آيات الأنبياء لا يقدر على مثلها الجن والإنس ولهذا لم يكن مثل هذا آية لنبيّ، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده في الماء، فينبع الماء من بين أصابعه.1
وهذا لا يقدر عليه؛ لا إنس، ولا جنّ.
وكذلك الطعام القليل يصير كثيراً2، وهذا لا يقدر عليه؛ لا الجنّ، ولا الإنس.
ولم يأت [النبيّ] 3 [صلى الله عليه وسلم] 4 قطّ بطعامٍ من الغيب، ولا شرابٍ5، وإنما كان هذا قد يحصل لبعض أصحابه؛ كما أتى خبيب بن عدي6وهو أسير بمكة بقطف من عنب.7
وهذا الجنس ليس من خصائص الأنبياء. ومريم عليها السلام لم تكن نبيّة، وكانت تؤتى [بطعام.8
فإنّ هذا قد يكون
من حلالٍ، فيكون كرامة؛ يأتي] 1 به إمّا مَلَك، وإمّا جنّي مسلم.
وقد يكون حراماً.
فليس كلّ ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامةً للصالحين.
ليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين وهؤلاء2يُسوّون بين هذا وهذا، ويقولون: الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل.3
وهذا غلط فإن آيات الأنبياء [عليهم السلام] 4 التي دلّت على نبوّتهم، هي أعلى ممّا يشتركون فيه، هم وأتباعهم؛ مثل الإتيان بالقرآن؛ ومثل الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين، وأممهم، والإخبار بما يكون يوم القيامة، وأشراط الساعة؛ ومثل إخراج الناقة من الأرض5؛ ومثل قلب العصا حية6، وشقّ البحر7؛ ومثل أن [يخلق] 8 من الطين
كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله.1
وتسخير الجنّ لسليمان2لم يكن مثله لغيره. لكن من الجن المؤمنين من يعاون المؤمنين، ومن الجن الفساق، والكفار من يعاون الفساق؛ كما يُعاون الإنس بعضهم بعضاً.3
فأمّا طاعة مثل طاعة سليمان، فهذا لم يكن لغير سليمان [عليه السلام] 4.
رسولنا صلى الله عليه وسلم أعطي أفضل مما أعطي سليمان صلى الله عليه وسلم ومحمد صلى الله عليه وسلم أُعطي أفضل ممّا أُعطي سليمان [عليه السلام] 5؛ فإنّه أُرسل إلى الجنّ، وأُمروا أن يؤمنوا به، ويطيعوه6؛ فهو يدعوهم إلى عبادة الله، وطاعته، لا يأمرهم بخدمته، وقضاء حوائجه؛ كما كان سليمان يأمرهم، ولا يقهرهم باليد؛ كما كان سليمان يقهرهم، بل [يفعل] 7 فيهم كما [يفعل] 8 في الإنس، فيجاهدهم الجن والمؤمنون، ويقيمون الحدود على منافقيهم، فيتصرف فيهم تصرّف العبد الرسول، لا تصرّف النبي
الملِك1؛ كما كان سليمان يتصرف فيهم. أنواع استخدام الجن. والصالحون من أمته، المتّبعون له يتّبعونه فيما كان يأمر به الإنس والجنّ. وآخرون دون هؤلاء قد يستخدمون بعض الجنّ في مباحات؛ كما قد يستخدمون بعض الإنس. وقد يكون ذلك مما ينقص دينهم، لا سيما إن كان بسببٍ غير مباح. وآخرون شرّ من هؤلاء يستخدمون الجنّ في أمور محرمة؛ من الظلم، والفواحش، فيقتلون نفوساً بغير حق، ويُعينونهم على ما يطلبونه من الفاحشة، كما يُحضرون لهم امرأة أو صبياً، أو يجذبونه إليه. وآخرون يستخدمونهم في الكفر. فهذه الأمور ليست من كرامات الصالحين.2
سبب كرامات الأولياء.. فإنّ كرامات الصالحين هو ما كان سببه الإيمان، والتقوى، لا ما كان سببه الكفر، والفسوق، والعصيان.
وأيضاً فالصالحون سابقوهم، لا يستخدمونهم إلا في طاعة الله ورسوله.
ومن هو دون هؤلاء لا يستخدمهم إلا في مباح.
وأمّا استخدامهم في المحرمات فهو حرام، وإن كانوا إنّما خدموه لطاعته لله؛ كما لو خدم الإنس رجلاً صالحاً لطاعته لله، ثم استخدمهم فيما لا يجوز.
فهذا بمنزلة من أنعم عليه بطاعته نعمة، [فصرفها] 3 إلى معصية الله، فهو آثمٌ بذلك.
