النبوات لابن تيميةفصل] 1 من آيات الأنبياء: نصرهم على قومهم.

فصل] 1 من آيات الأنبياء: نصرهم على قومهم.

وهذا من وجهين: ومن آياته: نصر الرسل على قومهم. وهذا على وجهين: الوجه الأول بإهلاك الأمم وإنجاء الرسل وأتباعهم تارةً: يكون بإهلاك الأمم، وإنجاء الرسل وأتباعهم؛كقوم نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى. ولهذا يقرن الله بين هذه القصص في سورة الأعراف، وهود، والشعراء، ولا يذكر معها قصة إبراهيم.2
وإنّما ذكر قصة إبراهيم في سورة الأنبياء3، ومريم4، والعنكبوت5، والصافات6؛ فإنّ هذه السور لم يقتصر فيها على ذكر من أهلك من الأمم.

بل في سورة الأنبياء كان المقصود ذكر الأنبياء، ولهذا سميت سورة الأنبياء؛ فذكر فيها إكرامه للأنبياء، وإن لم يذكر قومهم؛ كما ذكر قصة داود، وسليمان1، وأيوب2، وذكر آخر الكلّ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ 3، وبدأ فيها بقصة إبراهيم4؛ إذ كان المقصود ذكر إكرامه للأنبياء قبل محمّد وإبراهيم؛ أكرمهم على الله تعالى، وهو خير البرية، وهو [أبو] 5 أكثرهم، إذ ليس هو [أبا] 6 نوحٍ ولوط، لكن لوط من أتباعه7، وأيوب من ذريته؛ بدليل قوله في سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ 8.
وأمّا سورة مريم: فذكر الله تعالى فيها إنعامه على الأنبياء المذكورين فيها؛ فذكر فيها رحمته زكريا، وهبته يحيى9، وأنه ورث نبوته، وغيرها

من علم آل يعقوب، وأنه آتاه الحكم صبيّاً1؛ وذكر بدء خلق عيسى، وما أعطاه الله تعالى من تعليم الكتاب؛ وهو التوراة، والنبوّة، وأنّ الله تعالى جعله مباركاً أينما كان، وغير ذلك2؛ وذكر قصة إبراهيم، وحسن خطابه لأبيه، وأنّ الله تعالى وهبه إسحاق ويعقوب نبيّين، ووهبه من رحمته، وجعل له لسان صدق علياً3؛ ثم ذكر موسى، وأنّه خصّصه الله تعالى بالتقريب والتكليم، [ووهبه] 4 أخاه، وغير ذلك5؛ وذكر إسماعيل، وأنّه كان صادق الوعد6وكأنّه والله أعلم من ذلك أو أعظمه صَدَقَهُ فيما وَعَدَ به أباه من صبره عند الذبح، فوفى بذلك7؛ وذكر إدريس، وأنّ الله تعالى رفعه مكانا عليّاً.8
ثمّ قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم﴾ 9.

وأما سورة العنكبوت: فإنّه ذكر فيها امتحانه للمؤمنين، ونصره لهم، وحاجتهم إلى الصبر والجهاد، وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر، وعاقبة من كذب الرسل؛ فذكر قصة إبراهيم لأنّها من النمط الأول، ونصرة الله له على قومه.1
وكذلك سورة الصافات قال فيها: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ 2.
وهذا يقتضي أنّها عاقبة رديئة؛ إمّا بكونهم غُلبوا وذلّوا، وإما بكونهم أُهلكوا.
ولهذا ذكر فيها قصة إلياس، ولم يذكرها في غيرها، ولم يذكر هلاك قومه، بل قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ 3.
وإلياس قد رُوِيَ أنّ الله تعالى رفعه4، وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة؛ فإنّ إلياس لم

