أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل الله تعالى سماها آيات وبراهين ولم يسمها معجزات...

فصل الله تعالى سمها آيات وبراهين ولم يسمها معجزات والله تعالى سمّاها آيات وبراهين1، وهو اسمٌ مطابق لمسمّاه، مطّرد لا ينتقض، فلا [تكون] 2 قطّ إلاّ آيات لهم وبراهين. أقوال الناس في تسمية آيات الأنبياء خوارق وأما تسميتها بخرق العادة: فللنّاس في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ ذلك حدّ لها مطّرد منعكس؛ فكلّ خرق [هو] 3 معجزة للنبي، فهو خرق عادة.4
والثاني5: أنّ خرق العادة شرطٌ فيها، وليس بحدّ لها، فيجب أن [تكون] 6 خارقة لعادة، ولكن ليس كلّ خارق للعادة يكون آيةً لنبيّ؛

كأشراط الساعة، بل أن يقع على وجه مخصوص؛ مثل دعوى النبوة، والاستدلال بها، والتحدي بمثلها، مع عجز الناس عن معارضته. والقول الثالث: أنّ كونها خارقة للعادة ليس بحدّ، ولا شرط.1
قال القاضي أبو بكر في مناظرته في الكرامات2: ويقال لهم أيضاً: إنّ من الناس من لا يشترط في الآية المعجزة أن تكون خارقة للعادة، ويقول: إنّما [تكون] 3 آية إذا كانت من فعل الله، مع التحدي بمثلها، ودعوى النبوة.
فدلالتها على وجه لا يمكن أن يشترك في ادّعائه الصادق والكاذب، فإذا ظهرت على هذا الوجه، كانت آية لمن فُعِلت على يده.
قال المجيبون بهذا4، ولهذا لم تكن أشراط الساعة آيةً لأحد، وإن خرقت العادة؛ إذ لم يكن معها دعوى نبوة، ولأنّ موتَ زيد عند قول الرسول: آيتي أن يميت الله زيداً عند دعائي: موتُه.
فإذا مات عند دعوته، صار ذلك آية له، وإن كان فعل الموت في الإنسان وغيره من الحيوان معتاداً.
قال5: [أو إن] 6 قالوا: لو كان كذلك، لكان من قال: آيتي أن

[تطلع] 1 الشمس وتغرب، ويأتي الليل والنهار والضياء والظلام، وفَعَلَ ذلك مع دعواه الرسالة، كان آية له، وإن لم يكن المفعول من ذلك خارقاً للعادة.
فلمّا لم يكن كذلك، وإن كان [واقعاً] 2 من فعل الله مع دعوى النبوة؛ لكونه غير خارق للعادة، بطل ما قلتموه؟ يقال لهم: قد أجبنا عن هذا حين قلنا: ويكون الواقع من فعل الله مع دعوى النبوة، مما لا يشترك فيه الصادق والكاذب، ويستوي مع ظهوره دعوى المحق والمبطل، وطلوع الشمس وغروبها.
ولو قال النبي: آيتي أن يظلّنا السحاب الساعة، و [تزلزل] 3 الأرض، وتحدث الأمطار، بدعوى، فحدث ذلك، لكان آيةً له.
وإن كان مثل ذلك قد يحدث في العصر ويُشاهد، فإذا قال المتنبي: [إنّني] 4 مُعَارِضُه، وآيتي في كوني نبيّاً ظهور مثل ذلك، مُنع منه ولم يحدث.5

مناقشة شيخ الإسلام للباقلاني قلت1: هذا الذي ذكروه، هو أيضاً خرق للعادة؛ فإنّ ظهور مثل ذلك على هذا الوجه مّما لم تَجْرِ بِهِ العادة، وهو نفسه القاضي أبو بكر في هذا الكتاب؛ ((كتاب البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل و [الكهانة] 2 والسحر والنيرنجيّات))، قد قال: قيل: هذا باب القول في معنى العادة وانخراقها، والعادة التي إذا انخرقت دلّت على صدق الرسل، والاعتياد للأمر، وتفصيل ذلك وتنزيله3: اعلموا رحمكم الله4أنّ الكل من سائر الأمم قد شرطوا في صفة [المعجز: أن] 5 يكون خارقا للعادة.
وإذا6كان ذلك واجباً، وجب معرفة هذه العادة، ومعرفة انخراقها.7

فقد [حكى] 1 هنا الإجماع، وهناك صرّح بالاختلاف2، وقوَّى ذلك القول. وسبب ذلك: اضطرابهم في معنى العادة وانخراقها؛ فإنّ كلّ قوم يفهمون غير ما يفهمه الآخرون، والله تعالى إنما سماها آيات.3
وهذا القول الذي ذكره وقوّاه، وهو: لا يشترط فيها أن تكون خارقة للعادة: هو حقيقة قول القاضي4، وأمثاله؛ من المتكلمين الأشعرية، ومن وافقهم؛ كالقاضي أبي يعلى، وأمثاله؛ فإن المعجزات عندهم لا تختص بجنس من الأجناس المقدورات، بل خاصّتها أنّ النبي يحتجّ بها، ويتحدّى بمثلها، فلا يمكن معارضته؛ فاشترطوا لها5[وصفين] 6: أن تكون مقترنة بدعوى النبوة، وجعلوا المدلول جزءاً من الدليل، وأنّها لا تعارض.
وبالأول: فرّقوا بينها وبين الكرامات.
وبه7وبالثاني: فرّقوا بينها وبين السحر والكهانة.

