبادة الله، وتصديق رسله.
فهي آيات، ودلائل، وبراهين متعاضده على مطلوب واحد.
والأدلة بعضها أدلّ وأقوى من بعض.
ولهذا كان المشايخ3- الذين يتحاسدون، ويتعادون، ويقهر بعضهم بعضاً بخوارقه؛ إما بقتل وإمراض، وإما بسلب حاله وعزله عن مرتبته، وإما غير ذلك - خوارقهم شيطانية، ليست من آيات الأنبياء والأولياء.
[وكثيرٌ] 4 من هؤلاء يكون في الباطن كافراً منافقاً.
وكثيرٌ منهم يموت على غير الإسلام.
وكثيرٌ منهم يكون مسلماً مع ظلم يعرف أنه ظلم، ومنهم من يكون جاهلاً يحسب أنّ ما هو عليه ممّا أمر الله به ورسوله.
وهذا كما يقع للملوك [المتنازعين على] 5 الملك من قهر بعضهم لبعض.
فهذا خارج عن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين.
السابع: أنّ آيات الأنبياء هي الخارقة للعادات؛ عادات الإنس والجنّ، بخلاف خوارق مخالفيهم؛ فإنّ كلّ ضرب منها معتاد لطائفة غير الأنبياء.
وآيات الأنبياء ليست معتادة لغير الذين يصدقون على الله، ويصدّقون من صدق على الله؛ وهم الذين جاؤوا بالصدق وصدّقوا.
وتلك معتادة لمن يفتري الكذب على الله، أو يكذّب بالحقّ [لمّا جاءه] 1.
فتلك آيات على كذب أصحابها، وآيات الأنبياء آيات على صدق أصحابها؛ فإن الله سبحانه لا يُخلي الصادق ممّا يدلّ على صدقه، ولا يُخلي الكاذب ممّا يدلّ على كذبه؛ إذ من نعته ما أخبر به في [قوله] 2: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْترَى على اللهِ كَذِباً فَإِن يَشَأ اللهُ يَخْتِمُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ 3.
ثم قال خبراً مبتدياً: ﴿وَيَمْحُو اللهُ الباطلَ وَيُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ 4؛ فهو سبحانه لا بُدّ أن يمحق الباطل، ويُحقّ الحق بكلماته.
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَواتِ والأرْضَ وما بينهُما لاعِبِينَ لو أرَدْنا أَن نتخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنَّا إن كُنَّا فاعِلِينَ بلْ نَقْذِفُ بالحقّ عَلى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زَاهِق ولَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ 5.
كما أخبر في موضع أنّه لم يخلق الخلق عبثاً ولا سُدى، وإنّما خلقهم بالحق وللحق6، فلا بُدّ أن يجزي هؤلاء وهؤلاء بإظهار صدق هؤلاء، وإظهار كذب هؤلاء؛ كما قال: ﴿بلْ نَقْذِفُ بالحقّ عَلى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هوَ زَاهِق﴾ 7.
الثامن: أن هذه لا يقدر عليها مخلوق، فلا تكون مقدورة للملائكة، ولا للجنّ، ولا للإنس، وإن كانت الملائكة قد يكون لهم فيها سبب، بخلاف تلك؛ فإنّها إما مقدورة للإنس، أو للجنّ، أو ممّا يُمكنهم التوصّل إليها بسبب.
وأما كرامات الصالحين فهي من آيات الأنبياء - كما تقدّم1، ولكن ليست من آياتهم الكبرى، ولا يتوقّف إثبات النبوة عليها، وليست خارقة لعادة الصالحين، بل هي معتادة في الصالحين من أهل الملل؛ في أهل الكتاب، والمسلمين.
وآيات الأنبياء التي يختصّون بها خارقة لعادة الصالحين.
التاسع: أنّ خوارق غير الأنبياء؛ الصالحين، والسحرة، والكهان، وأهل الشرك والبدع، تُنال بأفعالهم؛ كعبادتهم، ودعائهم، وشركهم، وفجورهم، ونحو ذلك.
