فصل مسمى العادة
وكثيرٌ من هؤلاء1مضطربون في مسمّى العادة التي [تخرق] 2.
والتحقيق: أنّ العادة أمرٌ إضافي؛ فقد يعتاد قومٌ ما لم يعتده غيرهم.
[فهذه إذا خرقت] 3، فليست لصدق النبي لا توجد بدون صدقه.
والرب تعالى في الحقيقة لا ينقض عادته التي هي سنته، التي قال فيها: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ 4، وقال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ 5؛ وهي التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين؛ فهو سبحانه إذا ميَّز بعض المخلوقات بصفات يمتاز بها عن غيره، ويختصه بها، قرن بذلك من الأمور ما يمتاز به عن غيره، ويختص به.
ولا ريب أنّ النبوّة يمتاز بها الأنبياء، ويختصون بها، والله تعالى يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس6، وهو أعلم حيث يجعل
رسالته.1
فمن خصه بذلك، كان له من الخصائص التي لا تكون لغيره، ما يناسب ذلك؛ فيُستَدل بتلك الخصائص على أنّه من أهل الاختصاص بالنبوة.
وتلك سنته وعادته في أمثاله؛ يُميّزهم بخصائص يمتازون بها عن غيرهم، ويعلم أن أصحابها من ذلك الصنف المخصوص الذين هم الأنبياء مثلاً.
سنة الله وعادته ولم [تكن] 2 له سبحانه عادة؛ بأن يجعل مثل آيات الأنبياء لغيرهم، حتى يقال: إنه خرق عادته ونقضها، بل عادته وسنته المطردة3أنّ تلك
الآيات لا تكون إلا مع النبوة، والإخبار بها، لا مع التكذيب بها، أو الشك فيها.
كما أنّ سنته وعادته: [أنّ محبته، ورضاه، وثوابه لا يكون إلا لمن عبده وأطاعه، وأنّ سنته وعادته] 1 أن يجعل العاقبة للمتقين2، وسنّته وعادته أن ينصر رسله، والذين آمنوا3؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيَّاً وَلا نَصِيرَاً سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ 4.
وكلّ ما يُظنّ أنّه خرقه من العادات، فله أسباب انخرقت فيها تلك العادات.
فعادته وسنته لا تتبدل؛ إذ أفعاله جارية على وجه الحكمة والعدل.
هذا قول الجمهور.5
الذين ينفون الحكمة يجوزون عليه فعل كل ممكن وأما من لا يثبت سبباً، ولا حكمة، ولا عدلاً1: فإنَّهم يقولون: إنه يخرق عادات، لا لسبب، ولا لحكمة.
ويجوّزون أن يقلب الجبل ياقوتاً، والبحر لبناً، والحجارة آدميين2، ونحو ذلك، مع بقاء العالم على حاله. ثمّ يقولون مع هذا: ولكن نعلم بالضرورة أنه لم يفعل ذلك.3
و [يقولون] 4: العقل هو علوم ضرورية؛كالعلوم بجارى العادات.5
وهذا تناقضٌ بيِّنٌ؛ فإنّهم إذا جوّزوا هذا، ولم يعلموا فرقاً بين ما يقع منه، وما لا يقع، كان الجزم بوقوع هذا دون هذا جهلاً.
وغاية ما عندهم أن قالوا: يُخلق في قلوبنا علمٌ ضروري بأنّ هذا لم يقع، ويُخلق في قلوبنا علمٌ ضروري بأنّ الله خرق العادة لتصديق هذا النبيّ.6
تعليق المؤلف على كلامهم فيُقال: إذا كان قد جعل الله في قلوبكم علماً ضرورياً كما جعله في قلوب أمثالكم، فأنتم صادقون فيما تخبرون به عن أنفسكم من العلم الضروريّ، لكن خطأكم: اعتقادكم أن العادات قد [ينقضها] 1 الله بلا سبب، ولا لحكمة.
فهذا ليس معلوماً لكم بالضرورة.
وخطأكم من حيث جوّزتم أن يكون شيئان متساويين من كل وجه، ثم يعلم بضرورةٍ، أو نظرٍ ثبوت أحدهما، وانتفاء الآخر.
فإن هذا تفريقٌ بين المتماثلين، وهذا قدحٌ في البديهيّات2؛ فإنّ أصل العلوم العقلية النظرية: اعتبار الشيء بمثله، وإن حكمه حكم مثله.3
فإذا جوّزتم أن يكون الشيئان متماثلين من كل وجه، وأنّ العقل يجزم بثبوت أحدهما وانتفاء الآخر، كان هذا قدحاً في أصل كلّ علم وعقل.
وإذا قلتم: إنّ العادات جميعها سواء، وإنّ الله يفعل ما يفعل بلا سبب، ولا حكمة، بل محض المشيئة مع القدرة رجَّحت هذا على هذا، وقلتم: لا فرق بين قلب الجبال يواقيت، والبحار لبناً، وبين غير ذلك من العادات، وجوّزتم أن يجعل الله الحجارة آدميين علماء، من غير سبب تُغيَّر به المخلوقات، كان هذا قدحاً في العقل؛ فلا أنتم عرفتم سنة الله المعتادة في خلقه، ولا عرفتم خاصّة العقل4؛ وهو التسوية بين المتماثلين؛ فإنّه سبحانه قطّ لم يخرق عادة، إلا لسبب يناسب ذلك؛ مثل:
[فلق] 1 البحر لموسى، وغير ذلك من الآيات التي بعث بها2؛ فإنّ ذلك خلقه ليكون آيةً وعلامةً؛ وكان ذلك بسبب نبوّة موسى، وانجائه قومه، وبسبب تكذيب فرعون.
[ومن جوّز] 3 أنّ ذلك البحر، أو غيره ينفلق لموسى، من غير أن يكون هناك سبب إلهي يناسب ذلك، فهو مصابٌ في عقله.
اضطراب الأشاعرة في التفريق بين آيات الأنبياء وخوارق غيرهم ولهذا اضطرب أصحاب هذا القول4، ولم يكن عندهم ما يفرّقون بين دلائل النبوة وغيرها، وكانت آيات الأنبياء والعلم بأنها آيات [إنْ حقَّقوها على وجهها] 5، فسدت أصولهم6، وإن طردوا أصولهم، كذّبوا العقل والسمع، ولم يمكنهم؛ لا تصديق الأنبياء، ولا العلم بغير ذلك من أفعال الله تعالى التي يفعلها بأسباب وحكم، كما قد بُسِط هذا في موضع آخر.7