ومن تدبّر هذا1، وغيره، تبيَّن له أنَّ جميع ما ابتدعه المتكلمون، وغيرهم؛ مما يخالف الكتاب والسنة، فإنّه باطل.
المبتدعون المخالفون للكتاب والسنة ولا ريب أن المؤمن يعلم من حيث الجملة أنّ ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل.
لكنْ كثيرٌ من الناس لا يعلم ذلك في المسائل المفصلة؛ لا يعرف ما الذي يوافق الكتاب والسنة، وما الذي يخالفه؛ كما قد أصاب [كثيراً] 2 من النّاس في الكتب المصنفة في الكلام؛ في أصول الدين، وفي الرأي والتصوف، وغير ذلك؛ فكثيرٌ منهم قد اتّبع طائفة يظنّ أنّ ما يقولونه هو الحق، وكلّهم على خطأ وضلال.
خطبة الإمام أحمد ولقد أحسن الإمام أحمد في قوله في خطبته، وإن كانت مأثورة عمن تقدم3: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل
العلم، يدعون من ضلّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصّرون بنور الله أهل العمى.
فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه.
فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم.
ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة؛ فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب.
يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم.
يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشّبهون عليهم.
فنعوذ بالله من فتن المضلين"1.
فهؤلاء أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم، كما قال: مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مفارقة الكتاب.
أهل البدع مخالفون للكتاب والسنة وتصديق ما ذكره: أنّك لا تجد طائفة منهم توافق الكتاب والسنة فيما جعلوه أصول دينهم.
بل [لكلّ] 1 طائفة أصول دين لهم؛ فهي أصول دينهم الذي هم عليه، ليس هي أصول الدين الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه.
وما هم عليه من الدين، ليس كله موافقاً للرسول، ولا كله مخالفاً له؛ بل بعضه موافق، وبعضه مخالف؛ بمنزلة أهل الكتاب الذين لبسوا الحق بالباطل؛ كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعمَتِيَ التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهدِكُمْ وَإِيّاي فَارْهَبُون وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقَاً لِمَا مَعَكُم وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنَاً قَلِيلاً وَإِيَّاي فَاتَّقُون وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ 2، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ 3.
لكنّ بعض الطوائف أكثر مخالفةً للرسول من بعض، وبعضها أظهر مخالفة.
ولكنّ الظهور أمرٌ نسبيّ؛ فمن عرف السنّة ظهرت له مخالفة من خالفها؛ فقد [تظهر] 4 مخالفة بعضهم للسنة لبعض الناس؛ لعلمه بالسنة دون من لا يعلم منها ما يعلمه هو؛ وقد تكون السنة في ذلك معلومة عند جمهور الأمة؛ فتظهر مخالفة من خالفها؛ كما [تظهر] 5 للجمهور مخالفة الرافضة للسنة.
وعند الجمهور هم المخالفون للسنة، فيقولون: أنت سني، أو رافضي؟.
وكذلك الخوارج: لمّا كانوا أهل سيف وقتال، ظهرت مخالفتهم للجماعة؛ حين كانوا يقاتلون الناس.
وأما اليوم فلا يعرفهم أكثر الناس.
وبدع القدرية، والمرجئة، ونحوهم: لا تظهر مخالفتها بظهور هذين.
ظهور الخوارج ظهور القدرية والمرجئة وهاتان البدعتان ظهرتا1لما قتل عثمان [رضي الله عنه] 2؛ في الفتنة؛ في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] 3.
وظهرت [الخوارج] 4 بمفارقة أهل الجماعة، واستحلال دمائهم وأموالهم؛ حتى قاتلهم5أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] 6 في ذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم 7.
الأحاديث في الخوارج قال الإمام أحمد بن حنبل: صحّ الحديث في الخوارج من عشرة أوجه.1
وهذه2قد رواها صاحبه مسلم بن الحجاج في صحيحه3، وروى البخاري قطعة منها.4
اتفاق الصحابة على قتال الخوارج واتفقت الصحابة على قتال الخوارج، حتى إنّ ابن عمر مع امتناعه عن الدخول في فرقة؛ كسعد5، وغيره من السابقين.6
ولهذا لم يبايعوا
لأحدٍ إلا في الجماعة1قال2عند الموت: ما آسى على شيء إلا على أني لم أقاتل الطائفة الباغية مع علي رضي الله عنه3؛ يريد بذلك قتال الخوارج، وإلا فهو لم يبايع؛ لا لعلي، ولا غيره، ولم يبايع معاوية إلا بعد أن اجتمع الناس عليه.
فكيف يقاتل إحدى الطائفتين؟ وإنّما أراد المارقة التي قال فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم: "تمرُق مارقة على حين فرقةٍ من الناس، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق"4.
وهذا حدَّث به أبو سعيد5، فلما بلغ ابن عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج، وأمره بقتالهم، تحسّر على ترك قتالهم.
الصحابة على ثلاثة أقوال في فتنة الجمل وصفين فكان قتالهم ثابتاً بالسنة الصحيحة الصريحة، وباتفاق الصحابة؛ بخلاف فتنة الجمل وصفّين6؛ فإنّ أكثر السابقين الأولين كرهوا القتال في هذا، وهذا.
السنة دلت على أن عليا أولى الطائفتين وكثيرٌ من الصحابة قاتلوا إما من هذا [الجانب] 7، وإما من هذا الجانب؛ فكانت الصحابة في ذلك على ثلاثة أقوال.8
\لكن الذي دلت عليه السنة الصحيحة أنّ علياً بن أبي طالب [رضي الله عنه] 1 كان أولى بالحق2، وأنّ ترك القتال بالكلية كان خيراً وأولى؛ ففي الصحيحين عن أبي سعيد أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من الإسلام يقتلهم أولى الطائفتين بالحق"3.
