المنام، وليس [في] 1 كلام أرسطو وأتباعه كلام في النبوة2، والفارابي جعلها من جنس المنامات فقطّ، ولهذا يُفضل هو وأمثاله الفيلسوف على النبيّ.3
ابن سينا جعل للنبي ثلاث خصائص وابن سينا عظّمها أكثر من ذلك4؛ فجعل للنبي [ثلاث] 5 خصائص6:
أحدها: أن ينال العلم بلا تعلّم، ويسميها القوة القدسية؛ وهي القوة الحدسية عنده.
والثاني: أن يتخيّل في نفسه ما يعلمه؛ فيرى في نفسه صوراً نورانية، ويسمع في نفسه أصواتاً؛ كما يرى النائم في نومه صوراً تكلّمه، ويسمع كلامهم، وذلك موجود في نفسه لا في الخارج.
فهكذا عند هؤلاء جميع ما يختص به النبي مما يراه ويسمعه دون الحاضرين، إنّما يراه في نفسه ويسمعه في نفسه، وكذلك الممرور1عندهم.2
والثالث: أن يكون له قوّة يتصرّف بها في هيولي العالم، بإحداث أمور غريبة؛ وهي عندهم آيات الأنبياء، وعندهم ليس في العالم حادثٌ إلا عن قوّة نفسانية، أو ملكية، أو طبعية؛ كالنفس الفلكية3،
والإنسانية1، والأشكال الفلكية2، والطبائع3التي للعناصر الأربعة، والمولّدات4، لا يُقرّون بأنّ فوق الفلك
[نفسِهِ] 1 شيءٌ يفعل، ولا يحدث شيئاً، فلا يتكلم، ولا يتحرك بوجهٍ من الوجوه؛ لا ملَك ولا غير ملَك، فضلاً عن رب العالم.
والعقول التي يثبتونها2عندهم ليس فيها تحوّل من حال إلى حال البتة؛ لا بإرادة، ولا قول، ولا عمل، ولا غير ذلك. وكذلك المبدأ الأول.3
النبوة عند الفلاسفة وهؤلاء عندهم جميع ما يحصل في نفوس [الأنبياء] 4، إنّما هو من فيض العقل الفعّال.5
ثمّ إنّهم لمّا سمعوا كلام الأنبياء، أرادوا الجمع بينه، وبين أقوالهم؛ فصاروا يأخذون ألفاظ الأنبياء، فيضعونها على معانيهم، ويسمّون تلك المعاني بتلك الألفاظ المنقولة عن الأنبياء، ثم يتكلّمون ويصفون الكتب بتلك الألفاظ المأخوذة عن الأنبياء؛ فيظنّ من لم يعرف مراد الأنبياء ومرادهم أنّهم عنوا بها ما عنته الأنبياء.
وضل بذلك طوائف.
وهذا موجود في كلام ابن سينا1، ومن أخذ عنه.
الغزالي ربما حذّر عن مذهب الفلاسفة وأخذ بأقوالهم وقد ذكر الغزالي ذلك عنهم تعريفاً بمذهبهم، وربّما حذّر عنه2، ووقع في كلامه طائفة من هذا في الكتب المضنون بها على غير أهلها3، وفي غير ذلك4؛ حتى في كتابه الإحياء5؛ يقول: الملك، والملكوت،
والجبروت؛ ومقصوده: الجسم، والنفس، والعقل الذي [أثبتته] 1 الفلاسفة2، ويذكر اللوح المحفوظ؛ ومراده به: النفس الفلكية، إلى غير ذلك مما قد بُسط في غير هذا الموضع.3
وهو في التهافت4وغيره: يكفّرهم، وفي المضنون به5: يذكر ما هو حقيقة مذهبهم؛ حتى يذكر في النبوات عين ما قالوه6، وكذلك في الإلهيات.
وهذه الصفات الثلاث التي جعلوها خاصة الأنبياء، توجد لعموم الناس، بل توجد لكثير من الكفار؛ من المشركين، وأهل الكتاب؛ فإنّه قد
يكون لأحدهم من العلم والعبادة، ما يتميز به على غيره من الكفار، ويحصل له بذلك حدس وفراسة يكون أفضل من غيره.
وأما التخييل في نفسه: فهذا حاصل لجميع الناس الذين يرون في مناماتهم ما يرون، لكن هو يقول: إن خاصة النبي أن يحصل له في اليقظة ما حصل لغيره في المنام.
وهذا موجودٌ لكثيرٍ من الناس؛ قد يحصل له في اليقظة ما يحصل لغيره في المنام.
ويكفيك أنّهم جعلوا مثل هذا يحصل للممرور، وللساحر، ولكن: قالوا: الساحر قصده فاسد، والممرور ناقص العقل، فجعلوا ما يحصل للأنبياء، من جنس ما يحصل للمجانين والسحرة.
