فصل خوارق السحرة والكهان مناقضة للنبوة ولا تخرج عن مقدور الجن والإنس
فجميع ما يختص بالسحرة والكهان هو مناقض للنبوة1، فوجود ذلك يدلّ على أنّ صاحبه ليس بنبيّ.
ويمتنع أن [يكون] 2 شيءٌ من ذلك دليلاً على النبوة؛ فإنّ ما استلزم عدم الشيء لا يستلزم وجوده.
وكذلك ما يأتي به أهل الطلاسم3وعبادة الكواكب4ومخاطبتها،
كلّ ذلك مناقضٌ للنبوة؛ فإنّ النبي لا يكون إلا مؤمناً، وهؤلاء كفار؛ فوجود ما يناقض الإيمان هو مناقض للنبوة بطريق الأولى، وهو آيةٌ، ودليلٌ، وبرهان على عدم النبوة، فيمتنع أن يكون دليلاً على وجودها. وجميع ما يختص بالسحرة والكهان وغيرهم ممّن ليس بنبيّ، لا يخرج عن مقدور الإنس والجن.1
وأعني بالمقدور: ما يمكنهم التوصل إليه بطريق من الطرق2؛ فإنّ من الناس من يقول: إنّ المقدور لا بُدّ أن يكون في محلّ القدرة.3
وليس هذا هو لغة العرب، ولا غيرهم من الأمم؛ لا لغة القرآن والحديث، ولا غيرهما، وإنّما يدّعون ذلك من جهة العقل.
وقولهم في ذلك باطل من جهة العقل.
لكن المقصود هنا التكلم باللغة المعروفة؛ لغة العرب، وغيرهم التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره يخاطب بها الناس؛ كقوله في الحديث الصحيح لأبي مسعود1لما ضرب غلامه: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك على هذا" 2؛ فجعل نفس المملوك مقدورا عليه [لسيده] 3،
كما يقول الناس: القوّة على الضعيف ضعفٌ في القوة، [ويقولون] 1: فلانٌ قادر على فلان، وفلانٌ عاجز عن فلان، ويقولون: فلانٌ ناسج هذا الثوب، و [بَنَى] 2 هذه الدار. ومنه: قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ 3؛ فجعل الفلك مصنوعة لنوح. ومنه: قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ 4؛ أي والأصنام التي تعملونها، وتنحتونها؛ فجعل ما في الأصنام من التأليف معمولاً لهم، كما جعل تأليف السفينة مصنوعاً لهم. وهذا كثير.5
والمقصود هنا: أنّ ما يأتي به السحرة والكهان ونحوهم، هو ممّا يصنعه الإنس والجنّ، لا يخرج ذلك عنهم.
والإنس والجنّ قد أُرسلت إليهم الرسل6، فآيات الأنبياء خارجة عن قدرة الإنس والجن؛ لا يقدر عليها لا الإنس ولا الجن، ولله الحمد والمنة.
مقدورات الجن والإنس ومقدورات الجن هي من جنس مقدورات الإنس، لكن يختلف في المواضع؛ فإنّ الإنسي يقدر على أن يضرب غيره حتّى يمرض أو يموت، بل يقدر أن يكلمه بكلام يمرض به أو يموت.
فما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى يمرض أو يموت، هو من مقدور الجن، وهو من جنس مقدور الإنس.
ومنعه من الجماع هو من جنس المرض المانع له من ذلك.
والحب والبغض لبعض الناس، كما يفعله الساحر، هو من استعانته بالشياطين، وهو من جنس مقدور الإنس.
بل شياطين الإنس قد يؤثرون من البغض والحب أعظم مما تؤثره شياطين الجن.
والجنّ [تقدر] 1 على الطيران في الهواء، وهو من الأعمال.
والطيور تطير، فهو من جنس مقدور الإنس.
لكن يختلف المحل [بأنّ] 2 هؤلاء سيرهم في الهواء، والإنس سيرهم على الأرض.
وكذلك المشي على الماء، وطيّ الأرض؛ وهو قطع المسافة البعيدة في زمان قريب: هو من هذا الجنس، هو مما تفعله الجن، وهو مما تفعله الجن ببعض الناس.
