النبوات لابن تيميةفصل في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم...

فصل في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم...

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين.
قال شيخ الإسلام تقي الدّين بن تيميّة - رحمه الله: فصل ((في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم)) ((كما سماها الله آيات وبراهين))... [فإنّ لهم1طرقاً] 2 في التمييز بينها وبين غيرها، وفي وجه دلالتها.
طرق النظار في التمييز بين المعجزة وغيرها أمّا الأول: فإنّ [منهم] 3 من رأى [أنّ] 4 [كلّ ما] 5 يخرج عن الأمر المعتاد، فإنه معجزة؛ وهو الخارق للعادة إذا اقترن بدعوى النبوة.
وقد علموا أنّ الدليل مستلزمٌ للمدلول، فيلزم أن يكون كلّ من خُرِقت له العادة نبيّاً.

خوارق السحرة والكهان، وبكرامات الصالحين.
وهذه طريقة أكثر المعتزلة1، وغيرهم؛ كأبي محمد بن حزم2، وغيره.3

من اشتهر عنهم إنكار المعجزات بل يُحكى هذا القول عن أبي إسحاق الاسفراييني1، وأبي محمد بن أبي زيد.2
ولكن كأنّ في الحكاية عنهما غلطاً3

وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين.1
وهؤلاء يقولون [إن] 2 ما جرى لمريم3، وعند مولد الرسول4[صلى الله عليه وسلم]؛

فهو إرهاصٌ1؛ أي توطئةٌ، وإعلامٌ بمجيء الرسول، فما خُرقت في الحقيقة إلاّ لنبيّ.
الرد على من أنكر الكرامات فيُقال لهم: وهكذا الأولياء، إنّما خُرقت لهم لمتابعتهم الرسول؛ فكما أنّ ما تقدّمه فهو من معجزاته، فكذلك ما تأخّر عنه.
وهؤلاء2يستثنون ما يكون أمام الساعة.
لكن هؤلاء كذّبوا بما تواتر من الخوارق لغير الأنبياء.
الرد على من أنكر الكرامات والمنازع لهم يقول: هي موجودةٌ مشهودةٌ لمن شهدها، متواترةٌ عند كثير من الناس، أعظم ممّا تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء.
وقد شهدها خلق كثير لم يشهدوا معجزات الأنبياء، فكيف يكذّبون بما شهدوه، ويصدّقون بما غاب عنهم، ويكذّبون بما تواتر عندهم أعظم مما تواتر غيره؟! قول الأشاعرة في الفرق بين المعجزة وغيرها وقالت طائفة3: بل كل هذا حقٌ، وخرق العادة جائزٌ مطلقاً، وكلّ ما

خُرق لنبيّ من العادات يجوز أن يُخرق لغيره من الصالحين، بل ومن السحرة والكهان. لكن الفرق أنّ هذه تقترن بها [دعوى] 1 النبوّة؛ وهو التحدّي.2
من أصول الأشاعرة وقد يقولون: إنّه لا يمكن أحداً أن يعارضها، بخلاف تلك.
وهذا قول من اتّبع جهماً3على أصله في أفعال الرب من الجهمية4، وغيرهم؛ حيث جوّزوا أن يفعل كلّ ممكن5؛ فلزمهم جواز خرق العادات مطلقاً على

يد كلّ أحد. واحتاجوا مع ذلك إلى الفرق بين النبي وغيره، فلم يأتوا بفرق معقول، بل قالوا: هذا يقترن به التحدي، فمن ادّعى النبوة وهو كاذب، لم يجز أن يخرق الله له العادة أو يخرقها له، ولا [تكون] 1 دليلاً على صدقه لما يقترن بها [من ما] 2 يناقض ذلك؛ فان هذين قولان لهم.3
الرد على الأشاعرة فقيل لهم: لِمَ أوجبتم هذا في هذا الموضع، دون غيره، وأنتم لا توجبون على الله شيئاً؟ فقالوا: لأنّ المعجزةَ علمُ الصدق؛ فيمتنع أن يكون لغير صادق.4
[فقلنا: المجموع] 5 هو الممتنع؛ وهو خارق العادة، ودعوى النبوة.
أو هذان مع السلامة عن المعارض.
فقيل لهم: ولم قلتم أنه علم الصدق على قولكم؟ فقالوا: إمّا لأنّه يُفضي منع ذلك إلى عجزه؛ وإمّا لأنّه علم دلالته على الصدق بالضرورة.
فقيل لهم: إنّما يلزم العجز، [أن] 6 لو كان التصديق على قولكم ممكناً.
وكون دلالتها معلومةٌ بالضرورة؛ هو مُسَلّم، لكنّه يُناقض أصولكم، ويُوجب أن يكون أحد الشيئين معلوماً بالضرورة، دون نظيره.
وهذا