وقد ثبت عنه أنّه جعل القاعد فيها خيراً من القائم، والقائم خيراً من الماشي، والماشي خيراً من الساعي4، وأنّه أثنى على من صالح، ولم يُثن على من قاتل؛ ففي البخاري وغيره عن أبي بكرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال عن الحسن: "إن ابني هذا سيِّدٌ، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين"5؛ فأثنى على الحسن في إصلاح الله به بين الفئتين.
وفي صحيح مسلم، وبعض نسخ البخاري: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم [قال] 6 لعمّار: "تقتلك الفئة الباغية" 7.
بقاء الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة وفي الصحيحين أيضاً أنّه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"1؛ قال معاذ: وهم بالشام.
وفي صحيح مسلم عنه أنّه قال: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم" 2.
أهل المغرب هم أهل الشام قال أحمد بن حنبل، وغيره: أهل المغرب: أهل الشام3؛ أي أنّها أول المغرب؛ فإن التغريب [والتشريق] 4 أمر نسبيّ؛ فلكل بلد غرب وشرق، وهو صلى الله عليه وسلم تكلّم بمدينته؛ فما تغرب عنها فهو غرب، وما تشرق عنها فهو شرق، وهي5مسامتة أول الشام من ناحية الفرات؛ كما أنّ مكة مسامتة لحرّان6،
و [سميساط] 1، ونحوهما.2
قتال صفين من أي الأنواع كان [وتصويب قتالهم] 3 إن كان بعد الإصلاح، فلم يقع الإصلاح وإن كان عند بغيهم في الاقتتال.
وإن لم يكن إصلاح فهؤلاء البغاة لم [يكن] 4 في أصحاب عليّ من يقاتلهم، بل تركوا قتالهم؛ إما عجزاً، وإما تفريطاً؛ فتُرِكَ الإصلاحُ المأمور به.
وعلى هذا قوتلوا ابتداءً قتالاً غير مأمور به، ولما صار قتالهم مأموراً به لم يقاتلوا القتال المأمور به، بل نكل أصحاب علي [رضي الله عنه] 5 عن القتال؛ إمّا عجزاً، وإمّا تفريطاً.
قتال البغاة والبغاة المأمور بقتالهم: هم الذين بغوا بعد الاقتتال، وامتنعوا من الإصلاح المأمور به؛ فصاروا بغاة مقاتلين. والبغاة إذا ابتدءوا [بالقتال] 1 جاز قتالهم بالاتفاق؛ كما يجوز قتال [الغواة] 2 قطّاع الطريق إذا قاتلوا باتفاق الناس. فأمّا الباغي من غير قتال، فليس في النص أنّ الله أمر بقتاله، بل الكفار إنما يُقاتلون بشرط [الحراب] 3؛ كما ذهب إليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة؛ كما هو مبسوط في موضعه.4
أنواع المرتدين الذين قاتلهم الصديق والصدّيق قاتل المرتدين الذين ارتدوا عمّا كانوا فيه على عهد الرسول من دينه، وهم أنواع: منهم من آمن بمتنبىء [كذّاب] 5، ومنهم من لم يقرّ ببعض فرائض الإسلام التي أقرّ بها مع الرسول، ومنهم من ترك الإسلام بالكليّة.6
ولهذا تُسمّى هذه وأمثالها من الحروب بين المسلمين فتناً؛ كما سمّاها
النبيّ صلى الله عليه وسلم 1. والملاحم: ما كان بين المسلمين والكفار. وبسط هذا له موضع آخر.2
الكلام في الخوارج والمقصود هنا: أنّ الخوارج ظهروا في الفتنة، وكفّروا عثمان وعلياً [رضي الله عنهما] 3، ومن والاهما، وباينوا المسلمين في الدار، وسمّوا دارهم دار الهجرة4، وكانوا كما وصفهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، وكانوا أعظم الناس صلاةً وصياماً وقراءةً؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم؛ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"5.
معنى مروقهم من الدين ومروقهم منه: خروجهم؛ باستحلالهم دماء المسلمين، وأموالهم؛ فإنّه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"6.
وهم بسطوا في المسلمين أيديهم وألسنتهم؛ فخرجوا منه.
لا يكفر الخوارج ولم يحكم علي [رضي الله عنه] 1، وأئمة الصحابة فيهم بحكمهم في المرتدين، بل جعلوهم مسلمين.
قول سعد في الخوارج وسعد بن أبي وقاص، وهو أفضل من كان قد بقي بعد علي [رضي الله عنه] 2، وهو من أهل الشورى، واعتزل في الفتنة؛ فلم يقاتل، لا مع علي، ولا مع معاوية.
ولكنّه ممن تكلم في الخوارج، وتأوّل فيهم قوله3: ﴿وَمَا يُضِلّ بِهِ إِلاّ الفَاسِقِين الّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ 4. إحراق علي لمن ادعى فيه الألوهية وحدث أيضاً طوائف الشيعة الإلهية الغلاة، فرُفع إلى عليّ [رضي الله عنه] 5 منهم طائفة ادّعوا فيه الإلهية، فأمرهم بالرجوع، فأصروا، فأمهلهم ثلاثاً، ثم أمر بأخاديد من نار فخُدّت، وألقاهم فيها؛ فرأى قتلهم بالنار.6
اختلاف ابن عباس مع علي في تحريق الزنادقة وأما ابن عباس: فقال7: لو كنت أنا لم أحرّقهم بالنار؛ لنهي [رسول
الله] 1 صلى الله عليه وسلم أن يُعذّب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من بدّل دينه فاقتلوه". رواه البخاري.2
وأكثر الفقهاء على قول ابن عباس.