وقد أخبر الله عن العفريت أنه قال لسليمان عن عرش بلقيس وهو باليمن وسليمان بالشام: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ 3.
ولهذا يوجد كثيرٌ من الكفار والفساق والجهال تطير بهم الجن في الهواء، وتمشي بهم على الماء، وتقطع بهم المسافة البعيدة في المدة القريبة.
وليس شيءٌ من ذلك من آيات الأنبياء4، ولله الحمد والمنة؛ إذ كان مقدور الإنس والجنّ، والإخبار ببعض الأمور الغائبة التي يأتي بها الكهّان، هو أيضاً من مقدور الجنّ؛ فإنهم تارة يرون الغائب فيخبرون به، وتارة يسترقون السمع من السماء فيخبرون به، وتارة
يسترقون وهم يكذبون في ذلك؛ كما أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم عنهم.1
وما تخبر به الأنبياء من الغيب، لا يقدر عليه إنس، ولا جنّ، ولا كذب فيه.
وأخبار الكهان وغيرهم كذبها أكثر من صدقها، وكذلك كل من تعود الإخبار عن الغائب؛ فأخبار الجن لا بد أن [تكذب] 2، فإنه من طلب منهم الإخبار بالمغيّب كان من جنس الكهان، وكذبوه في بعض ما يخبرون به، وإن كانوا صادقين في البعض.
وقد ثبت في الصحيح: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الكهّان؟ فقيل له: إنّ منا قوماً يأتون الكهان؟ قال: "فلا يأتوهم" 3.
وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "من أتى عرافاً، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً"4.
وفي السنن عنه أنه قال: "من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"1.
والنبي صلى الله عليه وسلم لمّا أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد [الأقصى] 2، لم يكن المقصود مجرّد وصوله إلى الأقصى، بل المقصود ما ذكره الله [بقوله] 3: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ 4، كما قال في سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَها جَنَّة المَأوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ 5.
وما رآه مختص بالأنبياء، لا يكون ذلك لمن خالفهم، ولا يريه الله تعالى ما أراه محمدا حين أسرى به.
وكذلك صلاته بالأنبياء في المسجد الأقصى، وركوبه على البراق؛ هذا كله من خصائص الأنبياء.
بعض خوارق الشياطين لأوليائهم والذين تحملهم الجن، وتطير بهم من مكان إلى مكان، أكثرهم لا يدري كيف حُمِل، بل يُحمَل الرجل إلى عرفات، ويرجع، وما يدري كيف حملته الشياطين، ولا يدعونه يفعل ما أمر الله به كما أمر الله به، بل قد يقف بعرفات من غير إحرام ولا إتمام مناسك الحج، وقد يذهبون به إلى مكة،
ويطوف بالبيت من غير إحرام إذا حاذى الميقات.1
[وذلك] 2 واجب في أحد قولي العلماء، ومستحب في الآخر3، فيفوته المشروع، أو يوقعونه في الذنب، ويُغرونه بأنّ هذا من كرامات الصالحين.
وليس هو مما يكرم الله به وليّه، بل هو ممّا أضلته به الشياطين، وأوهمته أن ما فعله قربة وطاعة4، أو يكون صاحبه له عند الله منزلة عظيمة.
وليس هو قربةٌ وطاعةٌ، وصاحبه لا يزداد بذلك منزلة عند الله؛ فإنّ التقرّب إلى الله إنّما يكون بواجبٍ أو مستحب، وهذا ليس بواجب ولا مستحب، بل يُضلّون صاحبه، ويصدّونه عن تكميل ما يحبه الله منه؛ من عبادته، وطاعته، وطاعة رسوله، ويوهمونه أن هذا من أفضل الكرامات، حتى يبقى طالباً له، عاملاً عليه.
وهم بسبب إعانتهم له على ذلك، قد استعملوه في بعض ما يريدون، ممّا ينقص قدره عند الله، أو وقوعه في ذنوب، وإن لم يعرف أنها ذنوب؛ فيكون ضالاً ناقصاً، وإن غُفِر له ذلك لعدم علمه؛ فإنّه نقصُ درجته، وخفض [منزلته] 1 بذلك الذي أوهموه أنه رَفَعَ درجته وأعلا منزلته.
