أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل1في تمام القول في محبّة الله

صفحات 375-414

2، وانقسام المراد إلى ما يُراد لذاته، وإلى ما يُراد لغيره3تابع: الوجه الأول في الرد على الفلاسفة ثمّ4ذلك الغير لا بُدّ أن يكون مُراداً لذاته، فالمراد لذاته لازمٌ لجنس الإرادة، والإرادة لازمة لجنس الحركة؛ فإنّ الحركة [الطبيعيّة5،و] 6 القسريّة7مستلزمةٌ للحركة الإراديّة.8
والحركة الإراديّة مستلزمة لمرادٍ

لذاته.
فكان جنس الحركات الموجودة في العالَم مستلزمة للمراد لذاته؛ وهو المعبود الذي يستحق العبادة لذاته؛ وهو الله لا إله إلا هو1، فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا.
وكلّ عملٍ لا يُراد به وجهه، فهو باطلٌ.
وكلّ عاملٍ لا يكون [عمله] 2 لله، بل لغيره، وهو المشرك؛ فإنّه كما قال تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَاْ خَرَّ مِنَ السَّمَاْءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِيْ بِهِ الرِّيْحُ فِيْ مَكَاْنٍ سَحِيْقٍ﴾ 3؛ فإنّ قوام الشيء بطبيعته الخاصّة به؛ فالحيّ قوامه بطبيعته المستلزمة لحركته الإراديّة، وقوامها بالمراد لذاته، فإذا لم يكن حركتها لإرادة المعبود لذاته، لم يكن لنفسه قوام، بل بقيت ساقطة، خارَّة؛ كما ذكر الله تعالى.
ولهذا يهوي في الهاوية؛ وهو ذنبٌ لا يُغفر؛ لأنّه فسد الأصل؛ كالمريض الذي فسد قلبه، لا ينفع مع ذلك إصلاح أعضائه.

لفظ الدعاء في القرآن ولفظ دعاء الله في القرآن1يُراد به دعاء العبادة، ودعاء [المسألة] 2؛ فدعاء العبادة يكون الله هو المراد به، فيكون الله هو المراد.
ودعاء المسألة يكون المراد منه3؛ كما في قول المصلّي: ﴿إِيَّاْكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاْكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ 4؛ فالعبادة إرادته، والاستعانة وسيلة إلى العبادة إرادة المقصود، وإرادة الاستعانة إرادة الوسيلة إلى المقصود، ولهذا قدّم قوله: ﴿إِيَّاْكَ نَعْبُدُ﴾، وإن كانت لا تحصل إلا بالاستعانة؛ فإنّ العلّة الغائيّة مقدّمة في التصوّر والقصد، وإن كانت مؤخّرة في [الوجود] 5 والحصول، وهذا إنّما يكون لكونه هو المحبوب لذاته.
لكن المراد به محبّة مختصة به على سبيل الخضوع له والتعظيم، وعلى سبيل تخصيصها به؛ فيُعبّر عنها بلفظ الإنابة، والعبادة، ونحو ذلك؛ [إذ] 6 كان لفظ المحبّة (جنس عامّ)، يدخل فيه أنواع كثيرة، فلا يرضى لله

بالقدر المشترك، بل إذا ذُكِر من يُحبّ غير الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا أَشَدُّ حُبَّاً للهِ﴾ 1، وإذا ذُكِر محبّتهم لربّهم، ذُكِرت محبّته لهم، وجهادهم؛ كما في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيْ اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّوْنَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَاْفِرِيْنَ يُجَاْهِدُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ وَلا يَخَاْفُوْنَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ 2، وفي مثل قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ وَجِهَاْدٍ فِيْ سَبِيْلِهِ﴾ 3.
ولهذا كانت القلوب [تطمئنّ بذكره] 4؛ كما قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوْبُ﴾ 5؛ فتقديم المفعول يدلّ على أنّها لا تطمئِنّ إلا بذكره، [و] 6 هو تعالى إذا ذُكِرَ وَجِلَتْ، فحصل لها اضطراب ووجل لما [تخافه] 7 من [دونه] 8، و [تخشاه] 9 من فوات نصيبها منه.
فالوجل إذا ذُكر حاصل بسبب من الإنسان، وإلا فنفس ذكر الله يوجب الطمأنينة؛ لأنّه هو المعبود لذاته، والخير كلّه منه؛ قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَاْدِيْ أَنِّيْ أَنَاْ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ وَأَنَّ عَذَاْبِيْ هُوَ الْعَذَاْبُ الألِيْمُ﴾ 10، وقال تعالى: ﴿اِعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ شَدِيْدُ العِقَاْبِ وَأَنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ﴾ 11.
وقال علي رضي الله عنه: "لا يرجونّ