وأمّا آيات الأنبياء فلا [تحصل] 2 بشيء من ذلك، بل الله يفعلها آيةً وعلامةً لهم، وقد يُكرمهم بمثل كرامات الصالحين، وأعظم من ذلك، مما يقصد به إكرامهم.
لكن هذا النوع يُقصد به الإكرام والدلالة، بخلاف الآيات المجردة؛ كانشقاق القمر، وقلب العصا حية، وإخراج يده بيضاء، والإتيان بالقرآن، والإخبار بالغيب الذي يختصّ الله به.
فأمرُ الآيات إلى الله، لا إلى اختيار المخلوق1، واللهُ يأتي بها بحسب علمه، وحكمته، وعدله، ومشيئته، ورحمته، كما يُنزل ما ينزله من آيات القرآن، وكما يخلق من يشاء من المخلوقات، بخلاف ما حصل باختيار العبد؛ إما لكونه يفعل ما يُوجبه، أو يدعو الله به فيجيبه.
فالخوارق التي ليست آيات2: تارةً تكون بدعاء العبد، والله تعالى يُجيب دعوة المضطر [إذا دعاه] 3، وإن كان كافراً.
لكن [للمؤمنين] 4 من إجابة الدعاء ما ليس لغيرهم.
وتارةً تكون بسعيه في أسبابها؛ مثل توجهه بنفسه وأعوانه، وبمن يُطيعه من الجنّ والإنس في حصولها.
وأما آيات الأنبياء: فلا تحصل بشيء من ذلك.
العاشر: أنّ النبيّ قد خلت من قبله أنبياء يعتبر بهم، فلا يأمر إلا [بما] 1 أمرت به الأنبياء؛ من عبادة الله وحده، والعمل بطاعته، والتصديق باليوم الآخر، والإيمان بجميع الكتب والرسل.
فلا يُمكن خروجه عمّا اتفقت [عليه] 2 الأنبياء.
وأما السحرة، والكهان، والمشركون، وأهل البدع من أهل الملل، فإنّهم يخرجون عمّا اتفقت عليه الأنبياء؛ فكلّهم يُشركون مع تنوّعهم، ويُكذّبون ببعض ما جاء به الأنبياء.
والأنبياء كلّهم منزّهون عن الشرك، وعن التكذيب بشيء من الحقّ الذي بعث الله به نبيّاً.
قال تعالى: ﴿واسْأَل من أرسَلْنا من قَبْلِك مِن رُسُلِنا أَجَعَلْنا من دونِ الرَّحْمَنِ آلهةً يُعْبَدُونَ﴾ 3.
وقال تعالى: ﴿وما أرسَلْنا من قبلِك من رَسُولٍ إلا [يُوحَى] 4 إليه أنَّه لا إله إلا أنا فاعْبُدُون﴾ 5.
وقال تعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلّ أُمّةٍ رسولاً أن اعبُدُوا اللهَ واجتنِبُوا الطاغوتَ فمنهم من هَدَى اللهُ ومنهم من حَقَّتْ عليهِ الضَّلالة﴾ 6.
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إليه من رَبِّهِ والمؤمنونَ كُلّ آمنَ باللهِ وملائكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفرِّقُ بينَ أحدٍ من رُسُلِهِ﴾ 1.
وقال تعالى: ﴿قولوا آمنَّا باللهِ وما أنزلَ إلينا وما أنزلَ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النّبيّون من ربِّهم لا نُفرِّقُ بين أحدٍ منهم ونحنُ له مسلمون [فإن آمنوا بِمِثْلِ ما آمنتُمْ بِهِ فقد اهتّدّوْا] 2 وإن تولّوا فإنّما هُمْ في شِقاق﴾ 3.
وقال تعالى: ﴿ولكنّ البِرَّ مَنْ آمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ والملائكَةِ والكتابِ والنَّبِيِّينَ﴾ 4.
وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِين يكفُرُونَ باللهِ ورُسُلِهِ ويُريدونَ أن يُفَرِّقُوا بين اللهِ ورُسُلِهِ ويقولونَ نُؤمِنُ ببعضٍ ونكفًرُ ببعضٍ ويُريدون أن يتّخِذُوا بينَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقَّاً﴾ 5.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاق النَّبِيِّينَ لما آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ ثُمَّ جاءكُم رسولٌ مُصدِّقٌ لما معكم لَتُؤمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قال أَأَقْرَرْتُم وأخذتُم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشَّاهِدِينَ﴾ 6.