وهذا من جنس ما [يفعله] 2 السحرة؛ فإنّ الساحر قد يصعد في الهواء والناس ينظرونه، وقد يركب شيئا من الجمادات؛ إما قصبة، وإما خابية، وإما مكنسة3، وإما غير ذلك؛ فيصعد به في الهواء، وذلك أن الشياطين تحمله.
وتفعل الشياطين هذا ونحوه بكثيرٍ من العبّاد والضلال؛ من عبّاد المشركين، وأهل الكتاب، والضُلاّل من المسلمين؛ [فتحملهم] 4 من مكان إلى مكان.
وقد يرى أحدهم بما يركبه إما فرس، وإما غيره، وهو شيطانٌ تصوّر له في صورة مركوب.
وقد يرى أنه يمشي في الهواء من غير مركوب، والشيطان قد حمله.
والحكايات في هذا كثيرة معروفة عند من يعرف هذا الباب، ونحن نعرف من هذا أموراً يطول وصفها.1
وكذلك المشي على الماء: قد [تجعل] 1 له الجن ما يمشي عليه، وهو يظن أنّه يمشي على الماء.
وقد يُخيّلون إليه أنه التقى طرفا النهر ليعبر، والنهر لم يتغيّر في نفسه، ولكن خيّلوا إليه ذلك.
وليس في هذا - ولله الحمد - شيءٌ من جنس معجزات الأنبياء.
كرامات الصالحين من جهة السبب والغاية وقد يمشي على الماء قوم بتأييد الله لهم، وإعانته إياهم بالملائكة؛ كما يحكى عن المسيح2، وكما جرى للعلاء بن الحضرمي3، ولأبي مسلم الخولاني في عبور الجيش4، وذلك إعانة على الجهاد في سبيل [الله] 5، كما يؤيّد الله المؤمنين بالملائكة، ليس هو من فعل الشياطين.
والفرق بينهما؛ من جهة السبب، ومن جهة الغاية.
أما السبب: فإنّ الصالحين يُسمّون الله، ويذكرونه، ويفعلون ما يحبه الله؛ من توحيده، وطاعته، فييسر لهم بذلك ما ييسره، ومقصودهم به: نصر الدين، والإحسان إلى المحتاجين.6
وما تفعله الشياطين يحصل بسبب الشرك، والكذب، والفجور1، والمقصود به: الإعانة على مثل ذلك.
والجن فيهم مسلمٌ وكافر، فالمسلمون منهم يعاونون الإنس المسلمين، كما يعاون المسلمون بعضهم بعضاً، والكفّار مع الكفّار.
أصناف طاعة الجن للإنس والجن الذين يطيعون الإنس، وتستخدمهم الإنس ثلاثة أصناف2: أعلاها: أن [يأمروهم] 3 بما أمر الله به، ورسله؛ فيأمرونهم بعبادة الله وحده، وطاعة رسله؛ فإنّ الله أوجب على الجنّ طاعة الرسل، كما أوجب ذلك على الإنس، وقال تعالى: ﴿وَيَومَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعَاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَد اسْتَكْثَرتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ [فِيهَا] 4 إِلاَّ مَا شَاءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَاً [بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] 5 يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيكُمْ [آيَاتِي] 6
وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَومِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا وَشَهِدُوا على أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُم كَانُوا كَافِرين ذَلكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ 1؛ فالرسل تكون من الإنس إلى الثقلين، والنذر من الجنّ باتفاق العلماء.2
هل يكون من الجنّ رسلاً؟! واختلفوا: هل يكون في الجن رسل؟ والأكثرون على أنّه لا رسل فيهم3، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ القُرَى﴾ 4.
وعن الحسن البصري قال: لم يبعث الله نبيّاً من أهل البادية، ولا من الجن، ولا من النساء.
ذكره عنه طائفة، منهم: البغوي1، وابن الجوزي.2
إسلام الجن واجتماعهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: ما نعلم أن الله أرسل رسولاً قط، إلا من أهل القرى؛ لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمور. رواه ابن أبي حاتم، وذكره طائفة.3
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد أرسل إلى الثقلين4، وقد آمن به مَنْ آمن مِنْ جنّ نصيبين5، فسمعوا القرآن، وولّوا إلى قومهم منذرين، ثم أتوا فبايعوه على الإسلام بشعب معروف بمكة6بين
الأبطح1، وبين جبل حراء2، وسألوه الطعام لهم ولدوابهم، فقال: "لكم كلّ عظم ذُكِر اسم [الله] 3 عليه أوفر ما يكون لحماً، وكلّ بعرة علف لدوابكم"، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن" 4.