وصرّحوا بأنّ جميع خوارق السحرة والكهان يجوز أن تكون معجزة لنبيّ، لكن إذا كانت معجزة لم تمكن معارضتها.
فلو ادّعى ساحر أو كاهن النبوة، لكان الله يعجزه عن تلك الخوارق1، قد عُلم أنّ غيره من السحرة والكهّان يفعل مثلها، وليس بنبيّ.
وما يأتي به الأنبياء من المعجزات جوّزوا أن [يأتي] 2 بمثله الساحر والكاهن، إلا ما منع منه السمع؛ للإجماع3على أنّ الساحر لا يقلب العصا حية.4
وهذا الفرق ليس لما يختص به أحد النوعين، ولا ضابط له. وصرّحوا بأنه لا يستثنى من الخوارق، إلا ما انعقد عليه الإجماع.5
وصرّحوا بأن العجائب [الطبيعية] 6؛ مثل جذب حجر المغناطيس الحديدَ: يجوز أن يكون معجزة، لكن بشرط أن لا يعارض.7
وكذلك الطلاسم، وكذلك الأمور المعتادة: يجوز أن تكون معجزة بشرط أن يمنع غيره منها، فتكون المعجزة منع المعتاد.8
فالخاصة عندهم فيها9: أنّها لا تعارض، وأنها تقترن بدعوى النبوة.

وقد يشترطون أن تكون خارقة للعادة، لكن يكتفون بمنع المعارض1؛ فهو وحده خرق للعادة؛ فلا يشترطون هذا وهذا. وقد اشترط القاضي أبو بكر أن يكون مما يختص الربّ بالقدرة عليه.2
ولا حقيقة له؛ فإن جميع الحوادث كذلك عندهم3، وكل ما [خرج] 4 عن محل قدرة العبد، فالرب عندهم مختصّ بفعله؛ كخوارق السحرة والكهان.5
وحقيقة الأمر: أنّه لا فرق عندهم بين المعجزات والكرامات، والسحر والكهانة، لكنّ هذه إذا لم تقترن بدعوى النبوة لم [تكن] 6 آية، وإذا اقترنت بها كانت آية، بشرط أن لا تعارض.7
حقيقة قول الأشاعرة في النبوة ثمّ إنّه8لمّا أثبت النبوة، قال: إنّه يجوز على النبي فعل كل شيء من

الكبائر، إلا أن يمنع من ذلك سمع.1
كما قال: كلّ ما كان معجزة للأنبياء، يجوز أن يأتي به الساحر، إلا أن يمنع منه سمع2؛ إذ كان في نفس الأمر لا فرق بين فعل وفعل، بل يجوز من الربّ كلّ شيء؛ فيجوز أن يبعث كلّ أحد، ولا يقيم على نبوته دليلاً.3
هذا حقيقة قولهم: إنّه يجوز أن يبعث كلّ أحد، وأنّه إذا بعثه لا يُقيم دليلاً على نبوته، بل يُلزِم العباد بتصديقه، بلا دليلٍ يدلهم على صدقه. تعريف الأشاعرة للمعجزة، ورد شيخ الإسلام عليهم بجوابين فإن غاية هذا: تكليف ما لا يطاق، وهم يجوّزونه.4
وهذا الذي قالوه: باطلٌ من وجوه متعددة، قد بُسطت في غير هذا الموضع.5

منها: أنّهم جعلوا المدلول عليه؛ وهو إخبار النبي بنبوته، وشهودها، وثبوتها: جزءاً من الدليل؛ قالوا: لأنّها لو كانت معجزة لجنسها، لم تقع إلا معجزة، والخوارق التي تكون أمام الساعة، ليست معجزة لأحد. فعُلِم أن الدليل هو مجموع دعوى النبوة، والخارق.1
والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنّ تلك من آيات الله تعالى؛ فالخوارق التي لا يقدر عليها العباد: كلّها آيات [لله] 2 تعالى، وهي دالة على ما يظهر دلالتها عليه؛ تارة [تكون] 3 تخويفاً؛ [كما] 4 قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنّهما لا [ينكسفان] 5 لموت أحدٍ، ولا لحياته، ولكنّهما آيتان من آيات الله يُخوّف الله بهما عباده" 6.
والتخويف يتضمن: الأمر [بطاعته، والنهي] 7 عن معصيته.
وأشراط الساعة آيات على قربها، وعلى جزاء الأعمال، وهو يتضمن الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية.8

والثاني: أن يقال: هي آيات على صدق الأنبياء؛ فإنهم أخبروا بها، وهي آية على ما أخبروا به، وعلى صدقهم.
عامة معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحدى بها وأيضا: فإنّ عامّة معجزات الرسول لم يكن يتحدى بها، ويقول ائتوا بمثلها.
والقرآن إنما تحداهم لما قالوا إنه [افتراه] 1، ولم يتحدّاهم به ابتداءً، وسائر المعجزات لم يتحدّ بها، وليس فيما نقل تحدّ إلا بالقرآن2، لكن قد عُلم أنهم لا يأتون بمثل آيات الأنبياء.
فهذا لازمٌ لها، لكن ليس من شرط ذلك أن يقارن خبره.
آيات الأنبياء منها ما يكون قبل ولادتهم ومنها ما يكون بعد موتهم وأيضا: فمن آيات الأنبياء ما كان قبل ولادتهم، وقبل أنبيائهم، وما يكون بعد موتهم3؛ فإن الآية [هي] 4 دليل على صدق الخبر بأنّه رسول الله، وهذا الدليل لا يختص؛ لا بمكان، ولا زمان، ولا يكون هذا الدليل إلا من جنسٍ لا يقدر عليه الإنس كلهم، ولا الجنّ، فلا بُدّ أن يكون جنسه معجزاً أعجز الإنس والجنّ.
وأما قولهم: خاصّة المعجز عدم المعارضة5: فهذا باطلٌ، وإن كان عدم المعارضة لازماً له، فإنّ هذا العدم لا يعلم، إذ يمكن أن يعارضه من ليس هناك إذا كان مما يعلم أنّه معتاد؛ مثل خوارق السحرة، والكهان؛ فإنّه