ممتنع؛ فإنّكم تقولون: يجوز أن يخلق على يد مدّعي النبوة، والساحر، والصالح.
لكن إن ادّعى النبوّة، دلّت على صدقه، وإن لم يدّع النبوّة، لم يدل على شيء1، مع أنّه لا فرق عند الله بين أن يخلقها على يد مدّعي النبوّة، وغير مدّعي النبوة، بل كلاهما جائز فيه.
فإذا كان هذا مثل هذا: [لِمَ] 2 كان أحدهما دليلاً دون الآخر؟ ولِمَ اقترن العلم بأحد المتماثلين دون الآخر؟ ومن أين علمتم أنّ الرب لا يخرقها مع دعوى النبوة إلاّ على يد صادق، وأنتم تجوّزون على أصلكم كلّ فعل مقدور3، وخلقها على يد الكذاب مقدور؟!.
الأشاعرة لم يجعلوا بين المعجزات والكرامات فرقاً ثمّ هؤلاء4جوّزوا كرامات الصالحين، ولم يذكروا بين جنسها5وجنس كرامات الأنبياء فرقٌ، بل صرّح أئمتهم6[أنّ كلّ ما] 7 خُرق لنبيّ،

يجوز أن يخرق للأولياء؛ حتى معراج محمد1، وفرق البحر لموسى2، وناقة صالح3، وغير ذلك. ولم يذكروا بين المعجزة والسحر فرقاً معقولاً، بل قد يجوّزون أن يأتي الساحر بمثل ذلك.4
لكن بينهما فرق دعوى النبوة، وبين الصالح والساحر، والبر والفجور.
طريقة الفلاسفة في المعجزات وحذّاق5الفلاسفة الذين تكلموا في هذا الباب6؛ مثل ابن سينا7،

[و] 1 هو أفضل طائفتهم، [وهو] 2 أجهل من تكلم في هذا الباب فإنهم جعلوا ذلك كلّه من قوى النفس، لكنّ الفرق أنّ النبيّ والصالح نفسُه طاهرةٌ يقصد الخير، والساحر نفسُه خبيثةٌ.
وأما الفرق بين النبي والصالح فمتعذّرٌ على قول هؤلاء.
الرد على من فرق بين المعجزة والكرامة بفروق ضعيفة ومن الناس3من فرّق بين معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء بفروق ضعيفة؛ مثل قولهم: الكرامة يُخفيها صاحبها، أو الكرامة لا يُتحدّى بها.
ومن الكرامات ما أظهرها أصحابها؛ كإظهار العلاء بن الحضرمي4المشي

على الماء، وإظهار عمر مخاطبة سارية1على المنبر2، وإظهار أبي

مسلم1لما أُلقي في النار أنّها صارت عليه برداً وسلاماً.
وهذا بخلاف من يدخلها بالشياطين، فإنّه قد يُطفئها، إلاّ أنّها لا تصير عليه برداً وسلاماً.
وإطفاء النار مقدورٌ للإنس والجنّ.
ومنها: ما يتحدّى بها صاحبها أنّ دين الإسلام حقّ؛ كما فعل خالد ابن الوليد لما شرب السُّمَّ2؛ وكالغلام الذي أتى الراهب، وترك الساحر،

