النبوات لابن تيميةالمطلب الأول: حياة المؤلف الشخصية

المطلب الأول: حياة المؤلف الشخصية

: وفيه مسائل: المسألة الأولى: اسمه ونسبه: هو شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، تقي الدين، أبو العباس أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي ابن عبد الله بن تيمية الحراني النميري. فهو ينتسب إلى قبيلة عربية نِمْريّة؛ من بني نُمَيْر الذين يرجع نسبهم إلى قيس عيلان من مضر.1
أما عن سبب تسمية عائلته بآل تيمية: فقد قيل إن جدّه محمد بن الخضر حجّ على درب تيماء، فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتاً، فقال يا تيمية، يا تيمية.

وقيل إنّ أمّ جدّه محمدٍ كانت تُسمّى تيمية، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعُرف بها.1
المسألة الثانية: ولادته، ونشأته، وأسرته: وُلد شيخ الإسلام - رحمه الله - يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول، وقيل: ثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 661? بحران2؛ وهي بلدة في الجزيرة بين العراق والشام.3
وقد عاش شيخ الإسلام في مسقط رأسه مع والديه ست سنوات.
وبعد اجتياح التتار للعالم الإسلامي، خربت حران، فهاجر أهلها، ومنهم آل تيمية إلى دمشق.
ويُحدّثنا ابن عبد الهادي عن قصة سفر آل تيمية إلى دمشق، وحرصهم على العلم، ومحافظتهم على الكتب، فيقول: "فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم الدواب، فكاد العدو يلحقهم، ووقفت العجلة، فابتهلوا إلى الله، واستغاثوا به، فنجوا وسلموا، وقدموا دمشق سنة 667?"4.
وقد استوطنوا دمشق، واشتهرت عائلتهم بالعلم: فجدّه أبو البركات مجد الدين عبد السلام: كان فقيهاً محدثاً أصولياً نحوياً، من العلماء الأعلام.5

ووالده شهاب الدين عبد الحليم: كان عالماً فاضلاً من علماء عصره.1
قال عنه الحافظ الذهبي: "صار شيخ حران وحاكمها وخطيبها بعد موت والده"2. وذكر الحافظ ابن كثير: "أنّ له كرسياً للدراسة والتعليم والوعظ، وأنه تولى مشيخة دار الحديث السكرية، وبها كان سكنه، مات سنة 682"3. وأخوه شرف الدين عبد الله: كان من العلماء، وكان ممن دافع عن شيخ الإسلام، وامتحن بسببه.4
وكذلك أخوه زين الدين عبد الرحمن: كان زاهداً عابداً، كما أنه كان تاجراً، وكان يخدم الشيخ - رحمه الله - وسجن معه في سجن القلعة.5
وأخوه لأمه بدر الدين أبو القاسم محمد بن خالد الحراني: كان عالماً فقيهاً إماماً تولى التدريس عن أخيه تقي الدين.6
وهناك العديد من مشاهير آل تيمية، من هذه الأسرة الكريمة التي عُرف عنها الاشتغال بالعلم رجالاً ونساءً.7

فشيخ الإسلام - رحمه الله - نشأ في وسط هذا الجوّ العلميّ؛ بين جدّ فقيه محدّث أصولي، ووالد صاحب علوم مختلفة ومعارف شتى، وإخوة اشتهروا بالفضل والعلم. فكان لهذا الجوّ العلميّ تأثيره على شخصيته العلمية، مع ما وهبه الله من حافظة قوية، وسرعة بديهة، وذكاء مفرط، ومحافظة على الوقت منذ نعومة أظفاره. المسألة الثالثة: صفاته الخَلقيّة: كان - رحمه الله تعالى - أبيض اللون، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأنّ عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحاً، سريع القراءة، تعتريه حدّة لكن يقهرها بالحلم.1
المسألة الرابعة: صفاته الخُلُقيّة: اتصف شيخ الإسلام - رحمه الله - بصفات عظيمة؛ من الأخلاق، والمروءة، والكرم، والإيثار، والحلم، والتعبّد، والزهد، وصدق الصلة بالله، فلم يكن يخاف من غيره، أو يرهب من سواه.
قال الحافظ الذهبي - رحمه الله - عنه: "كان إماماً متبحراً في علوم الديانة، صحيح الذهن، سريع الإدراك، سيّال الفهم، كثير المحاسن، موصوفاً بفرط الشجاعة والكرم، فارغاً عن شهوات المأكل والملبس والجماع، لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه والعمل بمقتضاه"2.

