فصل الدليل مستلزم للمدلول
[وخاصة] 1 الدليل أن يكون مستلزماً للمدلول.2
فكلّ ما استلزم شيئاً كان دليلاً عليه، ولا يكون دليلاً إلا إذا كان مستلزماً [له] 3.
ثمّ دلالة الدليل [تعلم] 4، كما يُعلم لزوم اللازم للملزوم.
وهذا لا بُدّ أن يُعلم بالضرورة، أو بدليل ينتهي إلى الضرورة.
وعلى هذا: فآيات الأنبياء هي أدلة صدقهم، وبراهين صدقهم، وهي ما يستلزم صدقهم، ويمتنع وجوده بدون صدقهم؛ فلا يمكن أن يكون ما يدل على النبوّة موجوداً بدون النبوة.
ثمّ كونه مستلزماً للنبوة، ودليلاً عليها، يُعلم بالضرورة، أو بما ينتهي إلى الضرورة.
فآيات الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا تُحَدّ بحدود يدخل فيها غير آياتهم؛ كحدّ بعضهم كالمعتزلة وغيرهم بأنّها5خرق العادة، ولم يعرف مسمّى هذه العبارة، بل ظنّ أن خوارق السحرة، والكهان، والصالحين:
خرقٌ للعادة؛ فكذّبها1؛ وحدّ بعضهم2بأنّها3الخارق للعادة، إذا لم يُعارضه أحد.
وجعل4هذا فصلاً احترز به عن تلك الأمور؛ فقال5: المعجزة هي الخارق المقرون بالتحدي بالمثل، مع عدم المعارضة.
وجوَّزَ أن يأتي غير الأنبياء بمثل ما أتوا به6سواء مع المعارضة.
[وجعل] 7 ما يأتي به الساحر والكاهن معجزات، مع عدم المعارضة.
وحقيقة المعجز هذا ما لم يعارض، ولا حاجة إلى كونه خارقاً للعادة، بل الأمور المعتادة إذا لم تُعارض كانت آية.
وهذا باطلٌ قطعاً.
ثمّ مسيلمة، والأسود العنسي، وغيرهما، لم يُعارَضوا.8
[ثمّ يُقال: ما يعني بعدم المعارضة] 1 في ذلك المكان والزمان؛ فالسحرة والكهان لا يُعارَضون، والعنسي، ومسيلمة لم يعارَضا في مكانهم، ووقت [إغوائهم] 2.
وإن قال: لا يُعارَض البتة.
فمن أين يعلم هذا العدم؟ فإن قيل: فما آيات الأنبياء؟ قيل: هي آيات الأنبياء التي [يُعلم] 3 أنّها مختصة بالأنبياء، وأنّها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لا بُدّ أن تكون خارقةً للعادة، خارجةً عن قدرة الإنس والجن، ولا يمكن أحداً أن يعارضها.
لكن كونها خارقة للعادة، ولا تمكن معارضتها: هو من لوازمها ليس هو حداً مطابقاً لها.
والعلم بأنها مستلزمة لصدقهم قد يكون ضرورياً؛ كانشقاق القمر، وجعل العصا حية، وخروج الناقة.
فمجرد العلم بهذه الآيات يُوجب علماً ضرورياً بأنّ الله جعلها آيةً لصدق هذا الذي استدلّ بها، وذلك يستلزم أنّها خارقة للعادة، وأنّه لا يمكن معارضتها.
فهذا4من جملة صفاتها، لا أنّ هذا وحده كافٍ فيها.
وهذا إذا قال مَنْ قال: إنّ فلاناً أرسلني إليكم؛ فإنّه يأتي بما يعلم أنّه علامة.
والعلامة، والدليل، والآية، حدّها: أنّها تدلّ على المطلوب.
وآيات الأنبياء تدلّ على صدقهم.
وهذا لا يكون إلا مع كونها مستلزمةً
لصدقهم؛ فيمتنع أن تكون معتادة لغيرهم، ويمتنع أن يأتي من يعارضهم بمثلها، ولا يمتنع أن يأتي نبي آخر بمثلها، ولا أن يأتي من يصدّقهم بمثلها؛ فإنّ تصديقه لهم يتضمن صدقهم، فلم يأت إلا مع صدقهم.
وقد تكون الآيات تدلّ على جنس الصدق؛ وهو صدق صاحبها؛ فيلزم صدقه إذا قال: أنا نبي، ولكن يمتنع أن يكون لكاذب.
فهذا ونحوه مما ينكشف به حقيقة هذا الباب1، وهو من أهم الأمور.
وإذا فُسِّر خرق العادة: بأنها خرق لعادات غير الأنبياء؛ أي لا يكون لغير جنسهم، وجنس من صدَّقهم، وفسَّر عدم المعارضة: بأنّه لا يقدر أن يأتي بها من ليس بنبيّ، أو متبع لنبي، كان المعنى واحداً، واتَّحدت التفاسير الثلاثة.2