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لكم من الدِّين ما وصّى به نوحاً والَّذي أوحَيْنَا إِلَيْك وما وصَّيْنا به إبراهيم وموسى وعيسى أَن أقيموا الدين ولا تتفرَّقُوا فيه كَبُرَ على المُشْرِكِينَ
ما تدعوهم إليه اللهُ يَجْتَبِي إليهِ مَنْ يشَاءُ ويهدِي إليهِ مَنْ يُنِيب﴾ 1.
وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُل كُلُوا من الطيِّبات واعملوا صالِحَاً إِنّي بما تَعْمَلُون عليمٌ وأنَّ 2 هذه أُمَّتُكُم أُمَّة واحدة وأنا ربكم فاتَّقُونِ﴾ 3، ثمّ قال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمرَهُم بَيْنَهُم زُبُرَاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِم فَرِحُونَ﴾ 4.
وقال تعالى لمّا ذكر الأنبياء: ﴿إنّ هذه أُمَّتُكُم أُمَّة واحدة وأنا ربكم فاعبُدُون وتقطَّعُوا أمرهم بينهم كُلّ إلينا راجعون فَمَنْ يعمل من الصالحات وهو مُؤْمِنٌ فلا كُفران لِسَعْيِهِ وإِنَّا لَهُ كاتِبُون﴾ 5.
وقال تعالى: ﴿وقالوا لن يَدْخُل الجنَّةَ إلاَّ مَنْ كان هُوداً أو نَصَارى تلك أمَانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إن كنتُم صادِقِين بلى مَنْ أسلم وَجهَهُ للهِ وهو مُحْسِنٌ فله أجره عند ربِّهِ ولا خوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون﴾ 6.
فالأنبياء يُصدِّقُ متأخِّرُهم مُتقدّمهم، ويُبشِّر متقدّمُهم بمتأخِّرِهم؛ كما بَشَّرَ المسيح ومن قَبْلَهُ بمحمّدٍ7، وكما صدّق محمّدٌ جميع النّبيّين قبلَهُ.8
ولهذا يقول: ﴿يا أيُّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نَزَّلْنا مُصدّقاً لما معكُم من قبلِ أن نطْمِسَ وجوهاً فنَرُدَّها على أدبارِها أو نلعنهم كما لعنَّا أصحاب السّبْتِ﴾ 1.
وقال: ﴿ [نَزَّلَ] 2 عَليكَ الكتابَ بالحقِّ مُصدّقاً لِمَا بينَ يديه وأنزل التَّوْراةَ والإنجيلَ﴾ 3.
وقال: ﴿وَأنزَلْنا إليكَ الكتاب بالحقّ مُصدِّقاً لما بين يديه من الكتابِ ومُهَيْمِنَاً عليهِ﴾ 4.
والأنبياء، وأتباعهم، [كُلُّهم] 5 مؤمنون، مسلمون6، يعبدون الله
وحده بما أمر، ويُصدّقون بجميع ما جاءت به الأنبياء.
ومن خالفهم: لا يكون إلا مُشركاً، ومكذّباً ببعض ما أنزل الله.
وبين الطائفتين1فروقٌ كثيرةٌ غير خوارق العادات.
الحادي عشر: أنّ النبيّ هو وسائر المؤمنين لا يُخبرون إلا بحقّ،
ولا يأمرون إلا بعدل؛ فيأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويأمرون بمصالح العباد في المعاش والمعاد، لا يأمرون بالفواحش، ولا الظلم، ولا الشرك، ولا القول بغير علم.
فهُم بُعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتبديلها وتغييرها.
فلا يأمرون إلا بما يُوافق المعروف في العقول، الذي تتلقاه القلوب السليمة بالقبول.