ابن السوداء وإفساده في الدين وروي أنّه بلغه أنّ ابن السوداء3يسبّ أبا بكر وعمر [رضي الله عنهما] 4، فطلب قتله، فهرب منه.5
فإما قتله على السب، أو لأنّه كان متهماً بالزندقة.
وقيل: إنه هو الذي ابتدع بدعة الرافضة، وأنّه كان قصده إفساد دين الإسلام.1
وهذا يستحق القتل باتفاق المسلمين. حكم من سبّ أبابكر وعمر والذين يسبون أبا بكر وعمر [رضي الله عنهما] 2، فيهم [تزندق] 3؛ كالإسماعيلية، والنصيرية؛ فهؤلاء يستحقون القتل بالإتفاق. وفيهم من يعتقد [نبوّة] 4 النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ كالإمامية؛ فهؤلاء في قتلهم نزاعٌ، وتفصيلٌ مذكورٌ في غير هذا الموضع.5
وتواتر عن علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] 6 أنّه قال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر"7.
قدماء الشيعة يفضلون أبا بكر وعمر وهذا متفقٌ عليه بين قدماء الشيعة، وكلّهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر [رضي الله عنهما] 8، وإنّما كان النزاع في علي وعثمان [رضي الله عنهما] 9 حين صار لهذا شيعة، ولهذا شيعة.
وأمّا أبو بكر وعمر [رضي الله عنهما] 10: فلم يكن أحدٌ يتشيّع لهما، بل جميع الأمة كانت متفقة عليهما؛ حتى الخوارج فإنّهم يتولونهما، وإنما يتبرءون من علي وعثمان11[رضي الله عنهما] 12.
وروي1أنّ معاوية قال: لابن عباس: أنتَ على ملة علي، أم عثمان؟ قال: لا على ملة علي، ولا عثمان، أنا على ملّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اتفاق شيعة علي وشيعة عثمان على تقديم الشيخين وكان كل من الشيعيتن يذمّ الآخر بما برأه الله منه؛ فكان بعض شيعة عثمان يتكلمون في عليّ بالباطل، وبعض شيعة عليّ يتكلمون في عثمان بالباطل.
والشيعتان مع سائر الأمة متفقة على تقديم أبي بكر وعمر.
قيل لشريك بن عبد الله القاضي2: أنت من شيعة علي، وأنت تفضّل أبا بكر وعمر؟! فقال: كلّ شيعة علي على هذا؛ هو يقول على أعواد هذا المنبر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر. أفكنّا نكذّبه! والله ما كان كذّاباً.3
وقد روى البخاري في صحيحه4من حديث محمد بن الحنفية، أنّه قال له5: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله؟ فقال: يا بني أوما تعرف؟
قال: لا. قال: أبو بكر. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: ثمّ عمر. وهو مروي من حديث الهمدانيين؛ شيعة علي، عن أبيه. وروي عن علي أنه قال: ولو كنتُ بوّاباً على باب جنّة لقلت لهمدان ادخلي بسلام.1
وقد روي عنه2أنه قال: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري". قتل علي لمن اعتقد إلهيته وقد ثبت عن علي رضي الله عنه بالأحاديث الثابتة، بل المتواترة أنه قتل الغالية؛ كالذين يعتقدون إلهيته، بعد أن استتابهم ثلاثاً كسائر المرتدين، وأنّه كان يبالغ في عقوبة من يسبّ أبا بكر وعمر، وأنّه كان يقول إنّهما خير هذه الأمة بعد نبيها. وهذا مبسوط في مواضع.3
والمقصود هنا: أن هاتين4حدثتا في ذلك الوقت.5
بدعة القدرية حدثت في آخر عهد الصحابة ثمّ في آخر عصر الصحابة: حدثت القدرية، وتكلم فيها من بقي من الصحابة؛ كابن عمر1، وابن عباس2[وواثلة] 3 بن الأسقع، وغيرهم.4
بدعة الإرجاء وحدثت أيضاً بدعة المرجئة في الإيمان.
والآثار عن الصحابة ثابتةٌ بمخالفتهم، وأنّهم5قالوا: الإيمان يزيد وينقص6؛ كما ثبت ذلك عن الصحابة؛ كما هو مذكور في موضعه.7
أصول البدع أربعة بدعة الجهمية حدثت في أواخر الدولة الأموية وأما الجهمية نفاة الأسماء والصفات: فإنّما حدثوا في أواخر الدولة الأموية.8
وكثيٌر من السلف لم يدخلهم في الثنتين وسبعين فرقة؛ منهم: يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك؛ قالوا: أصول البدع أربعة: الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة.
فقيل لهم: الجهمية؟ فقالوا: ليس هؤلاء من أمة محمد.9
الجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة ولهذا تنازع من بعدهم من أصحاب أحمد، وغيرهم: هل هم من الثنتين وسبعين؟ على قولين؛ ذكرهما عن أصحاب أحمد: أبو عبد الله بن حامد1في كتابه في الأصول.2
الجهمية ينفون الأسماء والصفات والتحقيق: أنّ التجهّم المحض؛ وهو نفي الأسماء والصفات؛ كما يُحكى عن جهم، والغالية من الملاحدة، ونحوهم ممّن نفى أسماء الله الحسنى كفرٌ، بيِّنٌ، مخالفٌ لما علم بالإضطرار من دين الرسول.3
المعتزلة ينفون الصفات وأما نفي الصفات، مع إثبات الأسماء؛ كقول المعتزلة4: فهو دون [هذا] 5.