والأحاديث بذلك كثيرة مشهورة5في الصحيح، والسنن،
والمسند، وكتب التفسير والفقه، وغيرها.1
وقد روى الترمذي وغيره أنّه قرأ عليهم سورة الرحمن، وهي خطاب للثقلين.2
وقد [اتفق] 1 العلماء على أنّ كفارهم يدخلون النار2، كما أخبر الله بذلك في قوله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا في أممٍ قَدْ خَلَتْ من قَبلِكُمْ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ في النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ 3، وقال الله تعالى: ﴿لأمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُم أَجْمَعِينَ﴾ 4، وقال: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين﴾ 5.
أقوال العلماء في مؤمني الجنّ وأما مؤمنوهم: فأكثر العلماء على أنهم يدخلون الجنة.1
وقال طائفة: بل يصيرون تراباً كالدوابّ.2
والأول أصحّ، وهو قول الأوزاعي، وابن أبي ليلى3، وأبي يوسف4، ومحمد5، ونقل ذلك عن مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول أصحابهم.6
واحتج عليه الأوزاعي وغيره بقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ 1، بعد ذكره أهل الجنّة وأهل النار، من الجن والإنس2، كما قال في سورة الأنعام، وفي الأحقاف: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾، بعد ذكر أهل الجنة والنار.3
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم4: درجات أهل النار تذهب سفولاً، ودرجات أهل الجنة تذهب صعوداً.5
فنبيِّنا صلى الله عليه وسلم هو مع الجن كما هو مع الإنس.
[والإنس] 6 معه إمّا مؤمنٌ به، وإما مسلمٌ له، وإما مسالمٌ له، وإما خائفٌ منه.
مراتب الجن وأنواعهم كذلك الجن منهم المؤمن به، ومنهم المسلم له مع نفاق، ومنهم المعاهد المسالم لمؤمني الجن، ومنهم الحربي الخائف من المؤمنين.
وكان هذا أفضل مما أوتيه سليمان؛ فإن الله سخّر الجن لسليمان تطيعه طاعة الملوك؛ فإن سليمان كان نبياً ملكاً، مثل داود ويوسف.
وأما محمّد فهو عبدٌ رسولٌ، مثل إبراهيم وموسى وعيسى1[عليهم السلام] 2، وهؤلاء أفضل من أولئك.
القسم الأول: المحمود فأولياء الله المتبعون لمحمد إنّما يستخدمون [الجن كما يستخدمون الإنس] 3 في عبادة [الله] 4 وطاعته، كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يستعمل الإنس والجن، لا في غرض له [غير] 5 ذلك.
القسم الثاني: المباح [و] 6 من الناس من يستخدم من يستخدمه من الإنس في أمور مباحة.
كذلك فيهم من يستخدم الجن في أمور مباحة7، لكن هؤلاء لا يخدمهم
الإنس والجنّ إلا بعوض؛ مثل أن يخدموهم كما يخدمونهم، أو يعينونهم على بعض مقاصدهم، وإلا فليس أحدٌ من الإنس والجن يفعل شيئاً إلا لغرض.
والإنس والجن إذا خدموا الرجل الصالح في بعض أغراضه المباحة؛ فإما أن يكونوا مخلصين يطلبون الأجر من الله، وإلا طلبوه منه؛ إما دعاؤه لهم، وإما نفعه لهم بجاهه، أو غير ذلك.
القسم الثالث: المذموم والقسم الثالث: أن يستخدم الجن في أمور محظورة، أو بأسباب محظورة؛ مثل قتل نفس، وإمراضها بغير حق؛ ومثل منع شخص من الوطء؛ ومثل تبغيض شخص إلى شخص؛ ومثل جلب من يهواه الشخص إليه.
فهذا من السحر.