فكما أنهم هم لا يختلفون؛ فلا يُناقض بعضهم بعضاً، بل دينهم وملّتهم واحد وإن تنوّعت الشرائع1، فهم أيضاً موافقون لموجب الفطرة التي فطر الله عليها عباده، موافقون للأدلّة العقلية لا يُناقضونها قطّ.
بل الأدلة العقليّة الصحيحة كلّها توافق الأنبياء لا تُخالفهم.
وآيات الله السمعية والعقلية؛ العيانية2والسماعية كلّها متوافقة، متصادقة، متعاضدة، لا يُناقض بعضها بعضاً؛ كما قد بُسط هذا في غير هذا الموضع.3
والذين يُخالفون الأنبياء؛ من أهل الكفر، وأهل البدع؛ كالسحرة، والكهان، وسائر أنواع الكفّار؛ وكالمُبتدعين من أهل الملل؛ أهل العلم، وأهل العبادة: فهؤلاء مخالفون للأدلة السمعية والعقلية؛ للسماعية والعيانية، مخالفون لصريح المعقول، وصحيح المنقول؛ كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فيها فَوْجٌ سألهم خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ الآية.1
فهؤلاء يُخالفون أقوال الأنبياء؛ إما بالتكذيب، وإما بالتحريف من التأويل، وإما بالإعراض عنها وكتمانها؛ فإما لا يذكروها، أو يذكروا ألفاظها، ويقولون: ليس لها معنى يعرفه مخلوق2؛ كما أخبر الله عن أهل الكتاب: أنّ منهم
من يُكذّبُ في اللفظ، ومنهم من يُحرّف الكلم في المعنى، ومنهم جُهّال لا يفقهون ما يقرؤون؛ قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤمِنُوا لَكُمْ﴾ 1، إلى قوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا كَتَبَتْ أيْدِيهم وويلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُون﴾ 2.
وكذلك هم مخالفون للأدلة العقلية.
الأنبياء كملوا الفطرة ومخالفوهم أفسدوا الحس والعقل والخبر فالأنبياء كمّلوا الفطرة، وبصّروا الخلق؛ كما تقدّم3في صفة محمّد [صلى الله عليه وسلم] 4: أنّ الله يفتحُ به أعيناً عُمياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلفاً.
ومخالفوهم يُفسدون الحسّ والعقل، كما أفسدوا الأدلة السمعية.
والحسّ والعقل بهما تُعرف الأدلة.
والطرق ثلاثة: الحسّ، والعقل، والخبر.
فمخالفوا الأنبياء أفسدوا هذا، وهذا، وهذا.
أما إفسادهم لما جاء عن الأنبياء: فظاهرٌ.
مخالفوا الأنبياء قسمان: وأما إفسادهم للحسّ والعقل: فإنّهم قسمان: قسمٌ أصحاب خوارق حسيّة؛ كالسحرة، والكهّان، وضلال العُبّاد.
وقسمٌ أصحاب كلام واستدلال بالقياس والمعقول.
وكلٌّ منهما يُفسد الحسّ والعقل.
أصحاب الحال الشيطاني أما أصحاب الحال الشيطانيّ: فقد عُرف أنّ السحر يُغيّر الحسّ
والعقل، حتى يُخيَّل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو. وكذلك سائر الخوارق الشيطانيّة، لا [تأتي] 1 إلا مع نوع فساد في الحسّ والعقل؛ كالمؤلهين الذين لا تأتيهم إلا مع زوال عقولهم، وآخرين لا [تأتيهم] 2 إلا في الظلام، وآخرين [يتمثّل] 3 لهم الجنّ في صورة الإنس، فيظنّون أنّهم إنس، أو يرونهم مثال الشيء؛ فيظنّون أن الذي رأوه هو الشيء نفسه، أو يُسمعونهم صوتاً يُشبه صوت من يعرفونه، فيظنّون أنه صوت ذلك المعروف عندهم.4
وهذا كثيرٌ موجودٌ في أهل العبادات البدعية التي فيها نوعٌ من الشرك ومخالفة الشريعة.
أصحاب الكلام والمقال البهتاني وأما أصحاب الكلام والمقال البُهتاني: فإنهم بنوا أصولهم العقلية، وأصول دينهم الذي ابتدعوه على مخالفة الحسّ والعقل.