وإن لم [يمكن] 1 أن يُعارض في هذا الموضع، ففي السحرة والكهان من يفعل مثلها، مع أنه ليس بنبي.
تعريف الأشاعرة لدليل النبوة ودليل النبوة يمتنع ثبوته بدون النبوة، وإذا قالوا: الدليل هو: مجموع الدعوى، والدليل2: تَبين [خطؤهم] 3، وأنّ القوم لم يعرفوا دلائل النبوة، ولا أقاموا دليلاً على نبوّة الأنبياء، كما لم يقيموا دليلاً على وجود الرب؛ فليس في كتبهم ما يدل على الربّ تعالى، ولا على رسوله، مع أنّ هذا هو المقصود من أصول الدين.4
الأشاعرة لم يقيموا دليلاً على ثبوت الأنبياء ووجود الرب تعالى وأيضاً: فمسيلمة، والعنسي: لم يكن عندهما من يعارضهما.
وأيضاً: فالمعارض إن اعتبروه في المدعوين، وهذا مقتضى في خرق العادة، وأن العادات تختلف، فلكل قوم عادة.
قالوا5: فالمعتبر خرق عادة من أُرسِل إليهم.
وعلى هذا: فإذا أرسل إلى بني إسرائيل، ففعل ما لم يقدروا عليه، كان آية، وإن كان ذلك مما يقدر عليه العرب، ويقدر عليه السحرة والكهان.
وصرحوا بأنّ السحر الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ 6: يجوز أن يكون من معجزات الأنبياء إذا لم

يعارض1، وقد قال الرازي: إنّ السمعيات لا يُحتجّ بها؛ لأنّ دلالتها مشروطة بعدم المعارض العقلي، وذلك غير معلوم.2
وكذلك يقال في معجزات هؤلاء أنّ خاصتها عدم المعارضة.
فإن اعتبروا أنّ أحداً من الخلق لا يُعارض، فهذا لا يُعلم.
وإن اكتفوا بأن لا يعارض في ذلك المكان والزمان، فكثير من الصناعات، والعجائب، والعلوم من هذا الباب.
وهم لا ينكرون هذا، بل يقولون: المعجز هو هذا، مع دعوى النبوة.
وقد تبيَّن أنَّ الشيء في نفسه إذا لم يكن دليلاً، لم يصر دليلاً باستدلال المستدلّ به، بل هو في نفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ [إذ] 3 كان الدليل هو المستلزم للمدلول؛ فدليل صدق النبيّ هو يدلّ على أنّه نبيّ، وأنّ الخبر بنبوته صدق، وإن كان هو لا يستدلّ بذلك، ولا يتحدى بمثلها، وقد لا يخبره بنبوة نفسه، ويكون له دلائل تدلّ على نبوته؛ كما كانت قبل أن يولد، وفي الأمكنة البعيدة.
فتبين أنّ قول هؤلاء [هو] 4: أنّه لا يُعلم ما يُستدلّ به على نبوة الأنبياء.5

وهذا إذا انضمّ إلى أصلهم؛ وهو: أنّ الرب يجوز عليه فعل كلّ شيء1، صارا شاهدين: بانّه على أصلهم لا دليل على النبوة؛ [إذ] 2 كان عندهم لا فرق بين فعل من الرب وفعل.
وعندهم: لا فرق بين جنس وجنس في اختصاصه بالأنبياء به، فليس في أجناس المعقولات ما يكون آيةً تختص بالأنبياء، فيستلزم نبوتهم.
بل ما كان لهم قد يكون [عند غيرهم] 3، حتى للسحرة والكهان، وهم أعداؤهم.
فَرّقوا بعدم المعارضة، وهذا فرق غير معلوم، وهو مجرد دعوى.
الفرق بين النبي والساحر عند الأشاعرة قالوا: لو ادّعى الساحر والكاهن النبوّة، لكان الله يُنسيه الكهانة والسحر، ولكان له من يعارضه4؛ لأنّ السحر والكهانه هي معجزة عندهم.
وفي هذه الأقوال من الفساد عقلاً وشرعاً، ومن المناقضة لدين الإسلام، وللحق ما يطول وصفه.
ولا ريب أنّ قول من أنكر وجود هذه الخوارق5أقلّ فساداً من هذا.
ولهذا يشنع عليهم ابن حزم وغيره بالشناعات العظيمة.6

الفرق بين المعجزات والسحر عند الأشاعرة ولهذا يقيم أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين المعجزات والسحر، فلا يجدون فرقاً؛ إذ لا فرق عندهم في نفس الأمر.1

قول شيخ الإسلام في آيات الأنبياء والتحقيق: أنّ آيات الأنبياء مستلزمة للنبوّة، ولصدق الخبر بالنبوّة، فلا يوجد إلا مع الشهادة للرسول بأنّه رسول، لا يوجد مع التكذيب بذلك، ولا مع عدم ذلك البتة، وليست من جنس ما يقدر عليه؛ لا الإنس، ولا الجنّ؛ فإنّ ما يقدر عليه الإنس والجنّ يفعلونه، فلا يكون مختصاً بالأنبياء.
ومعنى كونها خارقةً للعادة: أنّها لا توجد إلاّ للنبوّة؛ لا مرّة، ولا أقلّ، ولا أكثر.
فالعادة هنا تثبتُ بمرّة.
والقاضي أبو بكر يقول: إنّ ما فعل مرّات يسيرة لا يكون معتاداً.1

وفي كلامه في هذا الباب1من الاضطراب ما يطول وصفه.
وهو رأس هؤلاء الذين اتبعوه؛ كالقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي، والرازي، والآمدي، وغيرهم.
وما يأتي به السحرة والكهان، يمتنع أن يكون آيةً لنبيّ، بل هو آية على الكفر، فكيف يكون آيةً للنبوّة، وهو مقدور للشياطين؟.
وآيات الأنبياء لا يقدر عليها جنّ ولا إنس، وآيات الأنبياء آيات لجنسها، فحيث كانت آيةً لله، تدلّ على مثل ما أخبرت به الأنبياء، وإن شئتَ قلت2: هي أيات لله، يُدلّ بها على صدق الأنبياء تارة، وعلى غير ذلك تارة.
وما يكون للسحرة والكهان، لا يكون من آيات الأنبياء، بل آيات الأنبياء مختصة بهم.
الفرق بين المعجزات والكرامات وأما كرامات الأولياء3: فهي أيضاً من آيات الأنبياء؛ فإنّها إنّما تكون