لكنّه عظيمٌ أيضاً.
الأشاعرة يثبتون الصفات العقلية وأما من أثبت الصفات المعلومة بالعقل والسمع، وإنّما نازع في قيام الأمور الاختيارية [به] 1؛ كابن كلاب، ومن اتّبعه.2
فهؤلاء ليسوا جهمية، بل وافقوا جهماً في بعض قوله، وإن كانوا خالفوه في بعضه.
وهؤلاء من أقرب الطوائف إلى السلف وأهل السنة والحديث.
معتقد السالمية والكرامية وكذلك السالمية3، والكرامية، ونحو هؤلاء يوافقون في جملة أقوالهم المشهورة؛ فيثبتون الأسماء والصفات، والقضاء والقدر في الجملة ليسوا من الجهمية، والمعتزلة النفاة للصفات.
وهم أيضاً يُخالفون الخوارج،
والشيعة؛ فيقولون بإثبات خلافة الأربعة، وتقديم أبي بكر وعمر، ولا يقولون بخلود أحدٍ من أهل القبلة في النّار.
الكرامية والكلابية وأكثر الأشعرية: مرجئة لكن الكرامية، والكلابية، وأكثر الأشعرية: مرجئة1، وأقربهم الكلابية؛ يقولون: الإيمان: هو التصديق بالقلب، والقول باللسان، والأعمال ليست منه؛ كما يُحكى هذا عن كثيرٍ من فقهاء الكوفة؛ مثل أبي حنيفة، [وأصحابه] 23.
الأشعري وأصحابه يوافقون جهماً في بعض قوله في الإيمان وأما الأشعريّ4: فالمعروف عنه، وعن أصحابه: أنّهم يُوافقون جهماً في قوله في الإيمان، وأنّه مجرّد تصديق القلب، أو معرفة القلب.
لكن قد يظهرون مع ذلك قول أهل الحديث، ويتأولونه، ويقولون بالاستثناء على الموافاة؛ فليسوا موافقين لجهم من كلّ وجه، وإن كانوا أقرب الطوائف إليه في الإيمان، وفي القدر أيضاً5؛ فإنه6رأس الجبرية؛ يقول: ليس للعبد فعل البتة.7
كسب الأشعري والأشعريّ يوافقه1على أنّ العبد ليس بفاعل، ولا له قدرة مؤثرة في الفعل، ولكن يقول: هو كاسب.2
جهم يقول بالجبر وجهم لا يثبت له شيئاً، لكن هذا الكسب؛ يقول أكثر الناس: إنّه لا يعقل فرقٌ بين الفعل الذي نفاه، والكسب الذي أثبته.
وقالوا: عجائب الكلام ثلاثة: [طفرة] 3 النظّام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري.
وأنشدوا4: عجائب الكلام ممّا يُقال ولا حقيقة عنده... معقولة تدنو إلى الأفهام الكسب5عند الأشعري والحال6عنـ... د [البهشمي] 7 و [طفرة] 8 النظام
قول الكرامية في الإيمان لم يسبقوا إليه وأمّا الكرامية: فلهم في الإيمان قولٌ ما سبقهم إليه أحدٌ؛ قالوا: هو الإقرار باللسان، وإن لم يعتقد بقلبه.
وقالوا: المنافق هو مؤمن، ولكنّه مخلّدٌ في النّار.
وبعض الناس [يحكي] 1 عنهم: أن المنافق في الجنّة.
وهذا غلطٌ عليهم، بل هم يجعلونه مؤمناً، مع كونه مخلّداً في النّار؛ فينازَعون في الاسم، لا في الحكم.
منشأ الغلط في أقوال أهل البدع في الإيمان وقد بسط القول2على منشأ الغلط؛ حيث ظنّوا [أنّ الإيمان] 3 لا يكون إلا شيئاً متماثلاً عند جميع الناس؛ إذا ذهب بعضه، ذهب سائره.
قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان ثم قالت الخوارج والمعتزلة4: وهو أداء الواجبات، واجتناب المحرمات؛ فاسم المؤمن مثل اسم البرّ، والتقي؛ وهو المستحق للثواب، فإذا ترك بعض [ذلك] 5 زال عنه اسم الإيمان والإسلام.
ثم قالت الخوارج: ومن لم يستحق هذا ولا هذا فهو كافرٌ.
وقالت المعتزلة: بل ينزل منزلة بين المنزلتين؛ فنسمّيه فاسقاً، لا مسلماً، ولا كافراً، ونقول: إنّه مخلّد في النار.
وهذا هو الذي امتازت به المعتزلة، وإلا فسائر بدعهم قد قالها غيرهم؛ فهم وافقوا الخوارج في حكمه، ونازعوهم، ونازعوا غيرهم في الاسم.
قول الجهمية والمرجئة في الإيمان وقالت الجهمية والمرجئة1: بل الأعمال ليست من الإيمان، لكنّه شيئان، أو ثلاثة يتفق فيها جميع الناس: التصديق بالقلب، والقول باللسان، أو المحبة، والخضوع مع ذلك.
وقالت الجهمية والأشعرية والكرامية2: بل ليس إلا شيئاً واحداً يتماثل فيه الناس.