يقم فيهم، وإلياس المعروف بعد موسى1من بني إسرائيل، وبعد موسى لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال.
وبعد نوح2لم يهلك جميع النوع.
وقد بعث في كلّ أمة نذيراً، والله تعالى لم يذكر قطّ عن قوم إبراهيم3أنهم أهلكوا، كما ذكر ذلك عن غيرهم، بل ذكر أنّهم ألقوه في النار، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأرادوا به كيداً، فجعلهم الله الأسفلين الأخسرين.
وفي هذا: الوجه الثاني إظهار برهان النبي بالحجة والعلم والقدرة ظهور برهانه، وآيته، وأنه أظهره عليهم بالحجة والعلم، وأظهره أيضاً [بالقدرة] 4؛ حيث أذلهم ونصره.
[وهذا من جنس المجاهد الذي هزم عدوه، وتلك من جنس المجاهد الذي قتل عدوه] 5.
وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم، بل هاجر وتركهم.
وأولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين ظهراني قومهم حتى هلكوا، فلم يوجد في حق قوم إبراهيم سبب الهلاك؛ وهو إقامته فيهم، وانتظار العذاب النازل.
وهكذا محمد مع قومه لم يقم فيهم، بل خرج عنهم، حتى أظهره الله تعالى عليهم بعد ذلك.
الخليلان هما أفضل الرسل ومحمد وإبراهيم أفضل الرسل فإنّهم إذا علموا [الدعوة] 6 حصل المقصود.

وقد يتوب منهم1من يتوب بعد ذلك؛ كما تاب من قريش من تاب.
وأما حال إبراهيم2: فكانت إلى الرحمة أميل، فلم يَسْعَ في هلاك قومه، لا بالدعاء، ولا بالمقام، ودوام إقامة الحجة عليهم.
وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ 3.
وكان كل قوم يطلبون هلاك نبيهم [فعوقبوا] 4.
وقوم إبراهيم أوصلوه إلى العذاب، لكن جعله الله [تعالى] 5 عليه برداً وسلاماً، ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب؛ إذ الدنيا ليست دار الجزاء التام، وإنّما فيها من الجزاء ما [تحصل] 6 به الحكمة والمصلحة؛ كما في العقوبات الشرعية.
فمن أراد أعداؤه من أتباع الأنبياء أن يهلكوه فعصمه الله7، وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه، ولم يهلك أعداءه، بل أخزاهم، ونصره؛ فهو أشبه بإبراهيم.8

وإذا عصمه من كيدهم، وأظهره حتى صارت الحرب بينه وبينهم سجالاً، ثم كانت العاقبة له، فهو أشبه بحال محمّد [صلى الله عليه وسلم] 1؛ فإنّ محمداً سيّد الجميع2، وهو خليل الله3؛ كما أن إبراهيم خليله.
والخليلان4: هما أفضل الجميع، وفي طريقتهما من الرأفة والرحمة، ما ليس في طريقة غيرهما.
حكمة الرب تعالى في عقوبته لكل قوم بما يناسبهم ولم يذكر الله عن قوم إبراهيم ديناً غير الشرك، وكذلك عن قوم نوح.
وأمّا عاد: فذكر عنهم التجبّر، وعمارة الدنيا.

وقوم صالح1: ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الدين، لم يذكر عنهم من التجبر ما ذكر عن عاد، وإنّما أهلكهم لما عقروا الناقة. وأمّا أهل مدين: فذكر عنهم الظلم في الأموال، مع الشرك؛ ﴿قَالُوا يَا شُعَيبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ 2. وقوم لوط ذكر عنهم استحلال الفاحشة، ولم يذكروا بالتوحيد، بخلاف سائر الأمم. وهذا يدلّ على أنّهم لم يكونوا مشركين، وإنما ذنبهم استحلال الفاحشة، وتوابع ذلك. وكانت عقوبتهم أشد؛ إذ ليس في ذلك تديّن، بل شر يعلمون أنه شرّ.3
وهذه الأمور تدلّ على حكمة الربّ، وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم؛ فإنّ قوم نوحٍ أَغرقهم إذ لم يكن فيهم خيرٌ يُرجى.

جارٍ التحميل