وهذا قول الكفّار في الأنبياء؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون﴾ 1.
الفرق بين الرسول والساحر عند الفلاسفة وهؤلاء عندهم ما يحصل للنبي من المكاشفة2والخطاب، هو من جنس ما يحصل للساحر والمجنون، لكن الفرق بينه وبين الساحر: أنّه يأمر بالخير، وذاك يأمر بالشرّ3، والمجنون ما له عقل.
وهذا القدر الذي فرّقوا به موجودٌ في عامّة النّاس، فلم يكن عندهم للأنبياء مزية على السحرة والمجانين، إلاَّ ما يشاركهم فيه عموم المؤمنين.
القوة الفعالة عند الفلاسفة تحصل للساحر وكذلك ما أثبتوه من القوّة الفعّالة المتصرّفة: هي عندهم تحصل للساحر، وغيره؛ وذلك أنّهم لا يعرفون الجن والشياطين، وقد أخبروا بأمور عجيبة في العالم، فأحالوا ذلك على قوة نفس الإنسان، فما يأتي به الأنبياء من الآيات والسحرة والكهان، وما يخبر به المصروع والممرور: هو عندهم كله من قوة نفس الإنسان؛ فالخبر بالغيب: هو لاتصالها بالنفس الفلكية؛ ويسمونها اللوح المحفوظ.1
والتصرّف: هو بالقوة النفسانية.
وهذا حذق ابن سينا وتصرفه، لمّا أخبر بأمور في العالم غريبة، لم يمكنه التكذيب بها؛ فأراد إخراجها على أصولهم، وصرّح بذلك في إشاراته، وقال: هذه الأمور لم نثبتها ابتداءً، بل لمّا تحققنا أن في العالم أموراً من هذا الجنس، أردنا أن نبيّن أسبابها.
أرسطو وأتباعه لم يعرفوا الأنبياء وآياتهم ولكن السحر موجود فيهم وأما [أرسطو] 2 وأتباعه: فلم يعرفوا هذه الأمور الغريبة، ولم يتكلموا عليها ولا على آيات الأنبياء، ولكن كان السحر موجوداً فيهم.
وهؤلاء من أبعد الأمم عن العلوم الكلية، والإلهية؛ فإنّ حدوث هذه الغرائب من الجن، واقترانهم بالسحرة والكهان، مما قد عرفه عامة الأمم، وذكروه في كتبهم، غير العرب؛ مثل الهند، والترك، وغيرهم؛ من المشركين، وعباد الأصنام، وأصحاب الطلاسم والعزائم، وعرفوا أنّ كثيراً من هذه الخوارق هو من الجن والشياطين.
وهؤلاء الجهال لم يعرفوا ذلك، ولهذا كان من
أصلهم أن النبوة مكتسبة، وكان السهروردي المقتول يطلب أن يكون نبياً، وكذلك ابن سبعين، وغيره.1
النبوة الحق والنبوة الحق: هي [إنباء] 2 الله لعبده، ونبي الله: مَنْ كان الله هو الذي ينبئه، ووحيه من الله، وهؤلاء3وحيهم من الشياطين؛ فهم من جنس المتنبئين الكذابين؛ كمسيلمة الكذاب، وأمثاله.
بل أولئك4أحذق منهم؛ فإنّهم كانت تأتيهم أرواح، فتكلمهم وتخبرهم بأمور غائبة، وهي موجودة في الخارج لا في أنفسهم، وهؤلاء لا يعرفون مثل هذا.
وقائع دخول الجن في الإنس أكثر من أن تحصى ووجود الجن والشياطين في الخارج وسماع كلامهم أكثر من أن يمكن سطر عُشْرِهِ هنا، وكذلك صرعهم للإنس، وتكلمهم على ألسنتهم.
والفرق بين النبيّ [و] 1 الساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار.
والنبي يأتيه ملَك كريم من عند الله ينبئه الله، والساحر والكاهن إنّما معه شيطان يأمره ويخبره؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُون﴾ 2؛ فلا الخبر كالخبر، ولا الأمر كالأمر، ولا مُخْبِر هذا كمخبر هذا، ولا آمر هذا كآمر هذا؛ كما أنّه ليس هذا مثل هذا؛ ولهذا قال تعالى لما ذكر الذي جاء بالقرآن إلى محمّد وأنه ملَك منفصل، ليس خيالاً في نفسه، كما يقوله هؤلاء؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِين وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ 3؛ فالقرآن قول رسولٍ أرسله الله، لم يرسله الشيطان؛ وهو ملَك كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين؛ فهو مطاع عند ذي العرش في [الملأ] 4 الأعلى.
أصح الأقوال في جنة آدم صلى الله عليه وسلم والشياطين لا يطاعون في السموات، بل ولا يصعدون إليها، وإبليس من حين أهبط منها لم يصعد إليها.