أصل غلط أهل البدع في الإيمان ظنهم أن الناس يتماثلون فيه وهؤلاء الطوائف أصل غلطهم3: ظنّهم أن الإيمان يتماثل فيه الناس، وأنّه إذا ذهب بعضه، ذهب كلّه. وكلا الأمرين غلطٌ؛ فإن الناس لا يتماثلون؛ لا فيما وجب منه، ولا فيما يقع منهم، بل الإيمان الذي وجب على بعض الناس قد لا يكون مثل الذي يجب على غيره؛ كما كان [الإيمان بمكة لم يكن الواجب منه كالواجب بالمدينة، ولا كان في آخر الأمر كما كان] 4 في أوله. ولا يجب على أهل الضعف والعجز من الإيمان، ما يجب على أهل القوة والقدرة في العقول والأبدان.5
بل أهل العلم بالقرآن، والسنّة، ومعاني ذلك يجب عليهم من تفصيل الإيمان ما لا يجب على من لم يعرف ما عرفوا.
وأهل الجهاد يجب عليهم من الإيمان في تفصيل الجهاد ما لا يجب على غيرهم.
وكذلك ولاة الأمر،
وأهل الأموال يجب على كلٍّ؛ من معرفة ما أمر الله به، ونهى عنه، وأخبر به ما لا يجب على غيره.
والإقرار بذلك من الإيمان.
ومعلوم أنه وإن كان الناس كلّهم يشتركون في الإقرار بالخالق، وتصديق الرسول جملة، فالتفصيل لا يحصل بالجملة.
ومن عرف ذلك مفصلاً، لم يكن ما أُمر به ووجب عليه، مثل من لم يعرف ذلك.
الناس غير متماثلين في فعل المأمور وأيضاً: فليس الناس متماثلين في فعل ما أُمروا به؛ من اليقين، والمعرفة، والتوحيد، وحب الله، وخشية الله، والتوكل على الله، والصبر لحكم الله، وغير ذلك مما هو من إيمان القلوب، ولا [من] 1 لوازم ذلك [التي] 2 تظهر على الأبدان.
وإذا قُدِّر أنَّ بعض ذلك زال، لم يزل سائره.
بل يزيد الإيمان تارة وينقص تارة؛ كما ثبت ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مثل عمر بن حبيب الخطمي، وغيره؛ أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص3؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع.4
مخالفة أهل البدع لأصول دين الرسول صلى الله عليه وسلم إذ المقصود هنا: أنّ طوائف أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم ليس فيهم من يوافق الرسول في أصول دينه لا فيما اشتركوا فيه ولا فيما انفرد به بعضهم.
فإنهم وإن اشتركوا في مقالات فليس إجماعهم حجة، ولا هم معصومون من الاجتماع على خطأ.
وقد زعم طائفة1أنّ إجماع المتكلمين في المسائل الكلامية كإجماع الفقهاء. وهذا غلط، بل السلف قد استفاض عنهم ذم المتكلمين، وذمّ أهل الكلام مطلقاً.2
اشتراك أهل البدع في دليل الأعراض ونفس ما اشتركوا فيه؛ من إثبات الصانع بطريقة الأعراض، وأنها لازمة للجسم أو متعاقبة عليه، فلا يخلو منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها، وأن الله يمتنع أن يقال إنه لم يزل متكلما بمشيئته بعد أن لم يكن بلا حدوث حادث، وما يتبع هذا هو أصل مبتدع في الإسلام؛ أول ما عرف أنه قاله الجهم بن صفوان مقدّم
الجهمية1، وأبو الهذيل العلاف مقدّم المعتزلة.2
اللوازم التي التزمها أصحاب الدليل ولهذا طرداه3؛ فقالا بامتناع الحوادث في المستقبل، وقال الجهم بفناء الجنة والنار. وقال أبو الهذيل بانقطاع حركاتهما؛ كما قد بسط فروع هذا الأصل الذي اشتركوا فيه.4
الجهمية والمعتزلة نفوا لأجله الصفات وقالوا بخلق القرآن ثم افترقوا بعد ذلك في فروعه؛ فأئمتهم كانوا يقولون كلام الله؛ القرآن وغيره مخلوقٌ، وكذلك سائر ما يوصف به الرب ليس له صفة قامت به؛ لأن ذلك عرض عندهم لا يقوم إلا بجسم، والجسم حادث5؛ فقالوا: القرآن وغيره من كلام الله مخلوقٌ، وكذلك سائر ما يوصف به الربّ.6
فجاء بعدهم؛ مثل ابن كلاب، وابن كرّام، والأشعريّ، وغيرهم مَنْ شاركهم في أصل قولهم1، لكن قالوا بثبوت الصفات لله، وأنّها قديمة.2
قول الأشعري الصفات لا تسمى أعراضاً لكن منهم3من قال: لا تُسمّى أعراضاً؛ لأنّ العرض لا يبقى زمانين، وصفات الرب باقية؛ كما يقوله الأشعري وغيره.4
ومنهم1من قال: تُسمّى أعراضاً، وهي قديمة، وليس كلّ عرضٍ حادثاً؛ كابن كرّام، وغيره.2
قول ابن كلاب في كلام الله ثمّ افترقوا في القرآن3، وغيره من كلام الله؛ فقال ابن كلاب ومن اتبعه: [هو] 4 صفة من الصفات، قديمةٌ كسائر الصفات.5
ثم قال: ولا يجوز أن يكون صوتاً؛ لأنه لا يبقى، ولا معاني متعددة؛ فإنها إن كان لها عدد مقدّر فليس قدر بأولى من قدر، وإن كانت غير متناهية، لزم ثبوت معان في آن واحد لا نهاية لها. وهذا ممتنع.6
فقال: إنّه معنى واحد، هو معنى آية الكرسي، وآية الدَّيْن، والتوارة، والإنجيل.7
وقال جمهور العقلاء: إنّ تصوّر هذا القول تصوراً تاماً يُوجب العلم بفساده.