عبدٌ إلا ربّه، ولا يخافنّ عبدٌ [إلا] 1 ذنبه)) 2؛ فالخوف الذي يحصل عند ذكره، هو بسبب [من] 3 العبد، وإلا فذكر الربّ نفسه يحصل الطمأنينة والأمن؛ فما أصابك من حسنةٍ فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك؛ كما قال ذلك المريض الذي سُئل: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله، وأخاف ذنوبي.
فقال [النبيّ صلى الله عليه وسلم] 4: "ما اجتمعا في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمّنه ممّا يخاف" 5.
ولم يقل بذكر الله توجل القلوب، كما قال: ﴿أَلا بِذِكُرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوْبُ﴾ 6، بل قال: ﴿إِذَاْ ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهُم﴾ 7، ثمّ قال: ﴿وَإِذَاْ تُلِيَتْ عَلَيْهمْ آيَاْتُهُ زَأْدَتْهُمْ إِيْمَاْنَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكلُوْنَ﴾ 8.
وإنّما يتوكّلون عليه لطمأنينتهم إلى كفايته، وأنّه سبحانه حَسْبُ من توكّل عليه؛ يهديه، وينصره،

ويرزقه بفضله، ورحمته، وجوده. فالتوكّل [عليه] 1 يتضمّن الطمأنينة إليه، والاكتفاء به عمّا سواه. وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاْحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوْا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِيْنَ الَّذِيْنَ إِذَاْ ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهُمْ وَالصَّاْبِرِيْنَ عَلَى مَاْ أَصَاْبَهُمْ وَالْمُقِيْمِيْ الصَّلاةِ وَمِمَّاْ رَزَقْنَاْهُمْ يُنْفِقُوْنَ﴾ 2، فهم مُخبتون. والمُخبت: المطمئنّ الخاضع لله. والأرض [الخبت] 3: [المطمئنّة] 4. روى ابن أبي حاتم من حديث ابن مهدي، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِيْنَ﴾، قال: المطمئنّين.5
وعن الضحّاك: المتواضعين6؛ فوصفهم بالطمأنينة مع الوجل، كما وصفهم هناك بالتوكّل عليه مع الوجل، وكما قال في وصف القرآن: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُوْدُ الَّذِيْنَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُوْدُهُمْ وَقُلُوْبُهُمْ إِلَىْ ذِكْرِ اللهِ﴾ 7.
فذكر أنّه بعد الاقشعرار تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله؛ فذكره بالذات يوجب الطمأنينة، وإنّما الاقشعرار والوجل عارضٌ بسبب ما في نفس الإنسان من التقصير في حقّه، والتعدّي لحدّه؛ فهو كالزبد مع ما ينفع النّاس: الزبد يذهب جفاء، وما ينفع النّاس يمكث في الأرض.

فالخوف مطلوبٌ لغيره، ليدعو النّفس إلى فعل الواجب، وترك المحرّم. وأمّا الطمأنينة بذكره، وفرح القلب به، ومحبّته، فمطلوب لذاته. ولهذا يبقى معهم هذا في الجنّة، فيُلهَمون التسبيح، كما يُلهَمون النَّفَس.1
اللذات عند الفلاسفة ثلاث والمتفلسفة2رأوا اللّذّات في الدنيا ثلاثة3: حسيّة، ووهميّة،

وعقليّة.
والحسيّة في الدنيا غايتها دفع الألم.
والوهميّة خيالات [وأضغاث] 1، واللذّة الحقيقيّة هي العلم.
فجعلوا جنس العلم غاية، وغلطوا من وجوه: أحدها: أنّ العلم بحسب المعلوم، فإذا كان المعلوم محبوباً تكمل النفس بحبّه، كان العلم به كذلك.
وإن كان مكروهاً، كان العلم به لحذره، ودفع ضرره؛ كالعلم بما يضرّ الإنسان من شياطين الإنس والجنّ.
فلم يكن المقصود نفس العلم، بل المعلوم.
ولهذا قد يقولون: سعادتها في العلم بالأمور الباقية2، وأنّها تبقى ببقاء معلومها.
ثمّ يظنّون أنّ الفَلَك والعقول والنفوس أمور باقية، وأنّ بمعرفة هذه تحصل سعادة النفس.
وأبو حامد في مثل ((معراج السالكين))، ونحوه، يُشير إلى هذا3؛ فإنّ كلامه برزخٌ بين المسلمين وبين الفلاسفة؛ ففيه فلسفة مشوبة بإسلام، وإسلامٌ مشوبٌ بفلسفة4، الغزالي بين المسلمين والفلاسفة ولهذا

كان في كتبه؛ كالإحياء، وغيره يجعل المعلوم بالأعمال، والأعمال كلها إنّما غايتها هو العلم فقط1، وهذا حقيقة قول هؤلاء الفلاسفة2، وكان يُعظِّم الزهد3جداً، ويعتني به أعظم من اعتنائه بالتوحيد الذي جاءت به الرسل؛ وهو عبادة الله وحدَه لا شريك له، وترك عبادة ما سواه؛ فإنّ هذا التوحيد يتضمّن محبّة الله وحده، وترك محبّة المخلوق مطلقاً، إلا إذا أحبّه [لله] 4، فيكون داخلاً في محبّة الله، بخلاف من يُحبّه مع الله؛ فإنّ هذا شرك.
وهؤلاء المتفلسفة إنّما يُعظّمون تجريد النفس عن الهيولي5، وهي