وقال الحافظ الذهبي أيضاً: "كان محافظاً على الصلاة والصوم، معظماً للشرائع ظاهراً وباطناً، لا يؤتى من سوء فهم؛ فإنّ له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم؛ فإنه بحر زخار، ولا كان متلاعباً بالدين، ولا ينفرد بمسائله بالتشهي، ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس، ويبرهن، ويناظر أسوة بمن تقدمه من الأئمة، فله أجرٌ على أخطائه، وأجران على إصابته.
لم أرَ مثله في ابتهاله واستغاثته، وكثرة توجهه... وإنه بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، ولكن ينقمون عليه أخلاقاً وأفعالاً، وكل أحدٍ يُؤخذ من قوله ويترك.."1. وقال أيضاً: "وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أدّاه إليه اجتهاده، وحدّة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال.
مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكرة، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات الله... فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقائع شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحد، فيُنجّيه الله، فإنه دائم الابتهال لله، كثير الاستغاثة، قوي التوكّل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدعو منها بكيفية وجَعِيَّة"2.
وقد كان - رحمه الله - صبوراً على مُرّ الكلام، عدلاً في المخاطبة.. يقول عن نفسه: "فإنّ الناس يعلمون أنّي من أطول الناس روحاً وصبراً على مرّ الكلام، وأعظم الناس عدلاً في المخاطبة لأقلّ الناس، دع لولاة الأمر"3.

أما عن شدّة ذكائه، واتقاد حافظته، فقد قال جمال الدين السرمري في أماليه: "ومن عجائب زماننا في الحفظ: ابن تيمية، كان يمرّ بالكتاب مرة مطالعة، فينقش في ذهنه، وينقله من مصنفاته بلفظه ومعناه.
وحكى بعضهم عنه أنه قال: من سألني مستفيداً حققت له، ومن سألني متعنتاً ناقضته، فلا يلبث أن ينقطع فأُكفى مؤنته"1.
ومن أقواله - رحمه الله تعالى -: "لن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه؛ فإن رجلاً شكى إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صَحَحْتَ لم تخف أحداً؛ أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك".
ولما وُشي به إلى السلطان الناصر خاطبه قائلاً: إنني أُخبرتُ أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك، فلم يكترث به.
بل قال له بنفس مطمئنة، وقلب ثابت، وصوت عال سمعه كثير ممن حضر: "أنا أفعل ذلك! والله إنّ ملكك وملك المغل2لا يُساوي عندي فلسين".
فتبسّم السلطان لذلك، وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وإن الذي وشي بك إليّ كاذب.3

ولمّا خُوّف - رحمه الله - قال: "أنا من أي شيء أخاف؟ فإن قتلت كنت من أفضل الشهداء، وكان ذلك سعادة في حقي، يترضى بها عليّ إلى يوم القيامة، ويلعن الساعي في ذلك إلى يوم القيامة؛ فإنّ جميع أمّة محمد يعلمون أني أقتل على الحق الذي بعث الله به رسوله. وإن حبست فوالله إن حبسي لمن أعظم نعم الله عليّ. وليس لي ما أخاف الناس عليه؛ لا مدرسة، ولا إقطاع، ولا مال، ولا رئاسة، ولا شيء من الأشياء"1. وكان - رحمه الله - من أشجع الناس، وأقواهم قلباً، فما رُؤي أحد أثبت جأشاً منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه، كان يُجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف لومة لائم.2
قال الذهبي عن شجاعته: "وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نَوْبَةِ غَازان3، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد، وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين،

وبقَطْلوشاه1وببُولاي.2
وكان قَبْجَق3يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول.
وله حدّة قوية تعتريه في البحث، حتى كأنه ليث حرب"4.
وقال عنه ابن عبد الهادي: "ولقد أخبرني حاجب من الحجاب الشاميين؛ أمير من أمرائهم ذو دين متين، وصدق لهجة معروف في الدولة قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمرج الصُّفَّر5وقد تراءى الجمعان:

يا فلان أوقفني موقف الموت.
قال: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم.
ثم قلت: يا سيدي هذا موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة، فدونك وما تريد.
قال: فرفع طرفه إلى السماء، وأشخص ببصره، وحرك شفتيه طويلاً، ثم انبعث وأقدم على القتال... ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر"1.
وأما عن إيثاره غيره على نفسه، مع فقره: فيقول تلميذه البزار - رحمه الله - عن ذلك: "كان - رضي الله عنه - مع شدة تركه للدنيا، ورفضه لها، وفقره فيها، وتقلله منها، مؤثراً بما عساه يجده منها، قليلاً كان أو كثيراً، جليلاً أو حقيراً، لا يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن التصدق به، ولا الكثير فيصرفه النظر إليه عن الإسعاف به.
فقد كان يتصدّق حتى إذا لم يجد شيئاً نزع بعض ثيابه المحتاج إليه فيصل به الفقير، وكان يستفضل من قوته القليل الرغيف والرغيفين فيؤثر بذلك على نفسه.
وربّما خبّأها في كمّه.
ويمضي ونحن معه لسماع الحديث، فيراه بعضنا وقد دفعه إلى فقير، مستخفينا، يحرص أن لا يراه أحد.. وكان إذا ورد عليه فقير وآثر المقام عنده يؤثره عند الأكل بأكثر قوته الذي جعل برسمه"2.
وأما هيئته ولباسه: فقد كان - رضي الله عنه - متوسطاً في لباسه وهيئته، لا يلبس فاخر الثياب بحيث يرمق ويُمدّ النظر إليه، ولا أطماراً أو ثياب غليظة تُشهر حال لابسها، ولا يُميّز عن عامة الناس بصفة خاصة يراه الناس فيها من عالم وعابد.

بل كان لباسه وهيئته كغالب الناس ومتوسطهم. ولم يكن يلزم نوعاً واحداً من اللباس فلا يلبس غيره، بل كان يلبس ما اتفق وحصل، ويأكل ما حضر. وكانت بذاذة الإيمان عليه ظاهرة، لا يُرى متصفاً في عمامة، ولا لباس، ولا مشية، ولا قيام، ولا جلوس، ولا يتهيّأ لأحد يلقاه، ولا لمن يرد عليه من بلد.1
وأما كرمه: فقد كان مجبولاً على الكرم، لا يتطبعه، ولا يتصنعه، بل هو له سجية. وما شدّ على دينار ولا درهم قطّ بل كان مهما قدر على شيء من ذلك يجود به كله. وكان لا يردّ من يسأله شيئاً يقدر عليه من دراهم، ولا دنانير، ولا ثياب، ولا كتب، ولا غير ذلك. وكان - رحمه الله - لا يردّ أحداً يسأله شيئاً من كتبه، بل يأمره أن يأخذ هو بنفسه ما يشاء منها. وكان يُنكر إنكاراً شديداً على من يسأل شيئاً من كتب العلم التي يملكها ويمنعها من السائل، ويقول: ما ينبغي أن يمنع العلم ممن يطلبه.2
أما عفوه عمّن ظلمه، ومسامحته لمن عاداه، حتى بعد القدرة عليه: فقد قال تلميذه ابن عبد الهادي - رحمه الله: "سمعت الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله - يذكر أن السلطان لما جلس بالشباك، أخرج من جيبه فتاوى لبعض الحاضرين في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم.
قال: ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقاً شديداً عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر

ركن الدين بيبرس الجاشنكير.
فشرعتُ في مدحهم، والثناء عليهم، وشكرهم، وأنّ هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك.
أما أنا فهم في حلّ من حقي، ومن جهتي، وسكّنتُ ما عنده عليهم.
قال: فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نبق ممكناً في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنّا"1.
ولعلّ ابن مخلوف هذا هو الذي كنّى عنه ابن كثير ب"أحد خصوم شيخ الإسلام)، ونقل قوله عن شيخ الإسلام - رحمه الله: "ما رأينا مثل ابن تيمية، حرّضنا عليه، فلم نقدر عليه، وقدر علينا، فصفح عنّا وحاجج عنّا"2.
وقال الشيخ - رحمه الله - قبيل وفاته للوزير، لما اعتذر إليه عن نفسه، والتمس منه أن يعفو عما بدر منه في حقه من تقصير أو غيره: "إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحقّ... وقال ما معناه: إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلداً غيره معذوراً، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لِمَا بلغه مما ظنه حقاً من مبلغه، والله يعلم أنه بخلافه.
وقد أحللتُ كلّ واحدٍ مما كان بيني وبينه، إلا من كان عدواً لله ورسوله"3.

جارٍ التحميل