قول السالمية في كلام الله وقال طائفة1: بل كلامه قديم العين، وهو حروفٌ، أو حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ أزليّةٌ، مع أنّها مترتّبة في نفسها، وأنّ تلك الحروف والأصوات باقيةٌ أزلاً وأبداً.2
وجمهور العقلاء يقولون إنّ فساد هذا معلومٌ بالضرورة.
وهاتان الطائفتان3[تقولان] 4 إنّه لا يتكلم بمشيئته وقدرته. قول الهشامية والكرامية في كلام الله وقال آخرون؛ كالهشاميّة والكراميّة: بل هو متكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه قائم بذاته، ولا يمتنع قيام الحوادث به، لكن يمتنع أن يكون لم يزل متكلماً؛ فإنّ ذلك يستلزم وجود حوادث لا أوّل لها وهو ممتنع.5
فهذه الأربعة في القرآن وكلام الله هي أقوال المشركين في امتناع دوام كون الرب فعّالاً بمشيئته، أو متكلّماً بمشيئته.
قول أئمة السنة والحديث في كلام الله تعالى وأمّا أئمة السنة والحديث؛ كعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل1، وغيرهما2؛ فقالوا: لم يزل الربّ متكلماً إذا شاء وكيف شاء؛ [فذكروا] 3 أنّه يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنّه لم يزل كذلك.4
المتكلمون مخالفون للكتاب والسنة وهذا يناقض الأصل5الذي اشترك فيه المتكلمون؛ من الجهميّة، والمعتزلة، ومن تلقى عنهم؛ فلا هم موافقون للكتاب والسنة وكلام السلف؛ لا فيما اتفقوا عليه، ولا فيما تنازعوا فيه، ولهذا يوجد في عامّة أصول الدين لكل منهم قول، وليس في أقوالهم ما يوافق الكتاب والسنة؛ كأقوالهم في كلام الله، وأقوالهم في إرادته ومشيئته، وفي علمه، وفي قدرته، وفي غير ذلك من صفاته.6
وإن كان بعضهم أقرب إلى السنة والسلف من بعض.
المتكلمون في مسألة القرآن لا يعرفون قول أهل السنة ولكن قد شاع ذلك بين أهل العلم والدين منهم؛ فكثيرٌ من أهل العلم والدين المنتسبين إلى السنّة والجماعة من قد يوافقهم على بعض أقوالهم في مسألة القرآن، أو غيرها؛ إذ كان لا يعرف إلا ذلك القول، أو ما هو أبعد عن السنة منه؛ إذ كانوا في كتبهم لا يحكون غير ذلك؛ إذ كانوا لا يعرفون السنّة، وأقوال الصحابة، وما دلّ عليه الكتاب والسنة.
لا يعرفون [إلاّ قولهم] 1، وقول من يخالفهم من أهل الكلام، ويظنّون أنّه ليس للأمة إلا هذان القولان، أو الثلاثة.
المتكلمون يعتمدون على القياس العقلي وعلى الإجماع وهم يعتمدون في السمعيات على ما يظنّونه من الإجماع، وليس لهم معرفة بالكتاب والسنّة، بل يعتمدون على القياس العقلي2؛ الذي هو أصل كلامهم، وعلى الإجماع.
إجماع المتكلمين إنما هو على ما ابتدعه رأس من رؤوسهم وأصل كلامهم العقلي باطل، والإجماع الذي يظنونه إنما هو إجماعهم، وإجماع نظرائهم من أهل الكلام، ليس هو إجماع أمة محمد، ولا علمائها. والله تعالى إنّما جعل العصمة للمؤمنين [من] 1 أمة محمد؛ فهم الذين لا يجتمعون على ضلالة ولا خطأ؛ كما ذكر على ذلك الدلائل الكثيرة.2
وكلّ ما اجتمعوا عليه فهو مأثور عن الرسول؛ فإنّ الرسول بيَّن الدين كلّه، وهم [معصومون] 3 أن يُخطئوا كلّهم، ويضلّوا عمّا جاء به محمد.
بل هم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ فلا يبقى معروفٌ إلا أمروا به، ولا منكر إلا نهوا عنه.
وهم أمّة وسط، عدل، خيار، شهداء الله في الأرض؛ فلا يشهدون إلا بحقّ؛ فإجماعهم هو على علم موروث عن الرسول، جاء من عند الله، وذلك لا يكون إلا حقّاً.
وأمّا من كان إجماعهم على ما ابتدعه رأس من رؤوسهم4؛ فيجوز أن يكون إجماعهم خطأ؛ إذ ليسوا هم المؤمنين، ولا أمة محمد، وإنما هم فرقة منهم.
وإذا قيل: المعتبر من أمة محمد بعلمائها.
قيل: إذا اتفقت علماؤها على شيء، فالباقون يُسلمون لهم ما اتفقوا عليه، لا يُنازعونهم فيه؛ فصار هذا إجماعاً من المؤمنين.
ومن نازعهم بعلم فهذا لا يثبت الإجماع دونه كائناً من كان.
أمّا من ليس من أهل العلم فيما تكلموا فيه، فذاك وجوده كعدمه.