المادّة، وهي البدن، وهو الزهد في أغراض البدن، و [هو] 1 الزهد في الدنيا.
وهذا ليس فيه إلا تجريد النفس عن الاشتغال بهذا؛ فتبقى النفس فارغة؛ فيُلقي إليها الشيطان ما يُلقيه، ويوهمه أنّ ذلك من علوم المكاشفات والحقائق2، وغايته وجود مطلق، هو في الأذهان، لا في الأعيان.3
الغزالي جعل السلوك إلى الله ثلاثة منازل ولهذا جعل أبو حامد السلوك إلى الله ثلاثة منازل، بمنزلة السلوك4

إلى مكة؛ فإنّ السالك إليها له ثلاثة أصناف من الشغل: الأول: تهيئة الأسباب؛ كشراء الزاد، والراحلة، وخرز الراوية.1
والآخر: السلوك، ومفارقة الوطن، بالتوجّه إلى الكعبة، منزلاً بعد منزل.
والثالث: الاشتغال بأركان الحجّ، ركناً بعد ركن، ثمّ بعد النزوع2عن لبسة الإحرام، وطواف الوداع، استحقّ التعرّض للملك، والسلطنة.
قال: فالعلوم ثلاثة3: قسمٌ يجري مجرى سلوك البوادي، وقطع العقبات؛ وهو تطهير الباطن عن كدورات الصفات، وطلوع تلك [العقبة] 4 الشامخة التي عجز عنها الأوّلون والآخرون، إلا الموفّقون.
قال5: فهذا سلوك للطريق، وتحصيل علمه6؛ كتحصيل علم جهات الطريق، ومنازله.
وكما لا يغني علم المنازل وطريق البوادي دون سلوكها، فكذا لا يغني علم تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب.
لكن المباشرة دون العلم، غير ممكن.
قال: وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحج وأركانه؛ وهو العلم بالله، وصفاته، وملائكته، وأفعاله، وجميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة.

قال: وها هنا نجاة وفوز بالسعادة. والنجاة حاصلة لكلّ سالك للطريق، إذا كان غرضه المقصد؛ وهو السلامة. وأمّا الفوز بالسعادة: فلا ينالها إلا العارِفون؛ فهم المقرّبون المنعّمون في جوار الله بالروح، والريحان، وجنّة نعيم.1
وأما الممنوعون دون ذروة الكمال، فلهم النجاة والسلامة؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّاْ إِنْ كَاْنَ مِنَ الْمُقَرَّبِيْن فَرَوْحٌ وَرَيْحَاْنٌ وَجَنَّةُ نَعِيْمٍ وَأَمَّاْ إِنْ كَاْنَ مِنْ أَصْحَاْبِ الْيَمِيْنِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَاْبِ الْيَمِيْن﴾ 2.
وقال: وكل من لم يتوجّه إلى المقصد، أو انتهض إلى جهته لا على قصد الامتثال بالأمر والعبوديّة، بل لغرض عاجل، فهو من أصحاب الشمال، ومن الضالّين؛ فله نزلٌ من حميم وتصلية جحيم.
قال: واعلم أنّ هذا هو الحق اليقين عند العلماء الراسخين في العلم؛ أعني أنّهم أدركوه بمشاهدة من الباطن.
ومشاهدة الباطن أقوى وأجلّ من مشاهدة الأبصار3، وترقّوا فيه عن حدّ التقليد إلى الاستبصار.4

تعليق شيخ الإسلام على كلام الغزالي قلت: وكلامه من هذا الجنس كثير، ومن لم يعرف حقيقة مقصده [يهوله] 1 مثل هذا الكلام؛ لأنّ صاحبه يتكلّم بخبرة ومعرفة بما يقوله، لا بمجرد تقليدٍ لغيره. لكنّ الشأن فيما خبره، هل هو حقّ مطابق. ومن سلك مسلك المتكلمين؛ الجهميّة، والفلاسفة، ولم يكن عنده خبرة بحقائق ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، بل ولا بحقائق الأمور عقلاً وكشفاً، فإنّ هذا الكلام غايته. [و] 2 أمّا من عرف حقيقة ما جاءت به الرسل، أو عرف مع ذلك بالبراهين العقليّة والمكاشفات الشهوديّة صدقَهم فيما أخبروا؛ فإنّه يعلم غاية مثل هذا [الكلام] 3، وأنّه إنّما ينتهي إلى التعطيل.4
ولهذا ذاكرني مرة شيخ جليل له معرفة، وسلوك، وعلم في هذا، فقال: كلام أبي حامد يشوقك، فتسير خلفه، منزلاً بعد منزل، فإذا هو ينتهي إلى لا شيء.5