لمن [يشهد] 1 لهم بالرسالة، فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوّة.
وأيضاً: فإنّ كرامات الأولياء معتادةٌ من الصالحين، ومعجزات الأنبياء فوق ذلك؛ فانشقاق القمر، والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حيّة، وخروج الدابة من صخرة2، لم يكن مثله للأولياء؛ وكذلك خلق الطير من

الطين، ولكنّ آياتِهم صغارٌ، وكبارٌ؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الآيَةَ الكُبْرَى﴾ 1؛ فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيّه محمّد: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ 2، فالآيات الكبرى مختصة بهم.
الآيات قسمان: كبرى وصغرى الآيات الكبرى مختصة بالأنبياء الآيات الصغرى قد تكون للصالحين وأما الآيات الصغرى: فقد [تكون] 3 للصالحين؛ مثل تكثير الطعام، فهذا قد وجد لغير واحدٍ من الصالحين4، لكن لم يوجد كما وجد للنبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه أطعم الجيش من شيء يسير.5
فقد يوجد لغيرهم من جنس ما وجد لهم، لكن لا يماثلون في قدره؛ فهم مختصون إمّا بجنس الآيات فلا يكون لمثلهم؛ كالاتيان بالقرآن، وانشقاق القمر، وقلب العصا حية، وانفلاق البحر، وأن يخلق من الطين كهيئة الطير؛ وإمّا بقدرها، وكيفيتها؛ كنار الخليل6؛ فإنّ أبا مسلم [الخولاني] 7، وغيره صارت النار عليهم برداً وسلاماً8، لكن

لم تكن مثل نار إبراهيم في عظمتها كما وصفوها1، فهو مشاركٌ للخليل في جنس الآية؛ كما هو مشارك في جنس الإيمان محبة الله وتوحيده.
ومعلومٌ أنّ الذي امتاز به الخليل من هذا، لا يماثله فيه أبو مسلم، وأمثاله.
وكذلك الطيران في الهواء؛ فإنّ الجن لا تزال تحمل ناساً، وتطير بهم من مكان إلى مكان؛ كالعفريت الذي قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ 2، لكن قول الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ 3: لا يقدر عليه العفريت.
ومسرى النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ليريه الله من آياته الكبرى4: أمرٌ اختص به، بخلاف من يُحمل من مكان إلى مكان، لا ليريه الله من آياته الكبرى5، أمرٌ اختصّ به، ولا يعرج إلى السماء.
فهؤلاء كثيرون، وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع.6

نقد شيخ الإسلام للأشاعرة في النبوات والمقصود هنا: أنّ هؤلاء حقيقة قولهم: أنّه ليس للنبوة آية تختص بها؛ كما أنّ حقيقة قولهم: أنّ الله لا يقدر أن يأتي بآية تختص بها، وإنه لو كان قادراً على ذلك، لم يلزم أن يفعله، بل ولم يفعله. فهذان أمران متعلقان بالرب؛ إذ هو عندهم لا يقدر أن يفعل شيئاً لشيء.1
والآية إنما تكون آية: إذا فعلها [ليدلّ] 2.
ولو قُدِّر أنه قادر، فهم يجوّزون عليه فعل كل شيء؛ فيمكن أنه لم يجعل على صدق النبي دليلاً.
وأمّا الذي ذكرناه عنهم هنا، فإنّه يقتضي أنّه لا دليل عندهم على نبوّة النبيّ، بل كلّ ما قُدّر دليلاً، فإنّه يمكن وقوعه مع عدم النبوة، فلا يكون دليلاً.
فهم هناك3حقيقة قولهم: إنّا لا نعلم على النبوّة دليلاً.
وهنا حقيقة قولهم4: أنّه لا دليل على النبوة.

ولهذا كان كلامهم في هذا الباب1منتهاه التعطيل.
الغزالي عدل عن طريقة الأشاعرة في الاستدلال بالمعجزات ولهذا عدل الغزالي وغيره عن طريقهم في الاستدلال بالمعجزات2؛ لكون المعجزات على أصلهم3لا تدلّ على نبوة نبيّ. وليس عندهم في نفس الأمر معجزات، وإنما يقولون: المعجزات عِلمُ الصدق؛ لأنّها في نفس الأمر كذلك.4
وهم صادقون في هذا، لكن على أصلهم ليست دليلاً على الصدق، ولا دليلَ على الصدق.
فآيات الأنبياء تدلّ على صدقهم دلالة معلومة بالضرورة تارةً، وبالنظر أخرى.
وهم قد يقولون: إنّه يحصل العلم الضروري بأنّ الله صدّقه بها؛ وهي الطريقة التي سلكها أبو المعالي، والرازي، وغيرهما5؛ وهي طريقة صحيحة في نفسها، لكن [تناقض] 6 بعض أصولهم.

فالقدح ليس في آيات الأنبياء، لكن في الأقوال الفاسدة التي تناقض ما هو معلوم بالضرورة عقلاً، وما هو أصل الإيمان شرعاً. ومن عرف تناقضهم في الاستدلال يعرف أن الآفة في فساد قولهم، لا في جهة صحة الدلالة؛ فقد يظهر بلسانه ما ليس في قلبه؛ كالمنافقين الذين يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ 1. قول الإمام أحمد في علماء الكلام ولقد صدق الإمام أحمد في قوله: علماء الكلام زنادقة.2
وطريقة القرآن فيها الهدى، والنور، والشفاء؛ سماها آيات، وبراهين. فآيات الأنبياء مستلزمة لصدقهم، وصدق من صدّقهم، وشهد لهم بالنبوة. الأنبياء قد يتماثلون في الآيات والآيات التي يبعث الله بها أنبياء، قد يكون مثلها لأنبياء أُخَر؛ مثل إحياء الموتى؛ فقد كان لغير واحد من الأنبياء.3
وقد يكون إحياء الموتى على يد اتباع الأنبياء؛ كما قد وقع لطائفة من

هذه الأمة1، ومن اتباع عيسى2؛ فإن هؤلاء يقولون: نحن إنّما أحيى الله الموتى على أيدينا؛ [لاتّباع محمد، أو المسيح، فبإيماننا بهم، وتصديقنا لهم أحيى الله الموتى على أيدينا] 3، فكان إحياء الموتى مستلزماً [لصدق] 4 عيسى، و [محمّدٍ] 5، لم يكن قطّ مع تكذيبهما، فصار آية لنبوّتهم، وهو أيضاً آية لنبوّة موسى، وغيره من أنبياء بني [إسرائيل] 6 الذين أحيي الله الموتى على أيديهم.