وأمر بقتل نفسه بسهمه باسم ربّه، وكان قبل ذلك قد خُرِقت له العادة فلم يتمكّنوا من قتله.1
ومثل هذا كثير.
مراتب الخوارق فيقال المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثمّ كرامات الصالحين، ثمّ خوارق الكفار والفجار؛ كالسحرة والكهان، وما يحصل لبعض المشركين، وأهل الكتاب، والضلاّل من المسلمين.
الكرامات سببها اتباع الأنبياء أمّا الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء؛ فإنّهم يقولون: نحن إنّما حصل لنا هذا باتّباع الأنبياء، ولو لم نتّبعهم لم يحصل لنا هذا.
فهؤلاء إذا قُدّر أنه جرى على يد أحدهم ما هو من جنس ما جرى للأنبياء؛ كما صارت النار برداً وسلاماً على أبي مسلم2، كما صارت على

إبراهيم1؛ وكما يكثّر الله الطعام والشراب لكثيرٍ من الصّالحين2؛ كما جرى في بعض المواطن للنبيّ 3، أو إحياء الله ميتاً لبعض الصالحين4كما أحياه للأنبياء.5
كرامات الأولياء معجزات للأنبياء فهذه الأمور6هي مؤكدة لآيات الأنبياء، وهي أيضاً من معجزاتهم بمنزلة ما تقدّمهم من الإرهاص.
ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحدٍ قطّ إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى

درجاتهم، ولكن قد يُشاركونهم في بعضها، كما قد يُشاركونهم في بعض أعمالهم. كرامات الأولياء لا تجعلهم معصومين وكرامات الصالحين [تدلّ] 1 على صحة الدّين الذي جاء به الرسول، لا تدلّ على أنّ الولي معصومٌ، ولا على أنّه يجب طاعته في كلّ ما يقوله.2
ومن هنا ضلّ كثيرٌ من النّاس من النّصارى وغيرهم3؛ فإنّ الحواريّين4، وغيرهم كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة، فظنّوا أنّ ذلك يستلزم عصمتهم كما يستلزم عصمة الأنبياء، فصاروا يُوجبون موافقتهم في كلّ ما يقولون.
النبي صارت طاعته واجبة بأمور وهذا غلطٌ؛ فإنّ النبيّ وجب قبول كلّ ما يقول لكونه نبيّاً [ادّعى] 5 النّبوّة، ودلّت المعجزة على صدقه، والنبيّ معصومٌ.
وهنا المعجزة6ما دلّت على النبوة بل على متابعة النبيّ وصحّة دين النبيّ، فلا يلزم أن يكون هذا التابع معصوماً.
من أسباب تأليف الكتاب ولكن الذي يحتاج إلى الفرقان الفرق بين الأنبياء وأتباعهم، وبين من خالفهم من الكفار والفجار؛ كالسحرة، والكهان، وغيرهم؛ حتى يظهر

الفرق بين الحقّ والباطل، وبين ما يكون دليلاً على صدق صاحبه؛ كمدّعي النبوّة، و [بين] 1 ما لا يكون دليلاً على صدق صاحبه؛ فإنّ الدليلَ لا يكون دليلاً حتى يكون مستلزماً للمدلول؛ متى وُجِدَ وُجِدَ المدلول، وإلاّ فإذا وُجِدَ تارةً مع وجود المدلول، وتارةً مع عدمه [فليس بدليل] 2.
فآيات الأنبياء وبراهينهم لا [توجد] 3 إلاّ مع النبوّة، ولا توجد مع ما يناقض النبوة.
ومدّعي النبوّة إمّا صادق، وإمّا كاذب.
والكذب يُناقض النبوة، فلا يجوز أن يُوجد مع المناقض لها، مثل ما يوجد معها.
وليس هنا شيءٌ مخالفٌ لها؛ [لا موافقٌ] 4، ولا مناقضٌ؛ فإنّ الكفر، والسحر، والكهانة، كلّ هذا يناقض النبوّة، لا يجتمع هو [و] 5 النبوة.
والنّاس رجلان: رجلٌ موافقٌ لهم، ورجلٌ مخالفٌ لهم.
فالمخالف مناقض.
الفرق بين جنس آيات الأنبياء وخوارق من خالفهم وإذا كان كذلك، فيُقال: جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور البشر، بل وعن مقدور جنس الحيوان.
وأمّا خوارق مخالفيهم؛ كالسحرة، والكُهّان؛ فإنّها من جنس أفعال الحيوان؛ من الإنس، وغيره من الحيوان، والجنّ؛ مثل قتل الساحر، وتمريضه لغيره؛ فهذا أمرٌ مقدورٌ، معروفٌ للنّاس بالسّحر، وغير السّحر؛