وهذا الذي جعله هنا الغايةَ، وهو: معرفة الله، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، قد ذكره في ((المضنون به على غير أهله)) 1، وهو فلسفة محضة. قولُ المشركين من العرب خيرٌ منه، دع قول اليهود والنصارى. بل قوم نوح، وهود، وصالح، ونحوهم كانوا يُقرّون بالله، وبملائكته، وصفاته، وأفعاله، خيراً من هؤلاء. [لكن] 2 لم يُقرّوا بعبادته وحده لا شريك له، ولا بأنّه أرسل رسولاً من البشر. حقيقة قول الفلاسفة في أصول الدين [وهذا حقيقة قول] 3 هؤلاء؛ فإنّهم لا يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ولا يُثبتون حقيقة الرسالة، بل النّبوّة عندهم فيضٌ من جنس المنامات.4
وأولئك الكفّار ما كانوا يُنازعون في هذا الجنس؛ فإنّ هذا الجنس موجود لجميع بني آدم، ومع هذا فقد أخبر الله تعالى عنهم أنّهم كانوا يُقرّون بالملائكة؛ كما قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوْا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاْعِقَةً مِثْلَ صَاْعِقَةِ عَاْدٍ وَثَمُوْدَ

إِذْ جَاْءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيْهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوْا إِلاَّ اللهَ قَاْلُوا لَوْ شَاْءَ رَبُّنَاْ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ 1. وقال [قوم] 2 نوح: ﴿مَاْ هَذَاْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيْدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاْءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَاْ سَمِعْنَاْ بِهَذَاْ فِيْ آبَاْئِنَاْ الأَوَّلِيْنَ﴾ 3. بل فرعون قال لموسى: ﴿أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْ هَذَاْ [الَّذِيْ] 4 هُوَ مَهِيْنٌ وَلا يَكَاْدُ يُبِيْنُ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاْءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِيْنَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاْعُوْهُ إِنَّهُمْ كَاْنُوْا قَوْمَاً فَاْسِقِيْنَ﴾ 5. والعبادات كلّها عندهم مقصودها تهذيب الأخلاق. والشريعة سياسة مدنيّة. والعلم الذي يدّعون الوصول إليه لا حقيقة لمعلومه في الخارج.6
والله أرسل رسوله بالإسلام والإيمان بعبادة الله وحده، وتصديق الرّسول فيما أخبر؛ فالأعمال عبادة الله، والعلوم تصديق الرّسول.
وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر تارةً بسورتي الإخلاص7، وتارةً: ﴿قُوْلُوْا

آمَنَّاْ بِاللهِ وَمَاْ أُنْزِلَ إِلَيْنَاْ﴾ 1 الآية؛ فإنّها تتضمّن الإيمان، والإسلام.
وبالآية من آل عمران: ﴿قُلْ يَاْ أَهْلَ الْكِتَاْبِ تَعَاْلَوْا إِلَىْ كَلِمَةٍ سَوَاْءٍ بَيْنَنَاْ وَبَيْنَكُمْ﴾ 23.
فلاسفة الصوفية الذين تأثروا بكلام الغزالي [والذين] 4 سلكوا خلف أبي حامد، أو ضاهوه في السلوك؛ كابن سبعين، وابن عربي، صرّحوا بحقيقة ما وصلوا إليه، وهو أنّ الوجود

واحد1، وعلموا أنّ أبا حامد لا يُوافقهم على هذا، فاستضعفوه، و [نسبوه] 2 إلى أنّه مقيّد بالشرع والعقل.3
وأبو حامد بين علماء المسلمين، وبين علماء الفلاسفة.
علماء المسلمين يذمّونه على ما شارك فيه الفلاسفة ممّا يُخالف دين الإسلام.
والفلاسفة يعيبونه على ما بقي معه من الإسلام، وعلى كونه لم ينسلخ [منه] 4 بالكليّة إلى قول الفلاسفة.
ذم ابن رشد للغزالي ولهذا كان الحفيد ابن رشد5يُنشد فيه: يوماً يمان إذا ما جئتَ ذا يمنٍ وإن لقيتَ معديّاً فعدناني6

ذم القشيري للغزالي وأبو نصر القشيريّ1، وغيره [ذمّوه] 2 على الفلسفة، وأنشدوا فيه [أبياتاً] 3 معروفة، يقولون فيها: برئنا إلى الله من معشر بهم مرضٌ من كتاب الشفا4وكم قلت يا قوم أنتم على شفا حفرة ما لها من شَفا فلما استهانوا بتعريفنا رجعنا إلى الله حتى كفا فماتوا على دين [رسطالس] 5 وعشنا على سنة المصطفى6ذم العلماء له ولهذا كانوا يقولون: أبو حامد قد أمرضه الشفاء.7

وكذلك الطرطوشي1، والمازري2، وابن عقيل3، وأبو البيان4،

وابن حمدين1، ورفيق أبي حامد؛ أبو نصر المرغيناني2، وأمثال

هؤلاء1لهم كلامٌ كثيرٌ في ذمّه على ما دخل فيه من الفلسفة.
ولعلماء الأندلس في ذلك مجموع كبير.
مراتب الناس عند ابن سبعين ولهذا لما سلك خلفه ابن عربي2، وابن سبعين3، كان ابن سبعين في كتاب [ ((البد)) ] 4 وغيره، يجعل الغاية هو المقرّب؛ وهو نظير المقرّب