وقد يقع مثله لكثير من الناس ولا يعرف السحر، بل يكون موافقاً للشياطين على بعض أغراضهم؛ مثل شرك، أو بدعة وضلالة، أو ظلم، أو فاحشة؛ فيخدمونه ليفعل ما يهوونه.
وهذا كثيرٌ في عبّاد المشركين، وأهل الكتاب، وأهل الضلال من المسلمين.
وكثيرٌ من هؤلاء لا يعرف أن ذلك من الشياطين، بل يظنه من كرامات الصالحين.
ومنهم من يعرف أنه من الشياطين، ويرى أنه بذلك حصل له ملك، وطاعة، ونيل ما يشتهيه من الرياسة والشهوات، وقتل عدوه؛ فيدخل في
ذلك كما تدخل الملوك الظلمة في أغراضهم.1
وليس أحدٌ من الناس تطيعه الجن طاعة مطلقة، كما كانت تطيع سليمان بتسخير من الله وأمر منه من غير معاوضة، كما أن الطير كانت تطيعه، والريح؛ قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيح غُدُوُّها شَهرٌ وَرَوَاحُهَا شَهرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزُغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالجَوابِ وَقُدُورٍ رَاسِيات اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ 2.
والجن [كالإنس] 3، فيهم المؤمن المطيع، والمسلم الجاهل، أو المنافق، أو العاصي، وفيهم الكافر.
وكلّ ضرب يميل إلى بني جنسه، والذي أعطاه الله تعالى لسليمان خارج عن قدرة الجن والإنس؛ فإنه لا يستطيع [أحدٌ] 4 أن يُسخّر الجنّ مطلقاً لطاعته، ولا يستخدم [أحداً] 5 منهم إلا بمعاوضة؛ إما عمل مذموم تحبه الجن، وإما قول تخضع له الشياطين؛ كالأقسام، والعزائم6؛ فإنّ
كلَّ جني فوقه من هو أعلى منه، فقد يخدمون بعض [الناس] 1 طاعة لمن فوقهم؛ كما يخدم بعض الإنس لمن أمرهم سلطانهم بخدمته لكتاب معه منه، وهم كارهون طاعته. وقد يأخذون منه ذلك الكتاب ولا يطيعونه، وقد يقتلونه، أو يُمرضونه؛ فكثيرٌ من الناس قتلته الجنّ.2
سبب صرع الجن للإنس كما يصرعونهم، والصرع لأجل الزنا، وتارة يقولون إنه آذاهم؛ إما [بصبّ نجاسة] 3 عليهم، وإما بغير ذلك؛ فيصرعونه صرع عقوبة وانتقام. وتارة يفعلون ذلك عبثاً؛ كما [يعبث] 4 شياطين الإنس بالناس. والجنُّ أعظم شيطنة، وأقلّ عقلاً، وأكثر جهلاً. والجني قد يحب الإنسي، كما يحب الإنسي الإنسي، وكما يحب الرجل المرأة، والمرأة الرجل، ويغار عليه، ويخدمه بأشياء. وإذا صار مع غيره، فقد يعاقبه بالقتل وغيره. كلُّ هذا واقعٌ.5
ثُمَّ الَّذي يخدمونه تارة يسرقون له شيئاً من أموال الناس، ممّا لم يُذكر اسم الله عليه، ويأتونه إما [بطعام] 6، وإما شراب، وإما لباس، وإما نقود، وإما غير ذلك.
وتارة يأتونه في المفاوز بماء عذب وطعام وغير ذلك.7
خوارق الشياطين سببها الشرك والظلم وليس شيءٌ من ذلك من معجزات [الأنبياء] 1، ولا كرامات الصالحين؛ فإن ذلك إنما يفعلونه بسبب شرك وظلم وفاحشة.
وهو لو كان مباحاً لم يجز أن يفعل بهذا السبب، فكيف إذا كان في نفسه ظلماً محرماً، لكونه من الظلم، والفواحش، ونحو ذلك.
وقد يُخبرون بأمور غائبة ممّا رأوه وسمعوه، ويدخلون في جوف الإنسان2؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم"3.
لكن إنّما سلطانهم كما قال الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكونَ﴾ 1.