وكذلك ركوب المكنسة1، أو الخابية2، أو غير ذلك؛ حتّى تطير به، وطيرانه في الهواء من بلد إلى بلد؛ هذا فعلٌ مقدورٌ للحيوان؛ فإنّ الطير [يفعل] 3 ذلك، والجنّ تفعل ذلك.
وقد أخبر الله أنّ العفريت قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ 4؛ وهذا تصرّف في أعراض5الحيّ؛ فإنّ الموت، والمرض، والحركة أعراضٌ، والحيوان يقبل في العادة مثل هذه الأعراض، ليس في هذا قلب جنس إلى جنس، ولا في هذا ما يختصّ الربّ بالقدرة عليه، ولا ما يختصّ به الملائكة. وكذلك إحضار ما يُحضر من طعامٍ، أو نفقة، أو ثياب، أو غير ذلك من الغيب. [و] 6 هذا [إنّما هو] 7 نقل مالٍ من مكانٍ إلى مكانٍ. وهذا تفعله الإنس والجنّ، لكن الجنّ تفعله، والنّاس لا يُبصرون ذلك. وهذا بخلاف كون الماء القليل نفسه يفيض حتى يصير كثيراً، بأن ينبع من بين الأصابع من غير زيادة يُزادها.8
فهذا لا يقدر عليه إنسيّ ولا جنّي.

أخبار الأنبياء لا كذب فيها، بخلاف من خالفهم وكذلك الإخبار ببعض الأمور الغائبة، مع الكذب في بعض الأخبار.
فهذا تفعله الجن / كثيراً مع الكُهّان1، وهو معتادٌ لهم، مقدورٌ، بخلاف إخبارهم بما يأكلون، وما يدّخرون، مع تسمية الله على ذلك؛ فهذا لا تظهر عليه الشياطين.2

وبنو إسرائيل كانوا مسلمين يسمّون الله.1
وأيضاً: فخبر المسيح2، وغيره من الأنبياء ليس فيه كذب قط. والكهان لا بُدّ لهم من الكذب. والربُّ قد أخبر في القرآن أنّ الشياطين [تنزل] 3 على بعض الناس، فتخبره ببعض الأمور الغائبة، لكن ذكر الفَرْقَ، فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ 4. الحكمة من مسرى النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليريه الربّ من آياته.5
فخاصّة الرسول ليست مجرّد قطع هذه المسافة، بل قطعها ليريه الربّ من الآيات الغائبة ما يُخبر به.
فهذا لا يقدر عليه الجنّ، وهو نفسه لم يحتجّ بالمسرى على نبوته، بل جعله مما يؤمن به؛ فأخبرهم به ليؤمنوا به.

والمقصود إيمانهم بما أخبرهم من الغيب الذي رآه تلك الليلة، وإلاّ فهم كانوا يعرفون المسجد الأقصى، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَة المَلْعُونَةَ فِيْ القُرْآن﴾ 1. قال ابن عباس [رضي الله عنه] 2: هي رؤيا عين أُريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به.3
وهذا كما قال في الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ 4.
وكذلك ما يُخبر به الرسول من أنباء الغيب؛ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدَاً﴾ 5.
فهذا غيب الربّ الذي اختص به؛ مثل علمه بما سيكون من تفصيل الأمور الكبار على وجه الصدق، فإنّ هذا لا يقدر عليه إلا الله.
الفرق بين خبر الرسول وخبر الجنّ والجنّ غايتها أن تخبر ببعض الأمور المستقبلة؛ كالذي يسترقه الجن من السماء6، مع ما في الجنّ من الكذب، فلا بُدّ لهم من الكذب، والذي يخبرون به هو ممّا يُعلم بالمنامات وغير المنامات، فهو من جنس المعتاد للناس.

وأما ما يخبر الرسل من الأمور البعيدة الكبيرة مفصلاً؛ مثل إخباره: "إنكم تقاتلون الترك، صغار الأعين، ذُلْفُ الآنُفِ1، ينتعلون الشعر، كأنّ وجوههم المَجَانُّ المُطْرَقَة2"3، وقوله: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تُضيء لها أعناق الإبل ببُصرى4"5، ونحو ذلك.
فهذا لا يقدر عليه جني، ولا إنسيّ.