وليس مدلول الآيات هو مجرّد دعواه أنّ الله أرسلني، وإخباره عن نفسه بذلك؛ لأن ذلك معلوم بالحسّ لمن سمعه، وبالتواتر لمن لم يسمعه، بل صدّقه في هذا الخبر؛ وهو ثبوت نبوته. الآية مستلزمة لصدق النبي وثبوت نبوته فالآية مستلزمة لصدقه، وثبوت نبوته. ومن أخبر غيره عن إرسال الله له، وأتى هذا المخبر بآية، كانت أيضاً آية على صدق هذا المخبر، وثبوت نبوّة النبيّ؛ فإنّ من أخبر عن نبوّة نبيّ من الأنبياء، وأتى بآيةٍ على صدقه في خبره، كانت تلك آية ودليلاً على نبوّة النبيّ، وأنّ إخبار المخبر بنبوته صدق. بل [كون] 1 غيره هو المخبر، الآتي بالعلامة أبلغ. ولهذا كانت من أعظم آيات النبي: إخبار غيره من الأنبياء بنبوّته. فإن قال آخر: إنّه كذب، وأتى بمثل تلك الآية، بطلت الدلالة المعينة، ولا يلزم من بطلان دليل معين، بطلان سائر الأدلة؛ فإنّ الدليل يجب طرده، ولا يجب عكسه.2
ولو جاء من قال: إنّ فلانا أرسلني، ومعه شخص، فصدّقه، وقال: إنّه أمرني أن أخبركم بأنّه رسوله بعلامة كيت وكيت، لكان ذلك أبلغ.
وكلّ من عَلِمَ صِدْقَ النبيّ، فقد صدقه أنّه [..................] 3 أن يعلم الناس أنّ الله يشهد له بالنبوة، ويحكم بينه وبين منازعيه بتصديقه وتكذيبهم، وذلك بآياته وعلاماته يُبيّن بها أنّه مصدّق للرسول.
وقد يُصدقه بكلامه الذي قد بَيَّن أنّه كلامه؛ فكونه في نفسه آية وعلامة؛

إذ كان لا يُمكن الجن [والإنس] 1 أن ياتوا بمثله، فهو من أعظم الآيات. وبغير ذلك؛ فالآيات كلّها شهادة بالنبوة، وإخبارٌ بها، وتصديق للمخبر؛ فهي تستلزم ثبوت النبوّة في نفسها، وأنّ صاحب الآيات قد نبأه الله، وأوحى إليه؛ كما أوحى إلى غيره من الأنبياء، وتستلزم أيضاً: صدق الإخبار بأنّه نبيّ؛ فهو إذا قال: إنّي نبيّ، كان صادقاً، وكذلك كل من أخبر بنبوته، فإنّه يكون صادقاً. وثبوت الشيء، وصدق من أخبر به: متلازمان؛ فكلّ حقّ ثابت، إذا أخبر به مخبرٌ، فهو صادق، وكلّ خبرٍ صادق، فقد تحقق مخبره. [فالخبر] 2 الصادق هو ومخبره متلازمان؛ يلزم من صدق الخبر، تحقق مخبره. ومن تحقق الشيء، صدّق المخبر به؛ بخلاف الكذّاب، فإنّه ومخبره ليسا متلازمين، بل الخبر الكذب يوجد مع انتفاء مخبره، والمخبر به يتحقق على صفة خلاف ما في الخبر الكاذب.3
فلهذا كانت الآيات، والعلامات، والدلائل، ونحو هذا كما تدلّ على المدلول، وأنّه حقّ ثابت، فهي أيضاً تدلّ على صدق من أخبر به كائناً من كان.
فمن قال: إنّي ابن فلان، وقامت بيّنة بنسبه، فهي تثبت صدقه، وصدق كلّ من قال: هو ابن فلان.

وكذلك البينة التي تشهد برؤية الهلال، وهي تشهد بصدق كلّ من أخبر بطلوعه.
وكذلك كلّ دليلٍ دلّ على مدلول، فهو دليل على صدق كلّ من أخبر بذلك المدلول عليه.
وكذلك إذا قال الصادق: إنّ الله أرسلني، فهذا خبرٌ منه عن إرسال الله؛ فالآية الدالة على صدقه، تدلّ على صدق كلّ من قال: إنّ الله أرسله.
فالآيات الدالة على صدق محمّد، إذا قال ما أمره الله به في قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعَاً﴾ 1، هي دالة على صدق كلّ من قال: أشهد أنّ محمّداً رسول الله.
فجميع آياته، وآيات الأنبياء الذين أخبروا بنبوّته؛ كموسى، والمسيح [عليهما السلام]، وأنبياء بني إسرائيل، وغيرهم: كلّها آيات، ومعجزات [تُبيِّن] 2 صدق كل واحد من المؤمنين به، الذين يقول أحدهم: أشهد أن محمدا رسول الله؛ سواء قالها مجرّدة، أو قالها في صلاته، أو عقب طهارته، أو متى ما قالها.
ليست آيات النبوّة دالّة على أنّه وحده هو الصادق في قوله: إنّي رسول الله إليكم جميعاً، بل الآيات تصدّقه، وتصدّق كلّ من شهد له بالرسالة.
وهكذا سائر الأدلة الدالّة على مدلول؛ فإنّها تدلّ على صدق من أخبر بذلك المدلول عليه من جميع الخلق.