أصل كلام أهل الكلام فأهل الكلام أصل كلامهم في الجواهر والأعراض5مبني على مخالفة
الحسّ والعقل؛ فإنّهم يقولون: إنا لا نشهد، بل ولا نعلم في زماننا حدوث شيء من الأعيان القائمة بنفسها، بل كُلّ ما [يُشهَد] 1 حدوثه، بل كلّ ما حدث من قبل أن يخلق آدم إنّما [يحدث] 2 أعراض في الجواهر التي هي باقية، لا تستحيل قطّ، بل تجتمع وتتفرّق.3
والخلق عندهم - الموجود في زماننا، وقبل زماننا -: إنّما هو جمع وتفريق، لا ابتداع عين وجوهر قائم بنفسه1، ولا خلق لشيء قائم بنفسه؛ لا إنسان، ولا غيره، وإنّما يخلق أعراضاً، ويقولون: إنّ كلّ ما نشاهده من الأعيان فإنها مركبة من جواهر، كلّ جوهر منها لا يتميّز يمينه عن شماله.2
وهذا مُخالفةٌ للحسّ والعقل كالأول.
قولهم: إن الأعراض لا تبقى زمانين وإنه لا يفنى شيء من الأعيان ويقول كثيرٌ منهم: إنّ الأعراض لا تبقى زمانين1، ويقولون: إنه لا يفنى ولا يعدم في زماننا شيء من الأعيان، بل كما لا يحدث شيء من الأعيان، [لا يفنى شيء من الأعيان2] 3. فهذا أصل علمهم، ودينهم، ومعقولهم الذي بنوا عليه حدوث العالم، وإثبات الصانع، وهو مخالفٌ للحسّ والعقل.4
ويقول الذين يُثبتون الجوهر الفرد5:
إنّ الفلك، والرحاء، وغيرهما يتفكّك كلّما استدار.1
ويقول كثيرٌ منهم: إنّ كلّ شيء فإنّه يمكن رؤيته، وسمعه، ولمسه.2
الفلاسفة أضل من المتكلمين فيجعلون ما في الذهن ثابتاً في الخارج إلى غير ذلك من الأمور التي جعلوها أصول علمهم، ودينهم، وهي مكابرة للحسّ والعقل.
والمتفلسفة أضلّ من هؤلاء3؛ فإنهم يجعلون ما في الذهن [ثابتاً] 4 في الخارج5؛ فيدَّعون أنّ ما يتصوّره العقل من المعاني الغائبة الكليّة
موجودة في الجواهر، قائمة بأنفسها؛ إما مجرّدة عن الأعيان، وإمّا مقترنة بها.
وكذلك العدد، والمقدار، والخلاء، والدهر، والمادّة1: يدَّعون وجود ذلك في الخارج.2
وكذلك ما يُثبتونه من العقول، والعلّة الأولى الذي يُسمّيه متأخّروهم: واجب الوجود.3
وعامّة ما يُثبتونه من العقليّات، إنّما يُوجد في الذهن.
فالذي لا ريب في وجوده: نفس الإنسان، وما يقوم بها.
ثمّ ظنّوا ما يقوم بها من العقليات موجوداً في الخارج.
فكان إفسادهم للعقل أعظم، كما أنّ إفساد المتكلمين للحسّ أعظم.
الفلاسفة أصول علمهم العقليات والمتكلمون أصول علمهم الحسيات مع أنّ هؤلاء المتفلسفة عمدتهم هي العلوم العقليّة.
والعقليّات عندهم أصحّ من الحسيّات.
وأولئك المتكلمون أصول علمهم هي الحسيّات، ثمّ يستدلّون بها على العقليّات.
وبسط هذه الأمور له موضع آخر.4
والمقصود هنا: التنبيه على أنّ من خالف الأنبياء، فإنّه كما أنّه مكذّب لما جاءوا به من النبوّة والسمع، فهو مخالفٌ للحسّ والعقل؛ فقد [فسد] 1 عليه الأدلة العقليّة والنقليّة.2
والله سبحانه وتعالى أعلم.