في كلام أبي حامد، ويجعل المراتب خمسة: أدناها الفقيه، ثمّ المتكلّم، ثمّ الفيلسوف، ثمّ الصوفيّ الفيلسوف؛ وهو السالك، ثمّ المحقّق.1
عقائد ابن عربي وابن عربي له أربع عقائد2: الأولى: عقيدة أبي المعالي وأتباعه مجرّدة عن حُجّة. والثانية: تلك العقيدة مبرهنة بحججها الكلاميّة. والثالثة: عقيدة الفلاسفة؛ ابن سينا وأمثاله الذين يُفرّقون بين الواجب والممكن. والرابعة: التحقيق الذي وصل إليه؛ وهو [أنّ] 3 الوجود واحدٌ.4
وهؤلاء يسلكون مسلك الفلاسفة الذي ذكره أبو حامد في ميزان

العمل؛ وهو: أنّ الفاضل له ثلاث عقائد: عقيدة مع العوامّ يعيش بها في الدنيا؛ كالفقه مثلاً.
وعقيدة مع الطلبة يدرّسها لهم؛ كالكلام.
والثالثة: [سرٌ] 1 لا يطّلع عليه أحدٌ إلا الخواصّ.2

المضنون به على غير أهله فلسفة محضة ولهذا صنّف الكتب المضنون بها على غير أهلها، وهي فلسفة محضة، سلك فيها مسلك ابن سينا.1
ولهذا يجعل اللوح المحفوظ هو النّفس الفلكيّة2إلى أمور أخرى قد بُسطت في غير هذا الموضع، ذكرنا ألفاظه بعينها في مواضع؛ منها: الردّ على ابن سبعين وأهل الوحدة، وغير ذلك3؛ فإنّه لمّا انتشر الكلام في مذهب أهل الوحدة، وكنتُ لمّا دخلتُ إلى مصر بسببهم، ثمّ صرتُ في الإسكندرية، جاءني من فضلائهم من يعرف حقيقة أمرهم4، وقال: إن كنتَ تشرح لنا كلام هؤلاء، وتُبيِّن مقصودهم، ثمّ تُبطله، وإلا فنحن لا نقبل منك كما لا نقبل من غيرك؛ سبب تأليف بغية المرتاد السبعينية فإنّ هؤلاء لا يفهمون كلامهم.
فقلتُ: نعم! أنا أشرح لك ما شئتَ من كلامهم؛

مثل كتاب [البُد] 1، والإحاطة2لابن سبعين، وغير ذلك.
فقال لي: لا، ولكن ((لوح الأصالة)) 3؛ فإنّ هذا يعرفون، وهو في رؤوسهم.
فقلتُ له: هاته.
فلمّا أحضره شرحتُه له شرحاً بيِّناً، حتى تبيَّن له حقيقة الأمر، وأنّ هؤلاء ينتهي أمرهم إلى الوجود المطلق، فقال: هذا حقّ.
وذَكَرَ لي أنّه تناظر اثنان؛ متفلسف سبعينيّ، ومتكلّم على مذهب ابن التومرت4، فقال

ذاك: نحن شيخنا يقول بالوجود المطلق.1

وقال الآخر: ونحن كذلك إمامنا. قلتُ له: والمطلق في الأذهان لا في الأعيان. فتبيّن له ذلك، وأخذ يُصنّف في الردّ عليهم.1
ابن تومرت يقول بالوجود المطلق ولم أكن أظنّ ابنَ التومرت يقول بالوجود المطلق، حتى وقفتُ بعد هذا على كلامه المبسوط2، فوجدتُه كذلك، وأنّه كان يقول: الحقّ

حقّان؛ الحقّ المقيّد، والحقّ المطلق؛ وهو الربّ.
وتبيَّنتُ أنّه لا يُثبتُ شيئاً من الصفات، ولا ما يتميّز به موجود عن موجود؛ فإنّ ذلك يُقيّد شيئاً من الإطلاق.
وسألني هذا1عمّا يحتجّون به من الحديث؛ مثل الحديث المذكور في العقل، وأنّ أوّل ما خلق الله تعالى العقل2، ومثل حديث: كنتُ كنزاً لا

أُعرف، فأحببتُ أن أُعرف1، وغير ذلك؟ فكتبتُ له جواباً مبسوطاً، وذكرتُ أنّ هذه الأحاديث موضوعة، وأبو حامد وهؤلاء لا يعتمدون على هذا، وقد نقلوه إمّا من رسائل إخوان الصفا2، أو من كلام أبي حيان

التوحيدي1، أو من نحو ذلك.2
وهؤلاء في الحقيقة من جنس الباطنيّة الإسماعيليّة3، لكنّ أولئك