ولما قال الشيطان: ﴿قال رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُم في الأرضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنهُم المُخْلصِين﴾ 2، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾، ثم قال: ﴿إِلاَّ [أي: لكن] 3 مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبوَاب لِكُلِّ بَابٍ منهم جُزءٌ مَقْسُوم﴾ 45.
الشياطين لا سلطان لهم على أهل الإخلاص وأسباب اندحارهم فأهل الإخلاص والإيمان لا سلطان له عليهم.1
ولهذا يهربون2من البيت الذي [تُقْرأ] 3 فيه سورة البقرة4، [ويهربون من قراءة آية الكرسي5،
وآخر1سورة البقرة] 2، وغير ذلك من قوارع القرآن.3
ومن الجنّ من يُخبر بأمور مستقبلة للكهان، وغير الكهان، ممّا [يسترقونه] 4 من السمع.
والكهانة كانت ظاهرة [كثيرةً] 5 بأرض العرب، فلما ظهر التوحيد هربت الشياطين، وبطلت، أو قلّت.
الشياطين تظهر في المواضع التي يخفى فيها أثر التوحيد ثمّ إنها تظهر في المواضع التي يخفى فيها أثر التوحيد.6
وقد كان حول المدينة بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم كُهّان يتحاكمون إليهم، وكان أبو بردة بن نيار كاهناً، ثمّ أسلم بعد ذلك، وهو من أسلم.1
والأصنام لها شياطين كانت تتراءى [للسدنة] 2 [أحياناً، وتكلمهم أحياناً.
قال أبي بن كعب: "مع كلّ صنم جنية"3.
وقال ابن عباس: "في كل صنم شيطان، تتراءى للسدنة] 4 فتكلمهم"5.
والشياطين كما قال الله تقترن بما يجانسها؛ بأهل الكذب والفجور، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّل الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ 1.
فكيف يجوز أن يقال: إن مثل هذا يكون معجزة لنبيّ، أو كرامة لوليّ؟!.
وهذا يناقض الإيمان ويُضادّه! والأنبياء والأولياء أعداء هؤلاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوَّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أصْحَابِ السَّعِير﴾ 2.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين وَأَن اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ 3.
وهذا يُظهر الفرق بين أخبار الأنبياء عن الغيب ما لا سبيل لمخلوق إلى علمه إلا منه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً إِلاَّ مَن ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدَاً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِم وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدَاً﴾ 4.
فقوله: ﴿على غيبه﴾ : هو غيبه الذي اختص به.
وأما ما يعلمه بعض المخلوقين: فهو غيب عمن لم يعلمه، وهو شهادة لمن علمه. فهذا أيضاً تُخبر منه الأنبياء بما لا يمكن الشياطين أن تُخبر به، كما في إخبار المسيح بقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ 1؛ فإنّ الجن قد يخبرون بما يأكله بعض الناس، وبما يدّخرونه، لكن الشياطين إنما تتسلط على من لا يذكر اسم الله؛ كالذي لا يذكر اسم الله إذا دخل، فيدخلون معه، وإن لم يذكر اسم الله إذا أكل، فإنهم يأكلون معه. وكذلك إذا ادّخر شيئاً، ولم يذكر اسم الله عليه، عرفوا به، وقد يسرقون بعضه، كما جرى هذا لكثيرٍ من الناس.2
وأما من يذكر اسم الله على [طعامه] 3، وعلى ما يختاره، فلا سلطان لهم عليه، لا يعرفون ذلك، ولا يستطيعون أخذه.4
والمسيح عليه السلام كان يخبر المؤمنين بما يأكلون وما يدخرون ممّا ذُكر اسم الله عليه، والشياطين لا تعلم به.1
ولهذا من [تكون] 2 أخباره عن شياطين تُخبره، لا يكاشف أهل الإيمان والتوحيد، وأهل القلوب المنورة بنور الله، بل يهرب منهم، ويعترف أنه لا يكاشف هؤلاء وأمثالهم.