ولهذا كان أصحّ القولين1: أن جنة آدم جنّة التكليف، لم تكن في
السماء؛ فإنّ إبليس دخل إلى جنة التكليف؛ جنة آدم بعد [إهباطه] 1 من السماء، وقول الله له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنّكَ رَجِيم وَ [إِنَّ] 2 علَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين﴾ 3، وقوله تعالى: ﴿ [اخْرُجْ] 4 مِنْهَا [مَذْءُومَاً] 5 مَدْحُورَاً﴾ 6، لكن كانت في مكان عال في الأرض من ناحية [المشرق7] 8، ثمّ لما أكل
من الشجرة، أُهبط منها إلى الأرض؛ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع.1
لفظ الجنة في القرآن ولفظ الجنّة في غير موضع من القرآن: يُراد به بستان في الأرض؛ كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ﴾ 2، وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ
جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾، إلى قوله: ﴿كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئَاً﴾، إلى قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتَاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية2، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَة جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيل﴾ 3، وقوله: ﴿ [كَمْ] 4 تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الآية5، وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِيمَا هَهُنَا آمِنِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُون﴾ 6.
وجنّة الجزاء والثواب التي في السماء لم يدخلها الشيطان بعد أن أهبط من السماء، وهو أهبط من السماء لما امتنع من السجود لآدم، قبل أن يدخل آدم إلى جنّة التكليف التي وسوس له، وأخرجه منها.7
جنة الجزاء مخلوقة والرد على من أنكر ذلك وجنة الجزاء مخلوقة أيضاً.
وقد أنكر بعض أهل البدع1أن تكون مخلوقة، وقال: إنّ آدم لم يدخلها؛ لكونها لم تخلق بعد.
فأنكر ذلك عليه من أنكره من علماء السنة.
وقد ذكر أبو العالية، وغيره من السلف: أنّ الشجرة التي نُهي عنها آدم كان لها غائط، فلما أكل احتاج إلى الغائط2، وجنة الجزاء ليس فيها هذا.
لكن الله أعلم بصحة هذا النقل.
وإنما المقصود: أنّ بعض السلف كان يقول إنّها في السماء، وبعضهم يقول إنها في مكان عال من الأرض.
ولفظ الجنة في القرآن: قد ذُكر فيما شاء الله من المواضع، وأريد به جنة في الأرض.
وجنّة الجزاء مخصوصة بمماتهم؛ كقوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِين﴾ 3؛ فإنّ أرواح
المؤمنين تدخل الجنة من حين الموت؛ كما في هذه الآية: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِين﴾ 1، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ 2، وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتَاً بَلْ أَحْيَاء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ 3، وقال تعالى لما ذكر أحوال الموتى عند الموت: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِين وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّين فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم وَتَصْلِيَة جَحِيم﴾ 4.
وهذا غير ما ذكره في أول السورة من انقسامهم يوم القيامة الكبرى إلى سابقين، وأصحاب يمين، ومكذبين؛ فإنّه سبحانه ذكر في أول السورة انقسامهم في القيامة الكبرى5، وذكر في آخرها انقسامهم عند الموت؛ وهو القيامة الصغرى6؛ كما قال المغيرة بن شعبة: "من مات فقد قامت قيامته"7،
وكذلك قال علقمة1، وسعيد بن جبير عن ميت: أمّا هذا فقد قامت قيامته2؛ أي صار إلى الجنة أو النار.
وإن كان بعد هذا تعاد الروح إلى البدن، و [تقعد] 3 بقبره.
الإيمان بنعيم القبر وعذابه ومقصودهم: أنّ الشخص لا يستبطىء الثواب والعقاب؛ فهو إذا مات يكون في الجنة أو في النار4؛ قال تعالى عن قوم نوح: ﴿مِمَّا
[خَطَايَاهُمْ] 1 أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارَاً﴾ 2، وقال عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّاً وَعَشِيَاً وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَاب﴾ 3.
وبسط هذا له موضع آخر.4
ملاحدة الصوفية وكلامهم في النبوة والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فهؤلاء المتفلسفة ما قدروا النبوة حقّ قدرها، وقد ضلّ بهم طوائف من المتصوفة المدّعين للتحقيق وغيرهم، وابن عربي، وابن سبعين ضلوا بهم؛ فإنّهم اعتقدوا مذهبهم، وتصوّفوا عليه، ولهذا يقول ابن عربي: إنّ الأولياء أفضل من الأنبياء1، وإنّ الأنبياء وسائر الأولياء يأخذون عن خاتم الأنبياء علم التوحيد، وأنه هو يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول؛ فإنّ الملَك عنده هو الخيال الذي في [النفس] 2، وهو جبريل عندهم، وذلك الخيال تابعٌ للعقل؛ فالنبيّ عندهم يأخذ عن هذا الخيال ما يسمعه من الصوت في نفسه.