والمقصود أنّ ما يُخبر به غير النبي من الغيب معتادٌ، معروفٌ نظيره من الجن والإنس، فهو من غيب الله الذي قال فيه: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ 1. والآيات الخارقة جنسان: جنسٌ في نوع العلم، وجنسٌ في نوع القدرة.2
أقسام الخوارق فما اختصّ به النبيّ من العلم خارجٌ عن قدرة الإنس والجنّ، وما اختصّ به من المقدورات خارجٌ عن قدرة الإنس والجنّ.
خوارق الجنّ وقدرة الجنّ في هذا الباب3كقدرة الإنس؛ لأنّ الجن هم من جملة من دعاه الأنبياء إلى الإيمان، وأرسلت الرسل إليهم؛ قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّوْنَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ 4.

ومعلومٌ أنّ النبيّ إذا دعا الجن إلى الإيمان به، فلا بُدّ أن يأتي بآية خارجة عن مقدور الجنّ؛ فلا بُدّ أن تكون آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس والجنّ.
وما يأتي به الكاهن من خبر [الجنّ] 1 غايته أنّه سمعه الجني لمّا استرق السمع؛ مثل الذي يستمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون.
وما أعطاه اللهُ سليمانَ مجموعه يخرج عن قدرة الإنس والجنّ؛ كتسخير الرياح، والطير.
خوارق الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم وأما الملائكة: فالأنبياء لا تدعوا الملائكةَ إلى الإيمان بهم، بل الملائكة [تنزل] 2 بالوحي على الأنبياء، وتعينهم، وتؤيدهم.
فالخوارق التي [تكون] 3 بأفعال الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم، لا تكون للكفّار، والسحرة، والكُهّان.
ولهذا أخبر الله تعالى أنّ الذي جاءه بالقرآن مَلَكٌ لا شيطان؛ فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِيْ العَرْشِ مَكِين مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِين وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ 4، وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين ? عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِين﴾ 5، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدُسِ منْ رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ 6، وقال: ﴿قل مَنْ كَانَ

عَدُوَّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ 1، وقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ 2.
الواجب معرفة الفروق بين آيات الأنبياء وبين من خالفهم فينبغي أن يُتدبّر هذا الموضع، وتُعرف الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياء، وبين ما يشتبه بها؛ كما يُعرف الفرق بين النبي، وبين المتنبي؛ وبين ما يجيء به النبي، وما يجيء به المتنبي.
فالفرق حاصلٌ في نفس صفات هذا، وصفات هذا، وأفعال هذا، وأفعال هذا، وأمر هذا، وأمر هذا، وخبر هذا، وخبر هذا، وآيات هذا، وآيات هذا؛ إذ الناس محتاجون إلى هذا الفرقان أعظم من حاجتهم إلى غيره، والله تعالى يبيّنه، ويُيسّره.
ولهذا أخبر أنه أرسل رسله بالآيات البيّنات.
وكيف [يشبّه] 3 خير الناس بشر الناس.
ولهذا لما مثّلوا الرسول بالساحر، وغيره، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ 4.
وقد تنازع النّاس في الخوارق: هل تدلّ على صلاح صاحبها، وعلى ولايته لله5؟. هل الخوارق تدل على صلاح صاحبها أم لا؟ والتحقيق: أنّ من كان مؤمناً بالأنبياء،لم يستدلّ على الصلاح بمجرّد

الخوارق التي قد تكون للكفار والفسّاق، وإنّما يُستدلّ بمتابعة الرجل للنبيّ؛ فيُميّز بين أولياء الله وأعدائه بالفروق التي بيَّنَها اللهُ ورسوله؛ كقوله: ﴿ [أَلاَ] 1 إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ 2. وقد علق السعادة بالإيمان والتقوى في عدّة مواضع؛ كقوله لمّا ذكر السّحرة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ 3، وقوله عن يوسف: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ ? وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ للَّذِيْنَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ 4، وقوله في قصة صالح: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِيْنَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ 5 وهذه طريقة الصحابة والسلف. تنازع الناس في ولاية المعين على قولين وأمّا دلالتها على ولاية المعيّن: فالناس متنازعون؛ هل الوليّ والمؤمن من مات على ذلك؛ بحيث إذا كان مؤمناً تقيّاً، وقد عُلم أنّه يموت كافراً، يكون في تلك الحال عدوّاً لله؟ أو ينتقل من إيمان وولاية إلى كفر وعداوة؟. وهما قولان معروفان.6
فمن قال بالأول؛ فالوليّ عنده كالمؤمن [عند] 7 من علم أنه يموت