يتظاهرون بالتشيّع والرفض، وهؤلاء غالبهم يميلون إلى التشيّع، ويُفضّلون علياً.1
ومنهم من يُفضّله بالعلم الباطن، ويُفضّل أبا بكر2في العلم الظاهر؛ كأبي الحسن [الحرالّي] 3، وفيه نوعٌ من مذهب الباطنيّة الإسماعيليّة، لكن لا يقول بوحدة الوجود مثل هؤلاء، ولا أظنّه يُفضّل غير الأنبياء عليهم؛ فهو أنبل من هؤلاء من وجه، لكنّه ضعيف المعرفة بالحديث، والسير، وكلام الصحابة والتابعين؛ فيبني له أصولاً على أحاديث موضوعة، ويخرج كلامه من تصوّف، وعقليّات، وحقائق.
وهو

خيرٌ من هؤلاء، وفي كلامه أشياء حسنة صحيحة، وأشياء كثيرة باطلة، والله سبحانه [وتعالى] 1 أعلم.
الوجه الثاني من أوجه الرد على الفلاسفة الثاني: أنّ صلاح النفس في محبّة المعلوم المعبود؛ وهي عبادته، لا في مجرد علم ليس فيه ذلك، وهم جعلوا غاية النفس التشبّه بالله على حسب الطاقة2، وكذلك جعلوا حركة الفَلَك للتشبّه به.3
وهذا ضلال عظيم؛ فإنّ جنس

التشبّه يكون بين [اثنين] 1 مقصودهما واحد؛ كالإمام والمؤتمّ به. وليس الأمر هنا كذلك. بل الربّ هو معبودٌ لذاته، وهو يعرف نفسه، ويُحبّ نفسه، ويُثني على نفسه، والعبد نجاتُه وسعادته في أن يعرف ربّه، ويُحبّه، ويُثني عليه. والتشبّه به: أن يكون هو [محبوباً لنفسه] 2، مثنياً بنفسه على نفسه. وهذا فسادٌ في حقّه، وضارٌ به. والقوم أضلّ من اليهود والنصارى، بل ومن مشركي العرب؛ فإنّه ليس الربّ عندهم؛ لا رب العالمين وخالقهم؛ ولا إلههم ومعبودهم. ومشركو العرب كانوا يُقرّون بأنّه خالق كلّ شيء، وما سواه مخلوقٌ له محدَث. وهؤلاء الضالّون لا يعترفون بذلك؛ كما قد بُسط في غير هذا الموضع.3
الوجه الثالث من أوجه الرد على الفلاسفة والوجه الثالث: أنّهم يظنّون أنّ ما عندهم هو علمٌ بالله.
وليس كذلك، بل هو جهل.
والرازي لمّا شاركهم4في بعض أمورهم صار حائراً معترفاً بذلك؛

لمّا ذكر أقسام اللّذّات1، وأنّ اللّذّة العقليّة هي الحقّ؛ وهي لذّة العلم، وأنّ شرف العلم بشرف المعلوم؛ وهو الربّ، وأنّ العلم به ثلاث مقامات: العلم بالذات، والصفات، والأفعال.
قال: وعلى كلّ مقامٍ عقدة؛ فالعلم بالذات فيه أنّ وجود الذات: هل هو زائد عليها أم لا؟ وفي الصفات: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وفي الأفعال: هل الفعل مقارنٌ أم لا؟.
ثمّ قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب؟ أو من الذي ذاق من هذا الشراب؟ نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأمّلتُ الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيتُها تشفي عَليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَىْ الْعَرْشِ اسْتَوَىْ﴾﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّاْلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ 3، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾﴿وَلا يُحِيْطُوْنَ بِهِ عِلْمَاً﴾ 5.
ومن جرَّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي.6

السعادة العلم بالله وما يقرب إليه.. فالسعادة هو أن يكون العلم المطلوب هو العلم بالله وما يُقرّب إليه، ويعلم أنّ السعادة في أن يكون الله هو المحبوب المراد المقصود، ولا يحتجب بالعلم عن المعلوم؛ كما قال ذلك الشيخ العارف للغزالي لمّا قال له: أخلصتُ أربعين صباحاً، فلم يتفجّر لي شيء! فقال: يا بنيّ أنتَ أخلصتَ للحكمة، لم يكن الله هو مرادك، والإخلاص لله أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده، فحينئذ تتفجّر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه؛ كما في حديث مكحول عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "من أخلص لله أربعين صباحاً تفجّرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"12.