وقد عرف أن الدليل لا بدّ أن [يكون] 1 مختصّاً بالمدلول عليه، مستلزماً له.
فآيات الأنبياء، وسائر أنواع الآيات والأدلة، لا تكون مع نقيض المدلول عليه؛ أي مع عدمه؛ فإنّها إذا كانت مع وجوده وعدمه، لم تكن دالَّةً [لا] 2 على وجوده، ولا على عدمه، [ولم يكن الاستدلال به على وجوده، ولا على عدمه] 3، ولم يكن الاستدلال به على وجوده أولى به من الاستدلال على عدمه؛ كالأمور المعتادة التي توجد مع الصادق والكاذب؛ كطلوع الشمس، وغروبها؛ فإنّ هذه لا تدلّ على صدق أحد، ولا كذبه.
وكذلك خوارق السحرة والكهان، هي معتادة، مع صدق أحدهم، ومع كذبه؛ فلا تدلّ على الصدق، [ولا على الكذب، والاستدلال بها على صدقه؛ كالاستدلال بها على كذبه، وهي على الكذب أدلّ] 4؛ [إذ] 5 كان كذبهم أكثر من صدقهم؛ كالذين يُخبرون بكلمة صدق، وعشرة كذب؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَ [أَكْثَرُهُمْ] 6 كَاذِبُونَ﴾ 7، فكيف إذا كان مع الصدق مائة كذبة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمّا سُئِل عن الكُهَّان؛ كما روى البخاري في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سأل ناسٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الكُهَّان،

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسوا بشيء". قالوا: يا رسول الله فإنّهم يحدّثون أحياناً بشيء يكون حقّاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحقّ يحفظها الجنيّ، فيقرها في أذن وليّه قرّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة"1. فيلزم من هذا: أنّ آيات الأنبياء لا يكون مثلها لمن يكذّبهم، وهو الذي يخبر بكذبهم. والناس فيهم رجلان: إمّا مصدّق، وإمّا مكذّب. فالمكذّب لهم يمتنع أن يأتي بمثل آياتهم. ومتى كذب مكذب لمدعي النبوة، وأتى بمثل آيته سواء، دلّ على أنّ تلك ليست من آيات الأنبياء، ولا تدلّ على صدق النبيّ، لكن لا يلزم أن يدلّ على كذبه؛ فإنَّ الدليل المعيَّن إذا بطل، لا يستلزم انتفاء المدلول عليه؛ فقد تكون له آيات أخر تدل على نبوّته. وصدق الصادق، وكذب الكاذب يُعرف بوجوهٍ كثيرةٍ جداً.2
وكذلك النبوّة: لها آثار مستلزمة لها، بدون إخبار النبيّ بأنّه نبيّ.
وكذب المتنبي الذي يُزيّن له الشيطان أن يقول: إنّه نبيّ، له آثار [تستلزم] 3 انتفاء النبوة، وأنّه كاذبٌ؛ إمّا عمداً، وإمّا أنّ الشيطان قد لبّس عليه.

فإنّ الخبر عند كثيرٍ من النّاس ينقسم إلى صدقٍ وكذبٍ؛ فالمطابق هو الصدق، والمخالف هو الكذب.1
أثبت بعضهم واسطة بين الصدق والكذب وأثبت بعضهم واسطةً بين الصدق والكذب؛ وهو ما لم يتعمّده الإنسان 2؛ قال 3: فهذا ليس بصدق؛ [لأنّه] 4 غير مطابق، وليس بكذب؛ لأنّ صاحبه لم يتعمّد الكذب، بل أخطأ. وليس كلّ من أخطأ يُقال: إنّه كاذب؛ كالناسي في الصلاة، إذا قال: صلّيتُ أربعاً، ولم يُصلّ إلاَّ ثلاثاً؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ذو اليدين: أقُصِرَت الصلاة، أم نسيتَ؟ [فقال: "لم أنس، ولم تقتصر". فقال: بلى قد نسيت] 5. فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم.6
كل من تكلم بلا علم فهو كاذب والذي يدل عليه القرآن: أنّ كل من تكلّم بلا علم، فأخطا، فهو كاذب؛ كالذين حرّموا، وحلّلوا، وأوجبوا، وإن كان الشيطان قد زيَّن لهم ذلك، وأوهمهم أنّه حقّ، ولهذا [قال] 7: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ

الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ 1، وهي تنزل على من يُظَنّ أنّه يصدّقها؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانَاً فَهُوَ لَهُ قَرِين وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ 2، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطانُ لَما قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَق وَوَعَدْتُكُم فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ 3.
كل من أخبر بخبر غير مطابق فهو كاذب وكذلك الذي يدلّ عليه الشرع: أنّ كلّ من أخبر بخبر ليس له أن يُخبر به، وهو غير مطابق، فإنّه يُسمّى كاذباً، وإن كان لم يتعمّد الكذب4؛ كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إنّ أبا السنابل5قال: ما أنت بناكحة، حتى [تمرّ] 6 عليك أربعةُ أشهر وعشرٌ.
فقال: "كذب أبو السنابل"7.

ولما قيل له: إنّ عامر بن الأكوع حبِط عمله؛ لأنّه قتل نفسه، فقال: ((كذب من قالها، إنّ له لأجرين، إنّه جاهد مجاهد"1.
ولما قال [سعد] 2 بن عبادة في يوم الفتح: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة.
وحكاه أبو سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة"3.