خوارق الشياطين لأوليائهم لا تظهر أمام أهل القرآن والإيمان وتعترف الجن والإنس الذين خوارقهم بمعاونة الجن لهم [أنهم] 3 لا يمكنهم أن يظهروا هذه الخوارق بحضرة أهل الإيمان والقرآن، ويقولون:
أحوالنا لا تظهر قدام الشرع والكتاب والسنة، وإنما [تظهر] 1 عند الكفار والفجار2؛ وهذا لأنّ أولئك أولياء الشياطين، ولهم شياطين يعاونون شياطين المخدومين3، ويتفقون على ما يفعلونه من الخوارق الشيطانيّة؛ كدخول النّار مع كونها لم [تصر] 4 عليهم برداً وسلاماً؛ فإنّ الخليل لمّا أُلقي في النّار، صارت عليه برداً وسلاماً.
وكذلك أبو مسلم الخولاني، لمّا [قال] 5 له الأسود العنسي المتنبي: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع.
قال: أتشهد أنّ محمّداً رسول الله؟ قال: نعم.
فأمر بنار، فأُوقدت له، وألقي فيها، فجاءوا إليه، فوجدوه يصلي فيها، وقد صارت عليه برداً وسلاماً.
فقدم المدينة بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأخذه عمر، فأجلسه بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فُعل به كما فُعل بإبراهيم.6
وأما إخوان الشياطين: فإذا دخلت فيهم الشياطين، فقد يدخلون النار، ولا تحرقهم؛ كما يُضرب أحدهم ألف سوط، ولا يحسّ بذلك؛ فإن الشياطين تلتقي ذلك. طرق خروج الجن من الإنس وهذا أمرٌ كثيرٌ معروفٌ، قد رأينا من ذلك ما يطول وصفه.1
وقد ضربنا نحن من الشياطين في الإنس ما شاء الله، حتى خرجوا من الإنس، ولم يعاودوه.2
وفيهم من يخرج بالذكر والقرآن. وفيهم من يخرج بالوعظ والتخويف. وفيهم من لا يخرج إلا بالعقوبة؛ كالإنس.3
الشياطين يخافون الرجل الصالح أعظم مما يخافه فجار الإنس فهؤلاء الشياطين إذا كانوا مع جنسهم، الذين لا يهابونهم، فعلوا هذه الأمور.
وأما إذا كانوا عند أهل [إيمان] 4 وتوحيد، وفي بيوت الله التي
يُذكر فيها اسمه، لم [يجترئوا] 1 على ذلك، بل يخافون الرجل الصالح أعظم ممّا [يخافه] 2 فُجّار الإنس.
ولهذا لا يمكنهم عمل سماع المكاء والتصدية في المساجد المعمورة بذكر الله، ولا بين أهل الإيمان والشريعة المتبعين للرسول.
إنّما يمكنهم ذلك في الأماكن التي [يأتيها] 3 الشياطين؛ كالمساجد المهجورة، والمشاهد، والمقابر، والحمامات، والمواخير.
فالمواضع التي نهى النبي [صلى الله عليه وسلم] 4 عن الصلاة فيها؛ كالمقبرة، وأعطان الإبل، والحمام، وغيرها5، فتكون حال هؤلاء فيها أقوى لأنها؛ مواضع الشياطين؛ [كالمجزرة] 6، والمزبلة، والحمام، ونحو ذلك، بخلاف الأمكنة التي ظهر فيها الإيمان والقرآن والتوحيد، التي أثنى الله على أهلها، وقال فيهم: ﴿اللهُ نُورُ السَّموَاتِ والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا [مِصْبَاح] 7
المِصْبَاحُ في زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيّ [يُوقَدُ] 1 مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور يَهدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاء وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ للنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوّ وَالآصالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَومَاً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَن مَا عَمِلُوا وَيَزِيدهُمْ مِن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَاب﴾ 2 الأماكن والأزمان التي لا تتسلط فيها الشياطين فهذه أمكنة النور والصالحين والملائكة، لا تتسلّط عليها الشياطين بكل ما تريد، بل كيدهم فيها ضعيف، كما أن كيدهم في شهر رمضان ضعيف3؛ إذ كانوا فيه يُسلسلون4، لكن لم يبطل فعلهم بالكلية، بل
ضَعُف، فشرّهم فيه على أهل الصوم قليل، بخلاف أهل [الشراب] 1، وأهل الظلمات؛ فإنّ الشياطين هنالك مَحَالُّهم، وهم يحبون الظلمة، ويكرهون النور، ولهذا ينتشرون بالليل؛ كما جاء في الحديث الصحيح2، ولهذا أمر الله بالتعوّذ من شرّ غاسق إذا وقب.3
وخوارق الجن؛ كالإخبار ببعض الأمور الغائبة؛ وكالتصرّفات الموافقة لأغراض بعض الإنس: كثيرةٌ، [معروفةٌ في جميع الأمم؛ فقد كانت في
العرب كثيرة] 1، وكذلك في الهند، وفي الترك، والفرس، والبربر، وسائر الأمم2، فهي أمورٌ معتادة للجنّ والإنس.
آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الجن والإنس خوارق الشياطين علامة على فجور أوليائهم وآيات الأنبياء - كما تقدم3- خارجةٌ عن مقدور الإنس والجن؛ فإنهم مبعوثون إلى الإنس والجن، فيمتنع أن تكون آياتهم أموراً معروفةً فيمن بُعثوا إليه؛ إذ يقال: هذه موجودة كثيراً للإنس، فلا يختصّ بها الأنبياء.
بل هذه الخوارق هي آيةٌ وعلامةٌ على فجور صاحبها وكذبه، فهي ضدّ آيات الأنبياء التي تستلزم صدق صاحبها وعدله.
ولهذا يكون كثيرٌ من الذين تخدمهم الشياطين من أهل الشياطين.
وهذا معروفٌ لكثيرٍ ممَّن تخدمه الشياطين.
بل من طوائف المخدومين من يكونون كلّهم من هذا الباب؛ [كالبوي] 4 الذي للترك.5
وأكثر [المؤلهين] 1 من هذا الباب، وهم يصعدون بهم في الهواء، ويدخلون المدن والحصون بالليل والأبواب مغلقة، ويدخلون على كثيرٍ من رؤساء النَّاس، و [يظنّون] 2 أنَّ هؤلاء صالحون قد طاروا في الهواء، ولا يعرف أن الجنّ طارت بهم. الفرق بين الأحوال الشيطانية والآيات النبوية وهذه الأحوال الشيطانية تبطل، أو تضعف، إذا ذُكر الله وتوحيده، وقرئت قوارع القرآن؛ لا سيما آية الكرسي؛ فإنها تُبطل عامّة هذه الخوارق الشيطانية.3
وأمّا آيات الأنبياء والأولياء [فتقوى] 4 بذكر الله وتوحيده.
والجنّ المؤمنون قد يعينون المؤمنين بشيءٍ من الخوارق، كما يعين الإنس المؤمنون للمؤمنين بما يمكنهم من الإعانة.
وما لا يكون إلا مع الإقرار بنبوّة الأنبياء، فهو من آياتهم.
فوجوده يؤيد آياتهم، لا يُناقضها.
مع أن آيات الأنبياء التي يدّعون أعلى من هذا، وأعلى من كرامات الأولياء؛ فإن تلك هي الآيات الكبرى.5
الدعوات المجابة والرؤيا الصادقة لا ينكرها أحد والذين ذكر عنهم إنكار كرامات الأولياء1من المعتزلة وغيرهم؛ كأبي إسحاق الاسفرايني، وأبي محمد بن أبي زيد؛ وكما ذكر ذلك أبو محمد بن حزم2، لا ينكرون الدعوات المجابة، ولا ينكرون الرؤيا الصادقة؛ فإن هذا متفق عليه بين المسلمين3؛ وهو أن الله تعالى قد يخصّ بعض عباده بإجابة دعائه أكثر من بعض، ويخصّ بعضهم بما يريه من المبشّرات.
وقد كان سعد بن أبي وقاص معروفاً بإجابة الدعاء؛ فإنّ النبيّ [صلى الله عليه وسلم] 4 قال: "اللهمّ سدّد رميته، وأجب دعوته"5.
وحكاياته في ذلك مشهورة.6
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لم يبق بعدي من النبوّة إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له"1.
وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره"2؛ ذكر ذلك لما أقسم أنس بن النضر أنه لا [تكسر] 3 ثنية الربيع4، [فاستجاب الله ذلك] 5.
[وأيضاً: فإنّ منهم] 6 البراء بن مالك7؛ أخو أنس بن مالك، وكانوا