المجتهدون الذين يعتبر بقولهم وقول من قال: الاعتبار بالمجتهدين دون غيرهم، وأنّه لا يُعتبر بخلاف أهل الحديث، أو أهل الأصول، ونحوهم: كلامٌ لا حقيقة له؛ فإنّ المجتهدين إنْ أُريد بهم من له قدرة على معرفة جميع الأحكام بأدلّتها، فليس في الأمة من هو كذلك، بل أفضل الأمة كان يتعلم ممن هو دونه شيئاً من السنّة ليس عنده.
وإن عنى به من يقدر على معرفة الاستدلال على الأحكام في الجملة، فهذا موجودٌ في كثيرٍ من أهل الحديث، والأصول، والكلام.
وإن كان بعض الفقهاء أمهر منهم بكثير من الفروع، أو بأدلتها الخاصّة، أو بنقل الأقوال فيها؛ فقد يكون أمهر منه في معرفة أعيان الأدلة؛ كالأحاديث، والفرق بين صحيحها وضعيفها، ودلالات الألفاظ عليها، والتمييز بين ما هو دليل شرعيّ، وما ليس بدليل.
وبالجملة: العصمة إنّما هي للمؤمنين لأمة محمد، لا لبعضهم.
لكن إذا اتفق علماؤهم على شيء، فسائرهم موافقون للعلماء.
وإذا تنازعوا ولو كان المنازع واحداً، وجب ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول.
وما أحد شذّ بقول فاسد عن الجمهور، إلا وفي الكتاب والسنة ما يُبيِّن فساد قوله، وإن كان القائل كثيراً؛ كقول [سعيد] 1 في أن المطلقة ثلاثاً تباح بالعقد.2
من شذ بقول فاسد عن الجمهور ففي الكتاب والسنة ما يبين فساد قولهم فحديث عائشة في الصحيحين يدل على خلافه1، مع دلالة القرآن أيضاً.2
وكذلك غيره.
القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة غير شاذ وإن كان القائل به واحداً وأما القول الذي يدلّ عليه الكتاب والسنة، فلا يكون شاذّاً وإن كان القائل به أقل من القائل بذاك القول، فلا عبرة بكثرة القائل باتفاق الناس.
ولهذا كان السلف؛ من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان يردّون على من أخطأ بالكتاب والسنة، لا يحتجون بالإجماع إلا علامة.
العلامات والدلائل التي يبين بها المرسل الرسول وقد يبعث معه نشّابه3، أو سيفه، أو شيئاً من السلاح المختص به، أو يُركِبَه دابّته المختصة به، ونحو ذلك مما يعلم الناس أنّه قصد به تخصيصه، وإن كانت تلك الأفعال [تفعل] 4 مع أمثاله، وقد يُفعل لغير الرسول ممن
يقصد إكرامه وتشريفه، لكن هي خارقة لعادته؛ بمعنى أنه لم يعتد أن يفعل ذلك مع عموم الناس، ولا يفعله إلا مع من ميّزه بولاية، أو رسالة، أو وكالة.
والولاية والوكالة [تتضمن] 1 الرسالة.
فكلّ من هؤلاء هو في معنى رسوله إلى من ولاّه؛ إني قد ولّيته، وإلى من أرسله بأني أرسلته.
فهذه عادة معروفة في العلامات، والدلائل التي يبيِّن بها المرسِل أنّ هذا رسولي وجنس خرق العادة لا يستلزم الإكرام، بل [يَخْرِق] 2 عادته بالإهانة تارة، وبالإكرام أخرى؛ فقد يخرج ويركب في وقت لم تجر عادته به، بل لعقوبة قومٍ.
وآيات الربّ - تعالى - قد [تكون] 3 تخويفاً لعباده؛ كما قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ [بِالآيَاتِ] 4 إِلاَّ تَخْوِيفَا﴾ 5، وقد يُهلك بها؛ كما أهلك أمماً مكذبين، وإذا قصّ قصصهم قال: ﴿إنّ في ذلك لآيات﴾ 6، وكان إهلاكهم خرقاً للعادة
دلّ بها على أنّه عاقبهم بذنوبهم، وتكذيبهم للرسل، وأنّ ما فعلوه من الذنوب مما يُنهى عنه، ويُعاقب فاعله بمثل تلك العقوبة.
فهذه خرق عادات لإهانة قوم وعقوبتهم لما فعلوه من الذنوب [تجري] 1 مجرى قوله: عاقبتهم لأنّهم كذبوا رسولي وعصوه.
ولهذا يقول سبحانه كلّما قصّ قصة من كذّب رسله، وعقوبته إياهم؛ يقول: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ للذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر﴾ 2؛ كما يقول في موضع آخر: ﴿إِنَّ في ذَلكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ 3، و ﴿إِنَّ في ذَلك لآيَة وَمَا كَان أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ 4، و ﴿تَرَكْنَا فِيهَا آيَة للَّذِينَ يَخَافُونَ العَذَابَ الألِيم﴾ 5.
وإذا كانت تلك العلامات مما جرت عادته أنه يفعلها مع من أرسله، ويُهلك بها من كذّب رسله، كانت أبلغ في الدلالة، وكانت معتادة في هذا النوع.