على تلك الحال، والخوارق لا تدلّ على ذلك.
ولهذا قال هؤلاء؛ كالقاضي أبي بكر1، وأبي يعلى2، وغيرهما: أنّها لا تدلّ.3
وأمّا من قال: الولاية تتبدّل؛ فالولاية هنا كالإيمان.
وقد يُعلم أنّ الرجل مؤمنٌ في الباطن، تقيّ بدلائل كثيرة، وقد يُطلع الله بعضَ الناس على خاتمة غيره.
فهذا لا يمتنع.
أقوال الناس في الشهادة لمعين بالجنة لكن هذا مثل الشهادة لمعين بالجنة، وفيها ثلاثة أقوال4: قيل: لا يشهد بذلك لغير النبي.
وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وعلي ابن المديني، وغيرهم.

وقيل: يشهد به لمن جاء به نص، إن1كان [خبراً] 2 صحيحاً؛ كمن شهد له النبيّ بالجنة فقط.
وهذا قول كثيرٍ من أصحابنا، وغيرهم.
وقيل: يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح3؛ كعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وغيرهما.
وكان أبو ثور4يشهد لأحمد بن حنبل بالجنّة.
وقد جاء في الحديث الذي في المسند: "يُوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار".
قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ"5.
وفي الصحيحين: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال: "وَجَبَت وَجَبَت".
ومُرّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها شراً، فقال: "وَجَبَت وَجَبَت".
فقيل: يا رسول الله! ما قولك: وجبت وجبت؟ قال:

"هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير، فقلت: وجبت لها الجنة.
وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً، فقلت: وجبت لها النار.
أنتم شهداء الله في الأرض"1.
وفي حديث آخر: "إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنتَ، فقد أحسنت.
وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأتَ، فقد أسأت"2.
وسئل عن الرجل: يعمل العمل لنفسه، فيحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" 3.
الثناء على رجل يعرف بأسباب والتحقيق: أنّ هذا قد [يُعلم] 4 بأسباب، وقد يغلب على الظن.
ولا يجوز للرجل أن يقول بما لا يعلم؛ ولهذا لما قالت أم العلاء الأنصارية5: لمّا قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم، فصار لنا عثمان بن مظعون6في السكنى، / فمرض، فمرضناه، ثم توفي، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي

أن قد أكرمك الله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " [وما يدريك] 1 أنّ الله قد أكرمه؟ ". قالت: لا والله، لا أدري.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير.
والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي ولا بكم".
قالت: فوالله لا أزكي بعده أحداً أبداً.
قالت: ثم رأيت لعثمان [رضي الله عنه] 2 بعد في النوم عيناً تجري، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ذاك عمله"3.
وأما من لم يكن مقراً بالأنبياء، فهذا لا يعرف الولي من غيره؛ إذ الولي لا يكون ولياً إلا إذا آمن بالرسل.
لكن قد [تدل] 4 الخوارق على أنّ هؤلاء على الحقّ، دون هؤلاء؛ لكونهم من أتباع الأنبياء؛ كما قد [يتنازع] 5 المسلمون والكفار في الدين؛ فيؤيّد الله المؤمنين بخوارق تدل على صحة دينهم؛ كما صارت النار على أبي مسلم6برداً وسلاماً؛ وكما شرب خالد السمّ7، وأمثال ذلك.
فهذه الخوارق هي من جنس آيات الأنبياء.
كل ما كان الإنسان أقرب إلى الإسلام فهو أقوى خوارق وقد يجتمع كفار، ومسلمون، ومبتدعة، وفجّار؛ فيؤيّد هؤلاء بخوارق تعينهم عليها الجنّ و [الشياطين] 8، ولكن جنهم وشياطينهم أقرب إلى