وكثيرٌ من هؤلاء يسلب تلك النعمة، ثم قد يسلب الطاعة؛ فيصير فاسقاً. ومنهم من يرتدّ عن دين الإسلام. فطاعة الجنّ للإنسان ليست أعظم من طاعة الإنس، بل الإنس أجلّ، وأعظم، وأفضل، وطاعتهم أنفع. وإذا كان المطاع من الإنس قد يطاع في طاعة الله، فيكون محموداً مثاباً، وقد يُطاع في معصية الله، فيكون مذموماً آثماً.1
فكذلك المطاع من الجنّ الذي يُطيعه الناس. والمطاع من الإنس قد يكون مطاعاً لصلاحه، ودينه. وقد يكون مطاعاً لملكه، وقوته. وقد يكون مطاعاً [لنفعه] 2 لمن يخدمه بالمعاوضة. فكذلك المطاع من الجن؛ قد يُطاع لصلاحه ودينه، وقد يُطاع لقوّة وملكٍ محمودٍ أو مذمومٍ. ثمّ المَلِك إذا سار بالعدل حُمِد، وإن سار بالظلم، فعاقبته مذمومة، وقد يهلكه أعوانه؛ فكذلك المطاع من الجن، إذا ظلمهم، أو ظلم الإنس بهم، أو بغيرهم، كانت عاقبته مذمومة. وقد [تقتله] 3 الجنّ، أو تُسلّط عليه من الإنس من يقتله. وكلّ هذا واقعٌ نعرف من ذلك من الوقائع ما يطول وصفه، كما [نعرف] 4 من ذلك من وقائع الإنس ما يطول وصفه.5
وليس آيات الأنبياء في شيءٍ من هذا الجنس.
سبب الإسراء والمقصد منه ونبيّنا صلى الله عليه وسلم لمّا أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، إنما أُسري به ليرى من آيات ربه الكبرى.
وهذا هو الذي كان من خصائصه: أنّ مسراه كان هذا؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّة المَأْوَى﴾ 1، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ 2؛ قال ابن عباس: هي رؤيا عين3أُريها رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به.1
فهذا الذي كان من خصائصه، ومن أعلام نبوّته. وأمّا مجرّد قطع تلك المسافة، فهذا يكون لمن [يحمله] 2 الجنّ. وقد قال العفريت لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ 3. وحمل [العرش من] 4 القصر من اليمن إلى الشام أبلغ من ذلك.5
و ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ 6؛ فهذا أبلغ من قطع المسافة التي بين المسجدين في ليلة.
ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضل من الذي عنده علمٌ من الكتاب، ومن سليمان؛ فكان الذي خصّه الله به أفضل من ذلك؛ وهو أنه أسرى به في ليلةٍ ليُرِيَه من آياته؛ فالخاصّة أن الإسراء كان ليريه من آياته الكبرى؛ كما ﴿رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّة المَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ 7
فهذا ما حصل مثله؛ لا لسليمان، ولا لغيره.
والجنّ وإن قدروا على حمل بعض الناس في الهواء، فلا يقدرون على إصعاده إلى السماء، و [إراءته] 1 آيات ربه الكبرى؛ فكان ما آتاه الله [محمداً] 2 خارجاً عن قدرة الجنّ والإنس، وإنّما كان الذي صحبه في معراجه جبريل الذي اصطفاه الله لرسالته، و ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ﴾ 3.
وكان المقصود من الإسراء أن يريه ما رآه من آياته الكبرى، ثم يخبر به النّاس، فلمّا أخبر به كذَّب به من كذّب من المشركين، وصدّق به الصدّيقُ وأمثاله4من المؤمنين، فكان ذلك ابتلاءً ومحنةً للنّاس؛ كما قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ 5؛ أي محنة وابتلاء للناس؛ ليتميّز المؤمن عن الكافر، وكان فيما أخبرهم به أنّه رأى الجنَّة والنَّار، وهذا ممّا يُخوّفهم به؛ قال تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانَاً كَبِيرَاً﴾ 6.
والرسول لما أخبرهم بما رآه كذّبوه في نفس الإسراء، وأنكروا أن يكون أُسري به إلى المسجد الأقصى، فلما سألوه عن صفته، فوصفه لهم، وقد علموا أنّه لم يره قبل ذلك، وصدّقه من رآه منهم، كان ذلك دليلاً
على صدقه في المسرى، فلم يُمكنهم مع ذلك تكذيبه فيما لم يروه، وأخبر الله تعالى بالمسرى إلى المسجد الأقصى؛ لأنهم قد علموا صدقه في ذلك، بما أخبرهم به من علاماته، فلا يمكنهم تكذيبه في ذلك.
وذكر أنّه رأى من آيات ربه الكبرى، ولم يُعيّن [ما] 1 رآه؛ [وهو] 2 جبريل الذي رآه في صورته التي خُلِق عليها مرتين3؛ لأنّ رؤية جبريل هي من تمام نبوته، وممّا يُبيّن أنّ الذي أتاه بالقرآن مَلَكٌ، لا شيطان؛ كما قال في سورة: "إذا الشمس كورت": ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين﴾، [ثم قال] 4: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ [بِضَنِين] 5 وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ 6.