وكذلك قال عبادة بن الصامت، لما قيل له: إنّ أبا محمد1يقول: الوتر واجب. فقال: كذب أبو محمد.2
وكذلك ابن عباس لما قيل له: إن نوفاً3يقول: إنّ موسى [عليه السلام] نبيّ إسرائيل، ليس هو موسى الخضر.
فقال: كذب نوف.4

وأيضاً: من أخبر الناس خبراً، طلب أن يصدّقوه فيه، وقد نُهوا عن تصديقه إلا ببينة، فإنّه أيضاً كاذب؛ كما قال تعالى في القرآن: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بَأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [فَإِذْ] 1 لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهدَاءِ فَأوْلَئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُون﴾ 2. وقال في القاذفين: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدَاً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذين تَابُوا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 3. وكذلك: إنَّ القاذف، وإن كان قد رأى الفاحشة بعينه، لكنه إذا أخبر بها الناس، فهو يطلب منهم أن يصدّقوه بمجرد خبره، وليس لهم ذلك، بل ليس لهم أن يصدّقوه حتى يأتي بأربعة شهداء، وهو لا يخبر الناس ليكذّبوه، بل يخبرهم ليعتقدوا ثبوت ما أخبرهم به، ويعتقدوا أن المقذوف قد فعل الفاحشة، وهم ليس لهم أن يقولوا ذلك إلا بأربعة شهداء، فإذا لم يأت بأربعة شهداء، فهو عند الله كاذبٌ؛ لأنّه أخبر الناس بأنّ هذا فعل الفاحشة، وقال خبراً طلب به تصديقهم، وإن يظهر أنّ هذا فعلها. فحقيقة خبره أنّ هذا فعل فاحشةً ظاهرةً يرتب عليها هذا. بل إن كان فعل شيئاً، فقد فعله سراً، لم يُعلم به الناس. الذنب إذا كتم لم يضر إلا صاحبه وقد علم أن الذنب إذا كُتِمَ لم يضرّ إلا صاحبه، ولكن إذا أُعلن، فلم يُنكر، ضرّ الناس.4
وهذا لم يُعلنه.

وأكثر المسلمين إذا فعل أحدهم فاحشةً باطنةً، تاب منها ومن إعلانها.
[يتشبه] 1 النّاس بعضهم ببعض في ذلك.
فلهذا نهى الله عن فعلها، وعن التكلّم بها؛ صدقاً، وغير صدق؛ فإنّها إذا فُعِلَتْ، وكُتِمَتْ، خَفَّ أَمْرُهَا، وإذا أُظْهِرَتْ، كان فيها مفاسد كثيرة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء، فليستتر بستر الله؛ فإنَّ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عليه كتاب الله" 2، وقال: "كلّ أمتي معافى، إلا المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله، فيُصبح يقول: يا فلان فعلتُ البارحة كذا، وكذا"3.
فقد نهى الله تعالى صاحبها أن يظهرها ويعلنها، فكيف القاذف؟.
بخلاف ما إذا أقرّ بها عند ولي أمر، ليقيم عليه الحد، أو يشهد بها نصاب تامّ لإقامة الحدّ4، فذاك فيه منفعة وصلاح.
وقد يُخبر بها بعض الناس سراً؛ لمن يعلمه كيف يتوب؟ ويستفتيه، ويستشيره فيما يفعل؟ فعلى ذلك المفتي والمشير أن يكتم عليه ذلك، ولا يشيع الفاحشة.
وبسط هذا له موضع آخر.5

الناس فيمن قال إني رسول قسمان: إما مصدق وإما غير مصدق والمقصود هنا: أنّ الناس [في من] 1 قال: [إني] 2 رسول: قسمان: إمّا مصدّق، وإمّا غير مصدّق. فمن ليس بمصدق: لا يمكنه أن يأتي بمثل آيات الأنبياء؛ سواء قال: إنّه كاذب، أو توقّف في التصديق والتكذيب. وكذلك المؤمنون؛ أتباع الأنبياء: إذا أتوا بآية، كانت دليلاً على نبوّة النبيّ الذي اتبعوه، فلا يمكن من لا يصدّق النبي أن يعارضهم. ومتى عارضهم، لم يكن من آيات الأنبياء. ولهذا كان أبو مسلم، لمّا قال له الأسود العنسي: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمّداً رسول؟ قال: نعم. فألقاه في النار، فصارت عليه برداً وسلاماً.3
فكرامات الصالحين هي مستلزمة لصدقهم في قولهم: إنّ محمّداً رسولٌ، ولثبوت نبوته.
فهي من جملة آيات الأنبياء.
وآياتهم4، وما خصهم الله به، لا يكون لغير الأنبياء.5
وإذا قال القائل: معجزات الأنبياء، وآياتهم، وما خصّهم الله به: فهذا كلامٌ مجملٌ؛ فإنّه لا ريب أنّ الله خصّ الأنبياء بخصائص، لا توجد لغيرهم.

بعض الآيات التي يختص بها كل نبي عن غيره من الأنبياء ولا ريب أنّ من آياتهم، ما لا يقدر أن يأتي به غير الأنبياء.
بل النبيّ الواحد له آيات، لم يأت بها غيره من الأنبياء؛ كالعصا، واليد لموسى [عليه السلام]، وفرق البحر؛ فإنّ هذا لم يكن لغير موسى1؛ وكانشقاق القمر، والقرآن، وتفجير الماء من بين الأصابع، وغير ذلك2من الآيات التي لم تكن لغير محمّد [عليه الصلاة والسلام] من الأنبياء؛ وكالناقة التي لصالح [عليه السلام]؛ فإنّ تلك الآية لم تكن مثلها لغيره؛ وهو خروج ناقة من الأرض.3
بعض الآيات التي اشترك فيها كثير من الأنبياء بخلاف إحياء الموتى: فإنّه اشترك فيه [كثيرٌ] 4 من الأنبياء، بل ومن الصالحين.5

وملك سليمان [عليه السلام]، لم يكن لغيره؛ كما قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لي وَهَبْ لي مُلْكَاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ 1؛ فطاعة الجن والطير، وتسخير الريح تحمله من مكان إلى مكان؛ له، ولمن معه.
[لم] 2 يكن مثل هذه الآية لغير سليمان.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: " ما من نبيّ من الأنبياء، إلا وقد أُوتي من الآيات ما أمن على مثله البشر، وإنّما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة"3.
وهو من حين أتى بالقرآن، وهو بمكة يقرأ على الناس: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً﴾ 4.