الإسلام؛ فيترجّحون بها على أولئك الكفار عند من لا يعرف النبوّات؛ كما يجري لكثيرٍ من المبتدعة، والفجّار، مع الكفّار؛ مثل ما يجري للأحمدية1، وغيرهم، مع عبّاد المشركين البخشيّة2 قدّام التتار3، كانت خوارق هؤلاء أقوى لكونهم كانوا أقرب إلى الإسلام.4

كلام الغزالي ينفع الفلسفي ويضر المسلم وعند من هو أحق بالإسلام منهم لا تظهر خوارقهم، بل تظهر خوارق من هو أتمّ إيماناً منهم.
وهذا يُشبه ردّ أهل البدع على الكفّار بما فيه بدعة؛ فإنّهم وإن ضلّوا من هذا الوجه، فهم خير من أولئك الكفار، لكن من أراد أن يسلك إلى الله على ما جاء به الرسول يضرّه هؤلاء، ومن كان [حائراً] 1 نفعه هؤلاء.
بل كلام أبي حامد2ينفع المتفلسف ويصير أحسن؛ فإنّ المتفلسف يُسلم به إسلام الفلاسفة، والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة.
وهذا [أردأ] 3 من هذا، بخلاف ذاك.

أنواع الخوارق والخوارق ثلاثة أنواع1: إمّا أن [تُعين] 2 صاحبها على البر والتقوى؛ فهذه أحوال نبيّنا ومن اتبعه؛ خوارقهم لحجّة في الدين، أو حاجةً للمسلمين.
والثاني: أن تعينهم على مباحات؛ كمن [يُعينه] 3 الجنّ على قضاء حوائجه المباحة؛ فهذا متوسط، وخوارقه لا ترفعه ولا تخفضه.
وهذا يُشبه تسخير الجنّ لسليمان [عليه السلام] 4.
والأول مثل إرسال نبيّنا إلى الجنّ يدعوهم إلى الإيمان؛ فهذا أكمل من استخدام الجنّ في بعض الأمور المباحة؛ كاستخدام سليمان [عليه السلام] 5 لهم في محاريبَ، وتماثيلَ، وجِفانٍ [كالجوابِ] 6 وقدورٍ راسيات، [اعملوا آل داود شُكراً] 7؛ قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ [كَالجَوَابِ] 8 وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْملُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرَاً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ 9، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير﴾ 10.
ونبيّنا أُرسل إليهم يدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ كما أُرسل إلى الإنس.
فإذا اتّبعوه، صاروا سعداء.
فهذا أكمل له ولهم من ذاك.

العبد الرسول أكمل من الملك الرسول كما أنّ العبدَ الرّسول أكمل من النبيّ الملِك.1
ويوسف، وداود، وسليمان [عليهم السلام] 2 أنبياء ملوك.
وأمّا محمّد [صلى الله عليه وسلم] 3 فهو عبدٌ رسولٌ؛ كإبراهيم، وموسى، والمسيح [عليهم السلام] 4.
وهذا الصنف أفضل، وأتباعهم أفضل.

أهل البدع أحوالهم من إعانة الشياطين والثالث: أن تعينه على محرمات؛ مثل الفواحش، والظلم، والشرك، والقول الباطل؛ فهذا من جنس خوارق السحرة، والكهّان، والكفّار، والفجّار؛ مثل أهل البدع من الرفاعية1، وغيرهم؛ فإنهم يستعينون بها على الشرك، وقتل النفوس بغير حق، والفواحش.
وهذه الثلاثة هي التي حرّمها الله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهَاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامَاً﴾ 2.
ولهذا كانت طريقهم من جنس طريق الكهّان، والشعراء، والمجانين - وقد نزّه الله نبيّه عن أن يكون مجنوناً، وشاعراً، وكاهناً3- فإنّ إخبارهم4بالمغيّبات عن شياطين تنزل عليهم كالكهّان، وأقوى أحوالهم لمؤلهيهم.
وهم من جنس المجانين، وقد قال شيخهم: إن أصحاب الأحوال منهم يموتون على غير الإسلام.
وأما سماعهم، ووجدهم فهو شعر الشعراء، ولهذا شبّههم من رآهم بعبّاد المشركين؛ من الهند الذين يعبدون الأنداد.

جارٍ التحميل