فصل سنة الله وعادته في الكذاب أن ينتقم منه ويظهر كذبه
وقد دلّ القرآن على أنّه سبحانه لا يؤيّد الكذّاب عليه، بل لا بُدّ أن يظهر كذبه، وأن ينتقم منه، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل لأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِين فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ 1، ذكر هذا [بعد] 2 قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون وَمَا لا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم وَمَا هُو بِقَولِ شَاعِرٍ قليلاً ما تُؤْمِنُون وَلا بِقَولِ كَاهِنٍ قَليلاً مَا تَذَكَّرُون تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ 3، ثمّ قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل لأَخَذْنَا مِنْهُ [بِاليَمِين] 4 ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِين فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ 5، هذا بتقدير أن يتقوّل بعض الأقاويل، فكيف بمن يتقوَّل الرِّسَالَة كلها.
وقوله: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِين﴾ : الوتين6: عرقٌ
في الباطن، يُقال: هو [نياط] 1 القلب، وإذا قُطِع مات الإنسان عاجلاً، وذلك يتضمّن هلاكه لو تقوّل على الله.
وقوله: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ : قيل: لأخذنا بيمينه، كما يُفعل بمن يهان عند القتل، فيُقال: خُذْ بيده، فيُجَرّ بيده2، ثم يُقتل، فهذا هلاك بعزّة وقدرة من الفاعل، وإهانة وتعجيل [هلاك] 3 للمقتول.
وقيل: لأخذنا منه باليمين؛ أي: بالقوّة، والقدرة؛ فإن الميامِن أقوى ممَّن يأخذ بشماله4، كما قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِر﴾ 5، وكما قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيد﴾ 6.
لكنّه قال: ﴿أخذنا منه﴾، ولم يقل: لأخذناه.
فهذا يُقوّي القول الأول.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبَاً فَإِنْ يَشَأ اللهُ يَخْتِم عَلَى قَلْبِكَ﴾ 7.
[ثمّ قال] 1: ﴿وَيَمْحُ اللهُ البَاطِلَ وَيُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ 2.
فقوله: ﴿وَيَمْحُ اللهُ البَاطِلَ﴾ : عطف جملة على جملة.
قالوا: وليس من جواب الشرط؛ لأنّه قال: ﴿وَيُحِقُّ الحَقّ﴾ ب الضمّ، وهو معطوف على قوله: ﴿وَيَمْحُ اللهُ البَاطِلَ﴾.
فمحوه للباطل، وإحقاقه الحق: خبرٌ منه، لا بُدّ أن يفعله؛ فقد بيَّن أنّه لا بُدّ أن يمحو الباطل، ويحقّ الحقّ بكلماته؛ فإنّه إذا أنزل كلماته، دلّ بها على أنّه نبيّ صادق؛ إذ كانت آية له، وبيّن بها الحق من الباطل.
وهو أيضاً يُحِقّ الحقّ، ويُبطل الباطل بكلماته، [فإنّه إذا أنزل كلماته، دلّ بها على أنّه نبيّ صادق؛ إذ كانت آية له، وبَيَّن بها الحق من الباطل.
وهو أيضاً يُحِقّ الحقّ، ويُبطل الباطل بكلماته] 3 التي تكون بها الأشياء؛ فيُحِقّ الحقّ بما يظهره من الآيات، وما ينصر به أهل الحقّ، كما تقدّمت كلمته بذلك، كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ 4، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقَاً وَعَدْلاً﴾ 5، وقال: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ﴾ 6.
وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوه﴾ 7، وأمره يتضمّن ما يأمر به،
وهو الكائن بكلماته، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئَاً أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ 1.
وكلماته صدقٌ وعدلٌ، والعدل: وضع الأشياء [مواضعها] 2.
من عدل الله فمن عدله: أن يجعل الصادق عليه، المبلغ لرسالته، حيث يصلح من كرامته ونصره، وإن يجعل الكاذب عليه، حيث يليق به من إهانته وذلّه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ 3؛ قال أبو قلابة4: هي لكلّ مفترٍ إلى يوم القيامة.5
أصناف الكاذبين الذين يعارضون رسل الله أعظم الافتراء على الله ومن أعظم الافتراء عليه: دعوى النبوة والرسالة كذباً، كما قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبَاً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ الله﴾ 1، وذكر في هذا الكلام جميع أصناف الكاذبين الذين يعارضون رسله الصادقين، كما ذكر فيما قبله حال الكاذبين في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيء قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورَاً وَهُدَى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ 2 ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبَاً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيء﴾ 3 الآية؛ فإنّ الكاذب إمّا أن يقول: إنّ غيري أنزل عليَّ، وإمَّا أن يقول: أنا أصنِّف مثل هذا القرآن.
وإذا قال: غيري أنزل علي؛ فأمّا أن يُعيِّنه، فيقول: إنّ الله أنزله عليَّ؛ وأمّا أن يقول: أُوحي، ولا يُعيِّن من أوحاه.
فذكر الأصناف الثلاثة، فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبَاً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيء﴾ 4: فهذان نوعان من جنس، ثمّ قال: ﴿ومن﴾، [و] 5لم يقل: أو قال؛ إذ كان هذا معارضاً لا يدّعي أنّه رسول، فقال: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
وهؤلاء المعارضون قد تحدّاهم في غير موضع1، وقال: ﴿قُلْ لَئِن اجْتَمَعَت الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً﴾ 2.
والرسول أخبر بهذا خبراً تامّاً في أوّل الأمر، وهذا لا يمكن إلاَّ مع قطعه أنّه على الحق.
وإلى الآن لم يوجد أحدٌ أنزلَ مثل ما أنزل الله.
وقوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ﴾، ولم يقل: أقدر أن أنزل؛ فإن قوله: ﴿سَأُنْزِلُ﴾ : هو وعدٌ بالفعل، وبه يحصل المقصود؛ بخلاف قوله: أقدر؛ فإنّه لا يحصل به غرض المعارض، وإنّما يحصل إذا فعل.
فمن وعد بإنزال مثل ما أنزل، كان من أظلم الناس وأكذبهم؛ إذ كان قد تبيَّن عجز جميع الثقلين؛ الإنس، والجن، عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن.
وقوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّه﴾ : يقتضي أنّ كلّ ما أنزله الله على أوليائه، فهو معجزٌ، لا يقدر عليه إلا الله؛ كالتوراة، والإنجيل، والزبور.
وهذا حقٌ3؛ فإنّ في ذلك من أنباء الغيب، ما لا يعلمه إلا الله، وفيه
أيضاً من تأييد الرسل بذلك، ما لا يقدر على أن يرسل بتلك الرسالة إلا الله؛ فلا يقدر أحدٌ أن ينزل مثل ما أنزل الله على [نبيّه] 1؛ فيكون به مثل الرسول، ولا أن يرسل به غيره.2