ولهذا تقول العامّة: قيمة كلّ امرئ ما يُحسن1، والعارفون يقولون: قيمة كلّ امرئ ما يطلب2، وفي الإسرائيليّات: يقول الله تعالى: "إنّي لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنّما أنظر إلى همّته"3.
فالنفس لها قوة الإرادة مع الشعور، وهما متلازمان.
وهؤلاء لحظوا شعورها وأعرضوا عن إرادتها.
وهي تتقوّم بمرادها، لا بمجرّد ما [تشعر] 4 به؛ فإنّها تشعر بالخير والشرّ، والنافع والضارّ، ولكن لا يجوز أن يكون مرادها ومحبوبها إلا ما يُصلحها وينفعها؛ وهو الإله المعبود الذي لا يستحقّ العبادة غيره، وهو الله لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً.
العلم الحق ما أخبرت به الرسل ثمّ مع هذا يكون العلم حقاً، وهو ما أخبرت به الرّسل؛ فالعلم الحقّ هو ما أخبروا به، والإرادة النافعة إرادة ما أمروا به؛ وذلك عبادة الله وحده لا شريك له؛ فهذا هو السعادة، وهو الذي اتفقت عليه الأنبياء كلّهم؛ فكلّهم دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذلك إنّما يكون بتصديق رسله [وطاعتهم] 5.
السعادة متتضمنة للأصلين فلهذا كانت السعادة متضمّنة لهذين الأصلين: الإسلام، والإيمان؛ عبادة الله وحده، وتصديق رسله؛ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ

محمداً رسول الله، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِيْنَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِيْنَ﴾ 1؛ قال أبو العالية2: هما خصلتان يُسأل عنهما كلّ أحد؛ يُقال: لمن كنتَ تعبد، وبماذا أجبتَ المرسلين.3
وقد بُسط هذا في غير هذا الموضع.4
والله أعلم.
واتبع لها أسعد الناس في الدنيا والآخرة، وخير القرون القرن الذين شاهدوه مؤمنين به وبما يقول؛ إذ كانوا أعرف الناس بالفرق بين الحقّ الذي جاء به وبين ما يُخالفه، وأعظم محبّة لما جاء به وبُغضاً لما خالفه، وأعظم جهاداً عليه.
فكانوا أفضل ممّن بعدهم في العلم، والدين، والجهاد؛ أكمل علماً بالحقّ والباطل؛ وأعظم محبّة للحقّ وبُغضاً للباطل؛ وأصبر على متابعة الحقّ، واحتمال الأذى فيه، وموالاة أهله، ومعاداة أعدائه.
واتّصل بهم ذلك [إلى] 5 القرن الثاني، والثالث، فظهر ما بُعث به من الهدى ودين

الحقّ على كلّ دين في مشارق الأرض ومغاربها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "زُوِيَت لي الأرضُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلكُ أُمّتي ما زُوي لي منها"1.
وكان لا بُدّ أن يظهر في أمّته ما سبق به القدر، واقتضته نشأة البشر من نوعٍ من التفرّق والاختلاف، كما كان فيما غَبَر.
لكن كانت أمّته صلى الله عليه وسلم خيرَ الأمم، فكان الخير فيهم أكثرَ منه في غيرهم، والشرّ فيهم أقلَّ منه في غيرهم؛ كما يعرف ذلك من تأمّل حالهم وحال بني إسرائيل قبلهم.
وبنو إسرائيل هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاْ بَنِيْ إِسْرَاْئِيْلَ الْكِتَاْبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاْهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاْتِ وَفَضَّلْنَاْهُمْ عَلَىْ الْعَاْلَمِيْنَ وَآتَيْنَاْهُمْ بَيِّنَاْتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَاْ اخْتَلَفُوْا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَاْ جَاْءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَاً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِيْ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَاْمَةِ فِيْمَاْ كَاْنُوْا فِيْهِ يَخْتَلِفُوْنَ ثُمَّ جَعَلْنَاْكَ عَلَىْ شَرِيْعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَاْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاْءَ الَّذِيْنَ لا يَعْلَمُوْنَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوْا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئَاً وَإِنَّ الظَّاْلِمِيْنَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاْءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِيْنَ﴾ 2، وقال لهم موسى: ﴿يَاْ قَوْمِ اذْكُرُوْا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيْكُمْ أَنْبِيَاْءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوْكَاً وَآتَاْكُمْ مَاْ لَمْ يُؤْتِ أَحَدَاً مِنَ الْعَاْلَمِيْنَ﴾ 3.

خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإذا كان بنو إسرائيل الذين فضّلهم الله على العالَمين في تلك الأزمان، وكانت هذه الأمة خيراً منهم، كانوا خيراً من غيرهم بطريق الأولى.
فكان ممّا خصّهم الله به أنّه لا يُعذّبهم بعذاب عامّ؛ لا من السماء، ولا بأيدي الخلق؛ فلا يُهلكهم بسنة عامة، ولا يُسلّط عليهم عدواً من غيرهم فيجتاحهم؛ كما كان يُسلّط على بني إسرائيل عدوّاً يجتاحهم، حتى لا يبقى لهم دينٌ قائمٌ منصورٌ، ومن لا يقبل منهم يبقى مقهوراً تحت حكم غيرهم.
بل لا تزال في هذه الأمّة طائفة ظاهرة على الحقّ إلى يوم القيامة1، ولا يجتمعون على ضلالة2؛ فلا [تزال] 3 فيهم أمّة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون.4
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "سألتُ ربّي

ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني [عن] 1 واحدة؛ سألتُ ربّي أن لا يُسلّط عليهم عدوّاً من غيرهم فيجتاحهم، فأعطانيها؛ وسألتُه أن لا يُهلكهم بسنة عامّة، فأعطانيها؛ وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها" 2.
معنى البأس وهذا البأس نوعان؛ أحدهما: الفتن التي تجري عليهم.
والفتنة تَرِدُ على القلوب، فلا [تعرف] 3 الحقَّ، ولا [تقصده] 4؛ فيؤذي بعضهم بعضاً بالأقوال والأعمال.
والثاني: أن يعتدي أهل الباطل منهم على أهل الحقّ منهم، فيكون ذلك محنةً في حقّهم، يُكفّر الله بها سيِّئاتهم، ويرفع بالصبر عليها درجاتهم، وبصبرهم وتقواهم لا يضرّهم كيد الظالمين لهم، بل تكون العاقبة للتقوى، ويكونون من أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وجند الله الغالبين؛ إذا كانوا من أهل الصبر واليقين؛ ف ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِيْنَ﴾ 5.
والمتعدّي منهم إمّا أن يتوبَ الله عليه كما تاب على إخوة يوسف بعد عدوانهم عليه، وآثره الله عليهم بصبره وتقواه؛ كما قال لمّا قالوا: ﴿أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوْسُفُ قَاْلَ أَنَاْ يُوْسُفُ وَهَذَاْ أَخِيْ قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَاْ إِنَّهُ مِنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِيْنَ قَاْلُوْا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَاْ وَإِنْ كُنَّاْ لَخَاْطِئِيْنَ قَاْلَ لا تَثْرِيْبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاْحِمِيْنَ﴾ 6.

فصول الكتاب · 49 فصل · 1103 صفحة
الانتقال إلى صفحة
النبوات لابن تيمية
تأليف ابن تيمية
الأولى، 1420هـ/2000م
تقدّمك في الكتاب: صفحات 375-414 — 24 من 60
فصول النبوات لابن تيمية · 1103 صفحة
مقدمة...المطلب الأول: حقيقة النبوة...المطلب الثاني: الحكمة من بعث الرسل.المطلب الثالث: وظائف الرسل.المطلب الرابع: أقوال الناس في النبوةالمطلب الخامس: الإيمان بالأنبياء من أركان الإيمانالمطلب السادس: الإسلام دين جميع الأنبياءالمطلب السابع: المعجزاتالمطلب الثامن: ما أُلِّف في النبوات:المبحث الثاني: التعريف بالمؤلِّف.المطلب الأول: حياة المؤلف الشخصيةالمطلب الثاني: حياة المؤلف العلمية.المطلب الأول: التعريف بالكتاب...المطلب الثاني: التعريف بالأصل المخطوطفصل في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم...
فصل كل ما يدل علىالنبوة آية وبرهان عليها
فصل] 1 من آيات الأنبياء: نصرهم على قومهم.فصل في آيات الأنبياء وبراهينهم
فصل في أن الرسول لا بُدّ أن يبيّن أصول الدين
فصل1في تمام القول في محبّة الله
فصل1مناقشة من ينفي المحبة والحكمة والإرادةفصل عدل الله وحكمته وتعليل أفعالهفصل طريقة الأشاعرة في إثبات المعجزات
فصل تعريف المعجزة عند الأشاعرة
فصل قول الأشاعرة في المعجزاتفصل كلام الباقلاني في المعجزات ومناقشة شيخ الإسلام لهفصلٌ3قول الباقلاني: لايدل على صدق النبي إلا المعجزات ولو لم تدل للزم عجز القديم..فصل الفروق بين آيات الأنبياء وغيرها
فصل ما يخالف الكتاب والسنة فهو باطل
فصل أصول الدين...
فصل الحجة على من أنكر قدرة الله وحكمته...فصل الدليل هو الآية والبرهانفصل الدليل ينقسم إلى قسمينفصل القسم الثاني الدلالة القصديةفصل الدليل مستلزم للمدلولفصل الله سبحانه دل عباده بالدلالة العيانية والدلالات المسموعةفصل آيات الأنبياء دليل وبرهانفصل الله تعالى سماها آيات وبراهين ولم يسمها معجزات...فصل خوارق الكهان والسحرة ليست من خوارق العادات وإنما من العجائب الغريبة...فصل الذين سموا آيات الأنبياء خوارق لا بدّ أن يخصوا ذلك بالأنبياء دون غيرهم..فصل مسمى العادةفصل اشتقاق كلمة النبي...فصل دلالة المعجزة على نبوة النبيفصل سنة الله وعادته في الكذاب أن ينتقم منه ويظهر كذبهفصل الاستدلال بالحكمةفصل حكمة الله وعدله في إرسال الرسلفصل الاستدلال بسنة الله وعادته في معرفة النبي الصادق من المتنبئ الكاذبفصل آيات الأنبياء يلزم من وجودها وجود الأنبياء
فصل خوارق السحرة والكهان مناقضة للنبوة ولا تخرج عن مقدور الجن والإنس
جارٍ التحميل