فقد ظهر أنّ من آيات الأنبياء ما يختصّ به النبيّ، ومنها [ما] 1 يأتي به عددٌ من الأنبياء، ومنها ما يشترك فيه الأنبياء كلّهم ويختصّون به؛ وهو الإخبار عن الله بغيبه الذي لا يعلمه إلا الله؛ قال: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدَاً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِم وَأَحْصَى كُل شَيْءٍ عَدَدَاً﴾ 2.
لكن ما يظهر على المؤمنين بهم من الآيات؛ بسبب الإيمان بهم: فيه قولان: كرامات الأولياء: هل هي من آيات الأنبياء أم لا فيه قولان: قال طائفة3: ليس ذلك من آياتهم.
وهذا قول من يقول: من شرط المعجزة أن [يقارن] 4 دعوى النبوة، لا يتقدّم عليها، ولا يتأخّر عنها؛ كما قاله هؤلاء5الذين يجعلون خاصّة المعجزة: التحدّي بالمثل، وعدم المعارضة، ولا يكون إلا مع الدعوى، كما تقدم.
وهو قولٌ قد عرف فساده من وجوه.
والقول الثاني: وهو القول الصحيح: أنّ آيات الأولياء هي من جملة آيات الأنبياء6؛ فإنّها مستلزمة لنبوّتهم، ولصدق الخبر بنبوّتهم؛ فإنه لولا

ذلك، لما كان هؤلاء أولياء، ولم [يكن] 1 لهم كرامات.
لكن يحتاج أن يفرق بين كرامات الأولياء، وبين خوارق السحرة والكهّان، وما يكون للكفّار، والفسّاق، وأهل الضلال والغي بإعانة الشياطين لهم؛ كما يُفرّق بين ذلك، وبين آيات الأنبياء.
والفروق بين ذلك كثيرة، كما قد بُسِط في غير هذا الموضع.2

فصل فقد تبيّن أن من آيات الأنبياء ما يظهر مثله على أتباعهم، ويكون ما يظهر على أتباعهم: من آياتهم؛ فإنّ ذلك مختصّ بمن يشهد بنبوتهم؛ فهو مستلزم له: لا [تكون] 1 تلك الآيات إلاّ لمن أخبر بنبوتهم، [وإذا لم يخبر بنبوتهم] 2، لم تكن له تلك الآيات.
وهذا حد الدليل؛ وهو: أن يكون مستلزماً للمدلول عليه؛ فإذا وُجد الدليل، وجد المدلول عليه، وإذا عُدم المدلول عليه، عُدِم الدليل.
ولهذا من السلف من يأتي بالآيات دلالة على صحة الإسلام، وصدق الرسول3؛ كما ذُكِر أنّ خالد بن الوليد شرب السم لما طُلب منه آية، ولم يضرّه.4

فصول الكتاب · 49 فصل · 1103 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النبوات لابن تيمية · 1103 صفحة
مقدمة...المطلب الأول: حقيقة النبوة...المطلب الثاني: الحكمة من بعث الرسل.المطلب الثالث: وظائف الرسل.المطلب الرابع: أقوال الناس في النبوةالمطلب الخامس: الإيمان بالأنبياء من أركان الإيمانالمطلب السادس: الإسلام دين جميع الأنبياءالمطلب السابع: المعجزاتالمطلب الثامن: ما أُلِّف في النبوات:المبحث الثاني: التعريف بالمؤلِّف.المطلب الأول: حياة المؤلف الشخصيةالمطلب الثاني: حياة المؤلف العلمية.المطلب الأول: التعريف بالكتاب...المطلب الثاني: التعريف بالأصل المخطوطفصل في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم...
فصل كل ما يدل علىالنبوة آية وبرهان عليها
فصل] 1 من آيات الأنبياء: نصرهم على قومهم.فصل في آيات الأنبياء وبراهينهم
فصل في أن الرسول لا بُدّ أن يبيّن أصول الدين
فصل1في تمام القول في محبّة الله
فصل1مناقشة من ينفي المحبة والحكمة والإرادةفصل عدل الله وحكمته وتعليل أفعالهفصل طريقة الأشاعرة في إثبات المعجزات
فصل تعريف المعجزة عند الأشاعرة
فصل قول الأشاعرة في المعجزاتفصل كلام الباقلاني في المعجزات ومناقشة شيخ الإسلام لهفصلٌ3قول الباقلاني: لايدل على صدق النبي إلا المعجزات ولو لم تدل للزم عجز القديم..فصل الفروق بين آيات الأنبياء وغيرها
فصل ما يخالف الكتاب والسنة فهو باطل
فصل أصول الدين...
فصل الحجة على من أنكر قدرة الله وحكمته...فصل الدليل هو الآية والبرهانفصل الدليل ينقسم إلى قسمينفصل القسم الثاني الدلالة القصديةفصل الدليل مستلزم للمدلولفصل الله سبحانه دل عباده بالدلالة العيانية والدلالات المسموعةفصل آيات الأنبياء دليل وبرهانفصل الله تعالى سماها آيات وبراهين ولم يسمها معجزات...فصل خوارق الكهان والسحرة ليست من خوارق العادات وإنما من العجائب الغريبة...فصل الذين سموا آيات الأنبياء خوارق لا بدّ أن يخصوا ذلك بالأنبياء دون غيرهم..فصل مسمى العادةفصل اشتقاق كلمة النبي...فصل دلالة المعجزة على نبوة النبيفصل سنة الله وعادته في الكذاب أن ينتقم منه ويظهر كذبهفصل الاستدلال بالحكمةفصل حكمة الله وعدله في إرسال الرسلفصل الاستدلال بسنة الله وعادته في معرفة النبي الصادق من المتنبئ الكاذبفصل آيات الأنبياء يلزم من وجودها وجود الأنبياء
فصل خوارق السحرة والكهان مناقضة للنبوة ولا تخرج عن مقدور الجن والإنس
جارٍ التحميل