ولهذا يقولون: إنّ موسى كُلّم من سماء عقله، والصوت الذي سمعه كان في نفسه لا في الخارج، ويدّعي أحدهم أنّه أفضل من موسى، وكما ادّعى ابن عربيّ أنّه أفضل من محمّد؛ فإنّه يأخذ عن العقل الذي يأخذ منه الخيال، والخيال عنده هو الملك الذي يأخذ منه النبي، فلهذا قال: فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملَك الذي يوحى به إلى النبيّ، قال: فإن عرفت هذا فقد حصل لك العلم النافع.
وبسط الكلام على هؤلاء له مواضع أُخر.3
الفرق بين الرسول والنبي والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبىء بما أنبأ الله به؛ فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه؛ فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يُرسل هو إلى أحد [يبلغه] 1 عن الله رسالة؛ فهو نبي، وليس برسول؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ في أُمْنِيَّته﴾ 2، وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيّ﴾؛ فذكر إرسالاً يعمّ النوعين، وقد خص أحدهما بأنّه رسول؛ فإنّ هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله؛ كنوح.
وقد ثبت في الصحيح أنّه3أول رسول بُعث إلى أهل الأرض4،
وقد كان قبله أنبياء؛ كشيث1، وإدريس2عليهما السلام، وقبلهما آدم كان نبيّاً مكلّماً.3
قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح، عشرة قرون كلهم على الإسلام.4
أنبياء بني إسرائيل يحكمون بالتوراة فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم؛ لكونهم مؤمنين بهم؛ كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلّغه العلماء عن الرسول.
وكذلك أنبياء [بني] 1 إسرائيل2يأمرون بشريعة التوراة، وقد يُوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصّة معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالِم الذي يُفهِّمه الله في قضية معنى يطابق القرآن؛ كما فهَّم الله سليمان [حكم] 3 القضية التي حكم فيها هو وداود.4
الفرق بين الرسول والنبي فالأنبياء ينبئهم الله؛ فيُخبرهم بأمره، ونهيه، وخبره.
وهم يُنبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر، والأمر، والنهي.
فإن أُرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، ولا بُدّ أن يكذّب الرسلَ قومٌ؛ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون﴾ 1، وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ 2؛ فإنّ الرسل تُرسَل إلى مخالفين؛ فيكذّبهم بعضهم.
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحَى3إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوا أَفَلا [تَعْقِلُونَ] 4 حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنْجِي5مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِين﴾ 6.
وقال: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ 1.
فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ 2: دليلٌ على أن النبيّ مرسل، ولا يسمى رسولاً عند الإطلاق؛ لأنّه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنّه حقّ؛ كالعالِم، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء" 3.
ليس من شروط الرسول أن يأتي بشرع جديد وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنّ يوسف كان على ملة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة4؛
قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ في شَكّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ 1، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا
إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورَاً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمَاً﴾ 1. الإرسال اسم عام والإرسال: اسمٌ عامٌ يتناول إرسال الملائكة، وإرسال الرياح، وإرسال الشياطين، وإرسال النار؛ قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ 2، وقال تعالى: ﴿جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ﴾ 3؛ فهنا جعل الملائكة كلهم رسلاً. والملك في اللغة: هو حامل الألوكة؛ وهي الرسالة.4
وقد قال في موضع آخر: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس﴾ 5.
فهؤلاء الذين يرسلهم بالوحي؛ كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيَاً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ 6، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ [بُشْرَاً] 7 بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ 8، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ 9.
لكن الرسول المضاف إلى الله: إذا قيل: رسول الله، فُهِم مَنْ يأتي برسالة من الله؛ من الملائكة، والبشر؛ كما قال: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس﴾ 1، وقالت الملآئكة: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ 2.
وأما عموم الملائكة، والرياح، والجنّ: فإنّ إرسالها [لتفعل] 3 [فعلاً] 4، لا [لتبلغ] 5 رسالةً، قال تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمُ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحَاً وَجُنُودَاً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرَاً﴾ 6.
فرسل الله الذين يبلّغون عن الله أمره ونهيه: هي رسل الله عند الإطلاق.
وأما من أرسله الله ليفعل فعلاً بمشيئة الله وقدرته: فهذا عامٌ يتناول كلّ الخلق؛ كما أنهم كلّهم [يفعلون] 7 بمشيئته، وإذنه المتضمّن لمشيئته، لكنّ أهل الإيمان يفعلون بأمره، ما يحبه ويرضاه، ويعبدونه وحده، ويطيعون رسله، والشياطين يفعلون بأهوائهم، وهم عاصون لأمره، متبعون لما يسخطه، وإن كانوا يفعلون بمشيئته وقدرته.
وهذا كلفظ [البعث] 8: يتناول البعث الخاص؛ البعث الشرعي؛