تقسيم الباقلاني للعادات إلى عامة وخاصة وهؤلاء1تكلّموا بلفظ لم يحققوا معناه؛ وهو لفظة خرق العادة، وقالوا: العادات تنقسم إلى عامّة، وخاصّة؛ فمنها ما يشترك فيه جميع الناس، في جميع الأعصار؛ كالأكل، والشرب، واتقاء الحر والبرد. والخاصّ منها ما يكون كعادة للملائكة فقط، أو للجنّ فقط، أو للإنس دون غيرهم.2
قالوا: ولهذا صحّ أن يكون لكلّ قبيلٍ منهم ضرب من التحدّي، وخرق لما هو عادة لهم دون غيرهم، وحجّة عليهم دون ما سواهم.3
ومنها ما يكون عادة لبعض البشر؛ نحو اعتياد بعضهم صناعة، أو تجارة، أو رياضة في ركوب الخيل، والعمل بالسلاح.4
لكن هذه كلّها مقدورات للبشر. قالوا: وآية الرسل لا تكون مقدورة لمخلوق، بل لا تكون إلا مما ينفرد الله بالقدرة عليه.5
فإذا قالوا هذا، ظنّ الظانّ أنّهم اشترطوا أمراً عظيماً.
قول الأشاعرة: المعجز: الإقدار على الفعل لا نفس الفعل ولم يشترطوا شيئا؛ فإنهم قالوا6في جنس الأفعال التي لا [يقدر] 7 النّاس إلاَّ على اليسير منها؛ كحمل الجبال، ونقلها: إنّ المعجزة هنا إقدارهم على الفعل، لا نفس الفعل.
ورجّحوا هذا على قول من يقول: نفس الفعل آية؛ لأنّ جنس الفعل مقدورٌ.
نقد شرطهم وليس هذا بفرق طائل؛ فإنّه لا فرق بين تخصيصهم بالفعل، أو بالقدرة عليه.
فإذا كان إقدارهم على الكثير الذي لم تجر به العادة معجزة، كان نفس الكثير الذي لم تجر به العادة معجزة.
الأشاعرة أثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة وهؤلاء عندهم أنّ قدرة العباد لا تؤثّر في وجود شيء، ولا يكون مقدورها إلا في محلها1؛ فهم في الحقيقة لم يثبتوا قدرة؛ فكل ما في الوجود هو مقدور لله عندهم.
الجويني والرازي تركا هذا الشرط في المعجزة ولهذا عدل أبو المعالي، ومن اتبعه؛ كالرازي عن هذا الفرق2، فلم يشترطوا أن يكون ممّا ينفرد الرب بالقدرة عليه؛ إذ كانت جميع الحوادث عندهم كذلك.
وقالوا3: إنّ ما يحصل على يد الساحر، والكاهن، وعامل الطلسمات، وعند الطبيعة الغريبة، هو ممّا ينفرد الرب بالقدرة عليه، ويكون آية للنبيّ.
وهذا معتاد لغير الأنبياء، فلم يبق لقولهم خرقٌ [للعادة] 4 معنى معقول.
قول الباقلاني: خرق العادة يكون لجميع الذين تحداهم الرسول بل قالوا - واللفظ للقاضي أبي بكر5: الواجب على هذا الأصل أن يكون خرق العادة الذي يفعله الله مما يخرق جميع القبيل الذين تحدّاهم الرسول بمثله، ويحتجّ به على نبوته؛ فإن أرسل ملكاً إلى الملائكة، أظهر
على يده ما هو خرق لعادتهم؛ وإن أرسل بشراً، أرسله بما يخرق عادة البشر؛ وإن أرسل جنيّاً، أظهر على يديه ما هو خارق لعادة الجن.1
مناقشة الأشاعرة في شروطهم التي اشترطوها للمعجزة فيُقال: السّحر، والكهانة معتادٌ للبشر.
وأنتم تقولون2: يجوز أن يكون ما يأتي به الساحر، والكاهن [آية] 3، بشرط أن لا يمكن معارضته.
فلم يبق لكونه خارقاً للعادة معنى يعقل عندكم.
لهذا قال محققوهم4: [إنّه] 5 لا يُشترط في الآيات أن تكون خارقة للعادة؛ كما قد حكينا لفظهم في غير هذا الموضع؛ كما تقدم6، وإنّما الشرط: أنها لا تعارض، وأن تقترن بدعوى النبوة7؛ هذان الشرطان هما المعتبران. وقد بيّنا في غير موضع أنّ كلاً من الشرطين باطلٌ. والأول: يقتضي أن يكون المدلول عليه جزءاً من الدليل. وآيات النبوة أنواع متعددة؛ منها ما يكون قبل وجوده؛ ومنها ما يكون بعد موته؛ ومنها ما يكون في غيبته.8
والمقصود هنا كان: هو الكلام على المثال الذي ذكروه، وأنّ ما ضرب من الأمثلة على الوجه الصحيح، فإنّه - ولله الحمد - يدلّ على صدق الرسول، وعلى فساد أصولهم.
طريق الضرورة لإثبات النبوة ولكن هم ضربوا مثالاً، إذا اعتبر على الوجه الصحيح كان حجةً - ولله الحمد - على صدق النبيّ، وعلى فساد ما ذكروه في المعجزات حيث قالوا1: هي الفعل الخارق للعادة، المقترن بدعوى النبوة والاستدلال به، وتحدّي النبيّ من دعاهم أن يأتوا بمثله.
وشَرَطَ بعضهم2أن يكون مما ينفرد الرب بالقدرة عليه.
تعريف المعجزة عند الأشاعرة وشروطها وهذه الأربعة هي التي شَرَطَ القاضي أبو بكر3، ومن سلك مسلكه؛ كابن اللبان4، وابن شاذان5، والقاضي أبي يعلى6، وغيرهم7: أن يكون ممّا ينفرد الرب بالقدرة عليه على أحد القولين، أو منه ومن الجنس الآخر، إذا وقع على وجه يخرق العادة، وطريق متعذر على غيرهم مثله - على القول الآخر.
قالوا وهذا لفظ [القاضي] 8 أبي بكر.